منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الندوة التربوية..قراءة في كتاب: سؤال القيمة المركزية والقيم الناظمة في منهاج مادة التربية

عبد الله اد اجنان وذ.اسماعيل مرجي / الندوة التربوية..قراءة في كتاب: سؤال القيمة المركزية والقيم الناظمة في منهاج مادة التربية

0

الندوة التربوية..قراءة في كتاب:

سؤال القيمة المركزية والقيم الناظمة في منهاج مادة التربية

من التصور المنهاجي إلى التنزيل الديداكتيكي

إعداد: عبد الله اد اجنان وذ.اسماعيل مرجي

إسهاما منها في مقاربة موضوع القيم في مادة التربية الإسلامية نظمت مجموعة علوم التربية وديداكتيك التربية الإسلامية وبتنسيق مع مركز مداد للأبحاث والدراسات الندوة التربوية السادسة ضمن برنامجها التكويني:” قراءة في كتاب” في موضوع :” قراءة في كتاب: سؤال القيمة المركزية والقيم الناظمة في منهاج مادة التربية الإسلامية من التصور المنهاجي إلى التنزيل الديداكتيكي” للمؤطر التربوي ذ: عبد المنعم الدقاق. وذلك يوم السبت 12 يونيو 2021م، عبر تطبيق مايكروسوفت التيمز وعلى صفحتي المجموعة والمركز على الفايس، وكان برنامج الندوة على النحو التالي:

المداخلة               المحتوىالمؤطر
1        الافتتاح بآيات بينات من الذكر الحكيم المقرئ ذ. عبد الرزاق بنعتو
2        كلمة ترحيبية وكلمة شكر للجهة المنظمة من طرف مسير الندوة. د. رشيد البقالي
3        سياق الحديث عن القيم والتصور المنهاجي للقيم، وصعوبات وتحديات التربية على القيم ذ. عبد المنعم الدقاق
4        قراءة في محتوى الكتاب ومنهجه ذ. محمد صنهاجي.
5        رؤية الكتاب للاشتغال الديداكتيكي على القيم في الممارسة الصفية.ذ. محمد فارس.
6        الأسئلة والمداخلات والردود المسير، المتتبعون، المحاضرون.

 

افتتحت الندوة بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم من طرف المقرئ الأستاذ عبد الرزاق بنعتو، وبكلمة ترحيبية بالمتتبعين للندوة، وكلمة شكر للجهة المنظمة تقدم بها مسير الندوة السيد الدكتور رشيد البقالي أستاذ التعليم العالي ومؤطر التربوي لمادة التربية الإسلامية، ليمرر الكلمة للسيد عبد المنعم الدقاق مؤلف الكتاب والمؤطر التربوي لمادة التربية الإسلامية.

 

المداخلة الأولى

سياق الحديث عن القيم والتصور المنهاجي لها، وصعوبات وتحديات التربية على القيم للمؤطر التربوي عبد المنعم الدقاق

تناول الأستاذ الدقاق مداخلته من خلال نقط ثلاث :

      • النقطة الأولى: سياق الحديث عن القيم في منهاج التربية  الإسلامية :

مميزا في ذلك بين السياق العام والخاص، فالسياق العام:

  • الترويج لفكرة التصادم بين القيم والعلم مما جعل العديد من المفكرين يطلقون نداءات تنبه إلى ضرورة  التربية على القيم استرجاعا لكينونة الإنسان؛
  • الصراع القيمي الحضاري؛
  • ضمور البعد القيمي في الإنسان المعاصر وطغيان الجانب التنقني الآلي.
  • الاستغراب الذي أصبح يعيشه الإنسان المعاصر عن ذاته على المستوى القيمي؛
  • انتشار سلوكات وانحرافات جعلت المفكرين والباحثين والتربويين والعلماء يدقون ناقوس الخطر، ويدعون إلى ضرورة إعادة التمكين للبعد للقيمي في بناء الإنسان المعاصر؛

أما  السياق الخاص:  المناهج الدراسية ومنهاج مادة التربية الإسلامية خاصة:

  • اعتبار المدرسة إحدى مؤسسات التنشئة الاجتماعية التي من أهم وظائفها: الاضطلاع بدور تربية المتعلمين على قيم المجتمع ومعاييره؛
  • التركيز في بناء المناهج الدراسية على إدماج البعد القيمي عوض الاكتفاء بالمعارف والمهارات؛
  • تبني المنهاج الدراسي المغربي لمدخل التربية على القيم بشكل صريح ورسمي؛
  • قلة الكتابات المتعلقة بمعالجة موضوع التربية على القيم من الناحية الديداكتيية . بناء وتقويما.
  • تصريح منهاج مادة التربية الإسلامية الحالي الصادر سنة 2016 على مجموعة من القيم الأساسية التي يستهدفها، يمكن القول أنها تشكل التصور المنهاجي لمنظومة القيم في مادة التربية الإسلامية.

وناقش الأستاذ الدقاق مسألة في غاية الأهمية حيث تساءل : هل أن المناهج السابقة لمادة التربية الإسلامية لم تكن تستحضر الجانب القيمي؟ موضحا أن الجانب القيمي حضر في المناهج السابقة، لكن دائرة الحضور ونسبتها وبروزها بشكل جلي اختلفت من منهاج   للآخر.

فمنهاج 1990 لمادة التربية الإسلامية: كانت  القيم حاضرة  بشكل مضمر في دروس في علم أصول الفقه، وعلوم القرآن، والحديث، والفقه، والسيرة..

ومنهاج سنة 2000 مع اعتماد  نظام الوحدات ومقاربة الكفايات ومدخل التربية على القيم اتجه منهاج مادة التربية الإسلامية نحو الموضوعات القيمية، غير أن هذا المنهاج لم ينص على قيمة كبرى أوقيما معينة يستهدفها المنهاج.

فجاء منهاج مادة التربية الإسلامية الحالي 2016. بعد صدور البلاغ الملكي بمدينة العيون بتاريخ 6 فبراير 2016. الذي تضمن قرارة جلالته على ضرورة مراجعة برامج ومقررات تدريس التربية الدينية في المدارس العمومية والخصوصية، وكذا مؤسسات التعليم العتيق، وأكد البلاغ على ضرورة إعطاء أهمية أكبر للتربية على القيم الإسلامية السمحة، والقيم الأصيلة للشعب المغربي، وعلى التفاعل الإيجابي  والانفتاح على مجتمع المعرفة وعلى مستجدات العصر.

فتضمن المنهاج الحديث عن منظومة قيمية. تتشكل من  قيمة مركزية وقيم ناظمة. و لاشك أن  هذه القيمة  ستنعكس على  طبيعة  اختيار مفردات المنهاج في مختلف الأسلاك والمستويات، حيث سنلاحظ أن العديد من مفردات المنهاج ( الموضوعات) ستكون ذات طبيعة قيمية محضة. في مختلف المداخل ، فضلا على أنه حتى باقي المفردات الأخرى تتضمن أبعادا قيمية بشكل ضمني ومضمر.

ومثّل الأستاذ الدقاق لتلك الموضوعات القيمية بأمثلة منها:

في السلك الإعدادي:

في الأولى إعدادي:  التوحيد والإخلاص ـ قيمة الإتقان عبادة وعملا قيمة النظر والتفكر.

وفي الثانية إعدادي : قيمة التحلي بالمسؤولية في مدخل  الحكمة وقيمة الاحسان إلى الحيوان في مدخل القسط ـ

وفي الثالثة إعدادي: قيمة التخطيط والتنظيم وقيمة الإيثار والتضحية وقيمة السلم والتعايش في مدخل الاقتداء ـ  وقيمة التعارف والتعايش في مدخل الحكمة.

 وفي السلك الثانوي التأهيلي: سنلاحظ. أن الموضوعات القيمة ستبرز بشكل أوضح  مقارنة بموضوعات السلك الإعدادي.

 فمثلا في الجذع المشترك: سنجد قيمة الشكر في مدخل القسط، وقيمة القناعة والرضا في مدخل الحكمة ، وقيمة الاستقامة في مدخل القسط، وقيمة النصيحة في مدخل الحكمة،  وقيمة الإصلاح في مدخل القسط.

وفي الأولى باكالوريا : نجد: عناوين دروس: ( ـ قيمة الوفاء بالأمانة والمسؤولية في مدخل القسط، وقيمة الكفاءة والاستحاق في مدخل الحكمة، والرسول صلى الله عليه وسلم مفاوضا ومستشيرا ( قيمة التفاوض والاستشارة) وفي مدخل القسط  قيمة الصبر واليقين) في مدخل الحكمة ( العفو والتسامح) في مدخل الاقتداء  البذل والحياء/ قيمة العمران في درس الإيمان وعمارة الأرض في مدخل التزكية/ قيمة العفة والحياء في مدخل القسط / قيمة التوسط والاعتدال في مدخل القسط …

وفي الثانية باكالوريا: نجد أيضا عناوين من قبيل :  قيمة التوحيد والحرية/ الاعتزاز بالإسلام/ الوسطية والاعتدال/ الرحمة والرفق/ النظر والتفكر…

      • النقطة الثانية: التصور المنهاجي لمنظومة القيم وعلاقته بمقاصد المنهاج ومداخله:

            أولا: مكونات التصور المنهاجي:

أوضح المؤطر التربوي أن التصور المنهاجي للقيم في المادة يتكون من قيمة مركزية: وهي التوحيد، وقيم ناظمة وهي : الحرية، والاستقامة، والإحسان، والمحبة، وناقش الأستاذ مسألة في غاية الأهمية وعبر عنها بالسؤال التالي: لماذا تم اختيار هذه القيم بالذات ؟

وفي معرض الإجابة عن سؤاله هذا قرر أمورا في البداية منها:

  • القيم واحدة لها نفس المكانة والأهمية. لافرق بين قيمة الحياء، وقيمة الصدق.
  • بعض الأمم والمجتمعات قد يتم التركيز على قيم معينة نظرا للحاجة الماسة إليها في ظل ظروف وأوضاع معينة، أو نظرا لثقافة مجتمعية معينة.
  • تفاوت القيم من حيث  اتساع دائرتها وشمولها. بحيث نجد أن بعض القيم تعتبر من أمهات القيم من حيث كونها  تتفرع عنها جملة من القيم التي تتربط بها وتخدمها.

وبناء على هذا فقيمة التوحيد هي قيمة مركزية أساس باقي جميع القيم في المنظومة الإسلامية، منها تستمد باقي القيم الإسلامية مشروعية مضامينها، وهي  قيمة مؤطرة لجميع التشريعات والأحكام  في جميع المجالات، وقيمة التوحيد هي حاضرة في جميع مفردات المداخل، تارة بشكل مباشر، وتارة بشكل ضمني مضمر.

والقيم الناظمة: سميت بالناظمة كونها  تعد من القيم الكبيرة التي تتميز باتساع دوائرها بحيث تتفرع عنها قيم أخرى  تعززها وتقويها وتخدمها. فهي تنظم تحتها قيم فرعية.

فقيمة الحرية مثلا: هي قيمة كبرى المتفرعة والمترتبة عن قيمة التوحيد في المنظور الإسلامي، حيث  تتحقق قيمة حرية الإنسان بتحقق الإنسان بقيمة التوحيد وإخلاص العبودية لله تعالى،  وعنها تتفرع قيمة الكرامة، والمساواة، والمسؤولية، والعفة، والحياء.  وهي قيمة تروم بناء الإنسان المستقل المسؤول عن أفعاله وسلوكاته واختياراته.

وقيمة الاستقامة: هي الأخرى كذلك تعد من أمهات القيم الإسلامية، وما الدين سوى الاستقامة على العقيدة الصحيحة، والتشريعات الربانيية في جميع المجالات كما قالى تعالى مخاطبا نبيه الكريم وعبره جميع المؤمنين :” فاستقم كما  أمرت”. وهي قيمة تتفرع عنها جملة من القيم منها مثلا: المسؤولية، الموضوعية، العدل، النزاهة، الكفاءة، الاستحقاق، الأمانة، الوفاء. وهي قيمة تسعى إلى جعل العبد مستقيما في علاقته مع الله تعالى، ومستقيما في علاقته  بغيره من الناس.

وقيمة الإحسان: لاشك أنها تعد كذلك من أمهات القيم الإسلامية التي تتفرع عنها جملة من القيم: وهي قيمة حاضرة في  جميع المجالات: الاحسان في العبادة، الإحسان في التعامل مع الناس، الإحسان في الأقوال والأفعال، الإحسان إلى البيئة بكل عناصرها، الإحسان إلى النفس. فهي إذن قيمة كبيرة.  تحضر في جميع المداخل.

وقيمة المحبة: وهي من القيم لكبرى التي تدفع الإنسان إلى المبادرة والنفع. وتتفرع عنها مجموعة من القيم من قبيل قيم: الرحمة، والايثار، والتضحية، والتكافل، والتعاون، والنصح، والنفع، والمبادرة إلى فعل الخير، والعفو والتسامح، والبذل.

ثانيا : علاقة القيم بالمقاصد في المنهاج

حاول الأستاذ الدقاق أن يعالج إشكالية علاقة القيم بمقاصد التربية الإسلامية في المنهاج الحالي، منطلقا في ذلك من تعريف المقاصد، معتبرا إياها: غايات كبرى لما يهدف المنهاج تحقيقه، كما أن المقاصد هي التي تبين حقيقة التكاليف الشرعية، وتعطي المعنى للمعرفة الشرعية عند المكلف، وبناء عليه، فالقيم باعتبارها محددا لاختيار المضامين، لها صلة وثيقة بالمقاصد، فهي تساهم في إعطاء المعنى لما يقدم للمتعلم من مضامين وما ينجزه من أنشطة تعليمية تعلمية، وهكذا نجد قيمة التوحيد والحرية خادمة لتحقيق المقصد الوجودي، ذلك أن هذا المقصد ينبني على أساس أن الوجود الحق هو وجود الله تعالى وغيره تبع لوجوده، وأن الإنسان يستمد حريته الحقيقية من الإيمان بالله تعالى وحده وإفراده بالعبودية…

أما قيمة الاستقامة، فترتبط بالمقصد الكوني نظرا لتعلق تحقق هذا المقصد بشخص الرسول صلى الله عليه وسلم، باعتباره النموذج البشري الكامل، والقدوة الحسنة وخاتم الأنبياء ورسول رب العالمين، وعلى هذا الأساس تكون الاستقامة التامة في كمال إتباع للنموذج الكامل صلى الله عليه وسلم باعتباره خير من تمثل قيم الإسلام في أبهى صورها وحقيقتها في جميع المجالات.

أما المقصد الحقوقي، فيرتبط بقيمة الإحسان، نظرا للعلاقة التي تربط هذه القيمة بما أشار إليه المنهاج من انبناء هذا المقصد على قيم حقوقية كبرى وهي الحرية، والقسط، والمساواة، والكرامة، والقصد من ربط قيمة الإحسان بالمقصد الحقوقي، هو إبراز أن القيم الحقوقية في الإسلام يجب أن تتجاوز منطق العدل والمشاحة في الإيفاء والاستيفاء إلى منطق الإحسان التي تقتضي الإتقان في أداء الحقوق، والوفاء بها بنفس راضية، سواء تعلق الأمر بحقوق الله، أو بحقوق النفس، أو بحقوق الغير والمحيط، أما المقصد الجودي، فله علاقة وثيقة بقيمة المحبة، لأن المبادرة لتحقيق النفع للفرد والمجتمع، والإحسان والتضامن والتعاون وإصلاح المحيط، لن يتم تمثله إلا إذا كانت قيمة المحبة مهيمنة على قلب المؤمن، لتجعل من سلوكاته وكافة أفعاله متجهة لخدمة من تعلق قلبه بمحبتهم، فيكون العطاء بغير مقابل، منتظر، سوى مرضاة الله تعالى.

 ثالثا: علاقة القيم بمداخل المنهاج

بعد أن بين الأستاذ الدقاق علاقة القيم بالمقاصد من جهة، تناول هنا علاقة القيم بالمداخل من جهة ثانية، فقد تم بناء المنهاج الدراسي لمادة التربية الإسلامية لجميع المستويات الدراسية، بجميع الأسلاك، وفق مداخل خمسة رئيسية، وهي: مدخل التزكية، والاقتداء، والاستجابة، والقسط والحكمة.

فمدخل التزكية: عرفته وثيقة المنهاج بما يلي: يقصد بها تزكية النفس وتطهيرها بتوحيد الله تعالى وتعظيمه ومحبته. يتضح إذن من خلال هذا التعريف أن هذا المدخل يخاطب الجانب الفكري والوجداني لدي المتعلم، ويستهدف بناء الإنسان من الداخل، وغرس قيمة التوحيد والحرية في قلبه ووجدانه من خلال القرآن الكريم والعقيدة الإسلامية الصحيحة.

ومدخل الاستجابة: يتعلق هذا المدخل بالجانب العملي من الشريعة المتمثل في العبادات والمعاملات والتي تم التركيز فيها على جانبها المقاصدي الذي يتمثل في الترقي وتطهير الجسم والقلب.

ومدخل الاقتداء: مما جاء في تعريفه أنه يقصد به:” معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال وقائع السيرة وشمائله وصفاته الخلقية والخلقية باعتباره النموذج البشري الكامل قصد محبته واتباعه والتأسي به لنصرته وتعظيمه وتوقيره؛ ويركز هذا المدخل على جانب التربية من خلال تقديم القدوة للمتعلم من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره أكمل من طبق تعاليم الإسلام. وهكذا يساهم مدخلا الاستجابة والاقتداء في غرس قيمة الاستقامة لدى المتعلم من خلال تقديم الرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره خير من تمثل أحكام الإسلام في جميع المجالات، وتجلت فيه قيمة الاستقامة في أسمى مظاهرها.

ومدخل القسط: هذا المدخل الحقوقي يقصد به تعرف المتعلم على مختلف الحقوق: حق الله في التعظيم والتنزيه، وحق النفس في التربية والتهذيب، وحق المخلوقات في الإصلاح والرعاية، وحق الخلق في الرحمة والنفع والنصح. من منظور الرحمة والرعاية والإتقان في الاستحقاق والأداء، عوض المشاحة والمطالبة التي تقوم على الصراع، وهو مدخل يسعى إلى جعل المتعلم يتربى على قيم العدل وأداء الحقوق والدفاع عنها من منطلق إيماني وإحساني في الوفاء بها.

ومدخل الحكمة: هذا المدخل يمثل أجرأة عملية لمقصد المنفعة بما يخدم المحيط العام والخاص، اعتمادا على المبادرة والإيجابية لتعميم النفع وخدمة الآخر، انطلاقا من قيم الرحمة والتضامن والإحسان لتكتمل صفة الإيمان. وهكذا يتبين بأن مدخلي القسط والحكمة متضمنان لقيمتا الإحسان والمحبة؛ ذلك أن الإحسان متضمن لمعاني أداء الحقوق على وجهها الأكمل، وكذلك الأمر بالنسبة لقيمة المحبة، إذ ليس من سبيل إلى تربية الفرد على المبادرة والايجابية وتعميم الخير إلا بحصول المحبة للخلق، لتصبح محبة الخير نابعة من حبة الخلق

وخلص المؤطر التربوي الدقاق إلى أن استحضار علاقة القيمة المركزية والقيم الناظمة للمنهاج وما يتفرع عنها من القيم وربطها بمقاصد المادة ومداخلها يعطي صورة متكاملة عن المنهاج ويوضح منطقه الداخلي، معتبرا أن هذا الاستحضار سيؤدي حتما إلى ترشيد الممارسات الديداكتيكية والبيداغوجية ويعطي معنى للتعلمات بالنسبة للمتعلم.

      • النقطة الثالثة: تحديات وصعوبات التربية على القيم:

أبرز الأستاذ الدقاق بعض التحديات والصعوبات التي تواجه عملية تعليم وتعلم القيم، موضحا أن هذه التحديات تختلف مصادرها وتتعدد سماتها، فمنها ما يرتبط بالإطار الثقافي العام، ومنها ما يتعلق بالمناهج والعملية التعليمية التعلمية، ومثل لتلك التحديات والصعوبات بأمثلة منها:

  • مشكلة الصراع القيمي: تطرح مشكلة الصراع القيمي مشكلة رئيسية في تعلم القيم واختيارها وتمثلها، وتتفاقم مشكلة الصراع القيمي عندما تتلازم مع ضعف عمليات التوجيه والتربية والتعليم، وترك الناشئة يواجهون صراعاتهم ومشكلاتهم وحيدين بما لديهم من خبرت ومعلومات مناهج التفكير قد لا ترقى إلى مستوى المشكلة المطروحة.

وتبدو آثار الصراع القيمي عند الناشئة والمتعلمين في الحيرة، والقلق، وعدم القدرة على التمييز والاختيار بين الصحيح والخطأ، وضعف القدرة على التوافق والتلاؤم والانتماء الاجتماعي، والعجز عن تمثل ما يعتقد به الفرد من قيم، ومن أمثلة الصراع القيمي: الصراع بين القيم الروحية والمادية، بين قيم الإيثار والتضحية ومحبة الناس وبين حب الذات والمصلحة الشخصية، وبين صراع القيم التي تدعو إلى المحافظة على الأسرة وبين القيم الجديدة التي تدعو إلى الإباحية والتفكك الخلقي.

  • مشكلة التناقض القيمي: أو ما يمكن الاصطلاح عليه أيضا بالمفارقة القيمية، وتعني التناقض بين ما يعتقده الإنسان وبين ما يصدر عنه من سلوك، وتناقض بين فكره وبين قوله وعمله، مما يعني عدم وجود اتساق قيمي واضح بين القيم والسلوك الفعلي وهذا يؤثر على الناشئة والمتعلمين في تعلم القيم حيث يفقدون الثقة فيما يمرر إليهم من القيم.
  • مشكلة اضطراب النسق القيمي: ويظهر ذلك عبر ملاحظة انتقال آثار مشكلتي الصراع والتناقض القيمي من مستواها الفردي إلى المستوى الاجتماعي العام، فحدث اختلال واضح في منظومة القيم والأنساق القيمية السائدة في المجتمعات العربية والإسلامية، وثارت مشكلة تحديد المسارات والاختيارات القيمية بين الاتجاه إلى قيم الأصالة وقيم العصرنة والحداثة وما قد يبدو بينهما أحيانا من تعارضات وتناقضات.
  • مشكلة ضعف اهتمام المناهج الدراسية بالموضوعات القيمية: ويبدو هذا الضعف، سواء من حيث تحديد الغايات والأهداف الوجدانية والقيمية التي تسعى المناهج إلى تحقيقها، أومن حيث تناول محتوياتها ومضامينها للمسألة القيمية بصورة منهجية صريحة، إذ إن غالبا ما تتضمنه الكتب المدرسية من قيم إنما تأتي بصورة ضمنية، وانعكاسات ذلك على الممارسات التدريسية التي لا تعطي تعلم القيم وتعليمها الاهتمام الكافي.
  • مشكلة ضعف إعداد المدرسين وتأهيلهم في بيداغوجيا وديداكتيك تعليم القيم: فغالبا ما ينصرف الاهتمام إلى التعليم المعرفي والحفظ والتلقين، وقلما يبدو اهتمام فعلي منظم لمناقشة القضايا القيمية بمنهجية تدريسية واضحة من خلال توظيف طرائق واستراتيجيات تعليم القيم.
  • مشكلة التداخل بين المعرفة والقيم والمهارات:

لا يمكن فصل غرس القيم عن بناء المعارف وتنمية المهارات، فبناء القيم وتنمية المهارات يتم في سياق بناء المعارف، وهذا التداخل الموجود بين القيم والمعارف يجعل المدرسين غالبا يركزون على الإغراق في الجانب المعرفي في ذهول تام عن معالجة القضية القيمية من جميع جوانبها وطرحها للنقاش واعتماد الحوار والإقناع في بناء القيم.

 

المداخلة الثانية

قراءة في مضامين الكتاب ومنهجه للأستاذ محمد صنهاجي

تمحورت مداخلة الاستاذ الصنهاجي حول ثلاث نقط أساسية وهي:

      • النقطة الأولى: حول موضوع الندوة ( موضوع القيم)

مشيرا إلى أن القيم كانت ولا تزال موضوع اهتمام الباحثين التربويين، وهو تتداخل فيه مسؤوليات الفرقاء التربويين جميعهم، لذلك فمسألة القيم تدريسا وترسيخا وتقويما من أهم المواضيع التي ينبغي الاهتمام  والاعتناء بها، معتبرا الكتاب موضوع الندوة من أبرز الكتب التي أجابت عن عدة إشكالات مرتبطة بالقيم.

      • النقطة الثانية: حول مؤلف الكتاب المؤطر التربوي عبد المنعم الدقاق.

نوه الأستاذ صنهاجي بالمؤطر التربوي عبد المنعم الدقاق مؤلف الكتاب موضوع الندوة، وأن له نصيب من اسمه فهو يدقق ويحقق فيما يكتب، مستفيدا في ذلك من التجربة والخبرة التي راكمها خلال مساره الدراسي والمهني بدءا بالتحصيل ثم  التدريس فالتأطير…

      • النقطة الثالثة: حول مضامين الكتاب ومنهجه .

تساءل الأستاذ صنهاجي هل استطاع الكتاب فعلا تقديم رؤية  تصورية لموضوع القيم  واستراتيجية تدريسها من خلال اختيارات المنهاج  ومفرداته التي انتقاها؟  وهل استطاع الكتاب فعلا تقريب هذا التصور القيمي الذي جاء به المنهاج ؟

انطلق الأستاذ صنهاجي للاجابة عن هذه الأسئلة من إشكالية البحث المصدرة  في أول الكتاب والمتمثلة في:” إلى أي حد يمكن القول أنه تم استيعاب التصور المنهاجي لمنظومة القيم في منهاج مادة التربية الإسلامية والعمل على حسن تنزيله وأجرأته بشكل جيد، سواء على مستوى الكتاب المدرسي أو على مستوى الممارسة الصفية ؟

وبناء على هذه الإشكاليات الكبرى تمت صياغة ثلاث فرضيات اعتبرها المؤلف إجابات أولية مؤقتة :

  • الأولى: أيّد فيها المؤلف توفق مؤلفي الكتاب المدرسي في رحاب التربية الإسلامية أولى بكالوريا في تنزيل وترجمة التصور المنهاجي لمنظومة القيم .
  • الثانية: أكد فيها المؤلف أن التصور المنهاجي لمنظومة القيم في منهاج مادة التربية الإسلامية لدى السادة الأساتذة والأستاذات، لا زال غير واضح بشكل جيد عندهم.
  • الثالثة: أكد صحة الفرضية: الاشتغال الديداكتيكي على القيم في الممارسة الصفية لا يأخذ بعين الاعتبار التصور المنهاجي لمنظومة القيم وطبيعة تشكل وبناء المفاهيم القيمي.

أما بخصوص تصميم الكتاب، فالكتاب مقسم إلى قسمين: الأول منه تناول فيه المؤلف الإطار النظري للموضوع، بدءا بدراسة مصطلحات البحث ( القيم، المفاهيم الجديدة التي جاء بها المنهاج، تصنيف القيم ومصادرها وخصائصها وأهميتها…) وتناول ثانيا مركزية القيم في المنهاج الدراسي المغربي من خلال الوثائق التربوية الرسمية ابتداء من الميثاق الوطني للتربية والتكوين..

واعتبر الأستاذ صنهاجي أن هذه الوثائق تعطي تصور الجهات الرسمية الواضح لموضوع القيم، ويحمل من الناحية التشريعية والتنظيمية  صفة إلزامية، فهي منطلقات ومرجعيات مؤطرة للمنهاج الدراسي المغربي.

كما أشار أن الكاتب توصل من خلال تتبعه لهذه الوثائق أنها كلها نصت وبشكل صريح على:” قيم العقيدة الإسلامية، وقيم الهوية الحضارية ومبادئها الأخلاقية، وقيم المواطنة وحقوق الإنسان ومبادئها الكونية…”

وأن المنطلقات العامة والخاصة لمنهاج التربية الإسلامية والوثائق الرسمية الخاصة بالمادة قد حسمت الجدل في الاحتفاظ بالقيمة الكبرى التي يتأسس عليها منهاج المادة، والذي انبنى على قيمة مركزية وهي قيمة التوحيد، وعلى قيم فرعية ناظمة وهي قيم: الحرية، الاستقامة، الإحسان، المحبة. وقد عرف المؤلف بتلك القيم وبين سبب اختيارها دون غيرها وبين العلاقة بين منظومة قيم المنهاج ومقاصده ومداخله.

وأوضح الأستاذ محمد صنهاجي أن المنهاج وفق في التصنيف القيمي الذي جاء به، في جعل قيمة التوحيد قيمة مركزية والقيم الأخرى قيما ناظمة، مؤكدا على أن معيار انتقاء هذه القيم كان معيارا علميا، وذكر من تلك المعايير: معيار الهيمنة بأن تكون القيم مهيمنة وتمتلك من السعة ما يجعلها متسعة وشاملة لغيرها .

كما أشار الأستاذ صنهاجي أن المؤلف تناول بالتفصيل: التنزيل الديداكتيكي للتصور المنهاجي لمنظومة القيم، حيث عرض ما تعلق بالاشتغال الديداكتيكي على القيم في الممارسة الصفية والمبادئ العامة لتعليم واكتساب القيم كمبدإ الاقناع والاقتناع العقلي الحر… وبعض الصعوبات التي تواجه تدريس القيم كالتناقض القيمي والصراع القيمي واضطراب النسق القيمي…. ولم يهمل الكتاب أيضا طرائق واكتساب وتعليم القيم في الممارسة الصفية من قبيل: القدوة والقصة والحوار والمناقشة، وطريقة حل المشكلات وغيرها من الطرائق سواء في بناء القيم وترسيخها أو في تقويمها.

وفي الباب الثاني من الكتاب فقد قام المؤلف بجمع المعطيات وترتيبها  وعرض نتائج البحث بعد التأكد من صدق الفرضيات، معتمدا على أداتين: أداة الاستمارة وأداة تحليل المضمون، ( تحليل مضمون الكتاب المدرسي في رحاب التربية الإسلامية أولى بكالوريا) واعتمد في تحليل مضمون الكتاب على شبكة مخصصة لذلك، موظفا المنهج الوصفي والتحليلي في الاشتغال على هذه الأداة، أما الأداة الثانية وهي الاستمارة وهي تخص مدرسي المادة، والغرض منها كشف تمثلات أساتذة المادة للتصور المنهاجي ولطرائق الاشتغال الديداكتيكي وقياس مدى قربهم أو بعدهم من التصور القيمي للمنهاج، ووظف في ذلك رسومات ومبيانات…

وختم الأستاذ محمد صنهاجي مداخلته بالإشارة إلى أن الكتاب توصل إلى نتائج في غاية الأهمية قدم بناء عليها توصيات ومقترحات.

 

المداخلة الثالثة

رؤية الكتاب للاشتغال الديداكتيكي على القيم في الممارسة الصفية. للمؤطر التربوي محمد فارس

استهل مداخلته بالتنويه بالكتاب موضوع القراءة والمدارسة، مبينا أن الكتاب نافع في بابه ومبني بناء منهجيا يصلح الاقتداء به، وهو كتاب ذو طابع نقدي، وتناول زاوية مهمة في موضوع القيم لاعتبارين:

  • لأنها ذات طبيعة عملية، يقدم أدوات اشتغال المدرس على القيم في الممارسة الصفية.
  • الثاني: يمتح من تجارب متعددة غربية وإسلامية ويحاول أن يؤلف بينها.

وتركزت مداخلته في ثلاث نقط وهي:

      • النقطة الاولى: المبادئ العامة لتعليم القيم واكتسابها.

الكتاب موضوع الندوة أوضح الجانب الديداكتيكي للاشتغال على القيم من خلال المبادئ العامة لتعليم واكتساب القيم، وأجمل الأستاذ فارس تلك المبادئ– التي اعتبرها منطلقا حاسما لتدريس القيم في :

  • المبدء الأول: الاقتناع العقلي الحر: فالقيم تبنى على قاعدة صلبة ممزوجة بالعاطفة والوجدان.
  • المبدء الثاني: القيم والتفكير: فالطريقة التي يفكر بها الفرد تصبغ مظاهر حياته كافة وتحدد أنماط القيم والسلوك التي تصدر عنه.
  • المبدء الثالث: القيم والاعتقاد: فالاعتقاد من أقوى العوامل المؤثرة في بناء القيم وتشكيلها عند الأفراد.
  • المبدء الرابع: القيم ومواقف الصراع القيمي: تعليم القيم عبر المواقف القيمية المتصارعة يضع المتعلم مع الخبرة القيمية المباشرة.
  • المبدء الخامس: القيم والقدوة الحسنة: للقدوة الحسنة تأثيرها البالغ في التنشئة بجوانبها المختلفة…

 

      • النقطة الثانية: مشكلات اكتساب القيم وتعليمها:

بخصوص مشكلات اكتساب القيم وتعليمها فقد لخصها الأستاذ فارس- محيلا إلى الرجوع إلى الكتاب لمن أراد التوسع في هذه القضايا في :

  • مشكلة الصراع القيمي؛
  • مشكلة التناقض القيمي؛
  • مشكلة اضطراب النسق القيمي.
  • مشكلة ضعف اهتمام المناهج الدراسية بالموضوعات القيمية….

 

      • النقطة الثالثة: التخطيط لتدريس القيم:

من الناحية العملية فتدريس القيم يبدأ من التخطيط… وتحدث المؤلف عن نوعين من التخطيط:

  • التخطيط الطويل المدى: هو تخطيط سنوي أو موسمي؛
  • التخطيط قصير المدى: تخطيط لدرس أو لحصة.

وأبرز الأستاذ فارس أهمية التخطيط وأن أغلب الخلل الذي يقع يكون بسبب غياب التخطيط، فالتخطيط يساعد المدرس .

ففي التخطيط السنوي يقوم المدرس بتحديد القيم الصريحة والضمنية التي يتضمنها المنهاج الدراسي، ينظمها المدرس على صورة خرائط تنظيمية…ثم يحدد الأهداف الوجدانية التي يسعى المنهاج إلى تحقيقها، فالمدرس ينبغي أن تكون لديه مصفوفة قيمية يشتغل تتعلق بسنة دراسية، ثم يشتغل عليها بشكل تدريجي من خلال الحصص الدراسية اليومية.

أما في التخطيط اليومي فينبغي للمدرس أن يركز على أمور منها:

  • تحديد القيمة المراد مناقشتها وتربية المتعلمين عليها؛
  • تحديد مستوى معالجة القيمة في أهداف الدرس؛
  • اختيار المحتوى التعليمي والأساليب والوسائل والأنشطة التي تخدم تلك القيمة؛
  • تحديد وسائل التقويم وأدواته.

 

      • النقطة الرابعة: طرائق اكتساب وتعليم القيم:

ومن الطرائق التي يمكن اعتمادها في اكتساب وتعليم القيم :

  • الطرائق العرضية: بحيث يعرض المدرس الموضوعات بشكل مباشر. ( القدوة، القصة، المحاضرة…)
  • الطرائق التفاعلية: تفاعل المتعلم مع الموقف التعليمي.( الحوار والمناقشة، تمثيل الأدوار…)
  • الطرائق الكشفية: تدفع المتعلم إلى البحث والاكتشاف والتعلم الذاتي ( طريقة حل المشكلات، طريقة الاستقصاء… )

 

      • النقطة الخامسة: مراقي الاشتغال الديداكتيكي على القيم.

اقترح المؤلف اعتماد صنافة كراثوول التي تعتمد على مراقي: التقبل، الاستجابة، التثمين، تنظيم القيمة، التطبع بالقيمة. كما اقترح كذلك الصنافة التي اقترحها الدكتور خالد الصمدي: لفت الانتباه للقيمة، جلب الاهتمام بالقيمة، خلق التفاعل مع القيمة، الإقناع بالقيمة، الدفاع عن القيمة، تمثل ونقل القيمة.

وبين الأستاذ فارس أن الصنافتين تشتركان في تأكيدهما على الطابع الارتقائي للقيم، كما جعلتا للقيم حدا أدنى  وحدا أعلى، فلابد أن يحدد المدرس الحد الذي يستهدفه.

واختتمت الندوة التربوية بفتح باب النقاش والتفاعل والتساؤل من طرف مسير الندوة الدكتور رشيد البقالي، طرح المتدخلون أسئلة واشكالات لها علاقة بموضوع الندوة، تفاعل معها المؤطرون وأثروا النقاش بتوضيحاتهم وتوجيهاتهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.