منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(13) خطر التطبيع من مدخل الحوار الديني “الإبراهيمي” | طباع اليهود ومخاطر التطبيع

الدكتور عبد الحليم أيت أمجوض

0

لما كانت الخلفية الدينية محركا أساسيا للصراع مكتنزا لثقافة المقاومة على الدوام، مقارنة مع الإيديولوجيات المصلحية التي عادة ما تؤول للخضوع بفعل استمرار الضغوط، صار العديد من المهتمين بحل قضية الشرق الأوسط يعتقدون في نجاعة الحوار الديني مسلكا من مسالك تحقيق السلام بين العرب والكيان الصهيوني[1]، بل اعتبر آخرون القضية داعيا من دواعي الحوار وضروراته[2]، ولهذا خصصت عدد من الأبحاث في الحوار الإسلامي المسيحي لمناقشة السلام والصراع العربي الصهيوني.

على أن رصد أدبيات الحوار الإسلامي المسيحي في هذه القضية يفضي إلى الكشف عن تطور ملحوظ في نظرة الأطراف للصراع ووسائل حله عبر مرحلتين:

  • أولاهما: شغلت زمن المواجهة العسكرية مع الكيان الصهيوني،
  • وثانيهما: ابتدأت مع تحول مسار الملف صوب المفاوضات والتسويات السلمية إلى الآن.

وقد تميزت المرحلة الأولى باتفاق الأطراف على مواجهة الدولة الصهيونية وإدانة الاحتلال الصهيوني للأراضي العربية[3]، والتصدي للصهيونية وسياستها التوسعية غير المشروعة، وإدانة الاعتداءات على الشعب الفلسطيني وعلى مقدساته الإسلامية والمسيحية وتأكيد حقوقه الوطنية والإنسانية، والدعوة إلى إيجاد دولة للفلسطينيين وتحرير الأراضي المحتلة، وتأييد المقاومة البطولية للعدوان الصهيوني، ودعم منظمة التحرير الفلسطينية واعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، والتحذير من استغلال الحوار اليهودي المسيحي من أجل التهويد في فلسطين ومصلحة الكيان الصهيوني، والتنديد بالهجرة السوفيتية للأراضي الفلسطينية المحتلة، ورفض تبني أي مشروع للسلام يخرج عن الثوابت الفلسطينية والشرعية الدولية، وانتقاد الولايات المتحدة الأمريكية لعرقلتها تطبيق قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين[4].

أما المرحلة الثانية فقد تضمنت مؤشرات عدة[5] على توظيف الحوار الإسلامي المسيحي في تسهيل عملية السلام الأولى بين مصر والكيان الصهيوني من خلال معاهدة كامب ديفيد عام 1978م، حيث كانت الاتصالات تجري بين رئيس مصر: أنور السادات والفاتيكان ثم الأزهر بعد ذلك[6].

المزيد من المشاركات
1 من 61

هكذا تضافرت الآراء والاتجاهات في أدبيات الحوار الإسلامي المسيحي لخدمة العملية السلمية من خلال تأييد المحادثات السلمية واعتبارها تحولا يبعث على الأمل، مع إبداء التقدير لجهود بعض الأطراف في الدفع بعملية السلام[7].

كما عمد المنظمون أحيانا كثيرة إلى التركيز على اختيار مواضيع السلام في مداولات من قبيل موضوع “دور الدين في السلام” أو “مفهوم السلام في الأديان”[8]، وإن كان ذلك في اعتبار البعض نوعا من توسيل الحوار في خدمة السياسات الأمريكية الصهيونية بالمنطقة، بحيث يراد تمرير الحرب المستترة والمظالم والهيمنة الصهيونية تحت شعار السلام والتسامح، ومن ثم يؤكد هؤلاء على أن هذا الحوار إذا أريد له النجاح فلا ينبغي أن يتحول إلى بوق لخدمة تسويات ظالمة تحث شعار السلام[9]، بل أصبحت هناك دعوات واضحة لإدخال اليهود في اللقاءات الإسلامية المسيحية في موضوع السلام بحجة أن هذا الحوار الثلاثي سيؤدي إلى سلام في فلسطين.

ويؤكد هؤلاء على الأصل الإبراهيمي[10] للأديان الثلاثة ودوره في إنهاء الصراع، باعتباره توسيعا للأسس الفلسفية للحوار الإسلامي المسيحي، بقصد إدماج اليهود في الحوار على اعتبار أن إبراهيم الخليل عليه السلام هو أبو الديانات الثلاث وأنه رمز للسلام، وقد انتقد عدد من المسلمين اعتبار الانتساب إلى إبراهيم عليه السلام مظلة للحوار الإسلامي المسيحي اليهودي، باعتباره حوارا غير متكافئ وخاضعا لحسابات سياسية يصعب على دعاته إخفاؤها إلا على بعض البسطاء وذوي النيات الطيبة، كما أن في الدعوة إلى الحوار بهذا الوصف تأييدا للصهيونية ولأدعياء الحق اليهودي في فلسطين[11].

إلا أنه، وبالرغم من معارضة الكثيرين لمسألة توسيع الحوار ليشمل اليهود لكونه مطلبا يهوديا يخدم التطبيع بأقل كلفة ممكنة، فقد بدأت بعض الجهات تنظم لقاءات ثلاثية للأديان السماوية رحبت بها دول وهيآت حكومية متعددة، وأصبحت الأطراف العربية المسيحية والمسلمة تشارك في لقاءات الحوار الثلاثي بلا حرج أو حياء، ثم ما لبثت أن تزايدت تلك اللقاءات الثلاثية الرسمية من أجل دعم العملية السلمية، وتقلصت، بالمقابل، الأفكار الهجومية على دولة الكيان الصهيوني خاصة ضمن الإطار العربي الرسمي إلا في الدول التي لم تحقق تقدما في عملية التسوية مثل سوريا ولبنان[12].

وكما لوحظ في الحوار من أجل القدس تباين في الجانب المسيحي بين مواقف العرب والغربيين، يسجل أيضا التمايز ذاته في هذا المقام، حيث يذكر الأب الكاثوليكي المصري د.جورج شحاتة قنواتي أن الأعضاء المسلمين والمسيحيين، الآتين من الشرق الأدنى إلى لقاء عجلتون عام 1970م، حاولوا أن يصدر المؤتمر رسالة من أجل تحقيق السلام في فلسطين، لكن جهودهم باءت بالفشل، حيث رفض عدد من المشاركين ورئيس المؤتمر التدخل في مشكلة وصفوها بأنها ذات طابع سياسي[13].

وشكل الموقف المسيحي في مؤتمر طرابلس عام 1976م نموذجا آخر للسلبية تجاه الصراع العربي الصهيوني، ففي ختام هذا اللقاء صدر بيان مشترك من 24 بندا، وكانت الفقرتان 20-21 تتعلقان بالقضية الفلسطينية والصهيونية العالمية، حيث جاء فيهما اعتبار الصهيونية حركة عنصرية، عدوانية أجنبية عن فلسطين، وتأكيد حقوق الشعب الفلسطيني وعروبة القدس، وإطلاق سراح المعتقلين في السجون الصهيونية وتحرير الأراضي العربية المغتصبة من قبل الصهيونية.

فامتنع الجانب المسيحي عن التصديق على الفقرتين من البيان وأرجأ ذلك إلى الفاتيكان الذي امتنع معتبرا أن لقاء طرابلس غير ناجح نجاحا كاملا لأنه تعرض للصهيونية[14].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

ألا فليسقط التطبيع بكل أشكاله وألوانه الفاضحة والمستترة …

 ((يُتبع في المقال (14) بعنوان: “التطبيع بين الاقتضاء الأصلي وواقع العدوان(1)”))


[1] – بسام عجك، الحوار الإسلامي المسيحي، ص:498.

[2] – البيان الختامي للقاء كرتينيه بسويسرا عام1969م، جولييت حداد، البيانات المسيحية الإسلامية المشتركة، ص:37.

[3] – إسماعيل الفاروقي، الأسس المشتركة بين الديانتين في المعتقدات ومواطن الالتقاء في ميادين الحياة، بحوث ووثائق ندوة الحوار الإسلامي المسيحي، ص:286.

[4] – سامر رضوان أبو رمان، الأبعاد السياسية للحوار بين الأديان، ص:140-142.

[5] – فهمي هويدي، الحوار الإسلامي المسيحي كما يراه علماء الأزهر في مصر، ص:82-83.

[6] – جاء في لقاء القاهرة، أيام:11-14 أبريل عام 1978م، بين الأمانة العامة للعلاقات مع غير المسيحيين التابعة للفاتيكان، والسلطات الدينية الأكاديمية في جامع الأزهر، أن البابا  يساند مبادرة الرئيس السادات لإحلال السلام في الشرق الأوسط.

– انظر: جوليت حداد، البيانات المسيحية الإسلامية المشتركة، ص:119.

[7] – سامر رضوان أبو رمان، الأبعاد السياسية للحوار بين الأديان، ص:148.

[8] – محمد السماك، مقدمة إلى الحوار الإسلامي المسيحي، ص:81.

[9] – منير شفيق، حول الحوار الإسلامي المسيحي، ص:14.

[10] – قد يراد بهذه الفكرة أحيانا أن الدين الإسلامي مشتق من اليهودية والمسيحية، والقصد من ذلك تذويب الفوارق التناقضية بين الديانات الثلاث، ومنها تذويب الدين الإسلامي.

– عبد الرحمن عوض، الإسلام والأديان؛ ضوابط التقريب بين البشر ومحاذير التقريب في العقيدة، ص:12.

[11] – أنور الجندي، الحوار بين الأديان، ص:92.

-Islamochistiana, No.24, Rome, 1998, p:3.

[12] – محمد مهدي شمس الدين، كلمة سواء، ص: 82.

[13] – وليم سليمان، الحوار بين الأديان، ص:61-62.

[14] -Islamochistiana, No.17, Rome, 1991.p:291-292.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.