منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تقنين القنب الهندي (الكيف) بين رفض الفقهاء وقبولهم

عثمان غفاري

0

 

عاد موضوع تقنين زراعة وإنتاج القنب الهندي أو الحشيش المعروف في المغرب باسم «الكيف»     إلى الواجهة، بعد أن طرح وزير الداخلية مشروع قانون رقم 13.21 المتعلق بالاستعمالات المشروعة للقنب الهندي، والذي تبنته الحكومة بإدراجه ضمن جدول أعمال مجلسها المنعقد يوم الخميس 25 فبراير 2021، قبل أن تؤجل المصادقة عليه إلى المجلس الحكومي القادم لاستكمال المناقشة.

قانون أثار جدلا واسعا في الأوساط العلمية والمجتمعية ما بين مؤيد متحمس ومتحفظ متوجس، فرغم الجهود المضنية التي بذلتها السلطات المغربية ومنذ عقود لتفسير وتبرير هذا الخيار الصعب، بالاستناد للاتفاقيات الدولية حينا باعتبارها تشريعات ملزمة للمغرب، وحينا آخر لمطالب إنسانية اجتماعية من قبيل الوضعية الهشة للمزارعين الذين يعانون الفقر والمتابعة الأمنية لأكثر من 40 ألف مطارد(ة)، لكن تبقى من أكثر المستندات التي حرصت الدولة على توظيفها لتبرير توجهاتها نحو تقنين القنب الهندي، هو الرأي الفقهي لإضفاء المشروعية الأخلاقية والدينية على هذه القرارات السياسية لإقناع عموم الشعب المغربي المحافظ المتحفظ.

وفي هذا الصدد نجد أن المقترح قديما وحديثا قد أثار الكثير من الجدل وحفيظة البعض، وخاصة علماء الدين الذين اعتبروا أن الهدف من القانون هو نشر الحشيش في أوساط الشباب المغربي. فقد دعا الدكتور مصطفى بنحمزة، عضو المجلس العلمي الأعلى، للتصدي لهذه المبادرة إبان النقاش الذي أثير سنة 2015 في قبة البرلمان ، لأنها برأيه “تتناقض مع الشريعة الإسلامية” وقال: “إن الأمر يتعلق بمحاولة تتخذ غطاء طبيا، ولكن هدفها الخفي هو تشريع استهلاك الحشيش في المغرب” ، وأوضح أن المبادرة تتناقض مع الشريعة الإسلامية بناء على قاعدة “ما يسري على الكثير يسري على القليل”، فالقنب الهندي من وجهة نظره متوافر بمقاهٍ معينة وبأماكن خاصة حتى وهو ممنوع بموجب القانون فما بالك لو قنن، لافتاً إلى أن «درء الضرر مُقدَّم على جلب المصلحة»، وقال متحدثاً لـ «القدس العربي» أن الحديث عن تقنين وتثمين «القنب الهندي» يتجدد كلما اقترب موعد الانتخابات وفق تعبيره، لافتاً إلى أن مناطق الجنوب الشرقي مثلا زاخرة بالأعشاب الطبية التي لا تُستثمَر ولا تُستغلّ ولا يتحدث عنها أحد، رغم ثبوت فوائدها الجمة بالأدلة و الدراسات العلمية.

في حين دعا الدكتور أحمد كافي أحد الباحثين في العلوم الشرعية، وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ، في مقالة نشرها بعنوان رؤية شرعية في مشروع القانون المغربي الشعب المغربي  إلى السعادة بمثل هكذا قرار بقوله: “علينا أن نسعد وأن نفرح بمشروع قانون استعمالات القنب الهندي من خلال هذا التحول من الحرام، الذي كنا ولا نزال لم نغير رأينا في أن ما يعد لعالم المخدرات حرام قطعا” ، مذكرا بأن الرؤية الشرعية التي تحترم وتعلي من شأن العلم ، تحتاج في هذه المسألة إلى قول أهل الخبرة الطبية، فإن الفقيه لا يتقدم على الطبيب، وإنما يأتي بعده. فإذا قال الطب هذه النبتة فيها مضار، قال الفقيه بالمنع والتحريم، وإذا قال الطب إن فيها منافع، قال الفقيه: إنها جائزة ومباحة غير محرمة. وإذا قال الطب: إنها إذا استعملت هاهنا تكون المنافع، وإذا استعملت هاهنا تكون المضار، قال الفقيه: الإباحة للمنافع، والتحريم للمضار. فمن استعملها فيما يجلب المنافع فهو على سداد من دينه ودنياه، وإن استعملها فيما يجلب المضار، فهو على معاكسة لدينه ودنياه.

المزيد من المشاركات
1 من 14

واستند الدكتور كافي في فتواه إلى مجموعة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والقواعد الفقهية الأصولية، زاعما أن دافعه للقول بالإباحة هو أن “ تحويل المحرمات عندنا في الإسلام إلى مباحات مأخوذة بعين الاعتبار في استبصار الحكم الشرعي في قواعد الشريعة الإسلامية وموازينها” ولهذا يقول  وجدنا أهل العلم يتكلمون عن الاستحالة في المحرمات في كتب الأصول والفقه بقولهم : “إن الخمر حرام مادام خمرا يكون منه المفاسد التي لا تنتهي مما لا تنكره الفطرة الإنسانية اليوم ولا الأمس، فإذا تحول هذا الخمر إلى خلٍّ أصبح حلالا”  لأن الحكم عندنا تابع لعلته ودائر معها حيثما وجدها، فإذا انتفت علة التحريم انتفى ذلكم الحكم، وعادت الأمور إلى أصلها في الأشياء، وهو: الإباحة، فالعلماء حسب تعبيره أجمعوا على القول بأن النباتات غير محرمة لذاتها، بل هي تابعة لاستعمالاتها. فالتحريم والحلية تابعان للاستعمال.

ليختم رأيه بارتياحه لما تضمنه القانون من ضمانات تجعلنا نطمئن لحسن المآلات مثل اشتراطه تفويت المحصول إلى الشركات التي ستتأسس في المجالات الطبية والصناعية، وأن شرط التسليم يجب أن يكون بمحضر لجنة تتكون من ممثلي الوكالة والسلطات الإدارية المحلية والسلطات الأمنية المختصة، وإذا كان من فائض في الإنتاج يفوق حاجة هذه الشركات فإن هذه اللجنة تقوم بإتلافه حتى لا يستعمل في الأغراض المحرمة. وتُلزم هذه اللجنة بتحرير محضر في التسليم والإتلاف، لكل ذلك يقول الدكتور كافي: علينا أن نسعد بالقانون ونشجع عليه ولا نتردد في الفتوى بجوازه وإباحته، دون التفات إلى من ينزع في قضايا الخلاف إلى المنع والتحريم، مخالفة منه للأصل الذي جاءت الشريعة به، وتضييقا على الناس فيما فيه متسع ومندوحة، فإن الفقيه هو الذي يجتهد في نقل الناس من الحرام القاطع إلى المباح، فإن وجد لهم وسعا في الخلاف فمعيب عليه أن يختار لهم الشدة قولا يفتيهم به.

لكن هذا الرأي حسب الدكتور فؤاد بلمؤذن أستاذ التعليم العالي بجامعة أبي شعيب الدكالي، وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، مبني على تخريج المسألة على تحول الخل خمرا أو ما يسميه الفقهاء بالاستحالة لكن نحن هنا لسنا إزاء مادة متحولة بل متعددة الاستعمال كالسكين ونحوه. مستطردا بأن القول باستعمالات القنب الهندي طبيا قديم، لكنه لم يجد طريقه نحو الشرعنة لأن “الجميع يعرف أن القنب الهندي موضوع سياسي واقتصادي يتجاوز الديني والأخلاقي”، مدعيا أن دعاة التقنين يغفلون عن باقي قواعد النظر والاستنباط المقصدي ومنها مآلات الإباحة وما يستدعيه النظر في الواقع والمحل من وراء فتح الذريعة أو إغلاقها، كما يغفلون عن السياقات التي تحيط بالموضوع وهي كالآتي:

  • السياق العالمي الذي يعرف زيادة للطلب على مخدر القنب الهندي بصورة جنونية بسبب رخص ثمنه مقارنة بباقي أنواع المخدرات، وبسبب ما أحدثته كورونا من توتر نفسي شديد لدى المجتمعات البشرية.
  • السياق المحلي الذي يعرف تواطؤا شبه رسمي للاستفادة من ريع الكيف بطريقة ظلت لعقود خارج القانون، ويتم الآن البحث عن تكييف قانوني لرفع الحرج تماشيا مع سياسة الدولة الأخيرة في رفع الحرج عن عدد من السياسات القديمة الموروثة ومنها التطبيع وإغلاق باب سبتة. وعليه فالتعامل بحسن النية مع هذه النازلة كما لو أننا في زمن الخلفاء الراشدين إما ينطوي على سذاجة أو جهل مطبق بحقيقة نوايا هذه الحكومات الفاسدة والتي لا ينبغي الاطمئنان لأي من قراراتها لاسيما ذات الأثر الخطير كزراعة مخدر الكيف، فالقول بالمشروعية بهذه السرعة دون استحضار السياقات وتاريخ النقاشات في الموضوع خطير جدا، لأنه يوفر غطاء مفقودا لدى الفاسدين لرفع الحرج عنهم وتخليصهم من ورطة موروثة. وهو نفس الرأي الذي ذهب إليه الإعلامي عبد الصمد بنعباد بقوله: “لا يختلف مسلمان على أن “الضرورة” و”الاضطرار” و”الإكراه”. موجبات لقلب الحكم من الحرام إلى الحلال في الحالة المخصوصة والنازلة المعنية، دون زيادة أو نقصان لكن القضية ليست هنا” فحسب بنعباد فليست قضية تقنين الكيف دائرة بين الحلال والحرام، بل هي مجال صراع قيم إسلامية أخرى هي العدل الذي يقابل الظلم، والكذب الذي يقابل الصدق، والتدليس الذي يقابل الوضوح، والعدالة التي تقابل التطفيف، والحق الذي يقابل الباطل، والواجب الذي يقابل الممنوع، ومسؤولية الدولة عن المجتمع التي تقابل تخليها عنه.

هذا وذهب الإعلامي الكبير إلى أن النازلة كشفت عن أزمة العقل المسلم/ الإسلامي، الذي ما زالت قراءته للعالم مسكونة بثنائية الحلال والحرام، واختزال دين الله خالق العالمين في هذه الثنائية، ومحاولة تنزيلها على جميع القضايا والإشكالات.، معتبرا هذا التقييد لحركة الإنسان المسلم، في هذه الثنائية، إساءة له وللقضايا التي يبدي رأيه فيها، برغبة منه أو تحت الطلب. فقضية الكيف من وجهة نظره متعلقة بحقوق المجتمع على الدولة، متعلقة بمسؤولية الدولة عن مزارعي الكيف، بتفويت الدولة “إنسان” مناطق زراعة الريف إلى “الشركة”، ونقل هذا الإنسان من بطش السلطة إلى جشع الشركات.. متعلقة بمدى احترام الدولة لإنسانها وعدم التدليس عليه والتغرير به، خاتما مقاله بقوله: “إن صاحب الرأي الشرعي، العالم بالحلال والحرام مفيد للمجتمع، لكنه سيكون أكثر فائدة لو فتح عينه على الدنيا وقضاياها، وعن موقع الإنسان في سياسة الدولة، وبيع الوطن للشركات.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.