منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تأملات في نصوص فكرية حول “خلق الحياء”

-نصوص مختارة من الفكر الإسلامي القديم-

1

تقـديــم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

لقد اهتم العلماء والمفكرون في الإسلام بالبحث الأخلاقي، وبنوا صرحا كبيرا في علم الأخلاق، وكان مستندهم في ذلك الوحي، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين ومن تبعهم من أهل العلم والصلاح، غير أن هذا الاهتمام كان على سبل شتى، ومستويات مختلفة، وذلك لاختلاف المناهج والمقاصد، والوسائل والغايات، ومن ذلك الاهتمام الفلسفي الذي استفاد من الوحي والفلسفات الإنسانية المختلفة، ولما كانت الفلسفة الأخلاقية الإسلامية سارت -في عمومها- على منهج الفلسفة اليونانية في تناول ودراسة الأخلاق، مما جعلها تهتم بقيم أخلاقية دون أخرى، ولعل خلق الحياء كان من ضمن تلك القيم الكبرى الاي لم تأخذ حقها في البحث والنظر والتفصيل، مع أنه خلق عظيم وقرين الإيمان، كما نطقت بذلك سنة النبي عليه الصلاة والسلام.

   ورغم هذا التقصير الملحوظ، إلا أن في التراث الأخلاقي الإسلامي من النصوص المهمة في مبحث الحياء، ومن أجل نفض الغبار عنها وتبيان بعض مسائلها جاء هذا المقال المختصر للتأمل في بعض النصوص المختارة، ومحاولا الكشف عن بعض النقاط الهامة في منطوقها ومفهومها، قصد بناء رؤية تكاملية حول هذا الخلق المميز في المنظومة الأخلاقية الإسلامية، ولا تفوتنا الإشارة إلى أن اختيار هذه النصوص دون غيرها أملتها طبيعة البحث، ومقاصد هذه التأملات المتواضعة، اضافة للقيمة العلمية التي تميزها عن غيرها، آخذين بعين الاعتبار السياق الزمني لأصحابها، في الترتيب، مع تركيز على نقاط موحدة في التأمل والنظر وهي: سياق النصوص، وخطوطها العريضة.

العنصر الأول: نصوص مختارة حول “خلق الحياء”

المزيد من المشاركات
1 من 58

بعد تأمل مختلف ما كتب في الفكر الإسلامي الأخلاقي حول خلق الحياء، وقع الاختيار على النماذج التالية: (ابن مكسويه، الأصفهاني، الغزالي، ابن قيم الجوزية).
في البداية سنكتفي بعرض هذه النصوص دون الحديث عنها، ثم سنقدم قراءة تأملية فيها، بغية استشكال بعض القضايا التي نظنها مهمة، وتفصيل القول في مسائل هامة.

وصنفت هذه النصوص باعتبار البعد الزمني، إلا الغزالي فاقترح البحث تقديمه بعد ابن مكسويه لخصوصية سيأتي ذكرها.

النص الأول: لابن مكسويه (421) ھ

النص: (تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، تح ابن الخطيب، مطبعة الثقافة الدينية، بيروت، لبنان، ط 1، 1964، ص 67)

[… ثم يحدث له الشوق إلى تمييز الأفعال الإنسانية خاصة، أولا أولا، حتى يصير إلى كماله في هذا التمييز، فيسمى حينئذ عاقلا… وهذه القوى كثيرة، وبعضها ضروري في وجود الأخرى إلى أن ينتهي إلى الغاية الأخيرة، وهي التي لا تراد لغاية أخرى، وهو الخير المطلق الذي يتشوقه الإنسان من حيث هو إنسان، فأول ما يحدث فيه من هذه القوة: الحياء، وهو: الخوف من ظهور شيئ  ولذلك قلنا إن أول ما ينبغي أن يُتفرس في الصبي ويستدل به على عقله؛ فإنه يدل على أنه قد أحس بالقبيح، ومع احساسه به فهو يحذره ويتجنبه أن يظهر منه أو فيه… فإن نظرت إلى الصبي فوجدته مستحيا مطرقا بطرفه إلى الأرض فهو أول دليل نجابته، والشاهد لك أن نفسه أحست بالجميل والقبيح، وأن حياءه هو: “انحصار نفسه خوفا من قبيح يظهر منه، وهذا ليس بشيء أكثر من ايثار الجميل والهرب من القبيح، بالتمييز والعقل”]

النص الثاني: لأبي حامد الغزّالي (ت 505) ھ

النص: (احياء علوم الدين، تح العراقي، دار ابن حزم، بيروت، لبنان، ط 1، 2005، ص 955-991)

[ اعلم أن لطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمر وأوكدها، والصبي أمانة عند والديه… ومهما رأى فيه مخايل التمييز فينبغي أن يحسن مراقبته، وأول ذلك ظهور أوائل الحياء؛ فإنه إذا كان يحتشم ويستحي ويترك بعض الأفعال فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه، حتى يرى بعض الأشياء قبيحا، ومخالفا للبعض، فصار يستحي من شيئ دون شيئ، وهذه هدية من الله تعالى إليه… وهو مبشر بكمال العقل عند البلوغ، فالصبي المستحي لا ينبغي أن يُهمل، بل يستعان على تأديبه بحيائه، أو تمييزه] [اعلم أن هذه الشهوة هي أغلب الشهوات على الإنسان، وأعصاها عند الهيجان على العقل، إلا أن مقتضاها قبيح يُستحيا منه، ويُخشى من اقتحامه، وامتناع الناس عن مقتضاها إما لعجز، أو لخوف، أو لحياء، أو لمحافظة غلى جسمه…]

النص الثالث: للراغب الأصفهاني (ت 502)ھ

النص: (الذريعة إلى مكارم الشريعة، تح أبي زيد العجمي، دار السلام، مصر، ط 1، 2007، ص 207)

[الحياء: انقباض النفس عن القبائح، وهو من خصائص الإنسان، وأول ما يطهر من قوة الفهم في الصبيان، وجعله الله تعالى في الإنسان ليرتدع به عما تنزع إليه الشهوة من القبائح، فلا يكون كالبهيمة… وهو مركب من جبن وعفة، ولذلك لا يكون المستحي فاسقا، ولا الفاسق مستحيا؛ لتنافي اجتماع العفة والفسق، وقل ما يكون الشجاع مستحيا، والمستحي شجاعا(!)؛ لتنافي اجتماع الجبن والشجاعة، ولعزة وجود ذلك تجمع الشعراء بين المدح والشجاعة، والمدح والحياء]

النص الرابع: لابن قيم الجوزية (751) ھ

النص: (مفتاح دار السعادة، تح عبد الرحمن بن قائد، ج/1، دار علم الفوائد، السعودية، ص 145- 788)

[…وكل ما تصرف من الحياة، فهو خير كله؛ كالحياء الذي سببه كمال حياة القلب، وتصوره حقيقة القبيح، ونفرته منه، وضده الوقاحة والفحش، وسببه موت القلب، وعدم نفرته من القبيح… وكالحيا الذي هو “المطر الذي به حياة كل شيئ”] [تأمل هذا الخلق الذي خص به الإنسان دون جميع الحيوان، وهو خل الحياء، الذي هو من أفضل الأخلاق وأجلها، وأعظمها قدرا، وأكثرها نفعا، بل هو خاصة الإنسانية، فمن لا حياء فيه ليس معه من الإنسانية إلا اللحم والدم وصورتهما الظاهرة، كما أنه ليس معه من الخير شيئ، ولولا هذا الخلق لم يُقر الضيف، ولم يُوف بالوعد، ولم تُؤد أمانة…]

العنصر الثاني: مفهوم “الحياء” من خلال النصوص المختارة

دون الرجوع إلى التعاريف المختلفة لخلق الحياء في الفكر الإسلامي، سنركز في هذا المقال على بعض التعاريف التي تستخلص من هذه النصوص التي قصدنا تأملها والنظر فيها، وذلك في محاولة لمعرفة التصور الفلسفي والأخلاقي للحياء، الذي في نظرنا يتميز بعمق وتركيز مهمين جدا.

  1. تعريفه عند ابن مكسويه

عند البحث في نصوص ابن مكسويه في كتابه التهذيب، عثرنا على تعريف واحد للحياء، عبر عنه بطريقتين أو أسلوبين مقتربين:

  • الأول قوله: الحياء “انحصار النفس خوف اتيان القبائح، والحذر من الذم، والسب الصادق”[1]
  • والثاني قوله: الحياء “الخوف من ظهور شيئ…”[2]

والمتأمل في هذين التعبيرين لا يلحظ كثير اختلاف بينهما، ويؤديان معنى واحدا لخلق الحياء، وهو المعنى السلبي في الحياء، أي: الخوف من القبيح والحذر منه، فيكون الحياء بذلك رادعا نفسيا، وحائلا خلقيا، يحول دون الوقوع في القبائح.

  1. تعريفه عند الراغب الأصفهاني

قريب من تعريف ابن مكسويه تعريف الراغب الأصفهاني، وهو قوله: ” الحياء: انقباض النفس عن القبائح، وهو من خصائص الإنسان…” غير أنه يلاحظ زيادة جملة أخرى تضيف معنى مهما لتعريف ابن مكسويه، وهو كون الحياء خاصية انسانية، “وهو من خصائص الإنسان” وهي اشارة هامة من الأصفهاني، سنجد صنوها، ومثيلاتها، مع الغزالي، وابن القيم، مع تفصيل وبيان من هذا الأخير.

  1. تعريفه عند ابن قيم الجوزية

انطلق ابن قيم الجوزية في تعريفه للحياء من المعنى اللغوي الذي يشتق منه الحياء، وهو “الحياة” فيقول: ” ‘والحياء’ من الحياة، وهو “الحيا” للمطر، لكن هو مقصور. وعلى حسب حياة القلب يكون فيه قوة الحياء، وقلة الحياء من موت القلب والروح، فكلما كان القلب أحيى كان الحياء أتم”

فتنبيهه على مصدر الحياء أي (الحياة) تذكير بالقيمة الكبرى لهذا الخلق الذي خُص به الإنسان، وربط له بحياة القلب التي بها يحيى الإنسان حقا، أو بمعنى آخر إن صاحب المدارج يُقيم تلازما بين الحياء وحياة القلب والروح، فإذا وجد الحياء فثمت روح حية، وإذا فقد تذبل الروح وتموت! كما يشير في تعريفه أيضا إلى المعنى الذي سبق إليه الأصفهاني وهو كون الحياء خاصية إنسانية، وسيأتي بيان طرف من ذلك في سطور هذا المقال.

فهذه بعض التعاريف لخلق الحياء رئمنا من خلالها جمع بعض المعاني التي تسعف الباحث في تبين هذا الخلق، ويلاحظ أنها كلها تشترك في التنبيه على ربط الحياء بالدافع النفسي، أو بمعنى آخر مجمعة على اعتبار الحياء قوة نفسية تنبعث للذات عند التمييز بين القبيح والحسن، والجميل والسيئ، وليس ذلك هو الحياء كله، فكما يكون الحياء رادعا نفسيا عن الوقوع في الشر، يكون جالبا للخير، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «الحياء لا يأتي إلا بخير»[3]

العنصر الثالث: قراءة تأملية في النصوص المختارة

سنحاول في هذه الأسطر تقديم قراءة تأملية في النصوص المختارة، للكشف عن بعض المسائل المهمة التي تحملها وحدة كل تلك النصوص، وما يمكن الاختلاف فيه من وجهات نظر، أو زيادة هامة تفرد بها نص دون آخر، وذلك في نظر الباحث مهم لما يتقصّده هذا المقال المختصر.

النص الأول لابن مكسويه الذي يعد من أوائل من كتب في فلسفة الأخلاق في الفكر الإسلامي، والنص الذي سقناه في الموضوع من كتابه تهذيب الأخلاق، وأهم ما يمكن تأمله فيه من النقاط ما يلي:

  • سياق النص

بالرجوع إلى السياق العام لحديث ابن مكسويه عن خلق الحياء، نجد أنه يدرجه ضمن الحديث عن قوى النفس المعروفة في الفلسفة اليونانية، وما بعدها، وهناك سياق خاص والمتمثل في مسألة تأديب الصبيان والحدثان، فضمنها تحدث عن الصبيان وخلق الحياء، بحيث إن الصبي يتدرج في مراتب التعقل إلى درجة الكمال في التمييز، وحينها يتميز بالحياء، باعتباره خلقا يدل على تمييزه، وكمال عقله.

وهذا السياق مدعى لتأمل بعض ما يضمره من مسائل مهمة، ومنها لماذا قرن بين خلق الحياء وتأديب الصبيان؟ في الحقيقة الحياء لا يرتبط أو يخص مرحة معينة من مراحل حياة الإنسان، فليس الصبي أولى به، ولا الكبير، غير أن ابن مكسويه يربط بين الحياء والصبي وذلك لغاية التأديب والتهذيب، بحيث إن الحياء في نظره سبيل وآلة لهذا التأديب، وسيأتي تفصيل لهذا مع أبي حامد الغزّالي.

وعلاقة بسياق النص يلحظ ادراج ابن مكسويه خلق الحياء تحت فصيلة العفة،[4] ومعلوم أن العفة يدرجها الفلاسفة تحت القوة الثانية من قوى النفس الثلاث، وهي: “القوة الشهوية” والتي تضبطها القوة الأولى، وهي: العاقلة، يقول: “ومتى كانت حركة النفس البهيمية (الشهوية) معتدلة منقادة للنفس العاقلة… حدثت عنها فضيلة العفة”[5] وإذا كانت الفضيلة هي وسط بين رذيلتين، والحياء فضيلة، فإن ابن مكسويه يجعله وسطا بين رذيلتي: “الوقاحة، والخرق” والخرق هو الخجل بدليل مقارنته بالوقاحة.

  • الحياء والعقل

هذا النص يحيلنا لمسألة هامة في فلسفة الأخلاق، والمتعلقة باستشكال علاقة الأخلاق عامة بالعقل، وخلق الحياء على وجه التحديد، وذلك في علاقتهما -الخلق والعقل- بالإنسان، ولو أن ابن مكسويه لم يفصح عن هذه العلاقة، وطبيعتها، إلا أنه يلمح إلى أولوية العقل على الخلق، وتبعية الثاني للأول، وأن الإنسان يكمل بعقله، والأخلاق دليل عقلانيته، وهذا ليس جديدا في الفكر الفلسفي الإسلامي، وإنما له جذور في الفلسفة اليونانية.

غيرأن المقام يتطلب بيان مقصود ابن مكسويه من العقل، هل هو العقل المجرد عن الأصل الديني أم العقل المتصل بالدين؟ ولا سبيل لتفصيل القول في هذه الإشكالية المعروفة في الفكر المعاصر، غير أننا قصدنا التنبيه إليها في هذا السياق، والذي نود بيانه هو صلة الحياء بالعقل، فابن مكسويه يعتبر الحياء عند الصبي هو دليل عقله وتمييزه، وهذا تصريح واضح بتبعية الحياء للعقل لا العكس، فلنتأمل قوله: “… ولذلك قلنا إن أول ما ينبغي أن يُتفرس في الصبي ويستدل به -أي الحياء- على عقله...”[6]فهنا تنبيه إلى كون العقل درجة أعلى، بل وخاصة الإنسان، وعند بلوغها تظهر في الصبي معالم التعقل، ومنها الحياء.!

ويزيد المسألة بيانا تصنيفه للحياء ضمن الفضائل التي تندرج تحت فضيلة العفة، وتبين سابقا أن العفة من قوة النفس الشهوية، المنضبطة بالقوة العاقلة، ومن ثم كان الحياء تابعا للعقل، بموجب هذا الترتيب في القوى الثلاث السالفة الذكر.

غير أن هذا الطرح سيضعف مع النصوص المقبلة، وخاصة مع ابن قيم الجوزية، وسنرى ذلك في محله من العرض.

النص الثاني لأبي حامد الغزّالي، وقبل تأمل كلامه، لابد من الإشارة إلى مسألة منهجية وهي: أن الأولى من حيث الترتيب الزمني تأخير الغزالي بعد الأصفهاني، غير أننا آثرنا تقديمه بعد ابن مكسويه؛ وذلك لاعتبار وجيه يتعلق بمضمون نصه الذي اخترناه في هذا العرض، بحيث إن الغزالي لم يختلف كثيرا عن ابن مكسويه، بل يكاد يكون كلامه مبينا له، وسيتضح هذا عند تأمل نصه الذي بين يدي هذا العرض.

  • سياق النص

سياق حديث الغزالي عن خلق الحياء -في النص- لا يختلف عن سياق ابن مكسويه، وهو حديثهما عن “تأديب الصبيان”  وقد نبه الغزالي في هذا الفصل على ضرورة الاستعان بالحياء في تأديب الصبي وتربيته على الفضيلة، مشيرا بذلك -كابن مكسويه قبله- إلى كون الحياء علامة تمييز الصبي وتعقله.

  • الحياء دليل العقل

سبق في النص الأول مناقشة سؤال العلاقة بين العقل والحياء، ولسنا في حاجة لإعادة القول فيه هنا، ونود الانتقال إلى نقطة أخرى ذات صلة بما سبق، وهي الاستدلال بالحياء على العقل عند الصبي، فالغزالي كابن مكسويه يصرح بكون الحياء علامة على العقل والتمييز، فلنتأمل قوله: “… فإنه إذا كان -أي الصبي- يحتشم ويستحي ويترك بعض الأفعال فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه” وهذا التأمل يقودنا للتساؤل عن العقل المقصود عند الغزالي؟ فليس العقل على مرتبة واحدة، بل يتعدد ويتنوع، وهذا السؤال في الحقيقة تنبه إليه بعض المفكرين المعاصرين، وأقصد طه عبد الرحمن، في كتابه دين الحياء، يقول في سياق مناقشته لعلاقة العقل بالحياء عن فلاسفة الأخلاق المسلمين، وبالضبط عند تأمله لنص الغزالي: “…هاهنا اشكال ينبغي رفعه، فإن كان المقصود “بالعقل” هو “العقل المجرد” فإن الوصل بين الطرفين: لا يصح؛ فإن “العقل المجرد” لا شأن له بالقيم الأخلاقية… وأما إن كان المراد “بالعقل” رتبة متقدمة في العقل، وهي: العقل “المسدد بالقيم الأخلاقية” فهذا يصح، لكن ليس ذلك لأن نور العقل نفذ إلى الحياء، بل لأن الحياء نفذ إلى العقل فأخرجه من تجريده الأصلي”[7]

وهذا الإشكال الذي رام طه عبد الرحمن رفعَه، هو اشكال حقيقي، غير أن رفع التباسه رهين بوجود اشارة أو توضيح من الغزالي وغيره في بيان المقصود بالعقل هنا، وأيضا غرض الغزالي من هذه العبارة “القلقة” -بحسب طه عبد الرحمن- فالغزالي واضح أنه يتغيا من قوله التدليل على العقل بالحياء، وليس العكس، لكن طه عبد الرحمن مقصوده عكس ذلك، فليس العقل هو الذي يشرق على الحياء، بل” لأن الحياء نفذ إلى العقل، فأخرجه من تجريده الأصلي” بتعبيره.

النص الثالث للراغب الأصفهاني، ومعلوم أن الأصفهاني ترك تراثا أخلاقيا مهما جدا، ومن ذلك كتابه الفريد “الذريعة إلى مكارم الشريعة” الذي يصنف ضمن الفكر الأخلاقي الإسلامي، بل يحق تصنيفه ضمن “الفلسفة الأخلاقية الإسلامية،” لكونه تضمن فصولا هي من صميم الأبحاث الفلسفية الأخلاقية، لذلك اخترنا نصا له في خلق الحياء، من أهم النصوص التي تستحق التأمل والنظر، وقياسا على ما سلف يمكن تأمل هذا النص من خلال تقريب المسائل التالية:

  • سياق النص

صدّر الأصفهاني الفصلَ الثالث من كتاب “الذريعة” الخاص بالقوة الشهوية من قوى النفس، بالحديث عن خلق الحياء، وبذلك وضع اطارا عاما للحياء، لا يختلف كثيرا عن ابن مكسويه والغزالي، كما أنه ساير ابن مكسويه -في حالة كون كتاب ابن مكسويه سابق على كتاب الذريعة- في ربط خلق الحياء بتأديب الصبيان، وذلك قوله: “وأول ما يظهر من قوة الفهم في الصبيان”[8] غير أن النص يحمل دلالات أخرى حري بنا التنبه إليها، وتأملها.

  • الحياء من خصائص الإنسان

في الحقيقة هذه عبارة ملفتة للنظر وداعية للتأمل، ولعل الأصفهاني كان سباقا قبل غيره للتنبيه إليها، وسيتبعه في ذلك ابن قيم  الجوزية، كما سيأتي بيانه، هذه العبارة تشير ضمنيا إلى أن هناك من الأخلاق مالا تختص الإنسان وحده، بل تشاركه فيها حتى الحيوانات، وتشير صراحة إلى أن الحياء خاصية انسانية محضة، لا يشاركه فيها غيره، فلا يمكن تصور حيوان فيه صفة الحياء! بعكس أخلاق أخرى يمكن تصورها في الحيوان مثل: الوفاء، وغيره من الأخلاق… لكن هل يكون الإنسان بلا حياء،؟

  • الحياء= جبن وعفة

في نص الأصفهاني عبارة مثيرة حقا، وهي ذهابه إلى أن الحياء مركب من جبن وعفة، وذلك في نظره أن الحياء فيه طرف من الجبن الذي يظهر في الاستحياء من شيئ ما، ومن العفة التي يُعبر عنها المستحي في ضور مختلفة، ولإن كان في الحياء ما يحيل على العفة، فإن ذلك في الجبن غير واضح صراحة، بل قد يقال كيف يكون الحيي جبانا؟ وفي نفس الوقت شجاعا؟ مع الإشارة إلى أنه يعتبر أيضا أن اجتماع الشجاعة والحياء قليل!

نصل في هذه التأملات إلى ابن قيم الجوزية، وفي البداية لابد من التنبيه إلى ملاحظة قد تسجل علينا وهي ادراج كلام ابن قيم الجوزية عن الأخلاق ضمن ما يسمى بفلسفة الأخلاق، وأن هذا بعيد في الاعتبار، لكن في الحقيقة وبعد تأمل نصوصه في مختلف كتبه، وخاصة مفتاح دار السعادة، والمدارج، يظهر جليا البعد الفلسفي في مناقشة وتحليل المضمون الفكري عند الرجل، وسنرى بعضا من ذلك في نصه البديع عن خلق الحياء، وحقا نص بديع جدا، ويستحقر تأملات ووقفات كثيرة.

  • سياق النص

في مفتاح دار السعادة يدرج ابن قيم الجوزية الحياء ضمن حديثه عن “وجوه فضل العلم” معتبرا أن الحياء من خيرات وفضل حياة العلم، أي العلم بالله تعالى، ذلك أن كل “ما تصرف (من هذه الحياة) فهو خير كله؛ كالحياء الذي به كمال حياة القلب”[9] وأما في المدارج فيخص الحياء بمنزلة خاصة، مفصلا القول في درجات هذه المنزلة العظيمة من “منازل إياك نعبد وإياك نستعين”. ويبدو أن هذا السياق العام يختلف عن سياق من سبق من العلماء، وربطه بين العلم والحياء أيضا تنبيه مهم لم يشر إليه من سبقه.

  • الحياء خاصة الإنسانية

تكملة للمسألة الهامة التي سبق الأصفهاني بالتنبيه عليها، وهي اختصاص الإنسان بالحياء، وذكرنا هناك أن الأصفهاني اكتفى بالتنبيه والإشارة دون بيان وتفصيل، وأما ابن قيم الجوزية فقد وقف متأملا هذه المسألة، آتيا بقول بديع فيها، ابتدآه بالتنصيص على اختصاص الإنسان بالحياء، ثم أردفه ببيان لهذه الخصوصية، التي تنتهي عند اعتبار الحياء قرين الإنسانية، ولا يمكن الفصل بينهما، وبعبارته: “فمن لا حياء له ليس معه من الإنسانية إلا اللحم والدم وصورتهما الظاهرة كما أنه ليس معه من الخير شيئ[10] وهذا النظر العميق الذي يخص به ابن قيم الجوزية الحياء مدعى لأسئلة كثيرة، ومنها إذا كان الحياء خاصية إنسانية، وبفقدها تفقد الإنسانية، أليس هذا تأكيد على قلب التصور المعروف في الفلسفة الإسلامية وغيرها القاضي بأسبقية العقل على الأخلاق، وأن الذي يكون به الإنسان إنسانا هو العقل لا الخلق؟ فيكون أسبق لهذا الطرح من طه عبد الرحمن الذي يعد من السابقين لهذا الكرح في الفكر المعاصر؟ كما أن ابن قيم الجوزية بهذا التأكيد يتجاوز الطرح السابق مع ابن مكسويه والغزالي وغيرهما الذي يلاقي بين الحياء العقل، إلى طرح يلاقي بين الحياء والإنسانية.

هذا. ولم يفت طه عبد الرحمن تأمله لهذه المسألة عند ايراده لهذا النص في كتابه “دين الحياء” وإن كان يعتبر كلام  صاحب المدارج هو نتيجة تأثيره بصاحب الإحياء،[11] وإن كان الغزّالي في الحقيقة لم يؤكد على اختصاص الإنسان بالحياء.

  • الحياء من حياة القلب

ونحن نتأمل كلام ابن قيم الجوزية نقف عند هذه المسألة الهامة أيضا، وهي اعتباره الحياء دليل حياة القلب، وفقدانه دليل موته، يقول في المدارج: “وعلى حسب حياة القلب يكون فيه قوة الحياء، وقلة الحياء من موت القلب والروح، فكلما كان القلب أحيى كان الحياء أتم”[12] وبهذا يكون الحياء هو القيمة الخلقية التي بها توزن الحقيقة الإنسانية، ونتيجة هذا؛ أن الحياة الحقيقة هي حياة القلب، وأن الموت هو موت القلب، وأن الإنسان بلا حياء هو بلا قلب حي، أي ميت، والعكس! ولقد كان طه عبد الرحمن فطنا عند تنبهه إلى هذه المسألة، واستفادته منها في تحليله الفلسفي المتميز لخلق الحياء، كما فصل ذلك في الكتاب السالف الذكر “دين الحياء”[13]

خـاتـمـة

بعد هذه التأملات المتواضعة في نصوص لابد من الإعراب عن صعوبة تبين المعاني المرادة منها، إذ هي عملية تتطلب عدة معرفية ومنهجية، وقدرة تحليلية عند المتأمل والباحث، إلا أنها كانت محاولة محتشمة، بذلنا فيها جهد المقل، ويمكن في نهاية هذه التأملات، تسجيل مجموعة من الخلاصات، والمخرجات:

إن عملية التأمل في نصوص فلسفة الأخلاق في التراث الإسلامي التي تستحق التأمل العميق، والنظر الفاحص، وتقريب دلالاتها، مهمة جدا في استئناف القول وتجديد البحث الأخلاقي في الفكر المعاصر.

إن خلق الحياء في الفلسفة الإسلامية وإن لم يعط حقه من النظر والبحث كباقي القيم الأخلاقية الكبرى، رغم قيمته ودرجته، إلا أن ما كتب فيه مهم، وذو فائدة كبيرة.

أن النصوص السابقة تشترك في مسائل كثيرة، ويأخذ بعضها من الآخر، وهي طبيعة الفكر البشري في استفادة الاحق من السابق، وتتميمه وبيانه وتفصيله، مع وجود فروقات تميزت بها نصوص دون أخرى.

وفي الختام يمكن اقتراح أسئلة تتغيا فتح آفاق للبحث والنظر والتأمل، ومفادها: هل يوجد في الأفق قول فلسفي اسلامي في الحياء؟ أو بمعنى آخر هل هناك حاجة لفلسفة في الحياء، وما دورها في الواقع الفكري المعاصر؟ وكيف السبيل لاستثمار التراث الفكري  الأخلاقي الإسلامي في تكوين نظرية اسلامية في الأخلاق عامة، وعلما اسلاميا خاصا بخلق الحياء؟ وما المنهاج الكفيل في التوصل إلى هاته الغاية الكبرى؟

هذا وليلتمس القارئ الكريم لصاحبي هذا المقال الموجز العذر على التقصير الذي قد يكون مخلا ببعض عناصر هذا العرض، أو تأويل غير مستقيم ولا يستند لدليل، وكما سلف هي تأملات تحتمل الصواب والخطأ، ولله الكمال وحده.

والحمد لله في البدء والتمام.

[1] ابن مكسويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، تح ابن الخطيب، مطبعة الثقافة الدينية، بيروت، لبنان، ط 1، 1964، ص 28.

 [2] نفسه، ص 67.

[3] أخرجه البخاري في الأدب في صحيحه، كتاب الأدب، باب الحياء، رقم 6117.

[4] تهذيب لأخلاق، مرجع سابق، ص 28.

[5] نفسه، ص 24.

[6] نفسه، ص 67.

[7] طه عبد الرحمن، دين الحياء، ج/1، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، ط،1، ص 196. بتصرف.

[8] الأصفهاني الراغب، الذريعة إلى مكارم الشريعة، تح أبي زيد العجمي، دار السلام، مصر، ط 1، 2007، ص 207.

[9] مفتاح دار السعادة، عبد الرحمن بن قائد، ج/1، دار علم الفوائد، السعودية، ص 145.

[10] نفسه، ص 788.

[11] دين الحياء، مرجع سابق، ص 195.

[12] مدارج السالكين، ج/2، تح مجموعة من العلماء، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط ر1، ص 270.

[13] ظ طه عبد الرحمن، دين الحياء، مرجع سابق، ص 14.

تعليق 1
  1. Elyas يقول

    مشكور على هذا المقال بالتوفيق إن شاء الله

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.