منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مدخل لعلم مناهج البحث

د. عبد الرحمان حرور

0

لا يمكن تصور بحث أكاديمي ناجح من غير الإلمام بمناهج البحث، مما جعله علما مستقلا بذاته لا يستغني عنه طالب باحث. فأين تتجلى أهمية مناهج البحث؟  ما هو مفهومها؟ وما هي أهم المناهج المعتمدة؟

1- أهمية مناهج البحث.

تتجلى أهمية مناهج البحث في كونها أداة مهمة تساعد الباحث على الوصول إلى أحسن النتائج وذلك من خلال:

  • تنظيم الأفكار وترتيبها بشكل منطقي، يؤدي إلى كتابه بحثية لائقة ونتائج مقنعة.
  • توفير الوقت والجهد باتباع الباحث لمنهجية معينة حسب طبيعة موضوع البحث.
  • تجويد نتائج البحث من خلال الاستفادة من الخبرات السابقة والمناهج المجربة.
المزيد من المشاركات
1 من 47

2- مفهوم مناهج البحث

يوجد خلط أو تداخل بين المنهج والمنهجية والمنهاج، لذا تعين توضيحها.

1.2 معنى المنهج

أ- من الناحية اللغوية، جاء في لسان العرب، في مادة نهج: نهج : طريق نهج : بين واضح وهو النهج (…) وأنهج الطريق : وضح واستبان وصار نهجا واضحا بينا، قال يزيد بن الخذاق العبدي : ولقد أضاء لك الطريق وأنهجت سبل المكارم والهدى تعدي[1]

وفي مختار الصحاح: “الْمِنْهَاجُ: الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ، وَنَهَجَ الطَّرِيقَ أَبَانَهُ وَأَوْضَحَهُ. وَنَهَجَهُ أَيْضًا سَلَكَهُ …”.[2]

ب-  من الناحية الاصطلاحية، يعرف القاموس المنهج العلميّ بأنه “خُطَّة منظّمة لعدَّة عمليّات ذهنيَّة أو حسيَّة بُغية الوصول إلى كشف حقيقة أو البرهنة عليها”[3]. كما أن المعجم الفلسفي يعرف المنهج بأنه: “وسيلة محددة توصل إلى غاية معينة”[4]. ويعرف “بتل” المنهج بصفة عامة على أنه الترتيب الصائب للعمليات العقلية التي نقوم بها بصدد الكشف عن الحقيقة والبرهنة عليها.”[5] أما الدكتور عبود عبد الله العسكري فيعرف المنهج العلمي Méthode scientifique  بأنه: “تحليل منسق وتنظيم للمبادئ والعمليات العقلية والتجريبية التي توجه بالضرورة البحث العلمي، أو ما تؤلفه بنية العلوم الخاصة.” [6]

فالبحث العلمي ينطلق من مجموعة من المبادئ والأسس، ويرتكز على التحليل كأداة منهجية مهمة تتسم بصفات منطقية مثل الاتساق والضرورة والبساطة.

2.2: معنى المنهجية:

   المنهجية “مصطلح محدث راج في الدراسات العليا خاصة بمعنى العلم الذي يبين كيف يجب أن يقوم الباحث ببحثه، أو هي الطريقة التي يجب أن يسلكها الباحث منذ عزمه على البحث وتحديد موضوع بحثه حتى الانتهاء منه …”[7] . وتلتقي المنهجية مع المنهج في “كونها وصفية، لأنها تبين كيف يقوم الباحثون بأبحاتهم، لكنها تختلف عنه بأنها معيارية في الوقت نفسه، لأنها تقدم للباحث مجموع الوسائل والتقنيات الواجب اتباعها. كما أن “مناهج الدراسة تختلف من علم لآخر (…) أما المنهجية فواحدة”[8].

3.2: المنهاج  

يوجد تمييز دقيق بين المنهاج والمنهج والمنهجية. فلفظــــــة «منهـــــاج» قـــــرآنية وردت في قوله عز وجل : ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾[9]. “قال سيدنا عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما : «الشرعة القرآن، والمنهاج السنة». (…) فلا تنافي إذن بين التعريف العام للفظة «منهج» وبين تعريف المنهاج إذا ميزنا أن المنهج كيفية بشرية للقول والتعليم والفعل، بشرية محضة، بينما المنهاج قول وتعليم وفعل، بشري نعم، لكن بكيفية جاء بها الوحي وقاد مراحلها رسولٌ من عند اللّه عز وجل. وفرق بين المنهاج وبين «المنهجية العلمية» من كون المنهجية العلمية موضوعها الكون ونتائج ملاحظتها وتجربتها وافتراضاتها قوانين تحكم الكون وحركته، بينما المنهاج موضوعه الإنسان، ومصير الإنسان في الدنيا والآخرة. والكون وأسراره ونواميسه تابع للإنسان، لا يستغني الإنسان عنه لأنه مجاله الحيوي ومصدر معاشه وعماد بقائه وقوته”.[10]

  3- أنواع المناهج المعتمدة في البحث العلمي 

فيما يتعلق بأنواع المناهج المتبعة في البحث العلمي، فهي تنقسم إلى عدة أنواع، حسب طبيعة البحث في كل علم، وما يتطلبه من وسائل للوصول إلى الأهداف المرجوة والغاية المتوخاة. ومن أهم هذه المناهج نخص بالذكر:

المناهج العقلية: Rational Methods (الفلسفية):

لا يفهم من نسبة هذه المناهج إلى العقل أن ما سواها مناهج لاتستخدم العقل، “بل المقصود بكونها Rational اعتمادها على إعمال الذهن والارتكان إلى التأمل…”[11]

المنهج الاستنباطي أو البديهي:

هذا النوع يعتمد بصفة خاصة في الرياضيات وباقي العلوم النظرية، “ويستند إلى مجموعة من الحدود الأولية والتعريفات والبديهيات والمصادرات، وينتقل منها – في إطار مجموعة من قواعد الاشتقاق الصارمة- إلى ما يترتب عنها من نتائج أو نظريات”[12].

المنهج الاستقرائي:

هو منهج البحث في العلوم التجريبية كالطبيعة والكمياء والأحياء، كما تستخدمه بعض العلوم الإنسانية كالتاريخ والنفس والاجتماع. يهدف إلى الكشف عن اطراد الظواهر وانطوائها تحت قوانين بعينه.[13]

المنهج التاريخي:

يعتمد المنهج التاريخي على الأحداث التي وقعت في الماضي، ويحللها، ويفهمها، ويفسرها على أسس منطقية. وهو منهج تعتمد عليه العلوم التي تدرس الماضي بسجلاته ووثائقه، ويعتمد على الجمع والانتقاء والتصنيف وتأويل الواقع.

المنهج التجريبي:

إن “المنهج العلمي يقوم على الملاحظة والتجربة والاستقراء والمقارنة، وهذه العناصر هي مكونات المنهج التحريبي، أي أن المنهج التجريبي هو أقرب المناهج إلى المنهج العلمي.”[14] ويعتبر من أكثر المناهج استخداما في مجال العلوم الطبيعية، وإن كان يوظف  كذلك في مجال العلوم الاجتماعية من قبل الباحثين.

المنهج الوصفي:

يعتبر من أكثر مناهج البحث العلمي استخداما من قبل الباحثين خاصة في مجال العلوم الاجتماعية. فهو “يهتم بدراسة الظواهر والأحداث، كما هي من حيث خصائصها وأشكالها والعوامل المؤثرة في ذلك. إنه يدرس حاضر الظواهر والأحداث عن طريق توصيفها، مع ٚجميع الجوانب والأبعاد، ويهدف لاستخلاص الحلول وٖتحديد الأسباب والعلاقات التي أدت إلى هذه الظواهر والأحداث، وكذلكٖ تحديد العلاقات مع بعضها، والعوامل الخارجية المؤثرة فيها، للاستفادة منها في التنبؤ بمستقبل هذه الأحداث والظواهر.[15] ويتميز المنهج الوصفي  باستخدام الأسلوب الكمي والكيفي معا أو أحدهما. كما أنه يتميز باعتماده على التحليل، لذلك فهو منهج وصفي تحليلي.

خلاصة

من أجل الوصول إلى نتائج مرضية للبحث، يحتاج الباحث اعتماد منهج معين حسب طبيعة موضوعه ومجال بحثه. وقد ترتب عن تنوع المناهج واختلافها، “ظهور مجموعة من الألفاظ والمصطلحات والمفاهيم مثل: منهج استقرائي، منهج استنباطي، منهج تجريبي (…)، منهج وصفي، منهج تاريخي، منهج إحصائي…” (عبد الكريم غريب 1997 ص32)..”[16] لكن اعتماد منهج معين في البحث، لا يعني استبعاد المناهج الأخرى من الاعتبار، لأن هناك تقاطعا بينها رغم اختلافها من علم لآخر.


[1]  لسان العرب، مادة نهج

[2] – مختار الصحاح، مادة نهج

[3] – معجم المعاني الجامع، مادة منهج

[4] – معجم اللغة العربية: المعجم الفلسفي، مادة منهج

[5] – عبود عبد الله العسكري، منهجية البحث العلمي في العلوم الإنسانية، سلسلة منهجية البحث العلمي -1- ، دار النمير، الطبعة الثانية، 2004، ص1

[6] – نفسه، ص 1

[7] – عبود عبد الله العسكري، مرجع سابق، ص 10

[8] – نفسه

[9] – سورة المائدة، الآية 38

[10] – عبد السلام ياسين، مقدمات في المنهاج، 1989 ص 25

[11] عبود ص4

[12] ص 5 نفسه

[13] نفسه ص5

[14] إبراهيم أبراش، المنهج العلمي وتطبيقاته في العلوم الاجتماعية، دار الشروق للنشر والتوزيع، الطبعة العربية الأولى 2009 ص 167

[15] منشورات جامعة حماة كلية االقتصاد، منهجية البحث العلمي، الدكتور كمال دشلي عميد كلية العلوم اإلدارية سابقا مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية 1438 هـ – 2016 م، ص 61

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.