منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

واقع الحداثة وضياع الإنسان زمن جائحة كورونا COVID 19 مقاربة منهجية لمشروع أخلاقي بديل عند طه عبد الرحمن

د.ربيع الحمداوي

0

 

تقديم:

في خضم أزمة صحية عالمية نتجت عن تفشي وباء عالمي مصدره كورونا COVID 19، والذي بسببه تم الحجر الصحي على ثلث ساكنة العالم، فتعطلت عادات الإنسان الاجتماعية، وكل النشاطات الاقتصادية، وأمام هذا العجز العالمي عن مواجهة الداء وحماية الإنسان من هذا الوباء، تُطرح عدة تساؤلات منهجية لها أهميتها من قبيل: هل نموذج الحداثة المعاصرة لها من المؤهلات المعرفية والمنهجية ما يمكّنها من مواجهة هذه الجائحة العالمية؟ هل يمكن للعالم أن يواجه هذه الجائحة بالبعد المادي والتقني في غياب أي بعد أخلاقي؟ ألا يمكن القول إن نموذج الحداثة اليوم أصابه من الوهن ما يعبر عن عجزه في رد الاعتبار لإنسانية الإنسان؟ خصوصا وأننا نجد دولا موبوءة فضلت المصلحة الاقتصادية على حماية النفس الإنسانية، فأدى بها ذلك إما إلى التستُّر في كشف حقيقة انتشار الوباء منذ بدايته، وإما إلى التهوين من مخاطره في هلاك البلاد والعباد، في غياب أي وازع أخلاقي في ذلك؟ كل هذه تساؤلات تجعلنا نسائل واقع الحداثة اليوم بنقد أخلاقي ومقاربة منهجية لمشروع بديل، أحد أعلامه مفكر مغربي كبير هو طه عبد الرحمن.
لقد أصبح السياق العالمي الذي تمر منه الإنسانية اليوم في ظل هذه الجائحة العالمية، يتميز أكثر من أي وقت مضى بشعور الإنسان بالتشرّد والتيه وفقد المعنى، وذلك نتيجة انعدام الإيمان باليقينيات والمطلقات الغيبية، التي كانت على الدوام تزود الإنسان بالرجاء وتمدّه بطاقة العطاء والإبداع، وهذا ما جعل الإنسان في واقع هذا الوباء العالمي يُشعره بضعف شديد نتيجة فراغ روحي رهيب، أملاه واقع فرض نفسه عندما ظن إنسان الحداثة المعاصرة أنه مستغن عن البعد الروحي، وأن الوسائل المادية كفيلة بتحقيق رغباته المعيشية وتطلعاته الإنسانية، وفي ظل هذا السياق لا نستغرب إن وجدنا من أبناء الحداثة الغربية نفسها من يدعو صراحة إلى ضرورة العودة إلى الأخلاق، من أجل إنقاذ الإنسانية مما تعيش فيه من تدهور أخلاقي وانحطاط سلوكي، ومما ينتظرنا في المستقبل من انهيار حقيقي وخراب مُدمّر، تفقد معهما الإنسانية صفتها الآدمة، يقول ألبرت أشفيتسر» نعيش ونسير في حضارة ليس وراءها مبدأ أخلاقي تستند إليه (…) ومُثُل الحضارة التي يحتاج إليها هذا العصر ليست جديدة أو غريبة عنه، بل كانت في مُثُلِ الإنسانية من قبل، ويمكن أن تعثر عليها في كثير من الصيغ العتيقة، وليس علينا أساسا إلا أن نعيد إليها ما كان لها قديما من احترام، وأن ننظر إليها نظرة حديثة حينما نربط بينها وبين الواقع الماثل أمامنا».
تتمثل أطروحة طه عبد الرحمن في نقده للحداثة وتأسيس البديل على مقاربة «روح الحداثة» بدل «واقع الحداثة»، وقد استعان الدكتور طه في بناء مشروعه الفكري على عدة مؤلفات، لكن أبزها تأصيلا لمنظور الحداثة ونقدها حسب هذه الدراسة كتابان، الأول كتاب «سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية»، ثم كتاب «روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية».
في هذه الدراسة أسعى إلى بيان معالم الحداثة عند طه عبد الرحمن، والتي تتأسس لديه على فرضيات: أولها أن الحداثة أنواع كثيرة، وبالتالي فالنموذج الغربي ليس هو النموذج الوحيد الواجب الاقتداء، وثانيها أنه يجب الانتقال من واقع الحداثة إلى روح الحداثة في التأسيس.
إن السؤال المحوري الذي يسعى البحث الإجابة عنه هو: كيف أسس طه عبد الرحمن لمنطق جديد في الحداثة يتجاوز الأعطاب التي خلفتها العقلانية المجردة فيه، والتي أسهمت في هذا الواقع المأزوم الذي تعيشه الإنسانية ؟ وكيف تجاوز بهذا المنطق فكر التقليد وأحيا فكر الاجتهاد والتجديد؟ هذا ما يسعى البحث الإجابة عنه وفق المحاور الآتية:

تنزيل نسخة معدلة ذات جودة عالية لمجلة منار الهدى العدد التاسع عشر

 

المزيد من المشاركات
1 من 23

أولا: واقع الحداثة ومبدأ نقد العقلانية الغربية عند طه عبد الرحمن

العقلانية المجرّدة وأزمة إنسانية الإنسان في الحداثة الغربية
النموذج المادي للحداثة الغربية وفصل العلم عن الأخلاق
ثانيا: المشروع الأخلاقي البديل لنموذج الحداثة عند طه عبد الرحمن
مبادئ روح الحداثة في التصور الإسلامي
روح الحداثة في ضوء النظرية الأخلاقية الإسلامية
أولا: واقع الحداثة ومبدأ نقد العقلانية الغربية عند طه عبد الرحمن
إن ما يميز فلسفة طه عبد الرحمن بشكل ملفت هو أنها لا تنشغل بمشكلة الإنسان المسلم فقط، بل تنشغل أيضا وبقوة بمشكلة الإنسان عموما، وبذلك فهي فلسفة ذات بعد كوني تبتغي إخراج الإنسانية الحديثة من المآسي والمتاعب والمصائب التي تسبب فيها نموذج الحداثة الغربية، وبذلك اتخذ طه عبد الرحمن مسلكين هما: نقد العقلانية الغربية المجردة، ونقد فصل العلم عن الأخلاق في هذا النموذج.

العقلانية المجرّدة وأزمة إنسانية الإنسان في الحداثة الغربية

العقلانية أهم المقومات التي بُنيت عليها الحداثة الغربية حتى أضحت لصيقة بها، لكنها أنواع كما يقول طه عبد الرحمن، ومن لم يدرك ذلك سيعتقد المثال الغربي لها هو النموذج الوحيد فيها، ولذلك يقول «وقد التبس الأمر على دعاة العقلانية من المحدَثين، فظنوا أن العقلانية واحدة لا ثانية لها، وأن الإنسان يختص بها بوجه لا يشاركه فيه غيره، وليس الأمر كذلك إذ العقلانية على قسمين كبيرين، فهناك العقلانية المجرّدة من الأخلاقية، وهذه يشترك فيها الإنسان مع البهيمة، وهناك العقلانية المسدّدة بالأخلاقية، وهي التي يختص بها دون سواه، وخطأ المحدَثين أنهم حمَلوا العقلانية على المعنى الأول وخصوا بها الإنسان».
نظرا لما للعقل من أهمية فقد تكلم فيه العلماء باختلاف مشاربهم، فعن العقل تكلم الفقهاء والأصوليون من حيث هو مناط التكليف، فلم يُعنو بالبحث في حقيقته في ذاته ومعرفة ماهيته كما فعل الفلاسفة، وإنما بحثوا في وظيفته وابتعدوا عما لا طائل تحته، كالبحث في العقل عرضا أو جوهرا، والجدل في علاقته بالنفس والروح، لقد صرح الجويني بصعوبة تعريف العقل، ولذلك انصب اهتمامه على البحث في وظيفته، وذكَّرَنا في معرض كلامه أن أبرز من أولى اهتمامه بحقيقة العقل الحارث المحاسبي، كما اعتبر الغزالي البحث عن تعريف منضبط للعقل غير ممكن، حيث قال»إذا قيل ما حد العقل فلا تطمع في أن تحده بحد واحد، فإنه هوس».
وإذا كان موقف علماء المسلمين في تعريف العقل مختلف عن غيرهم، إلا أنهم لم يهملوه بل عرفوه بوظيفته، مهتمين بدوره في فهم الحجج وإدراك المعاني وتفسير الظواهر والاستدلال على القضايا، فالبحث إذن في ماهية العقل وكنهه» بحث ليس وراءه طائل، ولم تثمر فيه المباحث منذ الفلسفة اليونانية إلى اليوم ما يعود بفائدة على واقع المعرفة الإنسانية، واستشعار هذا السبب هو الذي حول البحث في العقل من مجال الوجود إلى مجال المعرفة»في التصور الإسلامي، عكس التصور اليوناني القديم مع أرسطو وسليله في العصر الحديث ديكارت، الذي رأى أن العقل بإمكانه معرفة الحقيقة دون مساعدة خارجية، بل وقصر الفكر الغربي هذه المعرفة على الجوانب المادية، مع استبعاد كل ما هو أخلاقي روحي لأنها حسب زعمهم تبعد ميدان الفكر العلمي عن الموضوعية، يقول طه عبد الرحمن» أصبحت المعاني الدينية والقيم الأخلاقية تُعدّ عندها بمنزلة عوائق، أو عقبات تثبّط العمل العلمي وتخرجه عن حقيقته وفائدته، والصواب أن تحصيل تمام الموضوعية غير ممكن، وكل ما تفعله هذه الممارسة العقلانية هو أنها تستبدل بالمعاني الأخلاقية الدينية معان وقيما أخرى، غير دينية وغير أخلاقية بما فيها الموضوعية نفسها».
وبهذا فإن المنهج العقلي والعلمي الذي ارتكزت عليه الحداثة العقلية، لا يستند إلى مفاهيم إنسانية أخلاقية تحترم كرامة الإنسان وتصُون قِيَمة، وفي هذا يرى عبد الوهاب المسيري أن المفهوم العلمي والتكنولوجي للتقدم، الذي تتبناه الحداثة الغربية إنما هو مفهوم مادي محض للتقدم، يطغى على أي جانب من الجوانب الإنسانية للتقدم، ولا يعترف بها إلا كجوانب ثانوية أو كجوانب ذاتية تخص الأفراد كلاًّ على حدة، أو كلاًّ على هواه ومعاييره الذاتية الخاصة به وحده دون غيره.
فالعقل المجرّد إذن الذي كان يُؤمل منه تحقيق التقدم والتنوير المطلوب، صار عقلا محتلاًّ بشهوة المصلحة والاستحواذ، فكانت نتائجه كارثية على الإنسان خصوصا حين جعل العقلَ الوسيلة الأشد فظاعة لاستلاب الإنسان، يقول طه عبد الرحمن في ذلك «فالعقل المجرد هو بالذات العقل الذي يخلو من اليقين في نفع المقاصد التي اختارها، وبالأوْلى من اليقين في نُجوع الوسائل التي اتخذها، ولا نستغرب إذ ذاك لأن ينقلب بالضرر على الإنسان، إن قليلا أو كثيرا».
وتبعا لعدم وفاء العقلانية المجرّدة بتحقيق النفع في المقاصد والنجوع في الوسائل، يرى طه عبد الرحمن «أن هذا لن يتحقق إلا في ظل العقلانية الإسلامية الإيمانية، فالتصور الإسلامي له ربط إجرائي من نوع آخر مختلف تماما، حيث إنه يربط بين الوسيلة والقيمة، فيربط الأسباب بالقيم، لأنه في هذا التصور ستَرفع القيمة الوسيلة إلى مستوى فوق المادي، حتى لو كانت الوسيلة مادية، فهي تُحقق دائما معنى مثاليًّا، فالعقلانية الإسلامية الإيمانية تقتضي اختيار القيمة التي يحصل اليقين في نفعها، واختيار الوسيلة التي يحصل اليقين في نجاعتها، والوحي هو الذي يمد الإنسان بهذا اليقين».
ولذلك يقترح طه عبد الرحمن نسقا عقليا أوسع لتجاوز النسق الحداثي الضيق، ومرتبة أعلى من العقلانية المجردة اصطلح على تسميتها: العقلانية المسدّدة، والتي يقول فيها «ولما كان العقل المجرّد بفضل تنزيله على العمل وتوجيهه على مقتضاه، يأخذ في ترك وصفة العقلاني الأصلي ليتجه إلى الاتصاف بوصف عقلاني أفضل وأعقل، ارتأينا أن نخص هذا العقل الذي يُسَدِّدُه العمل ويجدد لباسه باسم العقل المسدّد، ونحن ماضون بإذن الله إلى وصفه والنظر في مدى وحدود إمكاناته في تكميل الحال العقلي للإنسان»، وفي مزيد تعريف العقل المسدد يقول: «إن العقل المسدّد عبارة عن الفعل الذي يبتغي به صاحبه جلب منفعة أو دفع مضرّة، مُتوسلا في ذلك بإقامة الأعمال التي فرضها الشرع»، وبذلك حدد طه عبد الرحمن ثلاثة شروط أساسية يجب توافرها في العقل المسدّد حتى يكون محل اعتبار، وهي: موافقة الشرع، واجتلاب المنفعة، والدخول في الاشتغال.
لكن على الرغم من عُلو منزلة العقل المسدّد إلا أن هناك مرتبة أعلى وأفضل يورثها العمل الشرعي، وهو الذي اصطلح عليه طه عبد الرحمن العقل المؤيّد، وهو «العقل الذي اهتدى إلى تحصيل الوسائل الناجعة فضلا على تحصيل المقاصد النافعة»، فهو المرتبة الأسمى من العقلانية التي تمكن صاحبها من تلق الخطاب القرآني بمعانيه الروحية، وليس برسومه اللفظية، وكأن المتقرب في ترقيه إلى مرتبة العقل المؤيد غايته تدارك الآفات الخُلقية والعلمية التي ورثتها كل من العقلانيتين المجرّدة والمُسدّدة، وبهذا فالعقل المؤيد لا يقوم على مجرد اعتقاد اعتيادي باطني وتصديق وجداني وإقرار لفظي، وإنما هو بالأساس اعتقاد حيّ يقيني يُصدّقه العمل وقول يُحققه الفعل.

النموذج المادي للحداثة الغربية وفصل العلم عن الأخلاق

إن الانتكاسة التي عرفتها المعرفة التي أنتجها عقل الحداثة الغربي على مستوى الارتقاء بإنسانية الإنسان، راجعة إلى كون هذا الفكر انبنى على مبدأين جعلا هذه المعرفة تنحصر تطلعاتها في أفق المادة، وتقصر عن إدراك الأشياء في كليتها، وهذان المبدآن هما:
الأول: فصل العقل عن الغيب، فكل ما لا تفيد التجربة الحسية ولا تقديرات العقل المجرد في الإحاطة به أو بوصفه، ينبغي إبعاده من مجال العلم وإدراجه في دائرة الأسطورة أو اللاعقل الذي يخص حياة الفرد الشخصية.
الثاني: فصل العلم عن الأخلاق، فلا مجال في العلم للاعتبارات التي تصدر عن التسليم بقيم معنوية مخصوصة، أو عن العمل بقواعد سلوكية معينة، على اعتبار أن العلم ينبغي أن يخضع لمبدأ الموضوعية فقط، الذي يستبعد أي تدخل للقيم الخلقية والروحية في مسار العلم».
لقد أدى الأخذ بهذين المبدأين في الممارسة العلمية في نظر طه عبد الرحمن إلى إنتاج معرفة ذات طابع أداتي آلي» تنزل كل شيء منزلة الظاهر الذي ينبغي التحكم فيه، ولا تتطلع إلى ما وراءه من الدلالات الخفية، ولا إلى ما بَطُن من الأسباب الممتنعة عن المراقبة الآلية»، ولا يخفى أن المعرفة الأداتية لا يمكن أن تشكل الحداثة الحقيقية التي يتطلع الإنسان إليها، لأنها معرفة قاصرة لا تُبصر إلاّ الجانب المحسوس فيه، ناسية أو متناسية جانبه الروحي والأخلاقي، ولا شك أن الحضارة التي تنبني على مثل هذا التصور الناقص لا يمكن أن تتجه بالإنسانية إلا إلى دمارها ونقص إنسانيتها، ولذلك نجد بعض علماء الحضارة الغربية يدقون ناقوس الخطر، منبهين الإنسانية وقادة العالم إلى أن الاستمرار في هذا التوجه من الحداثة سيفضي لا محالة إلى الكارثة، التي لن تعود على الإنسانية إلا بالمساوئ بدل جلب المصالح، يقول ألبرت أشفيتسر» الخاصية المروعة في حضارتنا(أي الحضارة الغربية) هي أن تقدمها المادي أكبر بكثير من تقدمها الروحي(…)، إن الحضارة التي لا تنمو فيها إلا النواحي المادية دون أن يواكب ذلك نمو متكافئ في ميدان الروح، هي أشبه ما يكون بسفينة اختلت قيادتها ومضت بسرعة متزايدة نحو الكارثة التي ستقضي عليها».
فالنظام العلمي والتقني للحداثة الغربية في سَعْيِه على السيادة بعيدا عن الأخلاق، يكون قد كشف عن سلبياته بعد أن كان أنصارُه يعتقدون أن التقدم العلمي والتقني قادر أن يرفع عن الإنسان أسباب الشقاء، وأن يمدّه بأسباب السعادة، فإذا به يُلقي بالإنسان في دوّامة من الشك والقلق على مصيره، لما ورثه من آفات لا حصر لها «وبِترك هذه العقلانية المتعَمَّد لجانب الاشتغال من الأخلاق الدينية، تكون قد تركت المصدر الأساسي الذي ظل يمد أطواره الثقافية والحضارية بمعاني الحياة، ومعايير السلوك وقيم العمل، فأغلقت دونها باب تحصيل المعاني الاشتغالية التي لها من القوة ما تستطيع أن تضاهي به قوة التمكنات المادية التي انفتحت لها، فتحفظ هذه التمكنات من أسباب الضرر التي قد تتطرق إليها».
لقد سد الإسلام هوة الثغرة في التجربة التاريخية بين العلم والأخلاق بإحداث توازن بين عُنصرَي الروح والمادة، وأخلاقية الحياة والعلوم، فالإسلام لا يفرّق بين العقيدة والعلم والتقنية، بل على العكس يوحد بينها في بنية واحدة متماسكة، لأن «كل تقدم مادي يتطلب تقدّما روحيا يفوقه أو على الأقل يساويه حتى يحصل الانتفاع به»، ومن هنا يرى طه عبد الرحمن أن الحداثة الغربية بنظامها العلمي والتقني لا يمكن درء آفاتها إلا بالعودة إلى الإسلام، أي تخليق النظام العلمي والتقني وَفق المبادئ الأخلاقية التي جاء بها.
ولا يتحقق ذلك إلا وفق مبدأين أساسيين هما التعقّل والتخلّق، أما التعقّل فإنه يُعدّ من أهم الفضائل التي تُميّز الإنسان عن غيره من المخلوقات الأخرى، يقضي بتحصيل المعرفة المفيدة التي تُجنّب الإنسان ما تُخشى عواقبه من الأفعال، يقول طه عبد الرحمن «التعقّل هو التحفظ من اصطناع تقنية ممكنة، والتصوُّن من الإكثار من هذه الوسائل دَفعًا لسوء العواقب»، وأما التخلّق فهو جوهر الإنسان وماهيته، فالإنسان المتخلّق هو الذي يجعل القيم الأخلاقية والروحية في صُلب أفعاله، بحيث لا تكون هذه الأفعال نافعة ومشروعة إلا إذا سعت إلى تحقيق هذا المقصد الخُلقي الروحي، فالتخلّق إذن «عبارة عن الاشتغال الذي يدفع عن الإنسان آفة العمل بمبدأ السيادة، ويجلب له الحكمة في اختراع التقنية والتأييد في استثمارها».
إنه لا سبيل إلى تحصيل هذين المبدأين عند طه عبد الرحمن إلا طريق التغيير من الداخل بواسطة تجربة عملية، ولا تجربة في نظره أقدر على النفوذ إلى باطن الإنسان من التجربة الخلقية الدينية، إذ «تجعلنا نهتدي إلى مناهج عقلية تستمد كمالَها من نور الفطرة الإنسانية، كما نهتدي إلى نتائج علمية تستمد هي الأخرى نفعها من هذه الفطرة المكرّمة»، والنتيجة أن الحداثة بهذا المعنى ستوطد صلة الإنسان عموما، والعالِم أو المفكر خصوصا بالفطرة، على أساس أن هذه الفطرة هي معين القيم الروحية والخلقية التي جاء الوحي الإلهي على وفقها تأييدا للإنسان، وإعانة له على النهوض بمسؤولية الأمانة التي تحملها في الميثاق الغيبي الأول، وبالتالي سيستعيد الإنسان في عصر الحداثة الغربية نوره الأصلي، فيصبح مبصرا لما غاب عنه قبل هذه التجربة الدينية.
وبناء على هذا فالنظرية الأخلاقية الإسلامية تسعى إلى إضفاء طابع ديني على العلوم بتناول غاياتها في المقام الأول، والأهداف التي يجب أن تُناط بالبحث العلمي ثانيا، وهذا من شأنه أن يسخر هذه العلوم لازدهار الإنسان وصيانة الخلق، لا تدميره وتغييره.

ثانيا: المشروع الأخلاقي البديل لنموذج الحداثة عند طه عبد الرحمن

بعدما بسط طه عبد الرحمن نقده للحداثة الغربية في كتابه سؤال الأخلاق باعتبارها حداثة وافدة جَرفت كثيرا من العقول، بما نُسج حولها من أوهام، ها هو يبسط في كتابه (روح الحداثة) رُؤية حداثية جديدة بعيدة عن تقليد حداثة الآخرين، لافتقارها إلى الأساس الأخلاقي، فهو بذلك يدعو إلى إنشاء فلسفة أخلاقية إسلامية معاصرة بديلة، وذلك بالاجتهاد في وضع لَبِناتها وإقامة بعض قواعدها.
لما كانت الأخلاق في نظر طه عبد الرحمن عبارة عن صفات ضرورية يختل بفقدها نظام الحياة، فإن النقد الأخلاقي يتوجه إلى الحداثة الغربية لكونها أخلت بهذه الصفات الضرورية التي تُعطي للإنسان معنى وجوده وتحقق إنسانيته، «فالقيمة الأخلاقية أسبق على غيرها من القيم، بحيث لا فعل يأتيه الإنسان إلا ويقع ابتداء تحت التقويم الأخلاقي».
هكذا تتبدى لنا مشروعية النقد الأخلاقي للحداثة الغربية عند طه عبد الرحمن، فلننظر في كيفية بناء دعوى تأسيس الحداثة الإسلامية على هذا النقد الأخلاقي.

مبادئ روح الحداثة في التصور الإسلامي

ينطلق طه عبد الرحمن في مشروعه لبناء الحداثة الإسلامية من فكرة مؤداها التفريق بين (روح الحداثة) التي ينبغي في نظره حفظها، و(واقع الحداثة) الذي ينبغ مغادرته نتيجة ما أصاب روح الحداثة من أعطاب عند تنزيلها في التطبيق الغربي، حيث آل هذا التطبيق إلى مآلات جحدت بمكتسبات الحداثة كما نظّر لها الفكر الغربي.
وقد استقى طه عبد الرحمن هذا التمييز من التعريفات المختلفة المتعددة للحداثة في الفكر الغربي، وهي تعريفات أدخلت الفكر المُقلّد في متاهة لا خروج منها، ولا قدرة له على استيعابها إلا بهذا التمييز بين روح الحداثة وواقع الحداثة، وفي ذلك يقول: «كذلك يتعيّن أن نبدأ بالتخلّص من هذا التشيء الذي أدخلته هذه التعاريف على مفهوم الحداثة، والسبيل إلى ذلك هو أن نفرق في الحداثة بين جانبين هما: روح الحداثة وواقع الحداثة»، فرُوح الحداثة هي جملة القيم والمبادئ القادرة على النهوض بالوجود الحضاري للإنسان في أي زمان وأي مكان، لأن «هذه الروح عبارة عن جملة من المبادئ، ومعلوم أن المبدأ لا يستنفذه أبدا تطبيق واحد، إذ هو بمنزلة القاعدة العامة التي تجري على حالات مختلفة»، أما واقع الحداثة فهو تحقّق هذه القيم والمبادئ في زمان مخصوص ومكان مخصوص، وبالتالي فالنموذج الغربي ليس سوى وجه من وجوه التطبيقات الممكنة لروح الحداثة، من بين تطبيقات ممكنة أخرى، ما تزال غير مُنزلة على الواقع، وبهذا فإن التطبيق الإسلامي لروح الحداثة كما عبّر عنه طه عبد الرحمن يكشف عن تطبيق يسمو بروح الحداثة بما لا يسمو به النموذج الغربي لها.
وبناء على هذا فإن طه عبد الرحمن يؤكد أن روح الحداثة التي يفترض أن واقع الحداثة يُطبّقها أو يُحقّقها، تقوم على ثلاثة مبادئ أساسية هي:
مبدأ النقد: وهو فاعلية العقل على النظر والتمحيص والحكم، سواء بالإثبات والقبول أو النفي والدحض، مع تقديم شرط الدليل على قبول الأمر أو رفضه، «ومقتضى هذا المبدأ أن الأصل في الحداثة الانتقال من حال الاعتقاد إلى حال الانتقاد، والمراد بالاعتقاد هنا هو التسليم بالشيء من غير وجود دليل عليه، ومقابله هو الانتقاد، فيكون حدُّه هو المطالبة بالدليل على الشيء كي يحصل التسليم به»، والنقد هنا ليس غاية في ذاته، وإنما هو تجربة حية تؤهل صاحبها لممارسة المعرفة المستقلة عن كل المسلمات التي لا تخضع لمنهج النقد.
مبدأ الرشد: ويقصد به الخروج من حال القصور بالتبعية للآخرين إلى حال النضج، وبذلك فالمقلدون للغرب لم يُحقّقوا مبدأ الرشد لأنهم ظلوا تابعين مُقلّدين لغيرهم، فلم تتحقّق فيهم الحداثة الحقة، كونهم مستغرقين في الاتباع ويعوزهم الابداع، فمبدأ الرشد كركن أساسي في التطبيق الإسلامي للحداثة كما يرى طه عبد الرحمن، لن يقوم إلا إذا استند بدوره إلى مبدأ الاستقلال، فيتحقق الإبداع الموصول بما تقرر نفعه، لا الإبداع المفصول، مقطوع الصلة بالماض، يقول طه عبد الرحمن «لا شيء يجب على المسلم أن يمارس فيه استقلاله على أبلغ وجه مثلما يجب عليه في مجالات اتصاله بعطاءات الآخرين الذين سبقوه إلى الحداثة، وذلك لكي يتمكن من حفظ خصوصيته».
مبدأ الشمول: وهو مبدأ تتأسس عليه كذلك روح الحداثة، لكن إذا كان التطبيق الغربي لها يقوم على استغراق جميع الأفراد استغراقا شموليا يستوجب تجاوز الخصوصية، وبذلك اتخذت نموذجين لها هما: التوسع المادي، أي اعتبار القيم المادية والمصالح الدنيوية والمنافع العاجلة قبل غيرها، والتعميم البشري، أي امتداد آثار الحداثة إلى الجنس البشري وحده، فإن طه عبد الرحمن اتخذ مجالا مغايرا لمبدأ الشمول أرقى وأوفى من غيره، إذ أكد أن آلية التطبيق الإسلامي له يتخذ نموذجين مغايرين عن التطبيق الغربي وهما: التوسع المعنوي، أي اعتبار القيم الروحية والمصالح الدنيوية والمنافع الآجلة قبل غيرها، والتعميم الوجودي، أي امتداد آثار الحداثة إلى كل الموجودات في هذا العالم لا الجنس البشري فقط، وفي ذلك يقول «ينبغي لمجالات التطبيق الإسلامي المعتبرة أن يبلغ فيها تغلغُل التوسع المعنوي والتعميم الوجودي أعلى درجة».
ما يمكن أن نخلص إليه إذن، هو «أن التطبيق الغربي لمبادئ الحداثة قد أفضى بالإنسان إلى آفات أخلاقية لا عدد ولا حصر لها، ومن هنا كانت الدعوة إلى ضرورة الاشتغال بالتطبيق الإسلامي لروح الحداثة، الذي لا يقل مشروعية عن الاشتغال بالتطبيق الغربي لهذه الروح وفق المبادئ نفسها التي أسّست عليها الحداثة الغربية، لكن وَفق ضوابط وغايات أخلاقية أعطت للحداثة الإسلامية بُعدا عالميا صحّح من خلاله واقع الحداثة الحالي، وأعاد للحداثة روحها الأصلية، وهذا بالربط بين الموروث الثقافي الإسلامي القويم والكسب الإنساني الحديث».

روح الحداثة في ضوء النظرية الأخلاقية الإسلامية

لقد أصبح الإنسان في واقع الحداثة الغربية اليوم في أزمة أخلاقية حقيقية لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية، فالحضارة التي أنشأها انقلبت عليه بالشقاء بدل السعادة، وبالانحدار الأخلاقي بدل السمو الروحي، وبالقلق النفسي بدل الاطمئنان القلبي…إلخ، وانطلاقا من هذا الواقع الحضاري الكوني الحديث، تراءى للفيلسوف طه عبد الرحمن أنه لا مخرج للإنسانية إلا وضع نظام أخلاقي عالمي جديد، وهذا في نظره يُحتّم علينا نحن المسلمين أن نجتهد في انشاء نظرية أخلاقية مستمدة من تعاليم ديننا الحنيف، نجتهد في تعريف غيرنا بما حوته من أخلاق وقيم كونية، لأن الإنسان المنتظر لا يحتاج إلى شيء أشد من احتياجه إلى هذه النظرية الأخلاقية الإسلامية.
ولعل المتتبع لمشروع طه عبد الرحمن يجد حضور معالم النظرية الأخلاقية الإسلامية في جلّ كتبه إن لم نقل كلّها، فهو في كتابه (سؤال الأخلاق) يذكّر بذلك، ويقول «ليس يخفى أننا كنا نسعى منذ صدور كتابنا (العمل الديني وتجديد العقل) إلى الإسهام في تجديد الفكر الديني الإسلامي، بما يؤهله لمواجهة التحديات الفكرية التي ما فتئت الحضارة الحديثة تتمخَّص عنها، بل كنا نسعى على وجه الخصوص إلى وضع نظرية أخلاقية إسلامية مستمدة من صميم هذا الفكر، نظرية تُفلح في التصدي للتحديات الأخلاقية لهذه الحضارة بما لم تُفلح به نظائرها من النظريات الأخلاقية غير الإسلامية»، وكذلك في كتابه (الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري) حيث قال: «ينبغي وضع الجواب الإسلامي في سياق الغرض الذي توخينا تحقيقه في جملة من كتُبنا من ضمنها هذا الكتاب، وهو الإسهام في إنشاء فلسفة أخلاقية إسلامية معاصرة، وذلك بالاجتهاد في وضع بعض لبناتها وإقامة بعض قواعدها». فكيف نظّر طه عبد الرحمن لروح الحداثة في ضوء النظرية الأخلاقية الإسلامية؟
تمتلك النظرية الأخلاقية الإسلامية من وجهة نظر طه عبد الرحمن مشروعية تجعلها أقدر من غيرها على التصدي للآفات التي تسببت بها الحداثة بالنموذج الغربي، ومرد ذلك توفر شروط أساسية فيها تميزها عن النظريات الأخلاقية الأخرى، وهي:
أنها مستمدة من خارج نظام الحداثة الغربي.
أن مصدرها أقوى من مصدر هذا النظام.
أنها أخلاق كونية لا محلية.
ولا يمكن أن تتوفر هذه الشروط مجتمعة حسب طه عبد الرحمن إلا بالرجوع لسلطة الدين، لأنه الأقدر على فرز هذا النظام بهذا الشكل، ولذلك يقول: «لا يكفي في تقويمها إلا القدر الأعلى من الأخلاق، ولا كون ذلك إلا باللجوء إلى دين واحد مأخوذ من كلّيته، والدين الذي يقدر على قهر العولمة، أو قل الحداثة على ضبط مسلكها التعقلي، إنما هو دين الإسلام»، ويرجع هذا الفضل للدين الاسلامي في التقويم الأخلاق لاعتبارين هما:
أولا. أنه دين خاتمٌ للرسالات السماوية كلها: ويقتضي هذا أنه جمع ما كان في سالف الأديان والشرائع السماوية من حقائق الإيمان، بل وزاد عليها حقائق ليست فيها، وبالتالي فالدين الإسلامي جاء بتقرير أصل الاستمرارية والتواصل في رسالات السماء، وفي الاستيعاب التقويمي والتصحيحي النهائي الذي قامت به رسالة الختم، فتصبح «القوة الإيمانية للدين الإسلامي أوسع مدى من القوة الإيمانية لغيره من الأديان»، كما يقتضي هذا أن تكون أخلاق الإسلام مكملة ومتمّمة لأخلاق سابق الأديان السماوية، إذ أتى بأخلاق تضيف قيما سلوكية لم تعرفها الأمم السابقة، بل جعل هذه الأخلاق مراتب ومقامات عليا، وبذلك تكون «القوة الأخلاقية للدين الإسلامي أعلى رتبة من القوة الأخلاقية لغيره من الأديان».
ثانيا. أن الزمن الأخلاقي خاص بهذا الدين: أي أن الزمن الذي تتقلب فيه الحضارة الإنسانية اليوم هو الزمن الأخلاقي الإسلامي، لأن لكل دين سماوي طورا زمنيا، يبتدئ بظهوره وينتهي لحظة نسخه بشريعة أخرى، فيكون هذا الطور عبارة عن زمنه الأخلاقي الذي يكون أهله مسؤولون عن إصلاح ما اعوج فيه من أخلاق، «وإذا كان الأمر كذلك، جاز أن نرتّب أطوار هذا التاريخ بحسب هذه الشرائع، فنُنزلها منزلة أزمنة أخلاقية تختلف باختلاف الشرائع، فيكون الزمن الأخلاقي هو الطور الذي يبتدئ عند ظهور الدين وينتهي عند ظهور دين غيره متى وُجِد، فمثلا الزمن الأخلاقي المسيحي يبتدئ بانتهاء الزمن الأخلاقي اليهودي، وينتهي بابتداء الزمن الأخلاقي الإسلامي»، فالإسلام بوصفه خاتم الرسالات السماوية يكون هذا الزمن زمنه الأخلاقي، ولذلك وصفه طه عبد الرحمن بالزمن الأخلاقي الإسلامي، الذي يصبح فيه المسلمون «مطالبون بقومة روحية وأخلاقية تنهض بتخليق هذه الحداثة في مختلف مظاهرها وتجلياتها، وتقويم أخطائها وإصلاح أعطابها، وهذه القومة الروحية والأخلاقية يوجبها على المسلمين مقتضى التكليف الإلهي، لأن هذا الزمن هو زمن أخلاق الإسلام، وبما أن الحداثة الغربية تقع في الزمن الأخلاقي الإسلامي فهي في نظره – حقيقة إسلامية -، لا بمعنى أنها من إنتاج المسلمين، بل بمعنى أن مسؤولية النهوض بتقويم اعوجاجها الأخلاقي ودفع آفاتها المضرة، تقع بالأوْلى على عاتق المسلمين».
وبذلك يصبح «كل مسلم معاصر مسؤول عن العولمة ولو لم يكن صانعَها التاريخي، لأن الزمن الأخلاقي زمنُه هو دون سواه، لأنه زمن القيم التي تجددت تجدُّدَها الآخر مع دينه، وتفريغ ذمته من هذه المسؤولية يوجب عليه أن يبادر إلى تعقُّب مظاهر العولمة – أو الحداثة – وتفحُّص إمكانات التخلق التي تحملها، فإن كانت هذه الإمكانات تزيد في التخلّق، أخذ بها وحثَّ عليها، وإن كانت تَنقُص من هذا التخلّق، استنهض همّته في دفعها والتحذير منها وتغييرها، وإن كانت لا تزيد في التخلّق ولا تنقص منه، خُيّر فيها، إن شاء أخذ بها وإن شاء دفعها».
إن الإسلام إذن بموجب خاتمية رسالته وكمال أخلاقه قد حصّل تراكما قيميا أخلاقيا لم يحصله غيره، وهذا يجعل النظرية الأخلاقية الإسلامية نظرية متكاملة ومؤهلة للنهوض بالهموم الأخلاقية لإنسان الحضارة المعاصرة، وبهذا المسلك التخليقي نستطيع تصحيح مسار التغير الحضاري «ابتداء بتحديث الأخلاق، يليه تحديث الأفكار، ثم تحديث المؤسسات، فتحديث الآلات»، لأن ما نراه اليوم في مجتمعنا الإسلامي ليس إلا استنساخا لواقع الحداثة الغربية المادية، بينما ينبغي في نظر طه عبد الرحمن أن يكون تغييرا «يؤسس لحداثة ذات توجه معنوي بديلة عن الحداثة ذات التوجه المادي التي يعرفها المجتمع الغربي».

خاتمة:

بناء على ما تم عرضُه وتحليله في هذا البحث من نظرية قائمة الذات عند طه عبد الرحمن في تأسيس الحداثة الإسلامة، يمكننا القول إجمالا إن فكر الرجل يشكل مشروعا حضاريا حيًّا بالعطاء، لما تضمنه من جدّة في الطرح، وإبداع في المفاهيم والمناهج، ولذلك ظلت آراؤه تجد صَداً واسعاً في فضاء الفكر الإسلامي المعاصر على امتداد السنين الأخيرة، ومما زاد فكره تجدّرا ورسوخا راهنيتُه لكل ما يعانيه الفكر الإنساني المعاصر من أزمات، والذي من تجلياته اليوم ما يعانيه العالم من جائحة نتيجة تفشي هذا الوباء الخطير.
لقد خطّ طه عبد الرحمن لنفسه مساراً متفردا حاول من خلاله الخروج من الجمود والتقليد بطلب الاجتهاد والتجديد، المُفضي إلى الانتماء الواعي للحاضر مع استشراف أُفق مستقبلي لهذا الفكر، لا يتنكر لأصوله ولا يجتثُّ ذاته من جذوره، وبذلك جابه هذا المفكر كل دعوات التقليد التي ترتمي في أحضان الحاضر وتنقطع أو تنخلع عن الماضي، لأنه تقليد يستمد حداثة لم يكن لنا أي حضور فيها، وبالتالي فهي غير مُعبرة عن واقعنا بل هي مُعبرة فقط عن واقع غيرنا.
لقد توصلت في هذا العمل إلى مجموعة من النتائج بناء على الفرضيات التي صُغتها في المقدمة، والتي تشكل محاور هذا البحث، وهي كالآتي:
أولا: إن مشروع الحداثة عند طه عبد الرحمن ينطلق من بيان واقع الحداثة الغربية، بإظهار آفاتها ومفاسدها، حتى تنتفي كل الأوهام التي نُسجت حولها، وبالتالي تخليص العقل الإنساني عموما والإسلامي خصوصا من التبعية لها، فيكون ذلك دعوة للتجديد، وهروبا من الجمود والتقليد.
ثانيا: إن مشروع الحداثة عند طه عبد الرحمن يرتكز على تأصيل رؤية أخلاقية عالمية معاصرة، لأن الإنسانية في عصرها الحديث أغرتها المظاهر المادية وأصبحت تعوزها الضوابط الأخلاقية، وبذلك تمثل الرؤية الإسلامية حسب طه عبد الرحمن حلا لكثير من العقبات، عن طريق وصل الأخلاق بالدين بدل منطق الفصل بينهما.


المصادر والمراجع

إبراهيم مشروح»طه عبد الرحمن قراءة في مشروعه الفكري»، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت، ط1، 2009م.
ألبرت أشفيتسر»فلسفة الحضارة»، ترجمة: عبد الرحمن بدوي، مراجعة: زكي نجب محمود، المؤسسة المصرية العامة، ط1، 1963م.
بوزبرة عبد السلام»طه عبد الرحمن ونقد الحداثة»، جداول للنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 2011م.
الجويني أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف «البرهان في أصول الفقه»، تحقيق: د. عبد العظيم محمود الديب، طبعة الوفاء – المنصورة – مصر، الطبعة 1، 1418ه.
طه عبد الرحمن»الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري»، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2005م.
«العمل الديني وتجديد العقل»،المركز الثقافي العربي،الدار البيضاء، المغرب،ط2، 1997م.
«تجديد المنهج في تقويم التراث»المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط2، (د ن ).
«روح الحداثة المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية»، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2006م.
«سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية»، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2000م.
عبد الوهاب المسيري»دراسات معرفية في الحداثة الغربية»، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، ط1، 2006م.
الغزالي أبو حامد محمد بن محمد الطوسي «المستصفى من علم الأصول»،تحقيق:محمد سليمان الأشقر،مؤسسة الرسالة،بيروت،ط1، 1417ه/1997م.
مصطفى أمقدوف «الأخلاقية أفقا للتغيير نحو بناء إنسانية جديدة بحث في فلسفة طه عبد الرحمن»، عقول الثقافة للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، ط1، 1439ه/2018م.
النجار، عبد المجيد»خلافة الإنسان بين الوحي والعقل بحث في جدلية النص والعقل والواقع»، المعهد العالمي للفكر الاسلامي، سلسلة المنهجية الاسلامية 5، ط2، 1413ه/1993م.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.