منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

من أقوال فقهاء المذاهب في مسألة القراءة عند القبر

عمر أداواي

0

أورد بين يدي القارئ من أقوال علماء مجتهدين من المذاهب الأربعة لا يكابر عنهم إلا من لا يعرف قدرهم رحمهم الله جميعا، وذلك في مسألة خلافية سال فيها من المداد كثير، وهو مسألة القراءة عند القبر وانتفاع الميت به.

المذهب الحنبلي

قال ابن مفلح في الفروع: لا تكره القراءة على القبر وفي المقبرة، نص عليه واختاره أبو بكر، والقاضي، وجماعة، وهو المذهب… إلى أن قال: وفي شرح مسلم: أن العلماء استحبوا القراءة عند القبر لخبر الجريدة[1] لأنه إذا رجا التخفيف لتسبيحها فالقراءة أولى.[2]

قلت: مضى التفصيل عن وجه الاستدلال بحديث الجريدة.

وقال الشيخ الإمام أبو محمد بن قدامة المقدسي في آخر كتاب الجنائز من مغنيه ما نصه:(فصل) ولا بأس بالقراءة عند القبر، وقد روي عن أحمد أنه قال: (إذا دخلتم المقابر فاقرؤوا آية الكرسي، وثلاث مرات (قل هو الله أحد)، ثم قل: اللهم إن فضله لأهل المقابر)[3].
وهذا الخبر عزاه السيوطي رحمه الله إلى المحب الطبري، وإلى الغزالي في الإحياء، وفي العاقبة لعبد الحق الإشبيلي عن أحمد بن حنبل بلفظ: إذا دخلتم المقابر فاقرؤوا بفاتحة الكتاب والمعوذتين و(قل هو الله أحد) واجعلوا ذلك لأهل المقابر فإنه يصل إليهم.[4]

المزيد من المشاركات
1 من 42

قلت: ويؤيده ما حكاه البرهان ابن مفلح في كتابه المبدع عن الإمام أحمد.

وقال الإمام أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي في كتابه الإنصاف: (ولا تكره القراءة على القبر في أصح الروايتين) وهذا المذهب. قاله في الفروع، وغيره. ونص عليه. وهذا المشهور عن أحمد.
وقال الخلال: رواية واحدة لا تكره وعليه أكثر الأصحاب منهم القاضي، وجزم به في الوجيز وغيره. وقدمه في الفروع والمغني والشرح وابن تميم والفائق وغيرهم.
والرواية الثانية: تكره، واختارها عبد الوهاب الوراق، والشيخ تقي الدين.

قال الشيخ تقي الدين: نقلها جماعة وهي قول جمهور السلف. وعليها قدماء أصحابه.. انتهى.

ثم قال أي المرداوي: قال كثير من أصحاب الحنابلة: رجع الإمام أحمد عن هذه الرواية: فقد روى جماعة عن الإمام أحمد: أنه مر بضرير يقرأ عند قبر فنهاه. وقال: القراءة عند القبر بدعة، فقال محمد بن قدامة الجوهري: يا أبا عبد الله، ما تقول في مبشر الحلبي؟ قال: ثقة، فقال: حدثني مبشر عن أبيه أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها. وقال: سمعت ابن عمر يوصي بذلك، فقال الإمام أحمد: فارجع فقل للرجل يقرأ. فهذا يدل على رجوعه.

وعنه لا يكره وقت دفنه دون غيره. قال في الفائق: وعنه يسن وقت الدفن، اختارها عبد الوهاب الوراق، وعنه القراءة على القبر بدعة، لأنها ليست من فعله عليه أفضل الصلاة والسلام ولا فعل أصحابه. فعلى القول بأنه لا يكره: فيستحب على الصحيح.

قال في الفائق: يستحب القراءة على القبر. نص عليه أخيراً. قال: وهو المذهب مطلقا وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم.

وقال ابن تميم: لا تكره القراءة على القبر، بل تستحب. وقيل: تباح. قال في الرعاية الكبرى: وتباح القراءة على القبر. وقال في المغني، والشرح، وشرح ابن رزين: لا بأس بالقراءة عند القبر. وأطلقهما في الفروع.[5]

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

قال العلامة الشيخ منصور البهوتي: ولا تكره القراءة على القبر ولا في المقبرة بل تستحب.

وقال الخلال: حدثني أبو علي الحسن بـن الهيثم البزار شيخنا الثقة المأمون، قال: رأيت أحمد بن حنبل يصلي خلف ضرير يقرأ على القبور)[6].

قلت: قد أسلفنا الكلام عن خبر ابن عمر أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها. فلهذا رجع أحمد رحمه الله عن الكراهة فلينتبه له.

وفي “الإقناع من فقه الإمام أحمد بن حنبل”: ولا تكره القراءة على القبر وفي المقبرة بل يستحب) [7]

المذهب الحنفي

قال ابن عابدين رحمه الله: قوله ( ويقرأ يس ) لما ورد: من دخل المقابر فقرأ سورة” يس “خفف الله عنهم يومئذ. وكان له بعدد من فيها حسنات،وفي شرح اللباب: ويقرأ من القرآن ما تيسر له من الفاتحة و أول البقرة إلى المفلحون و آية الكرسي و آمن الرسول وسورة يس وتبارك الذي بيده الملك وسورة التكاثر و الإخلاص اثني عشر مرة أو إحدى عشر أو سبعا أو ثلاثا ثم يقول: اللهم أوصل ثواب ما قرأناه إلى فلان أو إليهم.[8]
وقد حٌكِي عن الفقيه أبي بكر الفياض أنه أوصى عند موته بذلك.[9]

المذهب الشافعي

ذكر الإمام السيوطي في كتابه شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور ما نصه:
وأما القراءة على القبر فجَزَم بمشروعيتها أصحابنا، وغيرهم.قال الزعفراني: سألت الشافعي رحمه الله عن القراءة على القبر فقال: لابأس به.

وقد ذكر الإمام النووي رحمه الله في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ” مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على قبرين فقال: أما إنهما ليعذّبان وما يعذّبان في كبير،أمّا أحدهما فكان يمشي بالنميمة و أمّا الآخر فكان لا يسْتَتِر من بوله. قال: فدعا بعسيب رطب فشقه اثنين ثم غرس على هذا واحدا، وعلى هذا واحدا،ثم قال:مالم ييبسا “قال رحمه الله في شرحه لهذا الحديث ما نصه: واستحب العلماء قراءة القرآن عند القبر لهذا الحديث لأنه إذا كان يرجى التخفيف بتسبيح الجريدة فتلاوة القرآن أولى و الله أعلم[10].

وقال في المجموع: ويستحب للزائر ـ يعني زائر القبور، أن يسلم على المقابر،ويدعوَ لمن يزوره ولجميع أهل المقبرة،والأفضل أن يكون السلام والدعاء مما ثبت في الحديث،ويستحب أن يقرأ من القرآن ما تيسر ويدعو لهم عقبها.نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب[11].

اٌنظر قال رحمه الله: واتفق عليه الأصحاب

كما قال في الأذكار: ويستحب للزائر الإكثارٌ من قراءة القرآن والذكر،والدعاء لأهل تلك المقبرة وسائر الموتى والمسلمين أجمعين.ويستحب الإكثار من الزيارة،وأن يكثر الوقوف عند قبور أهل الخير والفضل. ولو أوصى بأن يقرأ عند قبره،أو يتصدق عنه،وغير ذلك من أنواع القٌرَب،نٌفِّذت وصيتة إلا أن يقترن بها ما يمنع الشرع منها بسببه.[12]

وذكر الخرائطي في كتاب القبور قال: سٌنَّة في الأنصار إذا حملوا الميت أن يقرأوا معه سورة البقرة.

قال الإمام الحافظ ابن الصلاح رحمه الله في فتاويه: وأهل الخير والبركة في مواصلة الأموات بالقرآن.
ونقل الملا القاري عن السيوطي قوله: وأما القراءة على القبر فجزم بمشروعيتها أصحابنا وغيرهم. ثم قال: قال النووي في شرح المهذب: يستحب لزائر القبور أن يقرأ ما تيسر من القرآن ويدعو لهم عقبها نص عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب. وزاد في موضع آخر وإن ختموا القرآن على القبر كان أفضل.[13]

قلت: قوله: واتفق عليه الأصحاب وردت عن غير واحد من كبار أئمة الشافعية مما يدل على أنه المذهب والله أعلم.

المذهب المالكي

جاء في كتاب مواهب الجليل لشرح مختصر خليل للعلامة أبي عبد الله المعروف بالحطاب المالكي، وهو من أشهر شروح مختصر العلامة خليل المالكي رحمه الله. ما نصه: قال ابن الفرات نقلا عن القرافي أنه قال: الذي يتجه أنه يحصل لهم بركة القراءة كما يحصل لهم بركة الرجل الصالح يدفن عندهم أو يدفنون عنده)[14].

قال الإمام القرافي رحمه الله: وأما القراءة على القبر فقد نص ابن رشد في الأجوبة وابن العربي في أحكام القرآن والقرطبي في التذكرة على أن الميت ينتفع بالقراءة قرئت على القبر أو في البيت أو في بلاد إلى بلاد ووهب الثواب وصل.[15]

وقال ابن الشاط: وما قاله في هذا الفرق صحيح. نعم قال ابن الحاج في المدخل: من أراد وصول قراءته بلا خلاف؛ فليجعل ذلك دعاء، بأن يقول اللهم أوصل ثواب ما أقرأ إلى فلان. كما في حاشية الرهوني وكنون قال الرهوني: والتهليل الذي قال فيه القرافي ينبغي أن يعمل هو فدية لا إله إلا الله سبعين ألف مرة حسبما ذكره السنوسي وغيره، وهذا الذي فهمه منه الأئمة. وأما ما يفعله الناس اليوم من التهليل عند حمل الميت وتوجههم به إلى الدفن، فجزم في المعيار في الفصل الذي عقده في البدع قبيل نوازل النكاح أنه بدعة، ونقل في غير ذلك المحل من المعيار من كلام شيخ الشيوخ أبي سعيد بن لب وأبي محمد سيدي عبد الله العبدوسي ما هو شاهد لما جزم به في الفصل المذكور. وانظر تقييده المسمى بالتحصن والمنعة ممن اعتقد أن السنة بدعة، والله سبحانه الموفق.[16]

وقال عليش في منح الجليل:( والظاهر حصول بركة القراءة لحصولها بمجاورة الرجل الصالح ولا تتوقف على التكليف، فقد حصلت بركة رسول الله صلى الله عليه وسلم للخيل،والدواب وغيرهما. كما ثبت بالجملة فينبغي أن لا يهمل أمر الموتى من القراءة فلعل الواقع في ذلك هو الوصول لهم وليس هذا حكما شرعيا، وكذا التهليل ينبغي أن يعمل ويعتمد على فضل الله تعالى وسعة رحمته).[17]

قلت: ومثله قاله الخرشي في شرح خليل.
وقال القرطبي في التذكرة: أصل هذا الباب الصدقة التي لا اختلاف فيها فكما يصل للميت ثوابها، فكذلك تصل قراءة القرآن والدعاء والاستغفار. إذ كل ذلك صدقة. فإن الصدقة لا تختص بالمال.[18]

قلت يريد رحمه الله أن لفظ الصدقة أعم من قصرها على المال لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: و قد سئل عن قصر الصلاة في حالة الأمن فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته).[19]

وقال صلى الله عليه وسلم: (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة فإن كل تسبيحة صدقة و كل تلهيلة صدقة و كل تكبيرة صدقة و كل تحميدة صدقة و أمر بالمعروف صدقة و نهي عن المنكر صدقة و يجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى).[20]

ثم قال رحمه الله: و لهذا استحب العلماء زيارة القبور تحفة للميت من زائره.[21]

وقال الإمام القاضي أبو الفضل عياض في شرحه على صحيح مسلم في حديث الجريدتين عند قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لعله يخفف عنهما ما دامتا رطبتين)) ما نصه: واستدل بعض العلماء من هذا – على هذا التأويل – على استحباب تلاوة القرآن على القبور، ولأنه إذا كان يُرجى التخفيف عن الميت بتسبيح الشجر فتلاوة القران أعظم رجاءً ونفعًا )[22].

قال الدكتور وهبة الزحيلي رحمه الله: وتصح الوصية بقراءة القرآن على القبر؛ لأن ثواب القراءة يصل إلى الميت إذا وجد واحد من ثلاثة أمور: القراءة عند قبره، أو الدعاء له عقب القراءة، أو نية حصول الثواب للميت.[23]


[1] – سبق ذكره.

[2] – الفروع لابن مفلح ج3ص352.

[3] – المغني في فقه الإمام أحمد ج2ص423 لابن قدامة المقدسي دار الفكر – بيروت الطبعة الأولى، 1405/المحرر في الفقه ج1ص209لابن تيمية الحراني الطبعة الثانية 1404هـ -1984م.

[4] – العاقبة في ذكر الموت ص184عبد الحق الإشبيلي مكتبة دار الأقصى الكويت الطبعة الأولى، 1406- 1986تحقيق: خضر محمد خضر.

[5]– الإنصاف ج 2 ص 392.

[6]– المغنى لابن قدامة الحنبلي 2 / 424.

[7]-الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل(1/ 236) لأبي النجا الحجاوي المتوفى960ه تحقيق:عبد اللطيف محمد موسى السبكي دار المعرفة بيروت.

[8]– حاشية رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار ج 2 ص 242.

[9] – المحيط البرهاني لمحمود بن أحمد بن الصدر الشهيد النجاري برهان الدين مازه دار إحياء التراث العربي ج5ص285

[10]– شرح صحيح مسلم 3 / 202.

[11]– المجموع شرح المهذب للنووي 5/311.

[12] – الأذكار للنووي صا164.

[13] – مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للملا على القاري ج5ص466.

[14]– مواهب الجليل لشرح مختصر خليل ج 3 ص 52.

[15] – أنوار البروق في أنواع الفروق ج6ص105.

[16] – أنوار البروق في أنواع الفروق ج6ص105.

[17]– منح الجليل بشرح مختصر خليل ج3ص177.

[18]– التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي ج1ص84.

[19] – سنن النسائي الكبرى ج1ص583رقم 1891دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الأولى 1411 – 1991تحقيق: د.عبد الغفار سليمان البنداري،سيد كسروي حسن. سنن الترمذي ج 5ص242رقم3034دار إحياء التراث العربي – بيروت أحمد محمد شاكر.وصححه الألباني.

[20] – صحيح مسلم ج2ص158رقم1704دار الجيل بيروت + دار الأفاق الجديدة ـ بيروت، سنن أبي داودج1ص495رقم1287و1288دار الكتاب العربي بيروت. صححه الألباني

[21] – التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي ج1ص84.

[22]– إكمال المعلم شرح صحيح مسلم ج2ص65.

[23] – الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ لوَهْبَة الزُّحَيْلِيّ ج10ص201.دار الفكر سوريَّة دمشق الطَّبعة الرَّابعة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.