منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التعليم العتيق بسوس وبدايات الظهور

ابراهيم أخساي

0

تمهيد :

الذي يتأمل في حاضرة سوس يسترعي انتباهه عناية السوسيين بكتاب الله تعالى و علوم الفقه و اللغة، و يتجلى هذا الاهتمام في كثرة المدارس العتيقة التي تؤثث المشهد الجغرافي للمنطقة ،سواء في السهل أو في الجبل،و التي قامت بأدوار تربوية و تعليمية و اجتماعية و جهادية طوال فترة وجودها وسط النسيج المجتمعي السوسي.

     تعريف المدارس العتيقة:

“و يقصد بالمدارس العتيقة تلك المدارس الدينية التقليدية الأصيلة التي انتشرت في المغرب الأقصى منذ الفتوحات الإسلامية، و بالضبط في عهدي المرابطين و الموحدين، و هي تمتاز بأصالة التعليم و تلقين العلوم الشرعية و شرح مبادئ العقيدة الربانية”(1)و يمكن تعريفها أيضا بأنها” بناية كانت تحبس لمزاولة التعليم و إيواء الطلبة.. و كانت لا تمول من بيت المال و إنما يحبس عليها من أملاك الرعية أو الحكام ” (2)

و إذا كان المغرب قد عرف ظهور هذه المدارس في سياقات تاريخية مختلفة،كجامع القرويين بفاس 245ه و مدرسة ابن يوسف بمراكش747ه، فإن منطقة سوس لها سياقها الخاص بها الذي أرخ لبدايات ظهور التعليم الديني بها.

المزيد من المشاركات
1 من 42

بداية ظهور التعليم العربي الديني بسوس:

ارتبط ظهور التعليم الشرعي الديني بسوس بعاملين :

 الأول: بناء المساجد، الذي واكب عملية نشر الإسلام بالمنطقة لتقوم بدور الارشاد و التعليم في وسط السكان.
 الثاني: تشييد مدارس خاصة لتعليم العلوم الشرعية و الفقه و اللغة و القراءات القرآنية.

و هكذا فإن سوس تعتبر من المناطق التي أولت اهتماما كبيرا لتدريس القرآن الكريم و تحفيظه و نشر علومه، و تجلى ذلك في بناء المساجد و انتشار المدارس العتيقة و المراكز العلمية و رباطات التصوف و التربية بمنطقة سوس منذ دخول الإسلام إلى المنطقة و انتشاره في صفوف أبناء المنطقة الأمازيغيين.

و بعد ظهور أول مسجد بسوس، الذي يرجع إلى عهد عقبة بن نافع(ت63ه) الذي بنى مسجد ماسة بالسوس الأقصى. ظهرت أول مؤسسة تعليمية بسوس في القرن الخامس الهجري، و هي مؤسسة رباط وكاك بأكلو، و التي تتلمذ عبد الله بن ياسين أحد مؤسسي الدولة المرابطة على يد مؤسسها، يقول المختار السوسي “تأسست مدرسة أكلو في أول القرن الخامس ،و موقعها في ضواحي تزنيت، و هي أول مدرسة عرفها التاريخ إلى الآن في بادية المغرب، و كانت تسمى الرباط”(3). و لوضع تأسيس هذه المدرسة في سياق انتشار الإسلام بالمغرب يقول يقول د المهدي بن محمد السعيدي :” ظل الإسلام بسوس بين مد و جزر موزعا بين المذاهب المتصارعة حتى القرن الخامس الهجري، حيث قامت حركة توحيدية بكامل المغرب قبيل ظهور المرابطين، يقودها فقهاء مالكيون تتلمذوا للفقيهين الكبيرين ابن أبي زيد القيرواني و أبي عمران الفاسي، ثم تفرغوا لنشر المذهب و محاربة المذاهب الأخرى من شيعة و بورغواطيين، و من هؤلاء وكاك بن زلو(ت445ه)، الذي بنى لهذا الغرض رابطته بأكلو، و كانت أول مؤسسة تعليمية معروفة تؤسس بسوس مؤذنة بانتظام التعليم في مؤسسات خاصة به، بعد أن كان جزءا من نشاطات المسجد ” (4)

” ثم تتابعت القرون و المدارس تتكون في السهول و النجاد، إلى أن نيفت على مائتين، و هي مدارس شعبية يقوم بها الشعب بجهوده الخاصة، و لم تعرف قط إعانة حكومية. “(5)

منذ هذا التاريخ بدأت الحركة العلمية في سوس تعرف تطورا مهما مع ما واكبه من بناء المدارس العلمية و انتشار الكتاتيب القرآنية التابعة للمساجد و تمويلها من طرف المحسنين و تخصيص موارد خاصة بها من أموال و مؤن بالاستفادة من نظام الوقف و من تبرعات المحسنين الذين يكرمون العلم و العلماء و أماكن تدارس العلم. “و قد خرجت المدارس التي بناها المرابطون في المدن و البوادي، و خاصة في منطقة سوس، مجموعة من العلماء النابهين في تخصصات عدة رفعتهم إلى مصاف رجال الفكر في العالم الإسلامي، و لقد بلغت مدارس سوس نحو أربعمائة مدرسة، تحدث المختار السوسي في كتابه (سوس العالمة) عن خمسين مدرسة منها، و في (مدارس سوس العتيقة) عن مائة مدرسة منها”(6)

خاتمة:

فإذا كان المسار التاريخي لظهور   التعليم الديني العتيق بسوس ارتبط بانتشار الإسلام بين القبائل الأمازيغية و بناء المساجد قبل أن يتحول إلى مراكز و رباطات خاصة بالعلم الشرعي، فإن مساراته المستقبلية اتسمت بالنجاحات و الاخفاقات،و عرفت حركة مد و جزر، وإقبال و إدبار، نظرا لمجموعة من الظروف الذاتية و الموضوعية التي عرفتها المنطقة.

المراجع:

  • جميل حمداوي، مناهج التعليم في المدارس العتيقة بالمغرب إبان العصر الوسيط، ط الأولى، ص 7.
  • رشيدة برادة،مجلة علوم التربية،عدد33،مارس 2007، ص 135.
  • المختار السوسي، سوس العالمة،ط 1960ص17.
  • المهدي بن محمد السعيدي، المدارس العتيقة و إشعاعها الأدبي و العلمي بالمغرب، ط 2006،ص 25.
  • المتوكل عمر الساحلي، المعهد الإسلامي بتارودانت و المدارس العلمية العتيقة بسوس، ط 1990،ج 3، ص 37.
  • مناهج التعليم في المدارس العتيقة، ص 16

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.