منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كيف يحصل المؤمن على ثواب صوم السنة كلها؟

أحمد المتوكل

0

قبل أيام ودَّعْنا رمضان وانقضى صيام الفرض، وحُقَّ للمؤمن الحريصِ على طاعة ربه والتقربِ إليه أن يَسأل: هل يُهْجَرُ الصيام إلى قدوم رمضان المقبل؟، وهل يُعطَّلُ صيامُ النوافل بعد العيد بدعوى تعبِ النفوس بصيام شهر كامل، خصوصا ورمضان الأخير تزامن مع فصل الصيف الذي يتميز بطول النهار وبالحرارة؟.

يجب على الناس أن يعلموا أن رمضان وإن كان قد انتهى، فمواسم الخير لا تنتهي، فالزمان كلُّه فرصة للخير وللتزودِ للدار الآخرة، ووِعاءٌ للقيام بالأعمال الصالحة، وهكذا كان فهم الصالحين السابقين للوقت وللدين وللعبادة، وإليكم هذه القصة: “اشترى قوم من السلف جارية، فلما قَرُبَ شهر رمضان رأتْهُم يتأهّبون له ويستعدّون بالأطعمة وغيرها، فسألتْهُم فقالوا: نتهيّأ لصيام رمضان، فقالت: وأنتم لا تصومون إلا رمضان؟! لقد كنت عند قوم كلُّ زمانهم رمضان، رُدّوني عليهم”.

لذا كان من شأن العاقِل اليَقِظ أن لا يُضَيِّع شيئا من وقته بِالبطالة التي يَذهَب معها العمر سُدًى بِغَير فائدة في الدّين والدنيا، أو بالجهالة التي تحملُه على اتّباع الهوى لعدَم معرفة ما يضرّه وما ينفعه، فيقضي أيامَه في الأكل والشرب واللهو واللغو والغفلات.

يُعتبرُ الصيام من أفضل الأعمال التي يتقرّب بها العبد إلى مولاه جلّ وعلا سواء كان فرضًا أو نفلاً، فلقد ذكره الله جلّ وعلا في أوصافِ مَنْ أعدّ لهم مغفرةً وأجرًا عظيمًا1، وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:((كلُّ عملِ ابنِ آدم له؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله: إلا الصيام، فإنّه لي، وأنا أجزي به))، ولا ينحصر أجر الصيام، بل يضاعِفُه الله أضعافًا كثيرة بغير حصرِ ولا عدَدٍ حسب نية الصائم فيه وإخلاصه وصونه لجوارحه وذكره لربه وإسداء الخير لعباد الله ومخلوقاته.

وقد تضمّنت سنّة حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم الترغيبَ في نوافل الصوم، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابَه بالإكثار من هذه العبادة العظيمة، فقد أجاب أبا أمامةَ رضي الله عنه حينما سأله قائلا: يا رسول الله مُرني بعملٍ، قال:((عليك بالصوم فإنّه لا عِدلَ له)) ثلاث مرات2، وفي رواية ابن حبان: قال: قلتُ: يا رسول الله، دُلَّني على عملٍ أدخُلُ به الجنّة، قال:((عليك بالصوم؛ فإنّه لا مثيلَ له))، وكان أبو أمامةَ وأهلُه يصومون، فإذا رُئي في بيتهم دخَانٌ بالنهار عُلِم أنّه قد نزل بهم ضيفٌ.

المزيد من المشاركات
1 من 48

لقد نهى شرعنا الحنيف عن صيام أيام السنة كلها لما في ذلك من المشقة الكبيرة على النفس والإضرار بها وتضييع لحقوق أخرى، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم حثَّ على صيام بعض الأيام الفاضلة التي يعدل صومُها صومَ السنة كلها، فينال المسلم ثواب من صام السنة كلها بصومه لأيام قليلة معدودة، وهذا دليل على كرم الله وجزيل عطائه وإحسانه وفضله وتفضيله لهذه الأمة، فيظل المؤمن يأكل ويشرب ويتمتع باللذائذ والطيبات والمشروبات والشهوات، وأجر الصائم يُكتب له وهو شبعان ريَّانَ.

وفي هذا الموضوع سنرى كيف يحصُلُ المؤمن على ثواب صيام السنة دون أن يصوم كل أيامها؟، وسنقفُ على أحاديث المصطفى عليـه الصلاة والسلام التي تُظهر أن من صام أياما قليلة نال أجرا جزيلا يعجز عن وصفه الواصفون، وذلك من فضل الله وكرمه علينا، فرغم أن أعمارنا قصيرة فثواب أعمالنا كثيـر وأجرها وفير، والسعيد والموفَّقُ من وفقه الله لاغتنام هذه الفرص وصام هذه الأيامَ القليلةَ قبل فوات الأوان.

صيام ستة أيام من شوال:

يقول النبيّ صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر))3، وفي حديث ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((صيام رمضان بعشَرَة أشهر، وصيامُ ستّة أيام بشهرين، فذلك صيام سنة))4.

وينال هذا الفضلَ من صام هذه الأيام في شهر شوال، سواءٌ أكان الصيام في أوّلِه أو في وسطِه أو في آخِره، وسواء أكانت الأيام متَّصِلة أو متفرِّقة، وإن كان الأفضل أن تكون من أول الشهر وأن تكون مُتَّصِلة، كما أنه لا حرجَ في تفريقها خلال شهر شوال كله، وهي تفوتُ بانقضاء شَوال.

فمن أراد أن يكتب الله عز وجل له صوم السنة كلها ومن غير أن يصوم أياما أخرى في شهور العام فليصم ستة أيام من شوال فهي تكفيه عن صوم غيرها.

نعم صيامُ الستِّ من شوال بعد صيام رمضان تعدل في الثواب والفضل والقيمة صيام السنة كلها، لأن الحسنة عند الله بعشر أمثالها، فصيام رمضان بعشرَة أشهر، وستة أيام بستين يوما، فعشرة أشهر مع شهرين حوْلٌ كامل، فمن لم يكن يصوم هذه الأيام فليبادر إلى صيامها حتى لا تفوت الأيام ويندم على التفريط في الخير.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

صيام سيدنا داوود عليه السلام

أفضل صيام التطوع وأحبُّه إلى الله تعالى لِمن يطيقه ولا يصعُبُ عليه، هو صيام يومٍ وإفطار يوم، وهو صيام نبي الله داود عليه السلام، عَنْ عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرٍو بن العاص قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَأَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى اللَّهِ صَلاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ))5.

وهو ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم عبدَ الله بنَ عمرو بن العاص رضي الله عنه عندما وجد عنده قوةَ الرغبة في صيام النهار وقيام الليل قائلا له: ((فصُمْ صومَ داود، كان يصوم يوما، ويفطر يومًا))، فقلت:(أي عبد الله): إني أطيق أفضل من ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا أفضلَ من ذلك))، وفي رواية: ((لا صومَ فوق صوم داود عليه السلام، شطرَ الدهر، صم يوما، وأفطر يوما))6.

صيام ثلاثة أيام من كل شهر:

وأما من لم يُوفَّق لصيام الست من شوال ولم يقدر على صوم سيدنا داوود وأراد أن يحصل على ثواب صيام السنة كلها فليصم من كل شهر ثلاثة أيام لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحاديث ومنها:

عن عبدِ الله بنِ عمرٍو بنِ العاص رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:((صَومُ ثلاثةِ أيَّام مِن كلِّ شَهر، صومُ الدّهر كلِّه))7.

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال:”أوصاني حبيبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بثلاثٍ لن أدَعَهُنّ ما عشتُ: بصيامِ ثلاثة أيّام من كلّ شهر، وصلاةِ الضحى، وبأن لا أنامَ حتى أوترَ”8.

والأفضلُ صومُها في الأيام البيض، وهي اليوم الثالثُ عشر، والرابعُ عشر، والخامسُ عشر من كل شهر قمري، وذلك ما أوصى به الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا ذرّ رضي الله عنه لمَّا قال له: ((يا أبا ذرّ، إذا صمتَ من الشهر ثلاثا، فصم ثلاثَ عشرةَ وأربعَ عشرةَ وخمسَ عشرةَ))9.

وعن النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏قال: ((‏صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيامُ الدهر، أيام البيض، صبيحةُ ثلاثَ عشرة، وأربعَ عشرة، وخمسَ عشرة))10.

والسُّنَّةُ تحصل بصيام ثلاثة أيام من أول الشهر أو وسطه أو آخره، سَأَلَتْ مُعَاذَةُ الْعَدَوِيَّةُ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ؟، قَالَتْ نَعَمْ، فَقُلْتُ لَهَا مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ؟ قَالَتْ:”لَمْ يَكُنْ يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُومُ”11.

ومن شدة حرْص النبي على صيام هذه الأيام كان لا يتركها سواء كان مسافرا أو مقيما كما أخبر ابن عباس رضي الله عنهما حينما قال:”كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُفطر أيامَ البِيض في حَضَر ولا سَفَر”12.

عباد الله: إن صيام النفل مطلوب على مدار السنة كلها، ومِنْ مجموعِ الأحاديثِ التي تتكلم عن صيام التطوع يُسْتَحبُّ أنْ لا يَمُرَّ شهرٌ مِنْ شهور العامِ خاليا مِنَ الصيام، وهذا ما تفَطَّنَ له الصحابي الجليل أبو الدرداء رضي الله عنه حينما قال: “إن خيرَكمُ الذي يقول لصاحبه: اذهب بنا نصوم قبل أن نموت، وإن شرّكم الذي يقول لصاحبه: اذهب بنا نأكل ونشرب ونلهو قبل أن نموت”.

فجدير بالمسلم أن يتأسى بنبيه الكريم الذي كان يصوم حتى يقال أنه لا يفطر، وبصحابته الأجلاء الذين كانوا يكثرون من الصيام ويتواصون به، وجدير به أن يكون له حظ من صيام النوافل قَلَّ أو كَثُرَ خلال كل شهر من شهور السنة.

لقد استفاد الصالحون من صيام رمضان وجعلوه دأبهم في أغلب أيام العام، فتعبوا قليلا، ليستريحوا في الآخرة كثيرا، وليتبوءوا من رياض الجنة مقيلا، والبائس المسكين من لم يجد للحاقهم سبيلا، والمغبون من رضي بحظّ العاجل بديلا.

ألا فليحرصِ المسلم على كثرة التزود من هذه العبادة ما دام في صحة وعافية، وليعمُر أوقاته بطاعةِ ربّه لتكونَ حياته حياةَ خير وسعادة، وإذا جاهد نفسه بصدق وأرغمها على فعل الخيرات حبب الله إليه الإيمان وزينه في قلبه وكره إليه الفسوق والعصيان وجعله من الراشدين وسهّلَ له ما تراه نفسه ثقيلا صعبا.

إياكم أن تكونوا مثل الغافلين الأكَّالين الذين يفوتهم من الخير الشيء الكثير، فهم يبيتون وبطونهم ملأى، وعيونهم راقدة، وعزائمهم راكدة، وجذوة إيمانهم خامدة، ليلهم نوم وأحلام، ونهارهم لغو ولهو والساقط من الكلام، وكسبٌ للحطام، وهيهات أن يذوقوا من حلاوة مناجاة الله ما ذاق أهل الصلاة والصيام!.

وفي الختام أقول لك أيّها المسلم ولنفسي، اجعلْ من عُمرك ظرفًا للطّاعات، تتقرّب فيه بالصَّالحات، فيا أسَفا على زمانٍ يضيع في غير طاعَة الله سبحانه! ويا حسرة على وقتٍ يفوت في غير مرضاتِه جلّ وعلا!، فالشهور والأعوامُ واللّيالي والأيّام مقاديرُ للآجال ومَواقيتُ للأعمال.

جعلنا الله ممن يعمرها بالخير ويغتنمها خير اغتنام، إنّه على كلّ شيء قدير، وبالإجابة جدير، آمين والحمد لله رب العالمين.


1 انظر الآية:35 من سورة الأحزاب

2 رواه النسائي وابن خزيمة والحاكم وصححه

3 رواه مسلم عن أبي أيوب رضي الله عنه

4 أخرجه الإمام أحمد والنسائي وصححه الرازي.

5 رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء

6 رواه البخاري في كتاب الصوم من طرق كثيرة، ورواه مسلم وغيره.

7 رواه البخاري ومسلم.

8 رواه مسلم وأبو داوود والنسائي.

9 رواه أحمد والنسائي وابن ماجة والترمذيّ وقال: حديث حسن

10 رواه النسائي بإسناد جيد والبيهقي وصححه الألباني.

11رواه مسلم في كتاب الصيام باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر.

12 رواه النّسائي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.