منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

إنما الأعمال بالخواتيم

أميمة الحسني

0

إن نصيب الإنسان من الدنيا عمره، فإن أحسن استثماره فيما ينفعه في الدارين ربحت تجارته، وإن أساء استثماره حتى لقي الله على تلك الخاتمة السيئة فهو من الخاسرين، أصدق أهداف العظماء يتجلى في تحققها النهائي كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ” إن العبد ليعمل في ما يرى الناس عمل أهل الجنة وإنه لمن أهل النار. ويعمل في ما يرى الناس عمل أهل النار وهو من أهل الجنة. وإنما الأعمال بخواتيمها“،[1] الخاتمة التي كانت تقلق الصالحينَ؛ بكى سفيان الثوري ليلة إِلَى الصباح، فلما أصبح قيل له: كُلُّ هَذَا خَوْفًا مِنَ الذُّنُوبِ؟، فَأَخَذَ تِبْنَةً مِنَ الْأَرْضِ، وَقَالَ: “الذُّنُوبُ أَهْوَنُ مِنْ هَذَا، وَإِنَّمَا أَبْكِي مِنْ خَوْفِ سُوءِ الْخَاتِمَةِ” [2] قَال ابن القيم رحمه الله “وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْفِقْهِ: أَنْ يَخَافَ الرَّجُلُ أَنْ تَخْذُلَهُ ذُنُوبُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَتَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَاتِمَةِ الْحُسْنَى”.[3] وهو من توفيق الله لعباده، قال رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ، فَقِيلَ: كَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: “يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ الْمَوْتِ“.[4]

وعند تمعننا في مقولة الفيلسوف الروسي فيودور دوستويفسكي، التي يقول فيها: “البدايات للجميع والثبات للصادقين”، نجدها متشربة من هذا المعنى النبوي الجامع؛ لأن كلام العظماء يختزل ما نعيشه في مفاهيم عميقة يفهمها الجميع وتجعل من سمعها شخصا ذا إرادة قوية. ومن الضروري أن لا ننسى أن مِن أخطر ما يهدد حياتنا في هذا العصر هو الوقوع تحت مقصلة الإحباط وانعدام الإرادة، والشعور بأن ما نقوم به مفتقد للمعنى. ومن ثم، يتوجب للوقاية من هذا الخطر، أن يكون لكل شخص رسالة هادفة يحيى من أجل تحقيقها. ومن أهم صور الثبات المداومة على الأعمال النافعة، حيث كانت أمنا عائشة إذا عملت العمل لزمته، وحين سئل رسول الله – صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: “أدومه وإن قلَّ[5]

هذا المعنى يترك في النفس الأثر الكبير أكثر مما تتركه الخطابات الطويلة. فكلنا نعشق البدايات ونَحِنُّ إليها فيما بعد، وكلنا نتساوى في البدايات ثم نتغير فيما بعد، لكن هل سنثبت جميعنا الى النهاية؟

الإجابة عن هذا السؤال قد تختلف من شخص ٍ لآخر. حيث أن تحديد هذه الرسالة قد تكتنفها صعوبات، وقد يضطر المرء إلى التغيير والتعديل فيها أكثر من مرة، غير أن هذه الصعوبات من طبيعة الأشياء، فلا ينبغي أن تكون باعثة على اليأس أو الإحباط.

ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يكثر من الدعاء بالتثبيت، وكان يكثر من قول هذا الدعاء: “يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ” فجاء فقال أحد الصحابة: يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال”:نعم إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء[6]، هكذا كان خير خلق الله يخشى من تقلب القلب، يخشى من سوء المصير، يخشى من تغير الحال قبل الموت.

المزيد من المشاركات
1 من 43

والثبات مظهر بارز من مظاهر الاستقامة؛ لأن المذبذب المتقلب لا يقدر على الثبات، ولا يقوى على الاستقامة، فقد كان الواحد من الصحابة يقول: يا رسول الله حدثني بعمل أستقيم عليه وأعمله، فأجابه بأوجب الواجبات وقتها، “عليك بالهجرة فإنه لا مثل لها” ولكل زمان ومكان واجباته التي تتغير بتغير الأحداث.

والاستقامة هي القيام على أمر الله فلا يضيع، والقيام على حدود الله فلا تنتهك. المستقيم من استقام بقلبه فلم يلتفت إلى غير الله، والدليل على حسن خاتمة، قوله تعالى: “إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ “.[7]

ومن طبيعة النفس أن تكره النهايات، لأنها تحمل في طياتها حقيقة الحياة التي هربنا منها في البداية، وتُذكرنا النهايات الصغيرة التي ترمز إلى انتهاء حقبة من أعمارنا بالنهاية الكبيرة التي ينتهي عندها العمر كله، فلنجعل العمر في استقامة وثبات.

من الناس من يقف بدايات الأعمال فقط فلا ينتهي به الأمر إلى شيء، ومنهم من يعيش التجارب من البداية إلى النهاية ويصبر لأنه يضع صوب عينيه النهاية العظيمة والهدف الأسمى والمعنى الذي لا يفنى، والذي يحتاج منه تكرار الشيء مرات ومرات والثبات على المداومة عليه أياما وشهورا وسنوات بل العمر كله.


[1] – رواه البخاري.

[2] – أبو إسحاق الفزاري، كتاب السير، ج5، ص: 358.

[3] – ابن القيم الجوزية

[4] رواه البخاري

[5] – رواه مسلم.

[6] – رواه الترمذي: 2140، وابن ماجه: 3834، وأحمد: 12128.

[7] – سورة فصلت، الآية: 30

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.