منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سعد والعالم الأزرق..!! خيبة أمل (قصة قصيرة)

سعد والعالم الأزرق..!! خيبة أمل (قصة قصيرة) / عبد الرحيم هريوي

0

سعد والعالم الأزرق..!! (قصة قصيرة)

خيبة أمل

بقلم: عبد الرحيم هريوي

دخل العالم الأزرق مدججا بكثير من الأسلحة الثقافية والإبداعية الثقيلة ،كي يحقق حضوره المتميز بين جيوش العالم الأزرق وفيالقه الخاصة والمدربة. والتي احترفت مواجهة كل الهجمات وصدتها بدون خسائر تذكر، وذلك بفضل نجاعة الأسلحة الرادعة التي في حوزتها والتي تمتلكها وتستعملها في الرد على كل قصف عشوائي مباشر أو غير مباشر..!؟!

سعد ؛ الذي عرف منذ زمن العالم الأزرق الممتد، وظل يبحر بين أمواجه العاتية، وصُنف من بين أفراد الكوكبة التي تسبح بمهارة، ولا تمل برودة مائه، وتقلباته المفاجئة،والتي تبقى على ٱرتباط وثيق بالأوضاع المؤثرة فيه. وما يعيشه المجتمع من اضطرابات وقلاقل واحتجاجات ومظاهرات وهزات واصطدامات ورجات.ولا سبيل، أمسى، ممكنا للتعبير الحر والصادق عن تلك الطلبات والعرائض المجتمعية إلا عبر هذا المحيط الأزرق الممتد عبر العالم الرقمي، والذي يعطينا صورة شاملة عن ما يجري حولنا في العالم بأسره..!

صديقنا سعد هذا، يعتبر من قدماء ونشطاء العالم الأزرق، وله أصدقاء قدامى وجدد.كما له أقدمية لأكثر من عقد من الزمن في الإبحار في أعماق هذا البحر المتقلب.ويكون قد اكتسب من المهارات والخبرة في السباحة والغوص، مما يؤهله لاستخراج كنوزه وثرواته التي لا يعرف قيمتها سوى أمثاله.. نعم، أمثاله الذين ألفوا العيش في أجوائه طيلة فصول السنة ..!

لكن رغم ذلك، ظل سعد غير راضٍ عن حاله، وهو من رواد هذا البحر الأزرق وخبرائه، إذ لم يصل إلى ما كان يطمح إليه من الشهرة والتواجد بين ساكنته و زواره بالليل والنهار..لذلك ظل يغير من أساليب تواجده بين أصدقائه كي يعطي نفسه تلك الصورة المشبعة بنوع من التميز الذي يبقى ضاغطا على نفسيته..!
-غير البروفايل كم مرة..قام بنشر صور من ألبومه القديم..صور لمدينته..صورة لسيارته..لكلبه..لقطته..لأزهار وبساتين وأشجار ونباتات وهلم جرا..!
جرب كل الصور، وفي الأخير لجأ لما يلجأ إليه بعض الفنانين التشكيليين المتشائمين..مصاحبة اللون الأسود في البروفايل الخاص به، ودَون قولة مشهورة لأحد الفلاسفة الوجوديين، لعله جون بول سارتر:L’enfer C’est Les autres جهنم هم الآخرون..!
-لاندري ما الرسالة التي كان يريد توجيهها للزوار،وخاصة أولئك الذين يضايقون تواجده بينهم، ولا يعطونه ذاك الزخم والاهتمام الذي ما فتئ يطلبه لنفسه..!؟!؟
-ظل على تلك الحالة، وهو يطارد المجد والشهرة عبر العالم الأزرق..جرب جميع الخطط..كل شئ جديد ينشره عبر صفحاته.. تعليقات ..كتابات .. تعابير قد لا تخلو من إحساس و رغبات دفينة، قد لا يكتشفها إلا من له دراية بدراسات سلوكيات بني البشر، وتقلبات أحوالهم ومطاردة الساحرات..!
ومؤخرا بدأ نشر صور كثيرة : شواهد..دبلومات..اعترافات من مختلف المنظمات..الجمعيات..المؤسسات الثقافية والأدبية والفنية الوطنية منها والعربية والدولية، والتي تشهد له بباعه الطويل في مجال التجديد والعطاء بٱسمه الكبير والأكاديمي كباحث ومشارك وناقد ومفكر وكاتب وأستاذ ..!

لكن للأسف كل ذلك لم يحدث له ذاك الزلزال،والرجة الكبرى في عالمه الأزرق الذي يعشقه ويهواه، ولا ينام إلا بعدما يحصي عدد المعجبين مناصفة، لكل ما ينشره و يتقاسمه مع من يشاركه تواجده وتميزه بينهم وبينهن…هههه!
أصيب سعد بالاكتئاب الحاد. لأنه يريد أن يجعل من نفسه نجما ساطعا..يتكلم عنه الجميع..يعرفه الجميع..يهنِّئه الجميع..يعلق الجميع على منشوراته بباقة من الورد وبألوان قلوب حمراء..لذلك جرب الفكرة ما قبل الأخيرة لعلها تصطاد له سمكة فريدة من نوعها، في جوفها زمردة تُغَيِّرُ حياته نحو المجد المفقود..!

نزل هذه المرة بكل ثقله على ملء C.V بمعلوماته الشخصية، ودون صفحة كاملة عن شخصه:

إنه الحاصل على.. و على..له من المؤلفات كذا وكذا.. حاصل على الإجازة في كذا وكذا..نال دكتوراه الدولة من جامعة السوربون..انضم للمجلس الفلاني..عضو باليونسكو..باليونيسيف..عضو بالمجلس الاستراتيجي للدراسات المعمقة شمال جنوب..باحث ومؤرخ في علم الأديان..سفير النيات الحسنة والسلامة والأمن لدى الأمم المتحدة..!!

انتظر بعدها شهرا كاملا ،في ٱنتظار ما سيناله من شهرة وتميز و مكانة وحظوة بين دفء أحضان زوار البيت الأزرق..لكن المياه ظلت راكدة في مكانها..وتحتاج لصب جديد كي تنتعش فرشتها، ويتجدد ماؤها..!

انهزم ٱنهزامه الأخير، وظلت صورته عادية بين كومة من الألبومات والتعاليق والخرجات..لم يهتم بتواجده أحد، أو على الأقل كما كان يتمناه..لذلك قرر إغلاق حسابه الفيسبوكي، ومقاطعته بشكل نهائي، وفي حلقه غصة..وأمسى لسان حاله يقول كلما ٱلتقى مع صديق من الأصدقاء ألف تواجده اليومي بين رواد البحر الاجتماعي الأزرق، وسأله عن أحواله،و هجرته المفاجئة لبحره الأزرق الذي يعشقه، وأمسى من ضروريات الحياة كالهواء والماء..كان جوابه في تحد صارخ :

كيف أننا استطعنا يا صاح أن نهزم السيجارة الملعونة، بعزيمة وإرادة رغم إدماننا على شربها لعقود طويلة ،ولم لا نستطع هزم هذا الإدمان الجديد لعوالم الفيس بوك و الواتساب والتويتر والانستغرام، والعودة من جديد للحياة الطبيعية ومرافقة كل شئ قديم كان في حياتنا رائعا وجميلا، بنكهته المادية في حياتنا المعاصرة، والتي قضت عليه التكنولوجيا الرقمية بالخصوص..!؟؟

أقرأ كتابا أو رواية أو قصة..أستمع لموسيقى أندلسية أو كلاسيكية. نناقش أفكارنا في لقاءاتنا..نتحاور..نكتب مقالاتنا..قصائدنا كلها بالقلم والقرطاس..نسافر.. نقوم برحلات ..نغازل عالم الطبيعة.. نتذوق كأس شاي منعنع، أو قهوة صباح جميل ..نقوم بخرجات..نسافر ونتيه لحظات رومانسية في عالم الطبيعة..نرى بعمق ونعيش لحظات حميمية في عالم الجبال والوديان والبحار والأنهار والصحاري والفيافي. نهيم في عالم الخلاء..نعطي الحرية للنظر ، والتمتع بأشياء حية تمشي..تتحرك.. تنطق.. تتعايش.. تحس..وليس ما أعيشه في علاقة حميمية مع وهم وخيال، وكل شئ فيه أمسى في عالم المثل..!

استشعر سعد حياته الجديدة التي ضيعها في مطاردته للوهم عبر عالمه الذي يسحر بأضوائه، بتنويمه المغناطيسي له..إنه عالم يصنعه الكبار ..أولئك الذين يتحكمون في عقول بني البشر..ويجعلونها تعيش في كواكب أخرى غير الأرض ..!
عاد سعد لحياته القديمة التي فقدها، ليتذكرها من جديد. ووجدها بين صور ألبوماته القديمة.. وهو اليوم عائد كي يمسح عنها التراب الذي علق بها، ولكي يحييها من جديد في دواخله أولا، وتمسي مشروع حياته المستقبلية، فيما تبقى له من عمر..!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.