منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أسباب أفول المشروع الحضاري الإسلامي؛ لفضيلة د. أبو زيد المقرئ الإدريسي

عبد العزيز ثابت

0

استضاف برنامج الشريعة والحياة في رمضان فضيلة الدكتور المقرئ أبو زيد في حلقة ثانية هي بمثابة تكملة للحلقة السابقة، وإذا كان فضيلة الدكتور تحدث في اللقاء الأول عن معالم المشروع الحضاري الإسلامي والأسس التي قام عليها، فإن هاته الحلقة خصصت لموضوع هام “المشروع الحضاري للإسلام بين مظاهر العداء وسهام الاستهداف الموجهة إليه، وعلامات الوهن التي يعانيها في الوقت الحاضر” ويسعدنا في موقع منار الإسلام أن نتيح لمتابعينا ما ند عن فضيلة الأستاذ المفكر الإسلامي الأستاذ أبو زيد المقرئ الإدريسي من منارات وإشارات عبر هذه السلسلة التي ستنشر على حلقات، والله نسأل أن تجدوا فيها ضالتكم وبغيتكم، وفي ما يلي جواب الدكتور المقرئ على سؤال: متى كانت بداية الأفول لنجم هذا المشروع الحضاري. وما الأسباب التي أفضت إليها؟

أسبقية العوامل الذاتية للأفول على الأسباب الموضوعية

بسم الله الرحمن الرحيم، لكل ظاهرة عاملان وفق سنة الله في الكون الثابتة التي لا تتغير: عامل داخلي وعامل خارجي. والأفول الحضاري الإسلامي المؤسف، والذي بدأ للأسف الشديد مبكرا فجر القرن السادس الهجري، حيث مرحلة الاستنارة ومرحلة العطاء والتوهج والامتداد والسيادة والريادة والقيادة على العالمين لم تدم إلا في الخمسة قرون الأولى. هذا الأفول الحضاري كان وراءه عوامل داخلية وخارجية، إلا أننا لا يمكن من الناحية التربوية أن نركز على العامل الخارجي لأن القرآن ربانا على غير ذلك. وعندما هزم المسلمون في معركة أحد نزلت آيات القرآن الكريم تبين الأسباب الذاتية للهزيمة، ولم تشر إطلاقا إلى الأسباب الموضوعية الخارجية. ثم من الناحية المنهجية المسلمون كما ذكرت في التقديم جزاك الله خيرا عانوا من حرب شرسة من أول يوم، منذ أول كلمة نزلت من الوحي ونطق بها النبي الأمين، بدأ العداء داخل قريش ثم داخل الحجاز ثم في الجزيرة ثم تكالب الفرس والروم والقبط والحبشة والعالم أجمع ضد المسلمين، ثم جاءت الباطنية والشعوبية وجاءت القوى الصليبية ثم المغولية والتترية إلى اليوم.

لماذا لم يكن الأفول في الخمسة قرون الأولى؟

كان العداء دائما، فلماذا لم يكن الأفول في الخمسة قرون الأولى؟ لأن العامل الخارجي لم يكن قد نضج بعد، وكانت العناصر الداخلية من القوة والتماسك والإيجابية والإشراق والتفوق بحيث لم تسمح للعامل الخارجي بأن ينتصر. البعض يحب أن يؤرخ للأفول بسقوط بغداد سنة 656 هجرية، أي أواسط القرن السابع الهجري، لكن النظر العميق يبين أن سقوط بغداد كان نتيجة ولم يكن سببا. السبب هو انهيار المسلمين من الداخل، هو ضعف مناعتهم، هو تمزقهم وصراعهم وتخليهم عن وهج عقيدة التوحيد ودخولهم في عالم الخرافة، والرجوع إلى عالم الدجل والشعوذة والعرافة. أنا أطرح سؤالا: منذ متى غزا العرافون بلاطات العالم الإسلامي ثم تبعهم بعد ذلك السحرة والمشعوذون وقراء الكف؟ للأسف هذا حصل مبكرا، عندما جاء هولاكو إلى بغداد كان تعداد جيشه ستين ألفا فقط وكان سكان بغداد مليونين منهم ربع مليون يصلحون للقتال فورا لأنهم رجال بالغون مؤهلون أقوياء وعندهم سلاح. ولماذا غلب ستون ألفا ربع مليون وذبحوا مليونين؟ لأن الانهيار كان من الداخل. في القرون الخمسة الأولى كانت السمة الأساسية أن المجتمع أقوى من الدولة، فالمجتمع أوقافه مستقلة، وقضاته مستقلون، ونظامه التعليمي مستقل، ونظامه الإنتاجي سواء الزراعي أو الصناعي مستقل. كان المجتمع قائما على التكافل، على التعلم الذاتي، على البناء الذاتي. كان مستقلا عن الدولة، كان حضور الدولة رمزيا، يكاد يختزل في دفع الواجبات المالية سواء كانت زكاة حقا أو مكوسا ظلما، وفي الدعاء للخليفة في يوم الجمعة، ربع سطر في الخطبة وإعطاء بعض الدعم الإجباري أحيانا للجيوش التي تتحرك لقمع بعض الفتن. ولهذا لما كان المجتمع أقوى من الدولة فإن الحروب والكوارث والمجاعات والأوبئة لم تفت في عضد المسلمين لأن المجتمع كان دائما يتكافل وكان يتكامل وكان ينهض بعضه ببعض في غنى عن الدولة حتى ولو غابت هذه الدولة أو ضعفت أو فسدت أو تنمرت أو استبدت.

المزيد من المشاركات
1 من 79

انطفاء العقل هو السبب الجوهري في السقوط

الجوهر في السقوط بدأ بانطفاء العقل، بدأ العقل المسلم ينطفئ، لم يعد عقلا قرآنيا، لم يعد عقلا إبراهيميا يحاجج ويسأل، يتأمل: {لا أحب الآفلين}، يسأل: {أرني كيف تحيي الموتى}، لم يصبح عقلا موسويا: {أرني أنظر إليك}، لم يصبح عقلا محمديا: (نحن أولى بالشك من إبراهيم)، (إنما أنا بشر أصيب وأخطئ، فما كان من أمور دينكم فإلي وما كان من أمور دنياكم فإليكم). هذا العقل الذي يقوم على جرأة عمر وهو يقول للحجر الأسود: “والله إني أعلم أنك حجر لا يضر ولا ينفع”. هذا العقل الذي لا يستقيل من مهامه، ولا يستعر من خصائصه، العقل الشكاك، العقل المتوثب، العقل المتسائل، العقل المتطلب للحجة، العقل الذي لا يغني عن الإيمان كما أن الإيمان لا يغني عنه. العقل الذي يستقل بوظائفه عن القلب، ويقوم بهذه الوظائف دون أن يرى أنها خطر على الإيمان. المظهر الأول من مظاهر انطفاء العقل هو سيطرة الخرافية، الصوفية، العاطفية، التي بدأت بكرامات حقيقية، وبزهد حقيقي، وبرباط صحيح، وبجهاد للنفس، وجهاد في سبيل الله ثم تحولت إلى عالم من الاحتراف والدجل والغلو والارتزاق والحديث عن الكرامات بطريقة لا يقبلها عقل ولا شرع ولا نقل ولا نص ولا أي مرجعية من المرجعيات المعتمدة في الآدمية البشرية المكلفة، ثم أصبح بعد ذلك تصوفا غنوصيا، باطنيا، مشرقي المصادر غريبا عن الإسلام، له مصادر فارسية ومصادر هندية.

ثلاث ملاحظات أساسية تؤكد رجاحة هذا القول

  • الملاحظة الأولى: التخلي عن علوم الدنيا

لاحظ الإمام الغزالي مبكرا في أواخر القرن الخامس الهجري هذه الملاحظة التي تبين بدء الأفول. قال: “إنني أدعو شباب هذه الأمة إلى أن يشتغلوا بعلم الطب عوض أن يشتغلوا بعلم الكلام، فيدخلون في الجدل الميتافيزيقي ويتركون الطب للذميين، أي لأهل الكتاب، يطلعون على الأعراض ويتحكمون في المهج”. لاحظ الغزالي في نهاية القرن الخامس مبكرا جدا أن المسلمين ينشغلون بعلوم دينية بعضها جدلي وبعضها سفسطي وبعضها مصادره أجنبية ويتركون مثل علم الطب مما يجعل اليوم الذميين والنصارى يتخصصون فيه ويبرعون فيه وبالتالي تصبح الأعراض في أيديهم. يكشفون على عورات المسلمات، والمهج، أي الأرواح في أيديهم، واستعمل الإمام الغزالي عبارتي الأعراض والمهج. فإذن من هنا بدأنا نتخلى عن علوم الدنيا زعما منا أن علوم الدين أشرف، وأن علوم الدين أفضل وأنها توصل إلى الله بطريق أسرع وأرقى، دون أن نميز حتى داخل علوم الدين بينما هو نافع كعلم العقيدة وبينما هو جدلي عقيم كعلم الكلام أو ما أخذ من مماحكات وبيزنطيات الفلاسفة.

  • الملاحظة الثانية: عجز العقل عن التمييز بين العلم والخرافة.

شيخ الإسلام في الدولة العثمانية في عصر متأخر، كما سجل عليه علي عزت بيكوفيتش، وهو سليل الدولة البوسنية التي كانت من ثمار العثمانيين، يقول في كتاب “عوائق النهضة الإسلامية” أن شيخ الإسلام في مرحلة متأخرة دخل عند الخليفة العثماني وناصحه بأن يهدم المرصد الفلكي الذي بناه على أحد مرتفعات إسطنبول ظنا منه أن هذا المرصد سيجر المسلمين إلى علم التنجيم الذي يجر إلى السحر والكهانة والعرافة وادعاء علم الغيب. كان هذا العلم عاجزا أن يميز بين علم التنجيم وعلم الفلك، بين l’astronomie و l’astrologie، و كذلك تابعه هذا الملك الذي لم يكن بتألق محمد الفاتح و لا بإشراقة من كانوا قبله من خلفاء العثمانيين المستنيرين.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 13
  • الملاحظة الثالثة: مصيبة التمزق والجنون المذهبي

شهادة ابن بطوطة، ابن بطوطة الرحالة المغربي الطنجي الدقيق الملاحظة، الصدوق كما أثبت التاريخ، حكى أنه لما وصل إلى الجامع الأزهر في القاهرة، عندما وصل إلى المسجد الجامع الأموي بدمشق، عندما وصل إلى مساجد بغداد، وجد في كل مسجد أربعة محاريب، كل محراب يصلي فيه جماعة على مذهبهم، هؤلاء مالكية، وهؤلاء شافعية، وهؤلاء حنابلة وهؤلاء حنفية. والمحاريب موجودة إلى اليوم في المسجد الجامع الأموي.

إذن ملاحظة الغزالي دقيقة في بيان التخلي عن علوم الدنيا. ملاحظة علي عزت بيكوفيتش مهمة في بيان أفول العقل وضموره وعجزه عن التمييز بين العلم النافع والعلم غير النافع، بين العلم والخرافة. ملاحظة ابن بطوطة تدل على مصيبة التمزق والجنون المذهبي الذي أوصل المسلمين إلى تحريم أن يتزوج الشافعي بالمالكية رغم أن الشافعي تلميذ مالك لأن هناك اختلافا في الشروط الفقهية بين المذهبين فيما يتعلق بصحة النكاح من عدم صحته، من سلامته أو فساده. إذن هو انطفاء العقل، هو تخلي عن العلوم الدنيوية، هو الاختلاف المذهبي الذي يصل إلى الجنون والخبل. واليوم تخلصنا من الاختلاف المذهبي وعادت المذاهب إلى وضعها الطبيعي كما هو مطلوب ومرغوب. المذاهب موجودة لكن ليس بينها اقتتال أو صراع أو فرقة أو مجافاة. فالمصريون شوافع ومالكية، والمغاربة مالكية، والعراقيون والأتراك أحناف، وأهل الجزيرة حنابلة، ولكن ليس هناك عداء على أساس المذهب. اليوم تخلصنا من هذا العداء الأخرق الذي ضيع قرونا. وتخلصنا مما جاء بعده من عداء بين الصوفية، هؤلاء درقاوية، وهؤلاء بودشيشية، وهؤلاء تيجانية، وهؤلاء نقشبندية، وهؤلاء قادرية. تخلصنا منه وبقيت الطرق الصوفية كما هي، وكما يراد لها أن تكون، طرقا في السلوك إلى الله بقصد، بدون غلو وبدون خرافة.

الطامة العظمى هي الاختلاف والاقتتال الطائفيين

لكن اليوم رجع الاختلاف الطائفي، الاقتتال الشيعي السني، الطامة الأعظم، ودخل على ذلك طبعا العدو الصهيوني الأمريكي لكي يحدث لنا في سوريا وفي اليمن وفي العراق وما يمكن غدا أن يكون لا قدر الله في لبنان أو حتى في شمال إفريقيا التي يتوغل فيها التشيع الآن، والعياذ بالله ليعيد إنتاج أشكال من الاقتتال الطائفي، هذا الخطر الماحق، خطر الاقتتال الطائفي الماثل إلى اليوم هو أحد أسباب انطفاء العقل المسلم.

المصائب الأربع وأثرها في الأفول الحضاري

تم توج ذلك كله بالاستبداد، الاستبداد لم يستقو علينا، الدولة لم تتغول على المجتمع إلا لما ضعف المجتمع، انطفأ العقل وأغلق باب الاجتهاد، وتقاتلت المذاهب، فتغولت الدولة وجاء الاستبداد. ويا ليت الاستبداد جاء وحده، لقد جاء ضمن منظومة، لأن المصائب لا تأتي إلا دفعة واحدة، ضمن منظومة رباعية أسميها منظومة الطغاة والغلاة والجباة والغزاة. تبدأ بالطغاة أي المستبدون من الحكام، ثم يأتي الغلاة كرد فعل عليهم مثل الخوارج، ثم يأتي الجباة ليأكلوا الأموال وينتهبوها للطبقة المترفة: {أمَرنا مترفيها} أو {أمَّرنا مترفيها ففسقوا فيها}، ثم يأتي الغزاة بعد ذلك لكي يكملوا الصورة. ولهذا أصبحنا اليوم بموجب هذا الشيء الذي بدأ دون أن ننتبه إليه، ونبه إليه الغزالي الرجل الذكي، الغزالي الذي وضع لنظام الملك السلجوقي خطة مدرسية ذكية لتكوين جيل يحرر القدس التي سقطت في زمانه، ولم يبكها الغزالي بدمعة لأن البكاء لا جدوى منه، وإنما وضع خطة مع السلاجقة للقضاء على البويهيين، الدولة الباطنية الشيعية التي نخرت عقيدة المسلمين من الداخل فجاء السلاجقة، جاؤوا ليس بالمشروع العسكري وبالمذهب السني، جاؤوا بالمدرسة الغزالية، مدرسة الغزالي والجويني التي أعطت بعد قرن صلاح الدين الأيوبي. واقرؤوا محمد علي الصلابي، واقرؤوا ماجد عرسان الكيلاني لكي نفهم كيف نشأ جيل صلاح الدين على يد الغزالي. الغزالي الذي كتب “فضائح الباطنية” لمحاربة الخرافيين، وكتب “تهافت الفلاسفة” لمحاربة المستلبين، هو الذي وضع البرنامج التربوي التعليمي لمدارس نظام الملك التي سميت المدارس النظامية، والتي خرجت جيل صلاح الدين الأيوبي.

واقع مرير مضحك ومبكي.

الغزالي هذا هو الذي انتبه إلى أن المسلمين انصرفوا عن الطب إلى علم الكلام، فماذا أعطى هذا في الأخير؟ أعطى هذه الصورة الكاريكاتورية المضحكة المبكية: أمة اقرأ لا تقرأ، أمة سورة الحديد لا تصنع الحديد. أمة {فتبينوا} تذهب بها الشائعات إلى حرب أو ثورة. أمة (رفقا بالقوارير) مازال فيها في بعض أطراف الدولة الإسلامية من يقتل قتل الشرف. أمة {كلكم لآدم} فيها بعض الناس عنصريين أو متعالين أو إقصائيين وأحيانا باسم الانتساب للدوحة الشريفة. أمة {أفلا تعقلون} تعشش فيها الخرافة والسحر اليوم والعرافة والكهانة، والدجل له سوق واسع عند المتعلمين والأميين سواء بسواء. أمة الإحسان بعيدة اليوم حتى عن الإتقان. أمة (إن الله لا ينظر إلى صوركم) تخدعها المظاهر من لحى وحف للشوارب وتقصير للثوب، رغم أن عمر بن الخطاب علمنا في ذلك الزمن الأول أنك لا تثق بالرجل إذا رأيته يخفض رأسه ويرفعه في المسجد، أي يصلي، وإنما حتى تخالطه في تجارة أو تخالطه في جوار أو تخالطه في مصاهرة، لدرجة أننا اليوم نشهد إجهاضا للربيع العربي بسبب انخداع مسؤول كبير في رأس الأمة الإسلامية لمظهر من مظاهر التدين الخادع ممن انقلب على الربيع العربي وجعله خريفا، وخدع بهذه المظاهر المضحكة. أمة {ولن تجد لسنة الله تبديلا} أصبحت ترفع يدها بالدعاء إلى الله عز وجل أن يخرق هذه السنن من أجلها، وتسأله نصرا بغير أسباب، وتسأله قضاء على العدو بغير أسباب، وتسأله تحقيق نتائج بدون الأخذ بمقدمات وكأنها تقول: يا رب أنت الذي وضعت السنن وقلت عنها في كتابك: {ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا}، أنت نريد منك أن تخرق هذه السنن، أي أن تلغي العقل وقواعد العقل وقوانين العقل وسنن الكون من أجل إرضاء ما في نفوسنا وشفاء غليل قلوبنا مما نحن فيه من ضعف ومن هوان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.