منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اقرأ “وَرْقَه” (قصة قصيرة)

اقرأ "وَرْقَه" (قصة قصيرة)/ لحسن شعيب

3

اقرأ “وَرْقَه” (قصة قصيرة)

بقلم: لحسن شعيب

… ولأنه لا جرائد في تلك القرية النائية، ولا منتديات ثقافية أو أدبية، فإن القائد الجيلالي عساف كان يصنع الحدث دائما، حتى أصبح الخبر الرئيس في نشرات المقاهي وحكايات الأسواق وسمر الليالي. كان ينشر الرعب والهلع في أي زاوية يطؤها بحذائه الثقيل، الذي يَضرب به الأرض ضربا حين يتحرك في مهمة رسمية أو غير رسمية.

كان رجلا مائلا إلى السمرة، مُقَطَّبَ الجبين غالب الوقت، له شعر أسود فاحم مجعَّدٌ قليلا، وفي جسمه نتوءات، أولها أرنبةُ أنفه التي تكاد تبلغ نهاية شفته العليا، وثانيها ذقنٌ مزدوج، جلب له لقب “بوحْناك” من سكان القرية، والثالثةُ أن بطنه يسبقه للأمام قليلا، كما أن بعينه اليسرى حَوَلاً خفيفاً؛ أما أسنانُه فبحاجة لطبيب ماهر كي تعتدل وتستقيم. وكان يُبالغ في الحلاقة، فلا يُبقي لحية ولا شاربا، ومع كل الجهود التي يبذلها ليبدو شابّاً، فإنه يبدو أكبر كثيرا من سنينه الأربعين. وكان مبارك نعيم كلما رآه يُردِّدُ بيت شعر سمعه مرة في مجلسِ علم:

“قومٌ إذا مَسَّ النِّعَالُ وجوهَهم ** شكتِ النِّعَالُ بأي ذنب تُصفع”

في موكبٍ مهيبٍ، تقدم القائدُ ذات مساء سبعةً من أعوانه، انعطف يمينا ودخل زقاقاً تصطف على جانبيه بيوت طينية متواضعة، وفي وسط الزقاق توقف أمام بيت من تلك البيوت، لَكَمَ الباب بكل ما أوتي من قوة، وأحدثَ جَلَبَةً في الجوار، حتى إن الإبل التي كانت في معاطنها فزِعت. فُتِح البابُ وخرج شابٌّ طويلٌ جميلُ المحيا، نبتت شعيراتٌ على ذقنه كما اتُّفق، تماما كما تنبت الأعشاب في حقلٍ تحجب الشمسَ عنه أشجارٌ كثيفةٌ باسقة.

– “آش حبْ الخاطر نعاماس”؟ تكلم الشاب بكل هدوء؛

– وصلتنا أخبار أنك تعقد تجمعا غير مرخص في بيتك؛

– وهل أحتاج ترخيصا لأستضيف أصدقائي لوجبة عشاء؟

– لكنها السادسة مساء، ولا توجد وجبة عشاء في هذا الوقت؛

– “الإيناس قبل الإبساس” سعادة القايْد، نقرأ القرآن الكريم، ونتذاكر ونتبادل الأشعار والحِكم، ونشرب الشاي ريثما يجهز الطعام.

– سندخل ونرى من بالداخل؛

– هل معك إذْنٌ من وكيل النيابة؟ لا يَحقُّ لك اقتحام بيت دون إذن؛

– أنا هنا الدولةُ، تَنَحَّ جانبا، هيا …

دفعَ القائدُ الشَّابَّ دفعا عنيفا، واقتحم مع خُدَّاِمه البيت، صعدوا للطابق الأول، فوجدوا حوالي عشرة أشخاص مستقبلين القبلة يقرؤون القرآن، لم يتحرك واحد منهم من مكانه رغم الجلبة التي أحدثوها باقتحامهم. جمع ميلود كبير المخازنية مصاحفَ وسُبَحاً وصفحاتٍ من ورق مقوى أصفر مطبوع على كل منها ثمن من القرآن الكريم، يستعان بها على الحفظ، وشِعَاٌر مُلصق جهةَ القبلة مكتوبٌ بخط جميل، انتزعه ميلود وتأمله مليا، ثم دسه في جيبه وهمس في أذن القايد شيئا. نظر هذا الأخير شزرا إلى مبارك وسأله: آش من ورقه كا تقراو؟

– نقرأ القرآن سعادة القائد؛

– أنا أسأل عما كتبتم في تلك الورقة، وأشار إلى جيب ميلود، ما الذي تخفونه؟

كاد الشاب ينفجر ضاحكا، لكن الموقفَ لا يسمح بذلك: القائد يغلي، وهو متهم مع رفاقه بعقد تجمع غير مرخص في بيته، وحالة التلبس قائمة، وفوق ذلك يقرؤون “ورْقَه” لم يعترف أحد بما فيها. خرج الجيران يراقبون المشهد مستنكرين اقتحام بيت السيد مبارك نعيم، الشاب الخلوق المحبوب عند أهل البلدة.

في اليوم الموالي، تَمَّ استنطاق الشبان، وتحريرُ محاضرَ لهم، والتهمةُ عقد تجمع غير مرخص، وإخفاء منشور سري، اعترفوا بالتهمة الأولى، لكنهم جميعا نفوا الثانية، والتهمة الأولى في تلك القرية النائية لا تنطلي كذبتها على أحدٍ، ولكن الثانية لم يكن سهلا إثباتها، رغم جَوِّ الرُّعب العام السائد في البلاد بُعَيد تفجير مقهى أركانة بجامع الفنا بمراكش.

وأخيرا دخل مبارك نعيم إلى مكتب القائد، يمشي بكل هدوء، سَلَّم وبقي واقفا حتى سُمح له بالجلوس كما يقتضيه آداب الدخول على عِلية القوم. أشعل القايْد سيجارة يداري بها ارتباكه، ونفثَ دخانها في الهواء؛ ضايق دخانُها الشابَّ فطلب منه بِلُطْفٍ إطفاءها، فرد عليه القائد بأنه حُرٌّ في مكتبه، حينها ضرب مباركٌ بيده الطاولةَ التي أمامه، وصاح: “بل هذا مكتب الشعب، وأنت هنا لخدمة الشعب لا لإهانته، وإن لم تطفئ هذه السيجارة فسأخرج حالا”.

ارتبك القائد وأطفأ سيجارته ورماها في مرمدة كانت على مكتبه؛ لم يسبق لعساف أن تلقى أمرا، لأنه هو الذي يُصدر الأوامر، كانت تلك ثَاِنَي إهانة يتعرض لها منذ أن تم تعيينه في تلك القرية المتاخمة للحدود الجزائرية، والتي تحيط بها كثبان رملية يأتيها الناس للاستشفاء صيفا. أما الإهانة الأولى فكانت نيراناً صديقةً، ومن أقرب الناس إليه، كان يسوق السيارة عائدا بأمه إلى فاس بعد أن قضت معه أياما في مقر عمله الجديد، وكان كلما وصل إلى دوار من تلك الدواوير المهمشة، يقول لأمه: “إنَّ حُكْمِي يصل إلى هنا”، فتسأله الأم عن الدوار الثاني والثالث وهكذا، وكان في كل مرة يجيب منتشيا: “نعم، وهذا أيضا ضِمْنَ نفوذي”، وبعد مسيرة خمس ساعات، توقفا للغذاء في مكان جميل فيه أشجارٌ ومروجٌ وماءٌ جارٍ؛ فسألته أمه ذاتَ السؤالِ فأجاب بالنفي، حينها قالت له: “أنت يا ولدي لا تحكم غير القفار والرمال والأفاعي والسحالي”، فأَسَرَّهَا عساف في نفسه ولم يبدها لها.

ضغطَ القائدُ زرّاً كان أمامه، فُتح البابُ ودخل ميلود، ضرب كعب حذائه الأيسر بكعب الأيمن، ورفع يده اليمنى حَذو أذنه كما تقتضيه التحية الرسمية، وأخرج من جيبه الورقة التي انتزعها من بيت مبارك نعيم، والتي كانت معلقة في الغرفة التي كانوا يقرؤون فيها القرآن، وكان قد دسها في جيبه يوم الاقتحام، ومَدَّها بطلب من القايد إلى مبارك، وقال له: “طيب ما الورْقه المقصودة هناك”؟ نظر مبارك إلى الورقة، وقرأ الشعار المكتوب فيها، ثم رفع رأسه إلى القائد عساف، وهناك لم يستطع أن يمنع هستيريا من الضحك اجتاحته، فضحك حتى استلقى على قفاه، والقائد عساف لا يصدق ما يرى أمامه، أما ميلود فكان يرتعد.

– كنا نقرأ القرآن سيدي، وفي المصحف أوراق كثيرة، لا ورقة واحدة؛

– كُفَّ عن المراوغة والاستهزاء… أعرف أن وراءك قبيلة قوية تحميك، لكن إياك أن تختبر صبري يا نعيم… قل لي هل تتابع الأخبار؟ قبل أيام عُثر في بيت أحدهم على كتاب سَبْعِينَ نووية، هناك من يصنع السلاح النووي لتخريب البلاد، ألا تفهم؟

– طبعا هناك من يصنعه، لكن مِمَّ نصنعه نحن؟ من بَعْر الإبل؟ ولِمَ نصنعه؟ السيد عساف، هذه لعبةٌ أكبر مني ومنك…

دفع مبارك الورقة إلى القايد، ورجاه أن يقرأها جيدا، حدَّق فيها طويلا، وَقَفَ من على كرسيه الوثير، وخطا خطوات ثم توقف؛ وفي لمح البصر رفع يده اليمنى في الهواء، وهوى بها على خد ميلود الأيسر.. طَاْخ… وقال له: في المرة القادمة تأكدْ من الأخبار التي تأتيني بها، انظر أيها البليد، الورقة مكتوبٌ فيها “اقرأ وارْقَ”، لا اقرأ وَرْقَه كما أخبرتني.

خرج نعيم وميلود من مكتب القايد، ومشيا معا صامتين في الردهة المؤدية إلى الخارج، نزلا درجا، وتوقف ميلود أمام أحد المكاتب، بينما تابع مبارك سيره، لكنه التفت إلى الوراء، نظر إلى ميلود وتأمل أثر الصفعة على خده، وقال له: “عمي ميلود، هناك أوراق كثيرة لا ورقة محددة، ورقة البسطيلة وهي تؤكل بما تحويه، وورقة النيبرو وتدخن وما تَلُفُّه، وورقة اليانصيب ويلعب بها في نوادي القمار، وهناك أوراق كثيرة تقرأ يرقى بها الإنسان أو يشقى، وأعظمُ ما يُقرأ بَّا ميلود هو كلامُ ربنا، يقال لقارِئه يوم القيامة: “اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها”. إيوا الله يرقينا ويرقيك عمي ميلود، ولا تنس أن تخبر رئيسك أن الكتاب عنوان “الأربعين نووية”، وليس سبعين، وقل له إنه لعالم جليل اسمه محيى الدين يحيى بن شرف، ويعرف بالنووي، ولا علاقة للكتاب بالسلاح النووي… طاب يومك عمي ميلود.

 

3 تعليقات
  1. علي زداني يقول

    قصة رائعة تحياتي السي لحسن مزيد من العطاء

  2. حنان الباي يقول

    تبارك الله عليك أستاذ
    لا تخلو قصصك من الدروس والعبر

  3. نورالدين يقول

    حمييل حدا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.