منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الكراء مقابل الرهن والتجارة الإلكترونية ” خطبة الجمعة للشيخ سعيد الكملي “

محمد سكويلي  

1

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعيه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا

من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

يأيها ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا

المزيد من المشاركات
1 من 14

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا.

أما بعد فإن خير الكلام كلام الله وأحسن الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار

أسأل أسئلة راجعة إلى عقود تشيع عند الناس ويسألني أصحابها هل هذا جائز أم ليس بجائز؟ وهل ما نجنيه من المال عن هذه العقود مما أحل الله؟ فنستعمله ونطعمه أبناءنا أم من الخبيث الذي ينبغي أن ننتهي عنه؟

قبل هذا أيها الناس أحب أن أذكركم بأشياء نغفل عنها عندما يبدو لنا بريق الدرهم. روى مسلم في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أيها الناس إن الله طيِّبٌ لا يقبل إلا طيبًا“، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ.  وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ.

اعلموا أن من لا يأبه بالذي يأكل أهو من الطيب أم من الخبيث، هذا يضر نفسه وإن تاب، لأن كثيرا من الناس حمقى يضحك عليهم الشيطان كما يشاء، يلتمس الرزق من الحرام ثم يظن أنه ربما تصدق وأطعم ويعول أرملة ويعول يتيما من ذلك الحرام فقد خلط قبيحا بجميل، خلط عملا صالحا وآخر سيئا ويقول عسى الله أن يتوب علي.

اسمعوا وعوا روى ابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من جمع مالًا حرامًا ثم تصدق به، لم يكن له فيه أجر، وكان إصره عليه هذا الذي جنيته من حرام تطعم به الصبيان، هؤلاء الأبرياء، هؤلاء الأمانات الذين استرعاك الله إياها، وسوف يسألك أحفظت أم ضيعت؟  أترضى لنفسك أن تنظر إلى صغارك وهم يأكلون حراما وأنت تسمع الحديث الذي رواه أبو يعلى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا يدخل الجنة جسد غذي بالحرام”، الأمر خطير ونحن نعيش في زمن هذه المعاملات كل يوم نسمع أمورا يستحدثها الناس، قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله “تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور”، فجور الناس يحدث لهم أقضية ويسمونها بغير أسمائها. كان العلماء يوصون التاجر أن يكون له صديق فقيه، فإذا كان للتاجر صديق فقيه فذاك رجل أراد الله له خيرا، فإذا استفسر في مسألة فإنه يسأل صديقا له ولا حرج، وصديقه الفقيه ينبهه ويحذره ويبين له الحلال من الحرام، فيصير مالُه حلالا كله، وكان من التجار إذا سافروا، سافروا ومعهم فقيه، وإذا حج قوم حج معهم عالم أو فقيه حتى لا يسقطوا في فعل شيء مكروه أو حرام، فكم من حاج ليس له من حجه سوى مصاريف الذهاب والإياب، لأنه فقط نسي أو فرط في ركن من أركان الحج.

فمن جملة ما أسأل عنه ومما فشا شيء صار الناس يسمونه الرهن، أنت تريد أن تستأجر بيتا ثمن إيجاره 2000 درهما، فيقول لك صاحب البيت إما أن تستأجر بثمن 2000 درهم عن كل شهر وإما أن تعطيني قدرا من المال 50000 د مثلا، وتستأجره بثمن 1000 درهم، وعند خروجك سأرد عليك المبلغ 50000 درهم، هذا هو ما يسميه الناس رهنا، وهو في الأصل ليس برهن، إنه من عمل الشيطان، “الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ”، فالشيطان يوسوس للناس تغيير الاسم من فحشاء إلى رهن، لأن كلمة “الفحشاء” لا يقبل بها مسلم، وكلمة “رهن” ليس بها أي إحراج عند عوام الناس، والفقهاء يقولون ليس في الرهن مشكل، لأن الرهن في الأصل هو أن أقرضك مالا وتمنحني شيئا أضمن به حقي في حالة عدم الاسترداد، فإن لم ترد إلي مالي حُق لي بيع ذاك الشيء، هذا هو الرهن. أو أشتري بضاعة وليس معي مالا، يمنحني البائع إياها وأترك له شيئا عوضا حتى آتي له بثمن البضاعة.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 27

أما ما استحدثه الناس فسموه زورا وبهتانا “رهنا”، هذا ليس برهن، هذه معاملة غير جائزة، والتصرف في مبلغ “الرهن” 50000 درهم تصرف غير جائز، وعقد الكراء الذي ثمنه 1000 درهم غير جائز.

لماذا؟ لأننا إذا أردنا أن نحكم على معاملة يجب أن نعطيها تكييفا شرعيا، نصورها تصويرا شرعيا، فأنت حينما تعطي مبلغ الرهن لصاحب البيت هل تعطيه هبة؟ أم تعطيه صدقة؟ وإنك لا تقول أقرضته إنما تقول أعطيته، لكن هل لصاحب البيت الحق في التصرف فيها؟ أم يحتفظ بها هي نفسها حتى يردها إليك؟

ففي حالة التصرف في ثمن الرهن يسمى هذا في الشرع قرضا. القرض هو مبلغ من المال يعطيه مسلم لأخيه المسلم لأجل الارتفاق، للرفق والسعة. وهذا ليس هو حال الرهن المعمول به عند الناس، لأن ثمن الرهن “50000 درهما” فيه شرط، ألا وهو تلك الدفعات “1000 درهم”، فتلك المنفعة المشترطة هي التي جعلت هذه المعاملة تشبه الربا بين المتعاقديْن، يظن المانح لثمن الرهن أنه يسكن مجانا فهذا أدهى وأمر.. هذا لا يجوز كيفما سميتموه، ولا خلاف فيه عند العلماء.

الخطبة الثانية:

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على محمد رسول الله وعلى آله وأصحابه وبعد،

قضية أخرى سئلت عنها، وهذه القضية لها صورتان، صورة عتيقة وصورة مستحدثة، لكنها هي نفسها، إنها من عمل الشيطان، هي أن تدفع ثمن بضاعة تود اقتناءها من بائع وهي غير موجودة فيقول لك سأحضرها لما تعود.. فيأخذها من بائع آخر ثم يعطيك إياها عند عودتك. هذا لا يجوز، هذه هي الصورة القديمة للمسألة. أما الصورة المستحدثة فهي مثلا أن يقول لك شخص ما أنه يعمل على إحداث موقع في الانترنيت أو صفحة على حسابه الالكتروني يعرض من خلالها بضاعة لبائع يبيعها في محله، فأنت كزائر للصفحة تشتري البضاعة وتؤدي ثمنها، ثم يقوم صاحب الصفحة باقتنائها من صاحب المحل فيرسلها إليك. هذا لا يجوز.

روى أحمد والترمذي وابو داود والنسائي أن حكيم بن حزام قال: ” قلت يا رسول الله يأتيني الرجل فيسألني البيع ليس عندي، أبيعه منه ثم أبتاعه له من السوق؟ فقال: “لا تبع ما ليس عندك”.  وكل العلماء أجمعوا على ضرورة امتلاك الشيء إذا أردت بيعه.  فتحرى وتجتنب كل ما تشابه، واحرص أن تكون معاملاتك صفية نقية. وحذار أن تتعامل بالرشاوى والشبهات وتحيا في مظالم الناس، والناس تجأر بالدعاء إلى ربها تدعو عليك.

ماذا تأكل؟ وماذا تطعم أهلك وبنيك؟ وبماذا تأتي إلى بيتك؟ ماذا حزت إلى رحالك؟ ثم تموت؟ يا عباد الله ثم نموت، ثم نقام بين يدي الرب سبحانه، ثم نُسأل..

اللهم اهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت وتولنا فيمن توليت واصرف عنا شر ما قضيت فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يعز من عاديت ولا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت..

اللهم اختم بالسعادة آجالنا واختم بالعافية غدونا وآصالنا واجعل إلى جنتك مصيرنا ومآلنا.. اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

تعليق 1
  1. هشام يقول

    يكثر الكلام والفتوى في أمر من أمور دين خلق الله في بلاد شعب مسلم أو لنقل ولا نستحي من الحق ولا ندعيه مجرد انتماء للإسلام حين نرى لا دولة إسلامية له ولا دولة عادلة له فتنزل عليه صواعق الفتاوي على مصارعه،لا سكن له و لا شغل ولا تعليم وصحة يقتات من شغل سعي يومه إن حصل إن نزلت به النوازل ظهر المفتي ونزل عليه القانون… أعطي مثالا لذلك من نوازل في حياة الناس :-رجل غرم وحكم عليه بالسداد أو السجن للعلم يسكن بيته ولا عمل له أعني لا دخل له يقتات به عياله،طرق باب الصديق والحبيب والفريب والأخ وحتى الفقيه الميسور جدا أفتى له في مسألة رهن بيته حرام بمعنى أدخل السجن ولم رق له قلبه ويقل له خذ وسدد الدين عليك…ذهب المسكين وهو بين المطرقة والسندان،بين الفقيه الذي لم يستوفي بعد آليات العلم والإجتهاد فكان للمواطن المعطل المديون المقهور المغلوب إلا أن يلتجأ إلى رهن بيته ويسدد دينه خوفا من السجن و يأخذ المتعارف عليه شعبيا النظافة مع السلف-“فما يكون رد الفقيه المجتهد في هذه المسألة لمواطن في دولة فاسدة لا هي إسلامية ولا عادلة …وجزاكم الله خيرا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.