منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المتقاعد والمحفظة (قصة قصيرة)

المتقاعد والمحفظة (قصة قصيرة)/محمد أبرعوز

0

المتقاعد والمحفظة (قصة قصيرة)

محمد أبرعوز

لم أضبط منبه هاتفي على السابعة والربع ،بعد أن أعود من صلاة الصبح، كما كنت أفعل منذ سنوات خلت، لا شيء يدعوني لذلك ،فالعطلة الصيفية مفتوحة هذة المرة، والفرصة مواتية للانتقام من سنوات النظام العسكري، ورد الاعتبار للسرير والمخدة اللذين بلغ سيلهما الزبى من إيوائي المتأخر وهجري المبكر..!
بالكاد أسلمتُ جفني للكرى حين سمعت صوتا خافتا يناديني :أستاذي..!أستاذي..! حسبته حلما من وحي اللاشعور الذي يحكي ثلاثين سنة من نغمات “ أستاذ ..!أستاذ!..” ..، قلّبت جنبي ذات الشمال ، وهيأت نفسي لسبات قطبي.. لكن الصوت المُوَشْوِشَ الدافئ الحنون عاد يعزف في أذني :أستاذ..!أستاذ..! أستاذ..! رافقته هذه المرة دغدغة على أسفل قدمي اليمنى ..انتبهت ، فتحت،بالكاد ، عيني ، نظرت حولي أبحث عن المخلوق اللطيف اللدود، لم أجد زوجتي التي دأبت تسبقني لإعداد وجبة الفطور، ولا أميرتي الصغيرة التي اعتادت أن تعتدي علي بنفس اللُّطف حين تريدني ان استيقظ كي لا أستأثربالفراش دونها، ولو كان اليوم يوم عطلتي..أو تريدني أن أقضي حاجة عزيزة إلى قلبها، وما أكثرحاجاتها العزيزة..!
نظرت الى الجانب الأسفل من السرير،لا أثر للمخلوقتين الجميلتين.. ! لاح لي في مرمى نظري الناعس خيال شيء بالكاد يظهر من حافة السرير..فركت عينَيَّ على مهل، فإذا بمحفظتي الجلدية الجميلة واقفة تنظر إلي بعينين عسليتين تشكلان مع باقي التقاسيم ابتسامة عُجِنت بخليط من الحب والإشفاق ..! كانت في كامل زينتها : قبضة ذهبية شامخة نحو الأعلى ،كفرس جموح متأهبة للضبح والقدح، شُدَّت إلى قاعدة جلدية حمراء جميلة قد لُمِّعت على مهل، وبطن ضامر وطاوٍ ينتظر أن يملأ بما لذ وطاب من الأسفاروالقراطيس والدفاتر…،فبدت رشيقة فاتنة..!
بادرتني بالتحية: صباح الخير عزيزي ..! لم أشأْ إزعاجك، لكنك تأخرت علي ،على غير عادتك منذ أن ساقتني الأقدار الطيبة إليكَ منذ سنوات خلت .ففي فاتحة كل سنة دراسية، كنتَ تحملني من الركن المريح أسفل المكتب، حيث منتجعي الصيفي ، تُلمعني ،وأنت تبادلني أطراف الحديث،تبشرني بعام دراسي جديد،بتحدٍ جديد..تذكرني براسلتناالمقدسة، وتذاعبني بالعبارة الدارجة ” أنتِ السِّي ديالي” فنغرق معا في ضِحكات طفولية !وانا أتذكر معك قصة هذه العبارة الغزلية ،يوم وضعتني في مكتب السيد الناظر ،حين دخلتَه في شأن إداري،فجأةً تذكرتَ ترياق الشاي قبل أن تلفظ الفسحة القصيرة أنفاسها،ركضتَ مسرعا إلى قاعة الأساتذة ونسيتَ أن تأخذني معك…وحين دق الجرس،وحان أوان العودة إلى قاعة الدرس افتقدتني..!وطفقتَ تسأل عني كلَّ من قابلته من الزملاء والإداريين:” مشفتيش السِّي ديالي؟!..مشفتيش السِّي ديالي ؟!” كان الجميع يضحك من طرافة العبارة..!وكنتُ أتيهُ بها جذلا وسعادةً وذلالاً،كيف لا وقد جعلتني عنواناً لأستاذيتك أيها العزيز،فضلا منك وتواضعاً؟!!
قاطعتها: لا ياعزيزتي ! بل حقيقةً وصدقا..! فأنتِ عتادي وعُدتي، وأنتِ هيبتي وأناقتي،بدونك انا مجرد أنا ، وبكِ أصير السِّي أنا..!
ابتسمتْ ابتسامة خفيفة ،وهي تطالعني بنظرة برقية خفيفة وفاتنة كأنها العروس في خدرها،ثم بادرتني بعدها ،كمن يريد أن يعود إلى حديث هام غير مكتمل : “قلت لك قد تأخرنا على غير العادة، فقم وهيء شراعك للإبحار الجديد.. قم ياعدو الكسل..!قم ..! قالتها وهي تمد إليَّ قبضتها الناعمة..
التفت ُّإلى الجانب الآخر من السرير،لم أشأ أن أزعج رفيقتَيَّ..بدت العبارات ناشفة في حلقي ،وفمي يفتش عن فمي، كما قال يوما شاعر الشام الكبير نزار..استجمعت عبارات متقطعة ،كأني ذاك التلميذ الذي باغته سؤال ماكر من أستاذِ أبعدِ المواد إلى قلبه ..خذلتني هذه المرة شقشقتي اللغوية ، أشرتُ إليها أن تتبعني إلى غرفةالجلوس..جلستْ أمامي محذقة وكأنها استشعرتْ أن هناك خطباً ما، استجمعتُ قواي وانتهزت الفرصة التي وفرتْ علي النقلة الحادة من فرحة بالبداية إلى صدمة بدايةِ النهاية..قلت وأنا اصطنع رباطة جأش مفقودة : نسيت ، بل خشيت ،أن أخبرك أن رحلتنا المشتركة إلى الثانوية قد وصلت منتهاها عزيزتي منذ آخر محضر مغادرة وقعته هذه السنة..
– لم أفهم..ما هذا الذي لا تقوله أستاذي؟
– لقد تقاعدت عزيزتي..
– تقاعدت؟ ! ..
– نْنْنْنَعم ..هو ذاك محفظتي العزيزة..
– لكنكَ لم تبلغ بعدُ الستين .. ولم تُنَيِّف.. !
– أي نعم عزيزتي..أي نعم.. ! أنا من استبق و اختارالمغادرة الطبيعية..لقد اخترت أن أنزل قبل المحطة المنتهى..أن أتقاعد مبكرا.. !
لم أدر،وأنا أتدور معترفا بين يديها ، لِم تذكرتُ حكاية قيس وليلى ؟ والعجوز والبحر..لهمينجواي ..؟لِم تذكرتُ أشياء أخرى؟… لم تذكرت الأفراس والفرسان؟..لم تذكرت السيف والغمد؟..لم تذكرت العود والظل؟..لم تذكرت اللفظ والمعنى؟ حياة التوأم؟..الجار والمجرور؟..الصلة والموصول؟..الشرط والجواب..؟  تذكرت وتذكرت..لكن لم يسعفني التذكر ولا أنجدتني الذكرى.. !
نظرت إليها ، كانت لا تزال مشدوهة تنظر إلي ،لا جفن يرف ولا شفةتنبس !.. كانت كمن يريد أن يملأ عينيه من صورةٍ أمامه ستختفي بعد حين ..كمن جاءت تسمع آخر قصائد قيس.. كمن جاءت تودع حبيباً ذاهباً إلى جبهةٍ قلَّ من عاد منها من رُفقة السلاح..! وكنت أتملاها بعين الذاكرة ،فلَكم أثارت من نقع ..!ولَكم وسطت من جمع..وكم بسطت من نفع..كم قدحت في عقل..؟
قفزتْ الى جنبي على السرير.. حضنتتني … ضممتها برفق الى صدري..كنت أسمع لها أنينا لا يسمعه غيري.أحست بعبراتي الساخنة على جلدها الناعم..فاح أريج جلدها العبق…راحت تتسلل بين ثقوب الذاكرة تستدعي   حكايات عشق تليد ورفقة لم تزدها عوامل التعرية الزمنية والطبيعية إلا صلابة ومتانة…رفعت رأسها تنظر إلي بلوعة وإشفاق ..زادتني نظراتها حزنا..مسحتُ على ظهرها برفق وهمستُ في جيبها الأيسر : الخلود والدوام ليسا من أبناء الدنيا عزيزتي.. ولكل شيء إذا ما تم نقصان كما سمعتيني أردد مرات في القسم للشاعر الأندلسي الذي فقد فردوس الأرض..وقد يتعدد المفقود والحزن واحد.. ولو غلبتنا هذه اللحظة منذ الوهلة الأولى ما ذقنا سعادة قط..ولا ريب أن مقام الخلود قد حجز لنا في عقول وأفئدة أجيال بكاملها..أليس هذا خيرا وأبقى حبيبتي؟ !
عانقتها للمرة الأخيرة وأنا أتخذ لها من مكتبي مكاناً علياً ،وأنيخ بها في أجمل ركن فيه ، وأنا أهيل عليها خمارا شفافا يصونها من عوادي الغبار ولا يحجبها عن ناظري، وأما القلب فقد  حفرت فيه مَقامها ومُقامها ونزلت السويداءَ منه … قبل أن أرفع يدي الحانيتين عنها مودعا، نظرت إلي بعينين مثقلتين ثم قالت بصوت لا يكاد يسمع: عِدني يا عزيزي إن فكرتَ أن تركب بحرا آخر…ألا..
قاطعتها بلطف قبل أن تكمل : أفهم غيرتك حبيبتي ..ولْيَهنأ بالك ولترقدي في سلام.. فنحن قوم ،يا عزيزتي، نموت ولا نغير محافظنا …

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.