منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رضا نازه.. المائدة (قصة قصيرة)

رضا نازه.. المائدة (قصة قصيرة)/ رضا نازه

0

رضا نازه.. المائدة

بقلم: رضا نازه

بساط مربع مزركش لا يغادرُ الحوشَ الصغير بجانب البيت إلا في الفصل المطير. تحتَه حصير وفوقَه نفسُ المائدة المستديرة القصيرةِ القوائمِ. فوقها نفس الصحون الصغيرة المليئة زيتا وزيتونا وعسلا ومُربَّى وبيضا مسلوقا ناعما شهيا، واسطةُ عِقدها صحن زُبد ذهبي مذابٍ كدارة الشمس؛ ونفسُ الصينية قد تراصت فوقها أكوابٌ مخروطية سميكة القاع مثل نظارات عتيقة، يربو عددُها عن الحاضِريْنِ دوما، لعل ضيفا يعبرُ السبيل. ستُقلبُ عن قليل وتُجفَّف ثانيةً بمنديل إن بقيت عليها فضلة ماء.

نفسُ الترقب والانتظار قبل سماع خرير الشاي المزهو الصاخب أو صمتِ قهوةٍ بحليب تسيل من عنق الإبريق. لم يكن أحد من الناس يعلم أنها عسيرة الهضم ولم تكن كذلك، حتى جاءت فتاوى الطب المتضاربة فصارت فجأة عسيرة الهضم. وما اختلفوا إلا مِن بعدِ ما جاءهم العلم..

جلس الحاج عزوز أمام مائدة رتبَتْها امرأتُه على منوالها المَرعي العتيق. وجلست الحاجة كلثوم أخيرا أمامَه ترقب شرودَه أمام الصحون الصغيرة. لم يكن قد مدَّ إليها يدًا بعد. لا يمُد إليها يده قبل أن تجالسَه، وكم تودُّ لو تجدُه منهمكا في الأكلِ، والأكلُ علامة أنس واستئناس. لكن كيف وقد خلا البيت منذ زمن غير يسير.

أيادي الأبناء الصغيرة اشتدت سواعدُها وتفرقتْ أياديَ سبأ بعيدا عن الوطن والدار والحوش الصغير والمائدة المستديرة. هل كان ضروريا أن يتمزقوا كل ذاكَ المُمزَّق؟ أن يصيروا شتاتَ بلدٍ بهذا الغنى والوفرة والأنهار والبحار ولا يرزحُ فيما يبدو تحت أي استعمار؟ هل كان ضروريا كلُّ ذلك الفرارِ الكبير إلى غير رجعة رغم نية الرجوع الأولى، وكلُّ ذاك اللجوء وكلُّ ذاك الرحيلِ الصامت مثل نزيفٍ أخرس قاتل؟

لم تعد تمتد الأيادي الصغيرة وتختلف حول الصحون وتتشابك وتتصادم مثل طائرات في حيز جوي ضيق. لم يعد يتقاطر منها الزيت والعسل والمُربَّى تتنازعُ حقوقا صغيرة. لم يعد الحاج والحاجة يصيران حَكَمين يفصِلان الخلافات بالوعيد لمن ادعى تملكا حصريا لصحن زيت أو صحن مربى، حجتُه أنه أحبُّ إليه مما سواه، ولم ينافسه عليه أحد منذ أيام ولم ينافس هو أحدا على صحن آخر.. أو بالوعد حين تقوم الحاجَّة مستسلمةً، تجمدتْ لقمتُها تحت خدها لتأتي بصحن آخر مملوء بالطعام المتنازع عليه لفض الخصام وإتمام الإفطار مقابل السلام. إن سنح. وها قد سنح الهدوء الطويل. نفس المكان. نفس المائدة. نفس عدد الصحون. لعل أحدا ممن كبَروا وهاجروا يحلُّ فجأة ليجد الدار على ما كانت عليه. الزيتَ الرقراق والزيتون الفاحم، والمربى والزبد المذاب اللذيذ في كبد المائدة..

– آلحاج.. كُلْ.. بسم الله..

انتزعته من شروده. لُقيْمَاتُه تتباطأ يوما عن يوم وتتباعد بينها المسافات ويحل الشِّبَعُ ضيفا بسرعة وتعود الصحون كما هي إلا قليلا. الشهية ابنة التنافس والرغبةُ بين الأيادي المتنازعة المتنافسة. فجأة انتصب الحاج واقفا مكانَه في صمت. كأنه هرٌّ كبير سمعَ حسيس حضور بعيدٍ غريب لا يلتقطه غيره. تخطى المائدة والحوش الصغير. فتحَ بابَ البيت وأطلَّ ببعض جسده ثم بجسده كلِّه ثم اختفى. نمَتْ إلى سمعِ الحاجة غمغمةُ كلامٍ وتبادلِ حديث. تُرى مَن الزائر ومن العابر. لم يلبث أن عاد الحاج، وبخفة شاب نشِيط حملَ المائدة بما حملتْ واختفى. ماذا دهاه.. لم تناقشه الحاجَّة. أفعالُ العقلاء منزهةٌ عن العبث، وأفعال الشيوخِ الشِّيبِ عنِ المناقشة والمراجعة. اقتفت أثرَه بعد برهة. أطلت من الباب. على حافة الرصيف قرب الشجرة تحلَّقت حول مائدته ثلة من عمال النظافة وبعضِ المياومين، ممن لم يستطيعوا أو لم تحِنْ بعدُ لحظة شتاتهم في الأرض واللجوء بعيدا عن بلد بهذا الغنى والوفرة والأنهار والبحار ولا يرزحُ فيما يبدو تحت أي استعمار. لو استطاعوا إلى الشتات سبيلا..
انفتحت شهية الحاج بمن حواليه. التفت ليرى الحاجة تنظر إليه بدهشة مستبشرِة. ناداها:
– الحاجة هل من تمر للشاب الصائم هناك؟
سؤالُه كان أمرا وقد فرحت برؤيته يأكل ويتجاذب الحديث. اختفت برهة لتعود بلفيف فيه تمر وتين مجفف وبيض مسلوق، ناولته الشاب الذي كان قد انتحى جانبا وعادت أدراجها إلى البيت. التفت الحاج إليه وتفرَّسَه قليلا. لمس في عينيه رغبة خجلى في الانضمام، فناداه:
– تعال يا بني.. أفطر معنا.. المتطوِّع أميرُ نفسِه..
تلك الأبوة المهداة من الغيب ومنظرُ مأدبةٍ معتقة كأنها مائدة نزلت من السماء في يوم عيد حسَمَا تردد الشاب فانضم إلى الجمع. تعالت الأصوات والحكايات من يسار الجمع إلى شماله جيئة وذهابا. تشابكت الأيدي وتقاطعت حتى فرغت الصحون والبراد والإبريق. لم يبق إلا لفيفُ التمر والتين والبيض المسلوق بين يدي الشاب. صارَ قلقًا وحرَجًا في عينيه. لم يعد هناك مبرر لأخذ ذلك وقد أفطر. اغتنم صمتَ الحاج لحظة فلمس كتفه ومدَّ له اللفيف معتذرا. هناك احمرَّ وجهُ الحاج. كأنه أفسد عليه فرحة الكرم والجود. وفي قسوةٍ تعرفُ فيها النفسُ حُنوَّ الأبوة المعكوس، زجرَ الشيخ الشابَّ حتى ارتسمت البسمة على شفتيه..
– عيب يا ولدي عيب.. هي لك .. الكريمُ لا يعود في عطائه..
قاص من المغرب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.