منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أحكام الحيض والنفاس

أحكام الحيض والنفاس / د. محمد جعواني

0

أحكام الحيض والنفاس

د. محمد جعواني

 

  • تعريف الحيض[1]:

الحَيْضُ لغة: السَّيَلان، تقول العرب: حاض الوادي إذا سال ماؤه، وحَاضَت السَّمُرَةُ (أي الشجرة) إذا سال صَمغُها، وحَاضَت المرأةُ: سَال دَمُهَا، وجمع الحائض حُيَّضٌ، والمَرَّةُ حَيْضَةٌ، وَالجَمع حِيَضٌ.

واصطلاحا: هو الدم الخارج مِنْ قبل مَن تَحمِلُ، من غير ولادة، ولا مرض ولا زيادة أجل. أو هو دم طبيعيٌّ يُرخِيه رَحِم المرأة البالغة في أوقات معينة.

والأصل في أحكام الحيض قوله تعالى:وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُل هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ ولا تَقرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِن حَيثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِن اللهَ يُحِبُّ التوَّابِينَ ويُحِب المُتَطَهِّرِينَ[2]

واختلف الفقهاء في تحديد أقل سِنٍّ تحيض فيه النساء، وأرجح الأقوال عند جمهور العلماء أنه سنُّ التاسعة. ويؤيد هذا أيضا قول عائشة رضي الله عنها: ” إِذَا بَلَغَتِ الجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امرَأَةٌ “[3].

  • أقل الحيض وأكثره:

أقلُّ الحيض عندنا في المذهب ما يُسمى حيضا ولو قَطْرة[4].

والدليل حديث عائشةَ رضي الله عنها قالت: قالت فاطمةُ بنتُ أَبِي حُبَيْشٍ لِرسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم، يا رسول الله: إني لا أطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلاة، فقال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنما ذَلِك عِرْقٌ وَلَيس بالحَيْضَةِ فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فاترُكِي الصَّلاَة، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنكِ الدَّمَ وَصَلِّي”[5]، والشاهد في الحديث أمر النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش بترك الصلاة بمجرد إقبال حيضتها، والصلاة لا تُترك لأمر مشكوك، فدل ذلك على الاعتداد بأول خارج من الدم من غير اعتبار مدة ولا مقدار[6].

أما أكثر الحيض، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن أكثر مدة الحيض خمسة عشر يوما[7]. واستدلوا بقول عَطاء بن أبي رَبَاح: أَكْثَرُ الحَيْضِ خَمسةَ عَشَرَ يوماً[8]. ويُروى عن علي رضي الله عنه، وبه قال الأوزاعي. واستأنسوا له بحديث “تَمْكُثُ إحْدَاكُنَّ شَطْرَ دَهْرِهَا لَا تُصَلِّي”[9].

  • أقلّ الطُّهر وأكثره:

لا حدَّ لأكثر الطهر، فما دامت المرأة لم تر الدم فهي طاهر. أما أقل الطهر فهو خمسة عشر يوما بلياليها عند جمهور الفقهاء.

  • علامة الطُهر:

يُعرَفُ الطُّهر مِن الحَيْض بخروج ما يُسَمَّى بالقَصَّة البيضاء، وهو سائل أبيض، لزج، يخرج إذا توقّف الحَيْض، فإذا لم يكن من عادة المرأة خروجُ هذا السائل، فعلامة طُهْرها الجَفَاف، حيث تضع قُطنة بيضاء في فرْجِها، فإن خرجَتْ نقيّة ولا أثر فيها لدم، أو صُفرة، أو كُدْرة (وهو لون بين الصُّفرة والسَّواد)، فذلك علامة طهرها.

  • ­ الصفرة والكدرة :

المشهور في المذهب أنها حيض، وفي المذهب قول آخر يعتبرها حيضا إذا اتصلت بحيض، أما إذا كانت لوحدها قبل الحيض أو بعد انقطاعه فلا تعتبر حيضا. ورجّح هذا القولَ غيرُ واحد من الأئمة المالكية منهم الإمام المازري. ودليلهم حديث أُمِّ عَطِيَّةَ وكانت بايعَت النبيّ – صلى الله عليه وسلم- قالت: كُنَّا لا نَعُدُّ الكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهرِ شيئًا[10].

وحديث فاطمة بنت أبي حُبيش أنها كانت تستحاض، فقال لها رسول الله صلى الله عليه و سلم : إذا كان دم الحيض فإنه دمٌ أسود[11] يُعرف فأمْسِكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوَضَّئي فإنّما هو عِرْقٌ”[12].

وحديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: “كان النّساء يبعَثْن إلى عائشة أمِّ المؤمنين بالدِّرَجَةِ[13] فيها الكُرْسُفُ فيه الصُّفرَةُ من دم الحيضة يسألنها عن الصلاة فتقول لهن: لا تعجَلْن حتى تَرَيْنَ القَصّة البيضاء، تريد بذلك الطهر من الحيضة”[14].

  • موانع الحيض:

يَحْرُم على الحائض أمور كثيرة منها: الصّلاة، والصوم، ومسُّ المصحف، ودخول المسجد، والطواف، والوَطْء، والاعتكاف، والطّلاق.

  • دم الاستحاضة:

      • تعريفه:

هو دمٌ يسيل من فَرْج المرأة بعد مُضِيّ أكثر مدة حيضها.

  • كيف نميز بين الحيض والاستحاضة:

للعلماء في التّمييز بين الحيض والاستحاضة أقوال:

المشهور عندنا في المذهب أنّ المعتادَة[15] إذا تمادى بها الدم بعد عادتها تستظهِرُ بثلاثة أيام، فإن تمادى الدم بعد الاستظهار تصير مُستحاضة. فمثلا مَن كانت عادتها سبعة أيام ولم ينقطع عنها الدم تستظهر بثلاثة أيام، فإن لم ينقطع عنها الدم صارت مستحاضة. وفي الدَّوْرَة المقبلة تصبح عادتها عشرة أيّام، فإن تمادى بها الدم استظهرت بثلاثة أيام، ثم تصير مستحاضة إن تمادى بها الدم. وهكذا إلى أن تصير عادتها خمسة عشر يوما فلا استظهار عليها حينئذ، وتصير مستحاضة إن لم ينقطع عنها الدم.

واستأنس المالكية للقول بالاستظهار بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ولا تُصَرُّوا الإبل والغنم[16] فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النّظَرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وإن سَخطها رَدَّها وصاعا من تمر”. والشاهد في الحديث جعل النبي صلى الله عليه وسلم للمُشتري الخيار ثلاثة أيام، وهي المدّة التي يتميز فيه اللّبن العادي من لبن التّصْرية. فرأى المالكية أن تلك المدة من شأنها أن تميز فيها المرأة بين دم الحيض ودم الاستحاضة.

واستدلّ بعض المالكية بحديث ابنَة مَرْثَدٍ الأَنصاريَّةَ التي أَتَت النَّبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: تَنَكّرْتُ حَيْضَتي، قال: كيف؟ قالت: تأخُذُني فإذا تَطَهَّرْتُ منها عَاوَدَني، قال: إذا رَأَيتِ ذلك فَامكُثي ثَلاَثًا”[17] .

وقيل: ترجع إلى العادة، بحيث تكون حائضا أيام عادتها فقط، وما زاد على ذلك تكون مستحاضة.

وقيل: إن لم تكن لها عادة ترجع إليها تعتمد على التمييز[18].

وقيل: إن لم تكن لها عادة، ولم تستطع التمييز ترجع إلى عادة غالب النساء.

  • تَقَطُّع أيّام الطٌُّهر:

إذا حاضت المرأة ثم انقطع حيضها قبل بلوغ عادتها، ثم عاوَدَها الحيض فإنها تُلَفّقُ أيام حيضتها، أي: تَضُمّ أيام حيضها إلى أن تبلغ عادتها، فإن استمرّ بها الدم تستظهر كما أسلفنا، بشرط أن لا يتخلَّل أيام حيضها أقل مدة الطهر(خمسة عشر يوما)، لأنه في حال تخلّل أيام الحيض بأقل مدة الطهر فلا يجوز التّلفيق، بل يعتبر الدم النازل بعد الطهر حيضا جديدا.

  • دم النفاس:

      • تعريفه:

النِّفاس، من نُفِسَت المرأة تَنفسُ فهي نُفَساء، وهو الولادة. ودمُ النفاس هو: دم يُرخِيه الرَّحم بسبب الولادة، إمَّا معها، أو بعدها.

      • مُدَّته:

لا حَدَّ لأَقلّ النفاس، فلو خرج الولد جافًّا من غير دم لَوَجب الاغتسال.

وكذلك إذا انقطع الدم بعد يوم أو يومين تغتسل المرأة وتُصبح طاهرة.

وكان الإمام مالك يقول: إن أقصى مدّة النفاس شهران، ثم رجع عن ذلك، وقال: يُسأل النّساء عنه، بمعنى يُعتمد في ذلك على العرف والعادة.

وذهب أكثر أهل العلم إلى أن أقصى مدة النفاس أربعون يوما. قال التِّرمذي رحمه الله: ” وقد أجمع أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم على أن النُّفَساء تدَعُ الصّلاة أربعين يوما، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فإنها تغتسل وتصلي. فإذا رأت الدم بعد الأربعين: فإن أكثر أهل العلم قالوا: لا تدع الصلاة بعد الأربعين، وهو قول أكثر الفقهاء “[19].

واستدلُّوا بحديث أمِّ سلمة رضي الله عنها قالت: “كانت المرأة من نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم تقعد في النفاس أربعين ليلة، لا يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء صلاة النفاس”[20].

 


[1] للحيض عند العرب أسْماء كثيرة، منها: طَمْثٌ، وَضَحِكٌ، وَإِكْبَارٌ، وَإِعْصَارٌ، وَدِرَاسٌ، وَعِرَاكٌ وَفِرَاكٌ، وَطَمْسٌ، وَنِفَاسٌ، وقُرْءٌ، وأَذى.

[2] سورة البقرة، الآية: 222

[3] رواه البيهقي في السنن.

[4] وأقله عند الأحناف ثلاثة أيام، وعند الشافعية والحنابلة يوم وليلة.

[5] رواه البخاري ومسلم.

[6] انظر: المنتقى لأبي الوليد الباجي 1/123

[7] وذهب الأحناف إلى أن أكثر الحيض عشرة أيام.

[8] رواه الدارقطني في السنن.

[9] هذا الحديث بهذه اللفظ باطل لا يُعرف، كما قال غير واحد من أهل العلم منهم الإمام النووي.

[10] حديث صحيح، رواه أبو داود وابن ماجة، ورواه البخاري من غير قولها” بعد الطهر..”.

[11] أي: أحمر ينحو إلى السواد.

[12] رواه النسائي.

[13] الدِّرَجَة هي وعاء صغير تضع فيه المرأة متاعها. والكُرسُف هو القطن.

[14] رواه البخاري تعليقا، ووصله مالك في الموطأ، وصححه الألباني.

[15] يميز فقهاؤنا بين المعتادة: وهي التي اعتادت رُؤْيَة الدم مدة معينة. وبين المبتدأة: وهي الصغيرة التي تحيض لأول مرة.

[16] التَّصْرِية هي رَبط ضِرْع البقر أو الغنم لكي تحفِل باللبن، فيغترّ بها المشتري وهي من التّدليس.

[17] رواه البيهقي، وهو حديث ضعيف.

[18]التمييز يكون باللّون(الحيض أسود والاستحاضة أحمر)، والرّائحة(الحيض مُنتن الرائحة والاستحاضة غير منتن)، والرّقّة(دم الحيض ثخين ودم الاستحاضة رقيق)، والتجمّد(دَمُ الحَيْض لا يتجمد ودَمُ الاستحاضة يتجمد).

[19] محمد بن عيسى الترمذي، سنن الترمذي 1/48، دار إحياء التراث العربي‑ بيروت.

[20] رواه أبو داود.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.