منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التأسي بأذكار الرسول صلى الله عليه وسلم | شعب الإيمان | شعبة (18)

ادريس لويسة

0

من شعب الإيمان شعبة التأسي بأذكار الرسول صلى الله عليه وسلم ٬ وهي الشعبة الثامنة عشرة من شعب الإيمان التي تغذي نهر الإيمان وتحمل الأنوار النبوية ، وتحفظ المؤمن من الأعداء- النفس والشيطان وحلفائهما- وإذا تأملنا أذكاره صلى الله عليه وسلم وجدناها تركز على كلمة التوحيد وهي أعلى شعب الإيمان لقوله صلى الله وسلم “الإيمان بضع وسبعون شعبة – عند الإمام البخاري بضع وستون شعبة – أعلاها قول: لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان”[1]

ولأهمية الكلمة الطيبة وقوتها الروحية قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿وٳلهكم ٳله واحد لا ٳله ٳلا هو الرحمن الرحيم ﴾[2]، وفاتحة سورة آل عمران: ﴿ ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾[3][4].

عن أنس رضي الله عنه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا ورجل يصلي ثم دعا: اللهم ٳني أسألك بأن لك الحمد لا ٳله ٳلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم ٠ فقال النبي صلى الله عليه وسلم “لقد دعا الله باسمه العظيم الذي ٳذا دعي به أجاب وٳذا سئل به أعطى “[5].

وٳذا تأملنا كتاب الله تعالى وجدناه يحثنا بقوة على إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والتأسي بأذكاره فقال سبحانه ﴿ لقد كان لكم في رسول الله ٳسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ﴾[6].

قال ابن كثير رحمه الله: “هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله “[7].

المزيد من المشاركات
1 من 44

هذا بصفة عامة، أما ما يخص موضوعنا، فقد قال الالوسي في تفسيره رحمه الله: “﴿وذكر الله كثيرا﴾ أي ذكرا كثيرا، وقرن سبحانه بالرجاء كثرة الذكر، لان المثابرة على كثرة ذكره عز وجل تؤدي إلى ملازمة الطاعة، وبها يتحقق الائتساء برسول الله صلى الله عليه وسلم “[8].

من الأذكار التي كان رسول الله يذكرها نذكر التسبيح والتحميد والحوقلة والاستغفار فإذا ذكرناها اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فعلينا الالتزام بأوقاتها وأعدادها كما وردت في السنة النبوية ٠

  • ومن أحب هذه الأذكار إلى الله عز وجل ما يلي:

عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أحب الكلام إلى الله أربع سبحان الله، والحمد لله، ولا اله إلا الله، والله اكبر، لا يضرك بأيهن بدأت “[9].

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به وهو يغرس غرسا فقال: “يا أبا هريرة ما الذي تغرس؟” قلت: غراسا لي، قال:” ألا أدلك على غراس خير لك من هذا؟” قال: بلى يا رسول الله، قال: “قل سبحان الله والحمد لله ولا اله إلا الله والله اكبر يغرس لك بكل واحدة شجرة في الجنة “[10].

عن مصعب بن سعد رضي الله عنهما قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة؟ فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال:” يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة، أو يحط عنه ألف خطيئة “[11].

القصد من التأسي بأذكاره صلى الله عليه وسلم هو دوام ذكر الله عز وجل وعدم الغفلة عنه، لان الغفلة داء عضال يجعل الإنسان يشتغل بالمخلوقات عن الخالق؛ لهذا نبهنا الله عز وجل إلى هذا المرض فقال:﴿ واذكر ربك إذا نسيت[12].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

نسيان المؤمن ليس كنسيان الجاحد والكافر والمنافق، نسيان المؤمن غفلة خفيفة ثم يستيقظ، لكن غفلة غيره مرض عضال جاثم على قلبه حتى يظن أن حالته هذه طبيعية مطلوبة · ولا يخرج من هذه الحالة إلامن مـــنّ الله عليه بتوبة فيستفيق من غفلته ويكتشف حجم الظلام الذي كان يعيش فيه، فيصبح من الذين خرجوا من الظلمات إلى النور.

إذا اعتبرنا أن خطاب الله عز وجل موجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ واذكر ربك إذا نسيت

فهو سيد الذاكرين ونسيانه مؤقت قليل جدا، حتى أنه إذا سكت عند قضاء الحاجة فإنه يقول مباشرة بعد خروجه صلى الله عليه وسلم “غفرانك”[13]. ويستغفر الله عز وجل عن دقائق انقطع فيها الذكر، ثم يستمر في ذكر حبيبه، حتى قالت عائشة رضي الله عنها: ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه “[14]

وبهذا العمل الدائم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى:﴿ واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين ﴾[15]

المحافظة على هذه الأذكار سنة نبوية والمداومة عليها يسمى وردا، أي قراءتها كل يوم في أوقات معينة، لهذا قيل: من لا ورد له لا وارد له · يعني إن المؤمن الذي يحافظ على هذه الأوراد يزداد إيمانه ويتقوى حتى تصبح هذه الأوراد أوتادا راسية تثبت المؤمن وتوصله إلى مولاه، ويصبح من الذين يتقربون بالفرض والنفل حتى ينالوا المحبة والقبول والرضا.

من داوم على الأذكار النبوية أصبح من الرجال المذكورين في قوله تعالى:﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة[16].

فهؤلاء الذاكرون المجاهدون الذين انتقلوا من مجرد ذكر الأوراد إلى الاستهتار بالذكر أصبحت الدنيا لا تلهيهم عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة · وهذا الأمر من مقاصد الذكر كذلك، وهو أن يرتفع العبد عن جاذبية المادة ويرتقي في مدارج الإيمان حتى يتحرر من قيود الدنيا وحضوض النفس ليصبح عبدا لله حرا من أغلال الهوى، بعيدا عن حب الدنيا، قريبا من حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وحب الآخرة ̣

لا يخفى على كل مؤمن أن المداومة على هذه الأذكار من الأعمال التي يحبها الله عز وجل لقوله صلى الله عليه وسلم: “أحب الأعمال إلى الله أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ[17].

المؤمنون الذين يداومون على هذه الأذكار يسمون في القران الكريم أولو الألباب، وهم الذين قال الله عز وجل في حقهم:﴿ الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار[18].

  • كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب جوامع الذكر ويحث أصحابه عليها ونذكر من ذلك ما يلي:

عن جويرية رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: “ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟” قالت: نعم ̣ قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته “[19].

عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به وهو يحرك شفتيه فقال: “ماذا تقول يا أبا أمامة؟” قال: اذكر ربي ̣ قال: “ألا أخبركم بأكثر أو أفضل من ذكرك الليل مع النهار والنهار مع الليل؟ أن تقول:سبحان الله عدد ما خلق وسبحان الله ملء ما خلق وسبحان الله عدد ما في الأرض والسماء وسبحان الله ملء ما في الأرض والسماء وسبحان الله عدد ما أحصى كتابه وسبحان الله عدد كل شيء وسبحان الله ملء كل شيء وتقول الحمد لله مثل ذلك “[20].

كما نجد في السنة النبوية أنواعا كثيرة من الأذكار مثل الحوقلة، وذكر الله بعد الصلوات المكتوبة، وذكر الله بعد الصبح والمغرب، وأذكار الصباح والمساء، وذكر الله عند الخروج من البيت والدخول، والاستعاذة بالله من عذاب جهنم، والاستعاذة بالله من الفتن، والاستعاذة بالله من عذاب القبر، والاستعاذة بالله من الفقر والذل، والاستعاذة بالله من الشيطان عند نهيق الحمير، والاستعاذة بالله من شر الريح إذا هبت، والاستعاذة بالله من الكسل والهرم، والاستعادة بالله عند الوسوسة، والاستعاذة بالله إن رأى ما يكره ··· كما أن هناك أذكارا أخرى غير مقيدة.


[1] أخرجه الإمام البخاري، كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان، رقم: 9 والإمام مسلم، كتاب الإيمان، باب شعبة الإيمان، رقم: 35

 [2] سورة البقرة الآية 163

[3] سورة آل عمران الآية 1و2

 [4] أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء، رقم: 1486. والترمذي، كتاب الدعوات، باب ما جاء في جامع الدعوات عن النبي صلى الله عليه وسلم، رقم: 3478. وقال: حسن صحيح.

 [5]أخرجه الإمام أحمد، رقم: 12611. وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء، رقم: 1465، واللفظ له.

 [6] سورة الأحزاب الآية 21

[7] تفسير القران العظيم للحافظ ابن كثير، مؤسسة الكتب الثقافية بيروت لبنان، الطبعة الأولى، الجزء الثالث، الصفحة: 458

[8] تفسير الالوسي، المحقق: علي عبد الباري عطية، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، 1415 هـ، ج11/166.

[9] أخرجه الإمام مسلم، كتاب الآداب، باب كراهية التسمية بالأسماء القبيحة وبنافع ونحوه، رقم: 2137

 [10] أخرجه ابن ماجة،, كتاب الأدب، باب فضل التسبيح، رقم: 3807

[11] أخرجه الإمام مسلم، ,كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء، رقم: 2698

 [12] سورة الكهف, الآية: 24

[13] أخرجه أبو داود، كِتَاب الطَّهَارَةِ، بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا خَرَجَ مِنَ الخَلَاءِ، رقم: 30.

[14] أخرجه الإمام مسلم، كِتَابُ الْحَيْضِ، بَابُ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى فِي حَالِ الْجَنَابَةِ وَغَيْرِهَا، رقم: 373.

[15] سورة الأعراف الآية 205

 [16] سورة النور الايتان 36و37

 [17] رواه الإمام البخاري، كِتَابُ الرِّقَاقِ، بَابُ القَصْدِ وَالمُدَاوَمَةِ عَلَى العَمَلِ رقم: 6464.

 [18] سورة آل عمران الآية 191

[19] أخرجه الإمام مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التسبيح اول النهار وعند النوم، رقم: 2726

[20] أخرجه ابن حبان، كتاب الرقائق، باب الأذكار وذكر التسبيح الذي يكون للمرء أفضل من ذكره ربه بالليل مع النهار والنهار مع الليل، رقم: 830.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.