منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قراءات ومقاربات في مسارات تأسيس العلاقات البيداغوجية ومحطاتها

دة. فاطمة بولحوش

0

نشر هذا المقال في كتاب: “العلاقات البيداغوجية في المنظومة التربوية المغربية” يمكن تحميله من هذا الرابط

يمكنكم قراءة وتنزيل المقال بصيغة (بدف pdf)

ملخص

تنبني العلاقة البيداغوجية على التفاعل والتواصل والتأثير والتأثر، والعلاقات البيداغوجية ليست مجرد تلقين وحشد وخضوع، وإنما هي علاقات تتم بين الأستاذ والمتعلم، وبين المتعلمين فيما بينهم، وبين الأستاذ والإدارة التربوية، وبين المتعلم والإدارة التربوية لتنمية الغايات والسلوكات والدوافع المشتركة في البيئة التعليمية في المؤسسة، ثم في القسم لخلق الجو النفسي والاجتماعي المناسب داخل المؤسسة، ورفع الوعي العام للأساتذة والمتعلمين وتبصيرهم بالإكراهات والعمل جماعيا على حلها، وتفعيل العلاقة الحية بين الأستاذ والمتعلم المرتكزة على التفهم والاحترام.

تشتمل العلاقات البيداغوجية على تركيبة ممزوج فيها الفعل والتنظيم، والتشريع التنظيمي التربوي والزعامة القيادية والتفاعل بين الأستاذ والمتعلمين في القسم، بذلك فالعلاقة البيداغوجية تتأسس على التواصل، ولا تكون فاعلة إلا بتفاعل مكوناته، لأن العلاقة البيداغوجية في وضعياتها تتشكل من شخصية المتعلم لتنمية قدراته للانخراط في بناء المجتمع. حاولت هذه الدراسة إعطاء صورة جديدة ومتنوعة للقراءات المتعلقة بالعلاقات البيداغوجية، وهي دراسة وصفية تحليلية انطلقت من مناقشة مفهوم العلاقات البيداغوجية من خلال مداخل القراءات الفلسفية وعلم النفس وعلم الاجتماع والمرجعيات النظرية، واستنباط أنواع العلاقات البيداغوجية، ثم القيام بعرض منطلقاتها وأسسها مع رصد محطاتها وأنواع المقاربات والقراءات المتعلقة بها.

 الكلمات المفتاحية: العلاقة البيداغوجية – منطلقات العلاقات البيداغوجية -محطات العلاقات البيداغوجية

المزيد من المشاركات
1 من 50

تقديم

تعد العلاقة سلوكا تصاغ في صيغ تجعلها أكثر إثارة وجاذبية واستجابة وتغيير أفق انتظار، وتكون إيجابية، وذات مردودية، ومن بين الأنشطة الاجتماعية المستأثرة بالاهتمام النشاط البيداغوجي المرتكز على العلاقات المنسوجة بين الأستاذ والمتعلم ومحتوى التعلم والبيئة البيداغوجية، والمؤسسة التعليمية، ذات خصائص معرفية وعاطفية مع توفير شروط العمل التربوي المعتمد التعميم والمناصفة والعدل والمساواة لتجويد الفعل التربوي المتميز بالتحديث والإبداع.

تتمحور العلاقات البيداغوجية حول ثلاث أقطاب استراتيجية قوامها فاعلية الأستاذ في تمكين المتعلم من اكتساب قيم احترام النظام، و الخضوع لمبادئه ورؤيته لتنشأ علاقة أوتوقراطية تكون السلطة التربوية مركزة في يد الأستاذ، والعقلانية والفعالية في محتويات التعلم وقيمها تتبلور عنها علاقة تقنوقراطية، والعملية التعليمية المتمحورة على نواة المتعلم تتأسس على احترام شخصيته، واكسابه مهارات إبداعية، وقيم الحرية والاستقلالية تتشكل منها علاقة ديموقراطية، وإن هذه العلاقات ليست قالبا جاهزا تؤطرها مقاييس ومعايير ومؤشرات واحدة لتنويع مظاهرها في المؤسسات التعليمية، كما أنها لا تلتزم لنفس الدوافع والحيثيات، لكون العلاقات تندمج في تشكيل مكوناتها وأنساقها وإنتاج أبعادها والمستويات المعرفية والثقافية والإيديولوجية والسوسيولوجية والنفسية والسلوكية والتربوية.

شهدت العلاقات البيداغوجية تحولات وتغيرات متلاحقة، ومتسارعة، متأثرة بمقاربات وقراءات فلسفية، وعلمية، وفنية، وسوسيولوجيا، وبمجتمع الزراعة وبمجتمع الصناعة، وبمجتمع المعرفة، وبالثورة الصناعية الجديدة، الحاملة للتطورات الإعلامية، والمعلوماتية متضمنة خلفيات العولمة، ومساهمة في إحداث التحولات في عملية التعامل بين الأفراد فيما بينهم داخل المجتمعات، وبين المجتمعات الأخرى. وهذا التحول بدوره لحق التصور العام للفضاء البيداغوجي التربوي داخل العملية التعليمية، من حيث العلاقات المنبثقة من مكوناتها المتضمنة البعد المعرفي والوجداني والنفسي، وأيضا في كيفية التنسيق بين الأستاذ والمتعلم، لإيجاد طريقة تحفيزية لتنمية مهارات المتعلم، واكتسابه قدرات معرفية، ومهارات حياتية، بهدف بناء شخصية متوازنة، لضمان إشباع رغبات المتعلم النفسية والاجتماعية والمعرفية.

وتتمظهر العلاقة البيداغوجية التي تقوم بهندسة حركات مكونات العملية التعليمية في كل النواحي، ولا تقتصر فقط على التلقين والحفظ والاستظهار، واعتبار المتعلم مادة تصاغ، وتنتج، مع إهمال الجانب النفسي والوجداني والموقف الإنساني للمتعلم، وتفعيل العلاقة البيداغوجية الدائمة الحركة بين الأستاذ والمتعلم، والمرتكزة على التفهم والاحترام، لكونها تشتمل على تركيبة ممزوج فيها الفعل، والتنظيم، والتشريع التنظيمي التربوي، والقيادية البيداغوجية، والتفاعل بين الأستاذ والمتعلمين في القسم.

1.التحديدات الأولية: العلاقات البيداغوجية

تعني العلاقات البيداغوجية أن يكون المتعلم له الكفاءة والقدرة على التواصل والتفاعل عبر مجموعة النشاطات،  التي يقوم بها الأستاذ في موقف تدريسي في القسم لمواكبته ولمساعدته على الوصول إلى أهداف تربوية، وهي عبارة عن علاقــات إيجابية بــين المتعلم والأستاذ يســودها التعــاطف والاحتـرام المتبـادل، وتعتمـد علـى إعانـة المتعلمين لإشباع رغبــاتهم وإشراكهم في العمل للوصــول إلــى أهــدافهم ومواكبتهم فــي العمــل، باســتعمال وســائل التعزيــز المختلفـة، كـل ذلـك مـن شـأنه أن ينمـي علاقـات التعـاطف والاحتـرام المتبـادل.[1]

تنشأ مجمـوع العلاقـات الإنسانيـة البيداغوجية بيـن الأستاذ والمتعلمين، و”تتـدرج من علاقات بدائية بسيطة إلى علاقات أكثـر ديناميـة، وتحـدد هـذه العـلاقات الكيفيـة التـي يـتم فيهـا تدخل الأستاذ في العملية التربوية”[2]. ارتبط مفهوم العلاقة البيداغوجية بمكونات التواصل التربوي  (الأستاذ والمتعلم والرسالة البيداغوجية) مع تضمينه الوسائل التواصلية والمجال والزمان والغايات الكامنة في التبادل والتبليغ ونقل المعلومات والخبرات، وتنصهر فيما بينها لتتبلور العلاقة البيداغوجية الحاملة معها تغيير وظائف الأستاذ والمتعلم، فالأستاذ مطالب بتنويع موارده البيداغوجية والتنشيطية، أما المتعلم فينبغي أن يلبي التعليم رغباته وحاجاته الذاتية والجمعية والاجتماعية، وتتم عملية التحول من التعليم التقليدي إلى منطق التعلم وتعلم التعلم، وهذا لن يتحقق إلا بكفايات تزاوج بين التجديد والمهارات الحياتية والمبادرات، وتكييف الأنشطة وتركيزها حول المتعلم، وإحداث شراكات لفائدته مع تجديد طرق التدريس، وتدبير العلاقات لإدارة تعلم المتعلم[3].

وتتشكل العلاقة البيداغوجية من العمل المدرسي المتكون من البرامج المحتوية على أهداف بارزة يتم تنفيذها بواسطة هيئة التدريس والوثائق الرسمية[4]،  وتتضمن تركيبة من الفعل والانفعال والتأثير المتداول في القسم بين الأستاذ والمتعلم والمتعلمين يحتويهم فضاء جماعي يتكون من المكونات المتمثلة في الأستاذ والمتعلم وجماعة القسم المنتظمة في الزمن الدراسي، وداخل جماعة القسم توجد جماعة صغرى علاوة على المقررات الدراسية، ففي هذا السياق، يتم إفراز العلاقات البيداغوجية على النحو الآتي: 

الخطاطة رقم1. العلاقات البيداغوجية.

 وتصنف هذه العلاقات إلى صنفين هما:

إن هناك ربط العلاقة البيداغوجية بطرق التدريس في القسم وممارسة عملية التدريس من جانب الأستاذ، وعلى هذا الأساس فالعلاقة البيداغوجية علاقة تعلم المعلومات والمهارات والخبرات التي تترتب عنها عملية التأثير والتأثر، وإحداث الروابط الاجتماعية والسيكولوجية والتربوية الرابطة بين الأستاذ والمتعلم والبيئة التربوية، بذلك فهي علاقة ترتكز على أنشطة يتم فيها إدماج المتعلم عبر استخدام استراتيجيات ومناهج وطرق التدريس قصد إحداث تعامل تفاعلي وبناء صلات إنسانية بين الأستاذ والمتعلم.

2.أهم المحطات التاريخية للعلاقات البيداغوجية

نشأت العلاقة البيداغوجية في قلب البيداغوجيا، لكونها نواتها الإستراتيجية في تكوينها، لاعتبارها من مكوناتها ومن عناصر الحقل التربوي، لأن” العلاقة لا تتم تاريخيا بكيفية واحدة متجانسة بل تعكس التمثل الثقافي العام أو الغالب للتربية والتكوين والسلطة البيداغوجية، بل تميل الآن إلى أن تتنوع بحسب الخبرات التربوية للمدرس ونوعية الجماعة الفصلية، وطبيعة تنظيم الحياة المدرسية العامة”[5]. يستوجب السياق التاريخي للمحطات العلاقة البيداغوجية  رصده من خلال حضور مضمون العلاقات البيداغوجية في البيداغوجيا، ويمكن تحديدها في ثلاث محطات رئيسية، فالمحطة الأولى تم اعتبارها الأصل البيداغوجيا في التدريس متأثرة بفلسفة سقراط وأفلاطون وأرسطو، فعلاقة البيداغوجية في البيداغوجيا كانت تنحصر في مرافقة الطفل من طرف العبد إلى المدرسة، لإعداده بيداغوجيا لذلك، فارتكزت العلاقة البيداغوجية من ما بعد اليونان إلى عصر الحداثة على ارتباطها بطرق التدريس لكونها تعتمد على علاقة الاتصال من الأعلى إلى المتعلم من أجل حشو عقول المتعلمين بمعرفة تدريسية دون مراعاة مستوى قدراتهم واستعداداتهم، لاعتبار عقل المتعلم صفحة بيضاء، وتكمن الطريقة الممكن توظيفها في العلاقة البيداغوجية في استعمال اللغة وسيلة لنقل المعلومات المعرفية وطرح الأسئلة على المتعلم لتهيئه قصد استيعاب المعلومات الجديدة، ومن ثمة ينتقل الأستاذ إلى  عملية الاستجواب والاستقراء والربط والتعميم.

أما المحطة الثانية فتم حضورها في القرن التاسع عشر مع العلوم الإنسانية، فتوسع تصور البيداغوجيا فأصبح ” يشتمل على جوانب نظرية أخرى تطبيقية une théorie pratique فالجانب منها يعني أساسا منهجية أو فلسفة التربية وبالتالي أصبحت مستقلة بذاتها معتمدة في مدارس باعتبارها مادة دراسية une discipline، أما الجانب التطبيقي لها فيعني الممارسة التربوية بشكل عام مع التركيز على دراسة العلاقة التي تربط الأستاذ بالمتعلم”[6]. ورغم استقلال البيداغوجيا فمازالت تتفاعل مع العلوم الإنسانية، فتمت ممارسة العلاقة البيداغوجية انطلاقا من التحليل النفسي القائم على الشعور واللاشعور، والسلوكية المعتمدة على المثير والعوامل والاستجابة والجشطالتية المستندة على المجال الكلي، والتكوينية المرتكزة على التوازن، واعتبرت المتعلم محور التعلم التلقائي الحر لأن غرائزه وميوله هي التي تقرر المعرفة وتحدد طريقة بناء العلاقة البيداغوجية انطلاقا من أفعاله وحواسه مع الاعتماد على وسائل الإيضاح وأساسها الكتاب، وتجلى حضورها بعد الحرب العالمية الثانية، وركزت على تصور تنظيري تطبيقي، فتعددت أنواع محطات العلاقات البيداغوجية المستوحاة  من أنواع البيداغوجيا وتتمثل في:

محطة العلاقة البيداغوجية التنويعية: تستعمل فيها آليات وأدوات وتقنيات التفاعلية وتواصلية متنوعة تخضع لعنصر الزمان، وللأنشطة المتنوعة، وتقوم على تقنية يستدعيها هدف موضوع الدرس.

محطة العلاقة البيداغوجية المتعددة: تستعمل تقنيات مختلفة بكيفية متزامنة في التفاعل والتواصل أثناء تقديم موضوع الدرس.

محطة العلاقة البيداغوجية الفارقة: تنطلق هذه المحطة من عملية التفاعل والتواصل من الفروق الذاتية الطبيعية البيولوجية والفسيولوجية كالبنية الجسمية وخصائصها ووظيفتها، ويكون لها تأثير في علاقة التعلم بالمتعلم بالأستاذ، والفروق الفردية للمتعلم الذاتية المكتسبة من الثقافة، وأنماط التنشئة الاجتماعية، والفروق الفردية المعرفية الناتجة عن اختلاف المتعلمين في اكتساب المعرفة، والفروق الفردية الاجتماعية والاقتصادية.

يتم ضمن العلاقات البيداغوجية وضع كل متعلم في إطاره المناسب لسرعته التعلمية، وتعتمد على الكفايات التي تتماشى مع قدرات المتعلم وتحققها، لأنها تسعى إلى تحقيق التفاعل الاجتماعي والتواصل البيئي في جماعة القسم في إطار أداء التعلمات المسندة إليه، وينطلق تفعيل العلاقة البيداغوجية الفارقة بين أطراف المثلث البيداغوجي (الأستاذ، المتعلم، المعرفة) من كون المتعلم ذات عارفة مرتبطة بطرفي الفعل التعليمي: الأستاذ والمادة المدرسة. تتميز العلاقة بين المتعلم والأستاذ في ظل هذه البيداغوجيا بخصوصية تقدير الأستاذ لذات المتعلم محورا لفعل التعليم، وتقدير المتعلم للأستاذ من منطلق أن هذا الأخير هو محرك فعل التعلم اتجاه المتعلم، وبذلك يدخل الاثنين في علاقة مشتركة تتوخى تحقيق التعليم والتعلم في أفق وظيفة المؤسسة التعليمية”.[7]

يتضح من خلال محطات العلاقات البيداغوجية أنها ساهمت في ارتقاء وتطور العلاقات التفاعلية والتواصلية في المثلث البيداغوجي لإغناء الدينامية المعرفية لجماعة القسم وتجويد قدراتهم السلوكية والمعرفية والعاطفية. إن العلاقة البيداغوجية متعلقة بدينامية سيرورة التعلم والتعليم والتكوين لتحقيق اكتساب المهارات والمعرفة والقيم لدى المتعلمين في القسم.

3.المداخل التنظيرية لمفهوم العلاقات البيداغوجية

ارتبط تحديد مفهوم العلاقات البيداغوجية بمداخل ومرجعيات نظرية اختلفت في تحديد ماهيته، وأبعاده، وطبيعة العلاقة والمكونات المكونة لها انطلاقا من تصوراتها واتجاهاتها، ويمكن تحديدها في:

  • مداخل التحليل النفسي: حاول التحليل النفسي أن يحدد طبيعة العلاقات في القسم عبر التماهي أو التوحد أساسه التعلق الوجداني بشخص آخر ليكتشف المتعلم سماته المشتركة بينه وبين المتعلمين والأستاذ، إذ يتوحد مع هذا الأخير من خلال إحساسه أنه يشترك معهم في سمات شخصيته، ويحدث التماثل بين الجهاز النفسي للمتعلم وجماعة المتعلمين والجهاز النفسي للأستاذ وفي نفس الإطار تم تحديد العلاقة البيداغوجية في جماعة القسم من المنطلقات الظاهرية المشتركة بين الأستاذ والمتعلم، وله صلة بما يتم التعبير عنه في آراء ومواقف شبه صريحة، أو تتجلى في فلتات صادرة عن غير وعي. تجمع العلاقة البيداغوجية بين الشعور واللاشعور في إطار تشابكي عبر التجربة والنضج العاطفي وعملية تحويل ارتباط المتعلم بالأسرة إلى الارتباط بالأستاذ والمتعلمين.
  • المدخل السلوكي: ارتكز المدخل السلوكي في تحديد العلاقة البيداغوجية على الحدث النفسي لاعتباره مؤشر للسلوك الإنساني، لأن الأفعال السلوكية قابلة للملاحظة المباشرة لكونها فضاء للتعلم ولفهم الظاهرة النفسية، والسلوك عند المتعلمين وتغييرها عبر العرض والممارسة والتكرار والتعزيز والعلاقة العمودية من الأستاذ إلى المتعلم، التي تستند إلى التعزيز وتعميم الاستجابة، فالصلة الكامنة بينهما تم اعتبارها سلطوية لكونها تعتمد على الاكراه والتخويف، لأن الأستاذ مهمته تكمن في نقل المعلومات المحصورة بالمضامين وإجبارها على المتعلم، والمعارف التي يكتسبها المتعلم تكون واقعية وملموسة وموضوعية، والتخـلص من الاسـتجابات الخاطئـة.
  • المدخل النـظــري للجشطالية: يتم إفراز العلاقات البيداغوجية من خلال سلوكات داخل القسم بين الأستاذ والمتعلم والمتعلمين، عبارة عن حصيلة لتداخل مجموعة من الكليات المتجلية في العلاقة التي تقع في المجال المكاني والزماني وحالة الطفل السيكولوجية والفيزيولوجية في علاقته مع المعلم، والمحتوى المعرفي المساهمة في الإدراك والتعلم والاستبصار للأستاذ والمتعلم قصد المساعدة على تنظيم العلاقة البيداغوجية بين الأستاذ والمتعلم والمتعلمين، ويمكن فهمها عبر الرغبات والميولات المتفاعلة فيما بين الأستاذ والمتعلمين، ولا تتعارض فيما بينهم ويختفي الصراع داخل القسم، وأيضا عبر إدراك الحالات السيكولوجية وتأثير الأستاذ في المتعلمين، وإحداث التكافؤ بين المتعلمين لامتصاص الصراع وعدم إحداث القوى المتعارضة بين المتعلمين.
  • المدخل النظري للبنائية: حدد المدخل النظري للبنائية المعرفية للعلاقة البيداغوجية، من خلال مستويات متمثلة في التعلم، الذي في نظرها نشاط بنائي يقوم به الأستاذ والمتعلم في سياق اجتماعي، فالمتعلم داخل عملية العلاقات يخضع لتأثير سابق، ويبني المعارف ويقرر، ويقوم الأستاذ بالتعليم ودعم المتعلمين بمعارف وتجارب.

يتضح أن مفهوم العلاقات البيداغوجية تبلور في سياق وأنساق بيداغوجيا لكونها مكونا من مكوناتها الأساسية، وأضحى محورا استراتيجيا تتطرق إليه العلوم الإنسانية، والدراسات البينية، ويرتبط أيضا بمجتمع واقتصاد المعرفة، لأن تطوره وتجديده يتجلى انطلاقا من  ارتباطه بثورة المعرفة المستندة إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، التي لها تأثير أساسي في المنظومة التربوية التعليمية، حيث تم التوجه نحو التعليم الإلكتروني والتعليم عن بعد، فانبثقت مصطلحات ومفاهيم لها صلة بمفهوم العلاقات البيداغوجية مثل التواصل التربوي والتفاعل التربوي والتعاون التربوي والتنسيق التربوي، ويرجع هذا إلى أن التعليم الإلكتروني لم يستقل عن البيداغوجيا، وأن مداخله الفلسفية والمرجعيات النظرية حديثة التكوين، وساهمت في تغيير هيكلة العلاقة البيداغوجية وأدوار مكوناتها، وتغير البيئة التعليمية وتفاعلها مع بيئة الأعمال والمهارات الحياتية، وإحداث ” تفاعل تعليمي من الجانبين: يحاول النظام التعليمي الحالي إيجاد بعض صيغ التفاعل بين المتعلم من ناحية ومصادر تعلمه ( الأستاذ والكتاب) من ناحية أخرى، أما في النظام التعليم الجديد فتتيح الحسابات عن طريق برمجيات الوسائط المتعددة ودوائر المعارف التفاعلية والاتصال بشبكات المعلومات المحلية والعالمية فرصا غنية للتفاعل عن طريق مشاركة المتعلمين في كافة الأنشطة حيث أصبحت شبكات المعلومات ثنائية الاتجاه معرفية وتعاونية وذاتية الانضباط”[8].

وفي هذا السياق ارتبطت العلاقة البيداغوجية بالأشكال الجديدة للتعليم، والمتمثلة في التعليم الذاتي، والتعليم التعاوني والقدرة على البحث، والتعلم وفق قدرات وطاقات أدت إلى تجلي مداخل ونظريات تسعى إلى تحقيق العلاقات البيداغوجية المندرجة في دوافع اجتماعية وثقافية تتصل بالفعل التربوي والسلطة التربوية، وبهيكلة البيئة التربوية، ووضعيات التدريس والتعلم والوسائط والتقنيات والقواعد البيداغوجية، بذلك فالعلاقات البيداغوجية تعكس التمثل للسلطة الثقافية البيداغوجية للتربية وللتعليم.

4.أنواع المقاربات والقراءات للعلاقات البيداغوجية

وردت المقاربات والقراءات للعلاقات البيداغوجية متعددة ومتنوعة نظرا لصلتها العضوية بالبيداغوجية، ولكونها تشكل مكونا من مكوناتها، وتعد ناظما في تفعيل الحركات العلائقية للمثلث البيداغوجي (الأستاذ والمتعلم والمعرفة)، فعرفت تحولات نظرا للتطورات التي عرفتها البيداغوجيا، وتباينت المقاربات والقراءات، فتم تحديدها في الأشكال[9] الآتية:

– تتطرق المراجع الفلسفية المساهمة في إنتاج تصورات للبيداغوجيا إلى العلاقات البيداغوجية تسمح بتنظيم الظواهر العلائقية لمكونات البيداغوجية انطلاقا من العلوم الإنسانية من خلال التنظير للولوج إلى التطبيق، فأضحت للفلسفة وظائف إبستمية قائمة على صناعة وإنتاج المفاهيم والوظائف الجمالية القائمة على المساءلة النقدية للغايات[10].

–  تم اللجوء إلى مقاربة علم النفس التربوي المهتم بالمتعلم في العلاقة البيداغوجية من حيث المعرفة قصد قيادة نشاط تربوي معقلن [11] انطلاقا من العلاقة البيداغوجية.

– الاعتماد على القراءات والمقاربات السلوكية والسوسيولوجية والبنائية للإحاطة بالنظريات التطبيقية المتعلقة بالعلاقة البيداغوجية.

– علاقة البيداغوجية بالمقاربة بالمضامين: إن العلاقة البيداغوجية ارتبطت بمقاربة المضامين المعتمدة على الطريقة الإلقائية مع احترام منطق المادة واكتشاف المعارف النظرية والاهتمام بالثقافة والمعرفة الموسوعية الاستطرادية غير متخصصة، مع الارتكاز على عملية الإبلاغ والإيصال لمضامين محتويات المعرفة من طرف الأستاذ، الذي يعتبر نواتها، والمتعلم عبارة عن مستقبل المعارف وحفظها واستظهارها على الورقة عند اجتياز الامتحان من خلال الإجابة عن الأسئلة المطروحة.

– الارتكاز على القراءات المنهجية في العلاقة البيداغوجية القائمة على الأهداف، والمتمثلة في السلوكية المعتمدة على أن” السلوك لا يتغير عن طريق تفاعليات داخلية بل تحدث كإجابة على تغير العوامل الخارجية أي المحيط، أي ردة فعل المحيط أو الخارج على سلوك المتعلم ومن أهم الحدسيات التي تقوم عليها هذه المقاربة”[12] المستندة إلى مبدإ المثير والاستجابة، فالعلاقة البيداغوجية تم ربطها بالتحليل الوظيفي الذي يتعامل مع سلوك المتعلم المتفاعل مع محيطه، ويغير نفسه من خلال تغييره لمحيطه، وحصوله للاستجابات فيتمظهر من خلالها السلوك الفاعل، وعلى هذا المنوال تم الاعتماد على التدريس بالأهداف، لأنها حاولت وضع المتعلم كطرف العلاقة البيداغوجية ومركز الفعل في عمليتي التعليم والتعلم لتحقيق التواصل وتمكين المتعلم من حصر غاياته وأغراضه.

– القراءة الإدراكية: تنطلق العلاقة البيداغوجية في نظر الإدراكية من داخل المتعلم ولا تهمشها لكون القراءة الإدراكية تعتبر فعلا موجبا فالعلاقة البيداغوجية تكون في القراءة الإدراكية لا تراعي مشاعر المتعلم.

– القراءة التفاعلية: تهم المقاربة التفاعلية في العلاقة البيداغوجية بالتفاعل المتكون من اللغة والمعاني والصور انطلاقا من أن يستوعب المتعلم أدوار أخرى، فمن خلال العلاقة البيداغوجية يدرك المتعلم حضوره على أنه ينتمي إلى أي صنف، وفي ظل التركيز على بنيات الأدوار السلوكية والأنساق الفعلية الاجتماعية تتم عملية التفاعل بين المتعلم والأستاذ قصد تحقيق النجاح أو الفشل على المستوى التعليم[13]. وتستند العلاقة البيداغوجية على الدوافع البيولوجية من حيث تحليل وتفسير سلوك المتعلم، والتأكد على قدرة الإنسان على خلق واستخدام الرموز مع صياغة الأنشطة الذهنية للمتعلم والاستناد على العلاقة بين الأنشطة الذهنية وعملية الاتصال الاجتماعي[14]. ترتكز القراءة التفاعلية على دور اللغة لاعتبارها آلية تساهم في صياغة الأنشطة الذهنية للمتعلم أثناء عملية الاتصال الاجتماعي، وتعد تصورا تفسيريا لاكتساب المتعلم المعاني المساهمة في رسم صور وتوقعات للجماعة في القسم من خلال نظام المعاني المميز للثقافة التي تؤثر في بناء الصور في عقول المتعلم فالعلاقة البيداغوجية المرتبطة بالتفاعلية الناشئة بين المتعلم والمعلم تتبلور عنها ظهور علامات ورموز لغوية لها دور في تقويم المتعلم.

– مقاربة الكفايات: يجعل منظور مقاربة الكفايات للعلاقات البيداغوجية المعلم منشطا وموجها والمتعلم مكتشفا وباحثا ومساهما بفعاليته في تشكيل معارفه، واكتسابه مهارات علمية ومنهجية مرتبطة بمحتوى المادة، وتبنيه مواقف واتجاهات تساهم في توجيهه لاتباع سلوكات صحيحة لذاته ومحيطه. فالعلاقة البيداغوجية من خلال مقاربة بالكفايات مرتبطة بتوظيف واستثمار المعارف والمهارات المكتسبة عند المتعلم، وقدرته على حل المشاكل والارتباط بمحتوى الدرس، وتقويم جودة انجاز المتعلم.

5.أسس العلاقة البيداغوجية

نشأت سيرورات العلاقات البيداغوجية من مكونات الاتصال والتواصل البيداغوجي التربوي، لاعتبارها النواة الإستراتيجية للفعل التعليمي ساعيا إلى إحداث تفاعل بين أسس العلاقة البيداغوجية المتمثلة في الأستاذ والمتعلم والمعرفة (المحتوى الدراسي).

يتم استخدام المثلث في تفعيل العلاقة بين عناصره بواسطة التفاعل والتواصل لاكتساب المتعلم المهارات والخبرات والمعرفة اللازمة، عبر إشراك الأستاذ للمتعلم في  بناء المعرفة ونقل محتواها، بذلك تنشأ ثلاث علاقات تنبثق منها ثلاث سيرورات تكمن في سيرورة التعليم وسيرورة التعلم وسيرورة المعرفة.

الخطاطة رقم 2: المثلث البيداغوجي للعلاقات البيداغوجية.

ويمكن حصرها في الخطاطة التالية:

يتضح من خلال سيرورات التعليم والتعلم والتكوين أن كل واحدة تتسم بخاصية تختلف عن أخرى، وتنطلق من مكون استراتيجي للعلاقات البيداغوجية لاعتباره هو فاعل فعل في الطرف الثاني في العلاقة.

خطاطة رقم3. سيرورات العلاقة البيداغوجية انطلاقا من مكوناتها.

_ سيرورة التعلم: يتم التركيز في سيرورة التعلم على المتعلم الذي يتوفر على مرتكزات أساسية كامنة في المعرفة، والمهارة، والفهم، وأداة كيفية المساهمة في توضيح استعمال المعرفة وفهمها، تمنح للمتعلم حرية إدراك المعرفة من مواقف تعلمية ينتجها بنفسه طواعية، ويصبح المتعلم عنصرا فعالا ومسؤولا داخل المنظومة التربوية لأنه” المحور الأول والهدف الأخير من كل عمليات التربية والتعليم، فهو الذي من أجله تنشأ المدرسة، وتجهز بكافة الإمكانات. ويتمثل هدف المدرسة بكل مكوناتها تكوين عقل المتعلم وجسمه، وروحه، ومعارفه واتجاهاته[15]، وإن تعلمه يفضي إلى نمو عقله وتطور إدراكه، ويساهم في تعلم المتعلم وتنميته عوامل محددة في إيجاد التعايش بين النضج والتجربة والأشياء المادية والتفاعل الاجتماعي، وسياق التوازن في غرفة الصف[16].

ويكتسب المعرفة بواسطة سياق من التكوينات والبناء.[17] مع استعمال التدرج في البناء المعرفي من السهل إلى الأصعب[18]. وأثناء عملية التعلم يتدخل ذكاء الأستاذ وخبرته وآلياته يوظفها من أجل مواكبة النمو المعرفي للمتعلم[19].

سيرورة التعليم: تعد سيرورة التعليم النواة المهيمنة والحاضرة في المنظومة التربوية التعليمية، أساسها الأستاذ لأنه المنبع الأساسي المستمد منه المعرفة لفائدة المتعلمين، ويتم التركيز على المحتويات المعرفية والطرق البيداغوجية المهيمنة عليها، تستند السيرورة المتمركزة حول الأستاذ في العلاقة القائمة بينه وبين المعرفة أساسا على وظائف تتمثل في القيام بهندسة بناء خطة الدرس وإنجازها أمام المتعلمين بطريقتين التلقين أو التفاعل، والاختيار يعود إليه، ويتكلف أيضا بدور تدبير جماعة القسم وتنظيمها لتمرير عملية التعليم في ظروف ملائمة.

سيرورة التكوين: تتمظهر سيرورة التكوين من خلال علاقة الأستاذ بالمتعلم، وتهيمن عملية التعلم على التعليم، وينطلق الحوار من الأسفل إلى الأعلى، لأن المتعلم يساهم في تكوين تعلماته، تتسم العلاقة القائمة بينهما بخصائص معرفية ووجدانية ذات رابطة اجتماعية إنسانية، تتأثر بعوامل تتعلق بالأستاذ ذاته، والمتعلم والبيئة التربوية التعليمية في المؤسسة. وفي ذات الوقت تتسم علاقتهما بالثقة في النفس والتواصل والمساواة والقرب والمصاحبة والدعم والابتعاد عن البرودة في التعامل.

ويتضح من خلال ما سبق، أن سيرورات العلاقات البيداغوجية تتأسس على أن دور الأستاذ” في توفير شروط سيكو- علائقية ومادية تمكن المتعلمين من التعلم الذاتي وتحفيز النشاط البيداغوجي وليس المراقبة والتسيير.

– يقوم التعلم الذاتي والطبيعي على تفاعل المتعلم إيجابيا بالبحث والاكتشاف والتواصل….

– تعتمد الطريقة المفتوحة على المناقشة الحرة وبيداغوجيا الإبداع وحل المشاكل.

– إن أساس هذه الخصائص أن المعرفة يتم بناؤها من طرف الذات.”[20]

6.منطلقات العلاقة البيداغوجية

يصعب الحديث عن علاقة بيداغوجية واحدة على ضوء التعدد والتنوع الإبستمي والعلمي والتباين في رؤى وتصورات العلوم الإنسانية والدراسات البينية بخصوص البيداغوجية، فتعددت منطلقاتها المحددة في المنطلقات العلمية، أو المنطلقات المرتبطة بطرق التنشيط، أو من المنطلقات السلوكية أو النفسية أو من منظور الخطأ أو اللعب، فأصبحت منطلقات العلاقة البيداغوجية متعددة نظرا لتعدد المجالات التي عرفت تحولات وتجديدات مثل التعاقد والتشارك والمسؤولية والبرامج والأهداف والمشاريع والحق والواجب. ولدت العلاقات البيداغوجية من رحم المؤسسة التعليمية، وتأسست على ضوءها انطلاقا من الأدوار والمهام والوظائف وأعمال الأطراف المكونة للعلاقات البيداغوجية، وداخل هذا الميكانزيم تشكلت منطلقات العلاقات البيداغوجية انطلاقا من جماعة القسم، فتعدد المنطلقات ويمكن حصرها في القيادة والتمكين والحكامة.

– منطلق القيادة

تعد الجماعة المنطلق النواتي في تحديد العلاقات البيداغوجية، لأن من خلالها تتحدد مجموع العلاقات المؤقتة أو المستمرة، العاطفية والمنظمة والمشروعة بين أعضائها، أو بمجموع العلاقات التي تدعى تفاعلات باعتبارها علاقات عميقة وحقيقة، وتتم عملية التفاعل عبر اللغة لكونها أداة أساسية في بناء العلاقة البيداغوجية، وتخضع الجماعة لمعايير مشتركة تؤطر سلوك المتعلمين داخل القسم، وتنتظم حول أهداف تستدعي التعاون بين المتعلمين من خلال التفاعلات التي أفرزت قيادة تتمثل في الأستاذ للحفاظ على سير النظام والتدريس واحساس المتعلمين بالمسؤولية، وأداء الواجب، وجماعة القسم مجتمع صغير، ولا يجب التعامل معه كما لوكان مجرد تجمع لأفراد مستقلين عن بعضهم البعض، فالمتعلمين في اطار جماعة القسم يحسون ويفكرون ويتصرفون بكيفية تختلف عن وضعهم خارج القسم.

ويعتبر القسم فضاء عاطفيا واجتماعيا ونفسيا ومعرفيا، يتشكل من تركيبة تتكون من القواعد والقيم والأهداف والتنظيمات المكونة بفعل العلاقة لتحقيق الغايات التربوية بواسطة قائد قيادة جماعة القسم المتمثل في الأستاذ، الذي يقوم بأدوار قيادة يمكن حصرها في الخطاطة التالية:

الخطاطة رقم 4. بعض الأدوار القيادية للأستاذ داخل جماعة القسم.

إن هذه الأدوار القيادية المنوطة بالأستاذ يخضع لها المتعلم لاعتباره مكونا أساسيا للجماعة، ويقوم بدوره بأفعال تكون نتيجة لأدوار الأستاذ، وتتمثل في التلقي والإصغاء والتنفيذ والاستجابة والخضوع والمشاركة والمساهمة وإحداث دينامية لتتبلور تفاعلات، ويتم انتاج تمثلات عن السلوك وإحداث المشاركة والتوافق، وتبادل النقاش والحوار لإشراك المتعلمين في عملية التدريس، وإشاعة روح المسؤولية، والعمل الجماعي للمساهمة في الرفع من الإنتاجية وتحسين جودة العلاقة البيداغوجية والتربوية، والحد من العدوانية والعنف.

ويتميز الأستاذ القائد بخاصيتين الأولى مادية عملية بيداغوجية تتمثل في شخصيته وقدرته ومعرفته وخبرته، سواء في العمل التربوي أو تدبير جماعة القسم في علاقتها مع الإدارة، أما الخاصية الثانية ذات طابع سلوكي للأستاذ وأسلوبه وطريقته في التدريس والتعامل مع المتعلمين ورؤيته ونظرته إليهم وإحساسه بمشاعرهم ثم قدرته التأثيرية[21]. ويمكن تحديد الأساليب القيادية في:

– أسلوب قيادي سلوكي خاضع للتجريد العقلي يتأسس على ثنائية الخير والشر والصواب والخطأ والحسن والقبح، وتدرج القيادة في صفة السلطة، فتنبثق عنها علاقة طبيعية معيارية تتمثل في الأستاذ يمارس هيمنته واحتكاره لجميع القرارات يتدخل باستمرار لضبط القسم، والمتعلم يكون خاضعا ومنقادا.

– أسلوب قيادي سيكولوجي يرتبط بالتكيف مع الفعل البيداغوجي والتربوي في جماعة القسم المتمثل في التعلم الإرادي الغائي، والتوعية، فتم اعتبار القيادة مجموعة من الصفات والسمات الشخصية تؤهل الأستاذ في وضعه الثقافي والمعرفي على تولي مسؤولية قيادة جماعة القسم، انطلاقا من القدرة والمعيارية السلوكية والتأثير والذكاء والإبداع والتسامح وبنية نفسية قوية.

– أسلوب قيادي يرتكز على أن القيادة عبارة عن مجموعة من الأفعال والوظائف يقوم بها الأستاذ في علاقته بالمتعلمين القائمة على الهندسة التنظيمية المرتكزة على التخطيط والتقويم والإشراف والرقابة التي تمارس على المتعلمين، وضبط القوانين التشريعية التي تحدد العلاقة البيداغوجية على مستوى الحقوق والواجبات والتحفيزات والعقاب وإدارة العلاقات بين المتعلمين. ومن ثمة، فأهم منطلق لتشكيل العلاقة البيداغوجية هو القيادة المنبثقة من المنطلق النواتي الكامن في الجماعة لكونها تقوم بـ”تمكين الشخص المشروط من أمانة الاستخلاف في ممارسة أناه بما أوتي من كفايات في إدارة الجماعة المرتبطة بضمير نحن بالتسخير المتبادل بين تداخل الذوات، والتناصح والتعالق، وتدبير ومعاقلة نشاطاتها بشرعية العهود، وبمشروعية علمية وأخلاقية متميزة، وفي ضوء الحرية، وتكافؤ الفرص، ومبدإ الشراكة، وشفافية التقويم في تحقيق الأهداف المعيارية واشباع الحاجات المشتركة”[22].

– منطلق التمكين

استنادا إلى منطلق القيادة باعتباره من منطلقات النشأة والبناء للعلاقة البيداغوجية، يكون منطلق التمكين هو الآخر العنصر الأساسي في تشكيلها وتكوينها، لكونه يعد فضاء يهتم بالقيادة في العلاقة البيداغوجية من قبل الفاعلين في المجالات البيداغوجيات والاستراتيجيات والتربويات والمعلوماتيات، لاعتباره منطلق ومطلب أساسي في العلاقة البيداغوجية، وأداة من أدوات الجودة، نظرا لعلاقة التمكين بقضايا البيداغوجيا والتربية والتعليم والتكوين والتدبير والتدريس والتواصل. اقترن التمكين بالقيادة وحسن التدبير للمنظومة التربوية، وإدارة عملية التدريس وتشجيع الانخراط الفعال للأستاذ، وفتح معه قناة الحوار لاتخاذ القرارات في عملية التدريس بصفة عامة، وتطوير المبادرات، لكونه يعد قطبا من الأقطاب الاستراتيجية في العلاقة البيداغوجية، لذا لزم الاهتمام به من أجل تحقيق الأهداف التربوية، وتمكينه من انجاز عملية التدريس الموكلة له داخل جماعة المتعلمين وفي بيئة تعليمية متطورة وجديدة.

ويعتبر التمكين وسيلة سلوكية قيادية تسعى إلى إدماج وإشراك الأستاذ في مستويات القيادة وفي عملية إعداد وصناعة وإنتاج المنظومة التعليمية التربوية لإغناء القدرات والمهارات والتجارب والخبرات، وترسيخ أهمية حضوره في البيئة التعليمية. ويعد التمكين في نواته الحافز الأساسي لبعث روح الثقة في العلاقة البيداغوجية والأستاذ في نفسه وفي قدراته. ولقي التمكين اهتماما بالغا في مرحلة الثورة الصناعية الرابعة التي حملت في طياتها مجتمع المعرفة، والتطورات المتسارعة والمتزايدة مع استخدام كبير للتكنولوجيا، فانبثقت الحاجة الضرورية لاسترفاد من تقنياتها للمساهمة في تجاوز الإكراهات والتحديات التي تواجه العلاقة البيداغوجية، لأن الثورة الصناعية الرابعة النواة الاستراتيجية للارتقاء بها وتجديدها وتطويرها وتحويلها من العلاقة البيداغوجية التقليدية إلى العلاقة البيداغوجية الرقمية أو الافتراضية، وذلك انطلاقا من توظيف واستعمال التقنيات الرقمية الجديدة للمعلوميات والاتصالات، واستخدامات العملية التربوية التعليمية للأنترنيت.

ولا تستطيع المنظومة التربوية التعليمية أن تعمل بكفاءة وفعالية بدون الاعتناء بمكونها الاستراتيجي الكامن في الأستاذ القائد جماعة القسم. لا تحاول السياسة الاستراتيجية التعليمية والتربوية تمكين الأستاذ وتوفير المتطلبات الأساسية له، وبيئة تربوية ملائمة تتمتع بتفكير القيادة الاستراتيجية في شمولية، بأسلوب التمكين التربوي من أجل رفع مستوى إبداع الأستاذ في مجال التعليم، وتهيئ مساحة جديدة للتفكير والتحليل لجذب انتباه المتعلم للتأثير فيه واغرائه لاكتساب المهارات وتمكينه أساليب التصرف وضمان الأمن النفسي والروحي.

ويجب أن يكون للأستاذ شعور بقدراته الذاتية، وإحداث الثقة بين الإدارة والأستاذ في المؤسسة التعليمية، وإذابة الحواجز الإدارية والتنظيمية الداخلية بين الإدارة والأستاذ. والاعتماد على مبدأي التشارك والتعاون، ومنح الأستاذ الاستقلالية مع مواكبته، وليس مراقبته من منظور وصاية التفتيش، واعتباره شريك وفاعل استراتيجي في القيام بالمهام التربوية التعليمية في جو من الحرية والاجتهاد، واضفاء شخصيته في التدريس وإبراز كفاءته الشخصية. فالتمكين منطلق من منطلقات العلاقة البيداغوجية تقوم فكرته على افتراض منح الأستاذ الثقة على الاستقلالية في العمل وتوليد تحمل المسؤولية لديه.

– منطلق الحكامة

اعتمدت العلاقة البيداغوجية في تكوينها على المنطلقات الآلية في تأسيسها على آليات الحكامة الجيدة لتحقيق تمكين القيادة من التفاعل وتدبير التواصل لبناء العلاقة البيداغوجية، بذلك أضحت آليات الحكامة من المنطلقات الأساسية لكونها منطلق يقوم بتفعيل المساواة والشفافية في جماعة القسم أثناء عملية التدريس وإشراك الكل فيها، وفي هذه الحالة تم انتاج مقتضيات تشريعية سيما في الميثاق الوطني للتربية والتكوين، تتعلق بأطراف جماعة القسم (الأستاذ المتعلم، المعرفة (المحتوى، المناهج، والطرق التدريس)، فتم وضع تخطيطا يراعى فيه الاعتراف بالمتعلم كطرف شريك في العملية التربوية، والأخذ بعين الاعتبار متطلباته، بغاية تحسين العلاقة البيداغوجية التي على ضوءها يتم رفع المردودية للمتعلم فرديا ولجماعة القسم من خلال آليات الحكامة المتجلية في الوضوح والسهولة بين مكونات العلاقة البيداغوجية، لكونهما يساعدان الأطراف على التفاعل لتنمية الكفاءات عبر الاعتماد على التدريس بالنتائج انطلاقا من الشراكة والشفافية، وإن هذه المنطلقات لها ارتباط وثيق بأسس العلاقة البيداغوجية.

خلاصة

تقوم القراءات والمقاربات للعلاقات البيداغوجية باختلاف ومرجعياتها النظرية، على التفاعل والتواصل، لكونها تتحدد في نسقها الكامن في المثلث البيداغوجي والتعاقد البيداغوجي، والتقويم البيداغوجي، ومن دون العلاقة البيداغوجية الفعالة، وتحديد أدوار كل عنصر من عناصر المثلث البيداغوجي، واستثمار الجوانب الإيجابية للتفاعل وللتواصل في عملية العلاقات البيداغوجية، فلا يمكن للقراءات والمقاربات أداء أدوارها ووظائفها في ظل الإكراهات، علاوة على أن بعضها قد تميل إلى نظرية بيداغوجية أحادية الرؤية، وهذا يؤدي إلى اختزال وحصار العلاقة البيداغوجية في رؤية التصور التنظيري الأحادي بينما العلاقة البيداغوجية تحتاج لرؤية تكاملية. وسعت بعض القراءات العلمية إلى التجريب والتطبيق، فلجأت إلى عملية الأجرأة والنمذجة مما ساهم في عزل العلاقة البيداغوجية عن مكوناتها الكامنة في المثلث البيداغوجي، وفصل كل مكون عن المكونات الثقافية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية، مما أدى إلى غياب الانسجام والتنسيق بين العلاقات البيداغوجية والمتطلبات الاجتماعية وبين المعرفة المقدمة للتدريس وبيداغوجيتها الخاصة.

لم تقدم قراءات العلاقات البيداغوجية مفهوما شاملا للمثلث البيداغوجي الركن الاستراتيجي للعلاقة البيداغوجية، وإنما كل قراءة من القراءات السالفة الذكر ركزت على مكون دون إبراز علاقته مع المكونات الأخرى، وبعضها أغفلت الجوانب الاجتماعية المؤثرة في العلاقة البيداغوجية كالسلطة والعنف والصراع والتغيير والتغير. وقد حاولت القراءات تقديم رؤى تصورية عن العلاقة البيداغوجية، من خلال رؤية ترسم معالم محددات ذاتية أو موضوعية انطلاقا من مرجعيتها النظرية، دون تفاعل مع رؤى القراءات الأخرى لإحداث التكامل بينها.


المصادر والمراجع

  • إحسان، محمد الحسان. النظريات الاجتماعية المتقدمة، دار وائل للنشر، الأردن، الطبعة 1، 2005.
  • بلبكاي، جمال. العلاقة التربوية بين المعلم والمتعلم في مرحلة التعليم المتوسط، مجلة الناصرية للدراسات الاجتماعية والتاريخية، المجلد9، العدد1، 2018.
  • حمدي، علي أحمد. مقدمة في علم اجتماع التربية، دار المعرفة الجامعية، مصر، ط1، 1995.
  • زيعور، محمد. التأهيل النفسي والاجتماعي للطفل والمراهق، مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1993.
  • قريش، عبد العزيز. البيداغوجيات وتنشيط الجماعات: مفهوم الفشل الدراسي، مدلولات تعدد التسمية واضطرابها، ط1، 2007.
  • فرحاتي، العربي. سؤال القيادة التربوية في الوضعين المستعارين (الحداثي والعولمي)، مجلة عالم التربية، الرباط، المغرب، العدد 20، 2011.
  • فرحاتي، العربي. التفاعل الصفي بين المعلم والتلاميذ وعلاقته بالتحصيل والاتجاه نحو الدراسة، أطروحة الدكتوراه، مرقونة، جامعة الجزائر كلية الآداب والعلوم الإنسانية الجزائر، قسم علم النفس وعلوم التربية، 1998-1999.
  • هاغيت، فرانسوا. علم النفس المدرسي، ترجمة شاهين لطفي، دار الشروق، عمان الأردن، 2000.
  • الرتيمي، الفضيل. ولكحل، صليحة: طرائق بيداغوجيا التربية والمقاربة بين النظري وصعوبات التطبيق، دفاتر المخبر المجلد 7 العدد 1، 2015، رابط الموقع: https://www.asjp.cerist.dz/en/article/
  • لورنس كورنو، وألان فرينو. الخطاب الديداكتيكي أسئلته ورهاناته، ترجمة عبد الطيف المودني وعزالدين الخطابي، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.
  • وزارة التربية الوطنية: الدليل البيداغوجي للتعلم الابتدائي، الرباط، المغرب،2009.
  • Marcel postic. La relation éducative, presses universitaires de France, paris, 4edition, 1979

[1]. فرحاتي، العربي. التفاعل الصفي بين المعلم والتلاميذ وعلاقته بالتحصيل والاتجاه نحو الدراسة، أطروحة الدكتوراه، مرقونة، جامعة الجزائر كلية الآداب والعلوم الإنسانية الجزائر، قسم علم النفس وعلوم التربية، 1998-1999، ص 12.

 [2]. زيعور، محمد. التأهيل النفسي والاجتماعي للطفل والمراهق، مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر، (د.ت)، ص162.

 [3]. وزارة التربية الوطنية: الدليل البيداغوجي للتعلم الابتدائي، الرباط، المغرب،2009، ص8و9.

[4]. Marcel Postic. La relation éducative ; presses universitaires de France ; paris ; 4Edition ;1979, p22.

[5]. الحافظ، بشرى. طبيعة العلاقات التربوية البيداغوجية داخل المدرسة المغربية وتداعياتها على الحياة المدرسية، مجلة علوم التربية، العدد 56، ص51.

[6]. الرتيمي، الفضيل. ولكحل، صليحة. طرائق بيداغوجيا التربية والمقاربة بين النظري وصعوبات التطبيق، دفاتر المخبر، المجلد7، العدد1، الطبعة1، 2015، ص94.

[7]. قريش، عبد العزيز. البيداغوجيات وتنشيط الجماعات: مفهوم الفشل الدراسي، مدلولات تعدد التسمية واضطرابها، 2007، رابط: ta3im11. Canalblog.com/archives/2007/12/27/7358622html

[8]. حنفي محمود خالد، صلاح. أدوار المعلم المستقبلية في ضوء متطلبات العصر اقتصاد المعرفة. مجلة نقد وتنوير، العدد5، الفصل2، السنة الثانية، 2016، ص120، رابط الموقع الالكتروني::tanwir.com/wp-content/uploads/2016/03/105-138pdf

[9]. لورنس كورنو وألان فرينو. الخطاب الديداكتيكي أسئلته ورهاناته، ترجمة عبد الطيف المودني وعز الدين الخطابي، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2003، ص80.

[10]. المرجع نفسه، والصفحة.

[11]. المرجع نفسه، والصفحة.

[12]. المرجع نفسه، والصفحة.

[13]. حمدي، علي أحمد. مقدمة في علم اجتماع التربية، دار المعرفة الجامعية، مصر، 1995، ص180.

[14]. إحسان، محمد الحسان. النظريات الاجتماعية المتقدمة، دار وائل للنشر، الأردن، طبعة1، 2005، ص79.

[15]. بلبكاي، جمال. العلاقة التربوية بين المعلم والمتعلم في مرحلة التعليم المتوسط، مجلة الناصرية للدراسات الاجتماعية والتاريخية، المجلد 9، العدد 1، 2018، ص82.

[16]. المرجع نفسه، ص 84.

[17]. المرجع نفسه، ص 85.

[18]. المرجع نفسه، ص 85.

[19]. المرجع نفسه، ص 85.

[20]. الفارابي، عبد اللطيف وآخرون. معجم علوم التربية، سلسلة علوم التربية 9-10، الطبعة 1، 1994، ص285-286.

[21]. عميرة، جويدة. القيادة والحكامة في الأنظمة التربوية، مجلة عالم التربية، الرباط، المغرب، العدد 20، 2011، ص358.

[22].  فرحاتي، العربي. سؤال القيادة التربوية في الوضعين المستعارين (الحداثي والعولمي)، مجلة عالم التربية، الرباط، المغرب، العدد 20، 2011، ص205.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.