منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مدرسة القراءة؛ مدارس الحياة المتعددة (2)

مدرسة القراءة؛ مدارس الحياة المتعددة (2)/ د. بدر إدريس أوهلال

0

مدرسة القراءة

مدارس الحياة المتعددة (2)

بقلم :د. بدر إدريس أوهلال

 

1- يجب أن نأخذ القراءة بقوة، وأن نحملها على محمل الجد، وبدرجة مفرطة؛ فالصيغة الفعلية في “اقرأ”، وبصيغة الأمر، وأسلوب التقديم، واقترانها بصفات الخلق والأكرمية والتعليم، كل ذلك يدل على أن القراءة أمر جدي أكثر مما نتصور.

2- الكتاب يصنع المعنى، والمعنى يصنع الحياة.
– القراءة تجعلك تسافر بعقلك ومشاعرك ومصالحك خارج حدود المكان والزمان.

3- كم هو مُحزن حقاً وغريب أن نُضَيِّع فرصة ساعة في اليوم نجلس فيها بيننا وبين أنفسنا مع كتاب نتعلم في أحد أهم مدارس الحياة المتعددة: القراءة.

4- الذي لا يتعلم في مدرسة القراءة يبقى في العتمة ويحرم نفسه من تعلم دروس الثلاثة آلاف سنة الأخيرة.

5- لا يمكن تحويل الإنسان العصي على القراءة إلى قارئ بإجباره على القراءة، ولا ضربة عصا التحفيز السريع السحرية تنفع معه. هناك شرط واحد لتحويل الإنسان إلى قارئ: التحرر من الخوف.. نعم الخوف من القراءة!

6- أفضل باب ندخل منه إلى مدرسة القراءة هو باب متعة القراءة، تلك المتعة التي لم تبدأ في حياتنا بالمفردات والمعاني والقواعد وتحليل الخطاب والنقد، وإنما بدأت لحسن حظنا بأغاني الطفولة وحكاياتها.

7- في مدرسة القراءة نتعلم اختيار نوعية الكتب التي تقرأها؛ فليس المهم عدد الكتب التي تقرأها، وليس من الذكاء أن تقرأ أنوار كتب المنبع على ضوء شروحات كتب المصب؛ لأن كتابا واحدا من المنبع يُغني عن ألف كتاب من المصب، وأن تتحرر من الرعب الذي تسببه كتب المنبع لدى المتمسكين بقراءة كتب المصب، وأن تتوب من ذنب كتب المستنقعات التي تسرق من عمرك.

8- وفي مدرسة القراءة نتعلم استخدام المنهجيات الملائمة للفهم الواضح والدقيق. فالقراءة كالتفكير، بل هي التفكير عينه، تلك المعاناة الفكرية التي تقودنا إلى النهاية السعيدة: الوضوح والدقة والبساطة. القراءة المنهجية هي قراءة تأملية ومنظمة لقول مكتوب، تتوسل بأفضل المنهجيات والتقنيات، بهدف فهم المقروء، وإعطائه معنى ذاتيا، وإعادة تنظيم المعرفة الذاتية على ضوئهما.

9- وفي مدرسة القراءة نتعلم القراءة السريعة؛ أي قراءة وفهم كتاب من مائة صفحة في ساعة واحدة، لكن مع الصبر على قراءة وإعادة قراءة ومقارنة وتمييز وتصنيف وتحليل وتأمل فقرة من مائة حرف في ساعات متعددة وأيام.

10- وفي مدرسة القراءة نتعلم مهارة القفز بين الخطابات، والنقد الفعال والعملي لها.

11- وأخيرا في مدرسة القراءة نتعلم التلقي من مستويات منطقية متعددة؛ ففي القراءة لا نتلقى المعنى فقط، بل نتلقى الأمر معه؛ فالكاتب يأمر، والقيم الصريحة والضمنية في الكتاب تأمر، واللغة تأمر. ولفهم هذا البعد الخفي في علاقتنا بالكتاب علينا أن نعيد طرح السؤال: ما القراءة؟

12- ليست القراءة مجرد عملية معرفية انفعالية تواصلية عادية وبريئة بين قارئ وكاتب تقوم على تفكيك الرموز والعلامات لفهم المعنى.

13- القراءة صراع مزدوج: صراع معرفي لبناء المعنى والاستنتاج والنقد والحكم وحل المشكلات بين ثلاثة عقول: عقل استيعابي، وعقل تواؤمي، وعقل موقفي، وصراع إرادات على بناء السلوك والانتقال إلى الفعل بين ثلاث إرادات: إرادة الكاتب، وإرادة القارئ، وإرادة الواجب.

14- إن الكتب من جهة قيمتها ثلاثة أنواع : كتب المنبع وهي الكتب التي فيها إبداع وأصالة، وكتب المصب وهي الكتب التي تكتفي بإعادة إنتاج لا نهائية لما في كتب المنبع في نسخ طبق الأصل أو في صور رديئة، وكتب المستنقعات وهي الكتب التي تتاجر بالمشاعر والأحاسيس القوية من خلال التضخيم والدعاية وتقوم “بدراسة السوق” لكي تبيع حسب “حالة السوق”.

15- إن كتابا من المنبع يُغني عن ألف كتاب من المصب، أما كتب المستنقعات فتسرق من عمرنا. وأفضل “مسار قرائي” يمكن لنا أن نحظى به هو مسار القارئ الذي يبدأ بقراءة كتب المصب الجيدة، فقراءة كتب المنبع، ثم إعادة قراءة كتب المنبع.

16- أعد قراءة الكلاسيكيات في مرحلة متقدمة من رحلتك العلمية والمعرفية وستكتشف أشياء جديدة لم تقف عليها في بدايات رحلتك.

17- القراءة لعبة خطرة؛ أولا لأن القارئ يلعبها ضد لاعبين من العيار الثقيل، أحدهما مهاجم شرس (الكاتب الجيّد)، والثاني صانع ألعاب ماكر (اللغة). وثانيا لأنها تعرض حياة القارئ للخطر؛ فمع كل كلمة أو جملة أو نص ينشأ صراع معرفي لدى القارئ يهدد بتدمير بنيته المعرفية. إن القارئ يواجه باستمرار أفكارا قاسية تفقده أوهامه. وثالثا لأنها صراع، وتتم في حقل صراع، ويحتل القارئ موقعا في هذا الصراع، أولا بصفته يمتلك رأسمال معرفي ولغوي وثقافي، وثانيا بصفته يمتلك رهانا شخصيا عند دخوله في فعل القراءة، أي في الصراع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.