منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قراءة في كتاب: سلا «المدينة المقفلة» الانفتاح الحذر على الغرب من القصف إلى الاحتلال (1851 -1912) لعز المغرب معنينو

د. أنس الصنهاجي

0

سلا بين حدثين: من النّفاح إلى الاجتياح (1851-1912)

قراءة في كتاب: سلا «المدينة المقفلة» الانفتاح الحذر على الغرب

من القصف إلى الاحتلال (1851 -1912) لعز المغرب معنينو

د. أنس الصنهاجي

 أستاذ باحث – جامعة ابن طفيل – القنيطرة – المغرب

 

نشر هذا المقال في مجلة ذخائر العدد التاسع 

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي

 

استهلال:

راكم التاريخ المونوغرافي خلال العقود الأخيرة في المغرب مساهمات جديرة، توسمت إرساء معرفة تاريخية بمناهج ومقاربات منفتحة، تستدعي الحدث لكشف البنية وفهم طياتها، عبر ضبط العلاقة السببية للنازلة التاريخية وملابساتها، وأشكال الهياكل المؤسسة للبناء الاجتماعي ومحدّداتها، في تساوق يجمع بين صرامة التوثيق وعمق الاستشكال ومنطق التأويل كأفق إجرائي لتفسر التاريخ تفسيرا إشكاليا.

والحق أن الأبحاث ذات الطبيعة المونوغرافية، قصّت شريطا جديدا منذ سبعينيات القرن المنصرم في مجال الهيستوغرافيا المغربية، إذ أوجدت موطئا لها من باب أنها مدخلا من مداخل بناء التاريخ الاجتماعي الشامل، وحلقة من الحلقات الاستراتيجية المحدِّدة في كتابة التاريخ العام، فالتجربة على علاتها أسهمت بِنَزْر في تطوير آليات المناولة التاريخية وموضوعاتها الإشكالية، بمنهج تفرّس دراسة البنيات من نافذة الأحداث، ومقاربة التاريخ السياسي من منظور سوسيولوجي وأنتروبولوجي، بما يفيد إعادة تركيب حقبة تاريخية تستجلي المنطق الداخلي المتحكم في تطور ظروفها العامة.

إن التاريخ المحلي أو المبحثة عموما تنسجم في مقاربتها المنهجية مع مدرسة الميكروتاريخ الألمانية وصنوتها الإيطالية، حيث اعتبرته الأولى نطاقا مثاليا لفهم التاريخ، في الوقت الذي عدّته الثانية عمق التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، كما يتقاطع مفهوم المبحثة مع الطرح العام للتاريخ الجديد المرتبط بتصور مدرسة الحوليات للكتابة التاريخية، دون أن تتنكر لربيبتها الوضعية في التركيز على الوقائع وتحقيقها، وحَبْوُ الوثيقة الرسمية وإيلائها الصدارة في بناء المعرفة التاريخية، هذا المرام الجديد أسهم في تبويئ التاريخ الاجتماعي حظوته المرجوة، فغذت المبحثة في دائرة اشتغاله رهانا معتمدا للإسْفار والنبش في المستور واستنطاق ودمج المهمش والمغمور، قصد ملء البياضات التي تعتور الواقعة التاريخية، أملا في إعادة بناء مشهدها العام وتركيب حلقاتها المفقودة وترتيبها على الوجه الصادر عليه، لاستقرائها في صورتها الكاملة، فالغائية المصبوة لتحقيق هذا المبتغى اقتضت التوسل بالمبحثة الإجمالية الملمة في دراستها بالأحداث والمفسرة لها، والمستوعبة لطبيعة البنيات ومسارات تبلورها وتحولها، واعتمادها كلبنة من لبنات بناء التاريخ الشمولي، فالإطار الميكروتاريخي ضروري لتحديد الظواهر الماكروتاريخية، و «بدون مفهوم المبحثة – كما أفاد عبد الله العروي – لا يمكن أن يستقيم لا منطقيا ولا علميا مشروع التاريخ الشمولي».

فنجاح المقاربة مبدئيا تقوم على التحري عن المروي واللامادي بكيفية منظمة، والاستثمار الكثيث والمتنوع للخامة الوثائقية المكنونة في قَماطِر المكتبات وأرشيفات المجال المدروس، توسما في صياغة مونغرافيات تتجاوز التعميمات التي تضحل فيها الدراسات التاريخية العامة، وتكشف عن الوجه الخفي للواقعة التاريخية، وتعري مواتن الحياة الاجتماعية والاقتصادية وتغيراتها، من داخل بناء فكري منهجي يقوم على النقد والمساءلة دون اتهام أو تبرئة، ما يسمح أكثر بمناولة موضوعات تاريخية منفرجة على العلوم الاجتماعية ومناهجها، بما يسوّل النفاذ إلى قرار الممارسات الثقافية، والطبائع والسلوكات الاجتماعية الواعية واللاواعيةّ، ويهوّن استغوار مخايلها السيكولوجية ودلالاتها الرمزية والحسية. فالواقعة التاريخية كما يبدو تستوعب بمنطق أعمق من خلال سبر التكلسات الفكرية المستبدة بالمخيال الجمعي منذ زمن.

ويعد كتاب سلا «المدينة المقفلة» الانفتاح الحذر على الغرب من القصف إلى الاحتلال 1851 -1912 للباحث عز المغرب معنينو أنموذحا فصيحا عن تطور التاريخ المونوغرافي في المغرب.

هذا الكتاب المنضّد في 326 صفحة أصله أطروحة دكتوراه ناقشها الباحث سنة 2004، برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط، وصدر سنة 2017 في حلة قشيبة متوسطة الحجم، تتألف طياته من سبعة فصول، تنتظم في ثلاثة أبواب عدا مقدمة وخاتمة ولائحة بيبليوغرافية مسهبة. وتجوب بنا ثنايا هذه الفصول الممتدة زمنيا ما بين 1851 و1912 على إيقاع يتقاطع فيه السرد بالتفكير غَمْرَة وصف وتحليل البناء الاقتصادي والسوسيو ثقافي لسلا ومحيطها الجغرافي، واستغوار تاريخ المدينة في مختلف تمظهراتها وإشكالاتها ورهاناتها، واستقراء ظروف انفتاحها القسري على أوروبا الرأسمالية خلال القرن 19، مداخل وفذلكات أعانت على ضبط جذور الاتصال ومعالم الانفصال وجس آثاره على المجتمع السلوي، عبر تتبع حنايا الأحداث واستثمارها في اكتناه محددات التحول وحدود انسحابه على البنى والتمثلات.

فالباب الأول استهله الباحث بعرض بيبليوغرافي انتقائي مفعم بالتنوع، اجترحه بالنقص والقصور في تغطية مجمل محطات ومعتركات المقطع المدروس، منوها بخلفيات الصورة التي رسمها الأنا والآخر عن المدينة ومكوناتها، وما عكسته مركزية التمثلات الذهنية من أحكام. وفي الباب ذاته استحضر في خضم اقتفاء مسارات الثابت والمتغير في النسق البنيوي للمدينة، عمقها التاريخي والاستراتيجي وخصائص مشهدها الجغرافي والبيئي وتأثيره الاقتصادي، وما يربط نسيجها الاجتماعي من علائق وما يميز بنيانها الداخلي والخارجي، وكيف فقدت المدينة حظوتها الاقتصادية ووظيفتها الجهادية ومكانتها الاستراتيجية، وكيف استمرت رواسب العهد الغابر، وكيف حافظت على نبضها، وكيف ظلت حية في مسام المجتمع السلوي، بينما عالج الباحث في الباب الثاني موجبات التآلف بين سلا ومحيطها، وبواعث التخالف بين أعيانها وجيرانها، مبرزا في سياق تحليله للأحداث أهمية الشبكة الزبونية والتحالفات المخزنية والأجنبية في الحفاظ على امتيازات النخبة اقتصاديا واعتباريا، ومركزية الثقافة الدينية في صيانة الهوية، وبعث المواقف والمعتقدات الأخلاقية المنتجة لروح التعاون والتكافل واللحمة المجتمعية، ولم يغفل الباحث إشراك فئة اليهود والعبيد وتقديمهما كنموذجين للمكون السلوي المهمش والمنبوذ، وبسطهما كمدخل لفهم المجتمع وتناقضاته، وكشف مغابنه. أما الباب الثالث فقد قارب فيه الباحث التصورات الإجرائية للمشروعات الإصلاحية التي تقدمت بها «الانتلجنسيا» السلوية كأفق للخروج من الكبوة الحضارية، مثيرا في السياق ذاته موقف هذه النخبة وغيرها من صراع الأخوين (المولى عبد العزيز والمولى عبد الحفيظ) والجارين الغريمين (ألمانيا وفرنسا) على السلطة والنفوذ، وملابسات صدمة الاحتلال وانعكاسها على صيرورة التمثل الذي بات أكثر واقعية في تقييمه للذات والآخر من ذي قبل.

إشكالية الدراسة:

فكك الباحث من خلال الإشكالية المركزية، مكونات الطية الاجتماعية للمدينة وخصائص بنيتها العامة، وطبيعة التفاعلات الميكانيكية الجارية في عمقها وآليات اشتغالها إن على مستوى المتخيل الرمزي أوعلى مستوى تدبير السلطة، إنها إشكالية ترفض تصوير أهل المدينة في شخصية «إكزنوفوبية»(كره الأجنبي)، لكنها تستحضر بلهجة تبريرية الجذور التاريخية والمركبات النفسية المقوّتة للحس الاجتنابي (التوجس والحذر) إزاء الآخر، ومغذيات استوائه على البنية الذهنية والسلوكية، وسياق إحلاله في المسبقات التمثلية، عبر ربط الغائر بالحاضر، واستدعاء المحددات المؤثرة في نواة التمثلات المركزية السائدة حيال الذات والآخر، جراء صدمة الحداثة والاحتلال، وجسرها بإرغامات التكيف القهري مع الظروف الطبيعية والأوضاع السياسية المستطرفة، التي صيرت سلا من مدينة بحرية إلى مدينة داخلية بعد توقف الجهاد البحري وتجريمه دوليا ومخزنيا.

أهمية الدراسة:

تكمن أهمية هذه الدراسة – على الأقل – في تغطيتها لفترة مفصلية من تاريخ المدينة (ما بين 1851 و1912)، ومقاربتها لقضايا طارفة بوثائق جديدة، كان للمؤرخ قصب السبق في افتضاض بكارتها وفك طلاسيمها وتحليل مضامينها، وبسطها للقارئ في صيغتها العلمية من قبيل: أزمة الماء وانعكاساتها على الاستقرار الداخلي والعلاقة مع المحيط القروي.

فهاجس إنجاز دراسة مونوغرافية بقرائن متعددة، قَرّ في منهج المؤرخ مشدودا لمنطق الجرح والتعديل في التعامل مع حصائل ومكنونات الكتابة والذاكرة التاريخية الخاصة بسلا، منطق قفز عن خطاب المصادر والتفسير الرمنطقي ليمارس فعل النقد المنطقي، وقد حشد المؤرخ لهذا المنجز ثَرّا ببليوغرافيا وازنا يَثْني ذخائر من المخطوطات والمنشورات المبثوثة طي الخزانات والأرشيفات، سواء تلك المبذولة في خزانات الرباط أو تلك المبثوثة على قماطر وزارة الخارحية الفرنسية بباريس، هذا علاوة على ما تكتنزه الخزانة العلمية الصبيحية بسلا من وثائق دفينة غاية في الأهمية. متقلدا لهذه المهمة عُدة منهجية تَأَلَّت في التفسير والمساءلة دون أن تنآى عن الاتهام والتبرئة، عبر مطارحات تعالقت فيها الأفكار بالأسئلة، دون أن تشرد عن الاشتراطات الأكاديمية في مناقشة النصوص ومساءلة المصادر والمصنفات. وعلى هذا الأساس ارتكن المؤرخ في هذه الدراسة على باقة من المرتكزات المنهجية لعل أبرزها:

  • المبحثة:

تعد هذه الدراسة من عيار الدراسات المونوغرافية التي جدت في غور فترة صعبة من فترات تاريخ سلا المعاصر، بمنهج صارم صارع السقوط في شرك الانفعال الوطني خلال دحض و مقارعة الأحكام والأطاريح الفرنسية، ملتمسا في هذا الغمار منهجا توثيقيا اْلتبك فيه الذاتي بالموضوعي في التعاطي مع الإشكالية، على دَوْزنةٍ ألّفت بين السرد والتحليل في تفكيك البناء الاجتماعي والثقافي للمدينة ومحيطها الجغرافي، ويبدو أن الباحث يؤمن بمركزية السرد في جمع وترتيب الحدث التاريخي باعتبار دوره المركزي في إيلائه للمعنى قيمة وفهما جديدا، وهذا ما نجد له صدى في كتابات بول ريكور وبعض المنتسبين لمدرسة الحوليات من قبيل المؤرخ الفرنسي «إيمانويل لورا لادوري»، فإذا كان بول ريكور اعتبر السرد التاريخي وحدة تصويرية تعتمد آلية التشكيل وليس مجرد متوالية من الأحداث والأفعال. فإن «لورا» أعلن في مناولاته المونوغرافية مع الجيل الثالث من المنتسبين لمدرسة الحوليات عن عودة السرد والحدث، هذه المراجعة المنهجية التي شارك «لورا»في إرساء تصورها، لم تتوان عن التوليف بين السرد والتحليل خلال وصف الأحداث والبنيات الاجتماعية والعناصر الثقافية الفاعلة بما فيها الطقوس والعقائد الدينية، ومعالجة السلوك السياسي للأفراد والجماعات باعتباره انعكاسا لسمات ومقومات الذهنية الجمعية.

  • تنويع المظان ومصادرها:

فرض تنوع المصادر ومشاربها، توظيف المنهج التوثيقي والمنهج الاستقرائي المُعينين على فهم نظم المجتمع السلوي وطبيعة التغير البنيوي الكامن وحدوده، تحت توجيه المنهج التاريخي المشتغل على وصف الظاهرة ثم تحليلها ثم تركيبها، في إطار زمكاني يقتفي التطور الحاصل داخل المجتمع، بغية ضبط محددات القطائع والاستمرارات في الظاهرة الاقتصادية والوقائع الاجتماعية. مناهج ومقاربات أسعفت في استنطاق مكنونات الوثائق، والقبض على ائتلافاتها واختلافاتها في تمثيل الحدث ورصد ملابساته، بما يفشي عن طبيعة التحولات التي عاشها المجتمع السلوي إبان الفترة المدروسة، وذلك في سياق انفتاحه الجبري على الغرب وما تمخض عن هذا الإرغام من ارتكاسات اقتصادية وتناقضات اجتماعية حولت المدينة من قطب إلى هامش ومن مدينة بحرية إلى مدينة داخلية.

وضع أسهمت الحماية الفرنسية في دق آخر مسمار في نعش تأثير المدينة ونفوذها الجهوي، إثر خلق سلسلة من النقط الحضرية على طول الطريق الرابط بين سلا وسهل الغرب، والطريق الجديدة المؤدية إلى فاس عبر زمور، بل تحولت هي نفسها إلى ضاحية تابعة لصنوتها الرباط، بعدما صارت عاصمة للإيالة الشريفة، بعيد إبرام صك الحماية سنة 1912.

قضايا الكتاب:

أدى ارتفاع منسوب التجارة الخارجية الأوروبية نتيجة الثورتين الصناعيين، وما صاحبهما من تحولات اقتصادية وسياسية إلى تفتق قوى أوروبية، يعتريها طموح الهيمنة على المجالات والمقدرات وتوسيع دائرة الأسواق والمستعمرات، لترويج الفائض واستثمار الزائد وجني الأرباح والمكاسب، وتأمين الحاجة من الخامات لضمان سير الإنتاج وتطوره، هذه التطلعات المسكونة بهاجس الهيمنة، أسهمت بقوة في خط منحنيات جديدة للحركية التاريخية لمغرب القرن 19. وقد شكل المغرب في حمأة الصراع الجيو استراتيجي بين القوى الرأسمالية، مجالا للتنافس الامبريالي رجاء إلحاقه بزمرة الممتلكات الاستعمارية والاستقواء بمؤهلاته في معترك التمايز الاقتصادي والعسكري الناشب بينها، وعلى هذا الأساس أخضع المغرب عنوة في تكتيك إضعاف سلطته، عبر إقحامه في متاهات ملتبسة ومعقدة من الفروض القانونية والاتفاقيات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية، حولته مع تواتر الأحداث إلى سلطة مستلبة عاجزة عن فرض إرادتها وصناعة قراراتها السيادية، ترزح في دوامة من الضغوطات والإكراهات الداخلية والخارجية بلا حول لها ولا قوة. واقع شكل لحظة فارقة في صيرورة الوعي السلوي بالبون الحضاري الذي بات يفصلها عن الآخر، إنها لحظة أحسبها مع الباحث لحظة اكتشاف الذات ومرارة الانكشاف أمام الآخر، بعد أن صار السلويون/ المغاربة ينظرون إلى المخزن بعين الضعيف المستهان، وبات الارتياب يجوس في نفوسهم خيفة من غزو مسيحي منتقم، والمصير الذي يمكن أن يقذف بهم نحو المجهول أيّان سقوطهم تحت نير الاحتلال «الكافر».

ولا جَرَمَ أن المظهر الكليل والسّمْت البئيل الذي ظهر عليه المخزن وهو متداع في مواجهة التحديات، عاجز عن تدبير الصروف و البلايا التي ألمت به في مختلف المحطات، عرى واقعه وكشف أزمة نظامه وقلة حيلته، ومن شواهد فيض المشاهد في هذا السياق، ظهور السلطان المولى عبد العزيز في صورة الخائف المرتبك، الجاهل بحقيقة الأحداث التي تجوس في إيّالته، إثر لقائه بأعيان سلا أثناء زيارة خصها للمدينة لتفقد أحوالها وتهدئة روع سكانها، إذ لم تستهب إحدى الفرقطات الفرنسية التحرش بسلا وهو بين ظهرانيها، فعل أسقط ورقة التوت عن الأمل الذي عقده السلويون على السلطان لردع التهديدات الفرنسية المستفزة، وهذا ما حدا بالباحث إلى توصيف المشهد بالغريق الذي تعلق بغريق، بل حمل وزير الخارجية البريطاني «نيكلسون» على الاعتقاد في تلك الظروف بأن “حالة مولاي عبد العزيز أصبحت ميؤوس منها، وأن مجيء سلطان منتخب بطريقة ما وبشرط التزامه بإعلان الجهاد ضد النصارى أمر مرجح.

أولا: اقتصاد سلا ما بعد القرصنة: امتدادا لبنية اقتصاد الكفاف

بعدما أدرك المولى سليمان أن الجهاد البحري بات متعذرا زمن التفوق المسيحي، وأن نشاطه صار وبالا على الإيالة، وخطره على بيضتها صار لامَحالة، قام بتفكيك أسطوله البحري، وإهداء آخر قطعة منه لداي الجزائر، رجاء قطع دابر أي عذر يمكن أن يستغله الإمبرياليون لاستباحة البلاد وجرها للمجهول. وبهذا القرار حرمت سلا رسميا من مداخل جد مهمة كانت تدعم الاستقرار الاقتصادي للمدينة في أحلك الظروف. الأمر الذي اضطرها إلى الاستعاضة بمصادر رزق بديلة ارتهنت بدينامية الاقتصاد الرأسمالي الخارجي، والحاصل أن المخزن ظل عاجزا عن مجاراة إيقاع هذه الدينامية بالشكل المطلوب، لأسباب بنيوية ذات طبيعة معقدة، تداخل فيها الديني بالذهني والاقتصادي بالسياسي، وأمام تحدي هذه البنية فرضت بريطانيا على المخزن عنوة اتفاقية 1856، اتفاقية أسهمت في تشبيك اقتصاد الإيالة بالسوق الدولية ونظامها المالي، مقحمة إياها في شبكة الاقتصاد العالمي في إطار نظام التبادل الحر، ويبدو أن من جملة الغايات الاستراتيجية المرجوة من عقد هذه الاتفاقية تكمن في تطوير مستوى الحركة التجارية البينية والرفع من منسوب عائداتها، أملا في تعزيز المداخل المالية للإيالة، بما يروم تعميم تداول السيولة النقدية، وتقوية القدرة الشرائية، لتوسيع عملية الإقبال على البضائع المصنعة واقتنائها بِنَهَمٍ.

في ظل هذا المنعطف التاريخي كان الاقتصاد السلوي يرتكن إلى فلاحة معيشية تقوم على وسائل إنتاج عتيقة، وأساليب عهيدة، تستثمر في مساحات زراعية صغيرة، رهينة بالظروف الطبيعة المجبولة على التقلب، فما بين 1800 و1912 اجتاح الجراد المغرب 32 مرة، عدا سنوات الجفاف المتعاقبة، وكان من الطبيعي أن ينعكس هذا النمط سلبا على حجم المردودية ومستوى الانتاجية.

وقد شكل أسلوب الشرْكة قطب الرحى في علاقة الإنتاج، وفي الوقت الذي ظل فيه المحصول أداة للمقايضة وتبادل الخدمات والمنتجات، أما النقد فلم يكن يتسع اعتماده إلا في أوقات النوائب والقحوط، خاصة حين ترتفع أثمان المنتجات الفلاحية وتغدو أعز ما هو مطلوب، وعلى هذا أساس كان الاقتصاد القروي هو من يفرض إيقاعه على مؤشرات التبادل وعلى وضعية اقتصاد المدينة، فمنتجات البوادي شكلت أغلب السلع السلوية الموجهة للتصدير، كما ظل رواج المنتج الحرفي السلوي وانتعاش تداوله التجاري رهين بالقدرة الشرائية للفلاح في المقام الأول، فنصف الساكنة السلوية على الأقل كانت تكسب قوتها من النشاط الحرفي هذا النشاط الذي انتظم في حنط مهيكلة، وفّر على امتداد قرون احتياجات المدينة وباديتها من الأواني الفخارية والزرابي والأسلحة والسروج والأقمشة ولوازم منزلية وغيرها بفضل ما أمنته غابة المعمورة من أصناف الخامات التي لا مندوحة للحرفي عنها لإصدار منتوجه (الخشب والقصب والفحم والعفص والفلين…)، هذه الغابة التي ما انفكت تشكل متنفسا طبيعيا للساكنة، ومجالا للصيد البري والرعي وتربية النحل، ومشتلا للنباتات العطرية والطبية، ومصدرا لبعض الموارد الغذائية مثل ثمار البلوط والفطريات.

وجدير بالذكر أن الاقتصاد السلوي التقليدي، لم يكن يعرف حدودا واضحة بين مجالي الصناعة والتجارة، فقد كان جَمّ من الصناع يسوّقون منتجاتهم بمعرفتهم، وحين يطمحون إلى تصريفها خارج أسواق المدينة أو تصديرها نحو الخارج يعهدون بها إلى تجار الجملة أو التجار الأفاقيين الذين كانوا يوسِقونَها صوب بلاد السودان والمشرق العربي ولم يكن ذلك يتأتى للصانع السلوي إلا في ظل سنة فلاحية محصولها وفير، أو المكوس فيها مبطولة والخامات مبذولة بأثمان مغرية، تصدريها محظور أو مرتفعة التعريفة الجمركية، وقلما تواتت هذه الظروف للصانع والتاجر السلوي، فحتى حين استعاض المخزن عنوة عن نظام الاحتكار التجاري بتحرير المبادلات والتخفيض من الرسوم الجمركية على الصادرات والواردات سنة 1856، كانت الضفة الرباطية هي المستفيد الأكبر من هذا الانفتاح، حيت تفردت على حد تعبير المؤرخ بكل أنشطة المرسى، في الوقت الذي ظلت فيه مرسى سلا خاملة وبئيسة، تضج بالجوعى والمتشردين والمعدمين الساعين إلى تأمين لقمة العيش. وقد أعزى الباحث هذا الوضع إلى مورفولوجية المرسى السلوية المحفوفة بحواجز طبيعية صعبة، جعلت رسو المراكب بها أمرا مستحيلا، والغَرْوُ أن هذا الحاجز أدى دورين متناقضين كما أعرب الباحث: الأول حمى المدينة من الاحتلال الأوروبي، والثاني قضى تدريجيا على كل نشاط بحري داخلها.

أما الصيد النهري وعلى رأسه سمك الشابل، فقد ظل موردا لا يقل أهمية عن باقي الموارد الاقتصادية السلوية حينذاك، إذ شكل إيرادا معتبرا للفلاحين وتجار الأسواق، ولأحباس المدينة، وطائفة من السلويين خاصة منهم المنضوين تحت حنطة البحرية، وتكمن أهمية هذا المورد في اعتباره مصدرَ غذاء أساسٍ، وقوتا يُسْتَوْسَلُ به في المواسم الفلاحية الجافة كإعانة على تغطية نقص الطعام، وإبّان البحبوحة والرخاء كان يُيَمّمُ الفائض منه صوب أسواق مغرب الداخل، ورغم اقتسام أحباس سلا ريع إيراد سمك الشابل مع صنوتها الرباطية منذ سنة 1808م، وارتفاع عدد التنافيد التي متعت بعض وجهاء المدينة بأعداد منه بالمجان، فقد قرّت غلته ذات بال، يستعان بها في العناية بالمساجد والعاملين عليها على وجه الخصوص.

ثانيا: المجتمع السلوي: امتدادا لبنية استاتيكية تقليدية

وفاء بنية المجتمع السلوي لطينته التقليدية الموروثة، سحب عليه سَمْت المجتمع القطاعي المَسْفوع بنسق من التمثلات الرمزية المعْتدة بفضيلة الشرف والولاية والصلاح أكثر من المقومات المادية، لذلك استوى النسيج الاجتماعي أفقيا على ركائز التمايزات الاعتبارية لا عموديا على منطق الطبقات الاجتماعية، التي من المفترض أن تقود إحداها ناصية مشروع مجتمعي بمضامين جديدةـ

وعلى هذا الأساس يمكن تقسيم المجتمع السلوي إلى فئتين: خاصة وعامة

1- الخاصة:

تطلق على الفئة التي تملك سلطة طبيعية خاصة: مثل الشرف والبركة، أو مكتسبة، مثل: العلم والمهارة والزعامة والثروة، ويدخل في زمرتها المخزن والشرفاء والعلماء والتجار الكبار ورؤساء التعاونيات وتأسيسا على هذا المفهوم مثلت النخبة المحلية السلوية بكل قطاعاتها أقلية مؤثرة في تدبير وسائل الإنتاج والإكراه محليا، مما جعلها فاعلا في صناعة قرار المدينة. ولعل من أبرز خاصة سلا خلال الفترة المدروسة نذكر:

  • الشرفاء:

فئة استقت حظوتها الاجتماعية من انتسابها لعترة الرسول، ومن الاعتقاد في إرثها لأسرار البركة، هذا الرصيد الاعتباري أضفى عليها هالة من الرمزية وبوأها منزلة القدسية في الأطر الثقافية، فصارت بنية المتخيل الشريفي نموذجا ثقافيا وصنفا أنطولوجيا متعاليا فوق الناس والطبيعة، تَمَثُّل ذلّل لها التمتع بامتيازات استثنائية وأداء وظائف سوسيو سياسية خاصة، بيد أن مستويات الامتياز والتميز التي حظيت بها هذه الشريحة، تحكمت في منحنياتها ارتقاءً أو ركوسًا معطيات ظرفية، قيست بمدى القرب من الأسرة الحاكمة، وطبيعة الأواصر التي تربطها مع المخزن، وقوة تأثيرها الإيديولوجي على المجال، وينسحب هذا المنطق على الأسر الشريفة التي أثثت المشهد الاجتماعي السلوي، (العلويون والأدارسة والناصريون والطالبيون والتهاميين الوزانيين والقادريون والشرقاويون والكتانيون والجعيديون والوزانيون والبوعزاويون والعايديون والمريصيون…) والتي أسهمت بحظٍّ في صيانة الهوية الدينية للمدينة ونمطها الاجتماعي المحافظ، فضلا عن مِنَّة إصلاح ذات البين فيما شَجَرَ بين الأفراد والجماعات، أو بين المخزن والقبائل الشاردة عن جادة الطاعة، أو تأمين المستجير اللاّئذ ببيتها أو حرمها أو المتنقل عبر حمى القرى والقبائل. وظائف وغيرها جعلت الشريف لا يعارض له أمر إن طلب تسريح سجين مذنب مثلا، ولا يفصل في قضيته إلا نقيب أسرته الشريفة. فأغلبهم توفر على ظهائر الاحترام والتوقير.

ويبدو أن الصورة التي بثها الباحث ونقيب الشرفاء العلويين يشتكي للسلطان غُبْنه في أعطية سمك الشابل وحرمانه من هذا الامتياز، يحيل على الوضع المعيش الهش الذي كان يكابده شرفاء سلا بمختلف بيوتاتهم، فباستثناء النقباء والمقدمين (خليفة الشيخ في الزاوية الفرعية) الزوايا الذين كُفِلوا ذل العوز بفضل الهبة المالية والعينية الموصولة من المخزن ومن ريع الأضرحة، ظل شِرْوانُهم يعيشون الخصاصة مع شريحة واسعة من الخواص والعوام.

  • العلماء:

مثّل علماء سلا الأنا العليا لمجتمع المدينة ومرجعيته الأيديولوجية، إذ ظلوا وحدهم المعنيون بصناعة القوانين وفرض الضوابط الشرعية، والمخولون بتشريع أحكام جديدة تتسق والبنية التليدة كلما استدعت الضرورة، فتمثلهم في المتخيل الجمعي كورثة للأنبياء وامتدادا لهم، بوّأهم طليعة أهل الحل والعقد، وذلل لهم شغل مناصب سَنِيّة في خِطط القضاء والعِمالة والحسبة والتدريس والنظارة والسفارة والأمانة والإمامة والخطبة… بل خول لهم إبداء مواقف نقدية معارضة وطرح مشروعات إصلاحية تصحيحية، اسْتَسْبَرت بعضها بواعث أزمة المخزن البنيوية وهجت عتاقة نظمه وهياكله التدبيرية، واقترحت المداخل الإجرائية التي من شأنها تجاوز مسببات الكبوة ومواكبة ركب الإيقاع الحضاري المتقدم.

إن هذا المخزون الرمزي الذي حظي به علماء سلا، شكل عاملا محدِّدا في تكوين حنايا البنية الذهنية للجماعة، ومواقفها إزاء الأنا والآخر. كما جعل ذويه محط تقدير واحترام من أعلى سلطة في البلاد، والشاهد على ذلك: الظهير العزيزي الذي أَقْصَرَ أمور قضاء سلا على العلامة علي عواد دون غيره، ناهيا عامل المدينة التدخل في شؤونها، بسبب ما كان بينهما من عداوة على حد تأكيد الباحث.

  • شيوخ الطرق والزوايا:

الولاية والصلاح نسق رمزي للتواصل بين المقدس وعالم الفعل الاجتماعي، إذ يُعتقد في جمعه بين الحقيقة (العلم اللّدني) والشريعة (علم الشريعة الإسلامية). وقد اعتبر الباحث بيوتات الحجيين والحسونيين وأولاد أعمار المنحدرين من نسل أحمد بن عاشر من أشهر بيوتات الولاية والصلاح السلوية، هذه البيوتات كانت درجة نفوذها تقاس بالثقل المعنوي لشيوخها واتساع رقعة حضورهم في البوادي والحواضر، فالمشروعية الكاريزمية متعتهم بخصائص فوق طبيعية، وهوّنت لهم المشاركة كفاعل في تدبير الشأن الديني، والتأثير في معنويات صناعة القرار السياسي، والاستفادة من منافع الدولة كالهدايا، والصلات الشهرية، والكسوة، والمؤونة المحكومة بالمناسبات الموصولة من السلطان في الأعياد والمسرات، عدا إيرادات الأوقاف ومداخل الزوايا والأعطيات، التي تصرف في التعليم والعناية بمرافق الزاويا والقائمين عليها.

ومن المعلوم أن نجم ظاهرة الولاية بسلا، سطع بريقه في خضم أفول سلط الدول المتعاقبة على حكم المغرب، وفشلها في مجابهة الاضطرابات الداخلية والتهديدات الخارجية، فالفراغ السياسي الذي تركه المرينيون والسعديون بعد تمزق دولتهم وانشطارها إلى مناطق نفوذ متصارعة، حوّل سلا إلى ثغر تقوده الرموز الصوفية المؤزّرة بالنّساك والمريدين المرابطين، للذب عن حوزة المدينة وتدبير شؤونها.

تنظيم محلي استعيض به ظرفيا عن مؤسسات الدولة، قصد تفادي المصير المؤسف الذي تجرعته المدينة سنة 1260م، إثر احتلالها خمسة عشر يوما من قبل القشتاليين الذين عاثوا فيها فسادا، وحين اضطروا إلى الرحيل أسروا ما يربو عن ثلاثة آلاف سلوي، انتكاسة وغيرها عززت ارتياب الساكنة من الأجنبي وحملتها مع حلول القرن 17م، على تكثيف سلوك الجهاد البحري، كتبرير شرعي للتنفيس عن مكبوتات العداء المكنون للغازي «الكافر» وإشفاء الغليل مما اقترفت يداه، وتقوية موارد الاقتصاد الاجتماعي للمدينة.

وهذا ما يحيل على الاستنتاج، أن الدلالة الاجتماعية لظاهرة تبجيل الأولياء كأحد مستويات الإسلام المتعدد، تعزى على وجه الخصوص إلى الوظائف الجهادية والتضامنية التي شغلها الولي/الصالح لفائدة جماعته، وما جالده في سبيل استقلال حوزة بلاده وصون بيضتها، وهذا ما أكده الباحث حين أورد انتصاب بعض المتصوفة ومنهم الفقيه محمد بن طلحة الصباحي على الأبراج، لتقديم يد المساعدة، وتنهيض الهمم والحماسة في صفوف الطبجية والمتطوعين، لمجابهة العدوان الفرنسي الذي تعرضت له سلا سنة 1851، في الوقت الذي تحلق فيه كل من قاضي المدينة علي عواد ومَلَإ من أعيان المدينة و عامتها في ضريح سيدي عبد الله بن حسون على تلاوة سلكة الشفا، وكوكبة من الناصريين على قراءة سيف النصر في زاويتهم، محنة ألجأت الجل الركون إلى زاوية أو ضريح أو مسجد طمعا في رفع الغمة عن طريق التوسل بالشيوخ والأئمة، لدرجة أن جمهورا من السلويين استقرّ في اعتقاد أن أولياء الله هم من أحرقوا ببركتهم أسطول المعتدين ليلا، بعدما وجدوه صباحا آفلا ركزه، منقشعا عن الأنظار، اعتقاد أبان عن الذهنية الممجدة للذات الولائية باعتبارها الظل الرباني الداب عن حوزة المدينة، والدارئ عنها كل شر.

إن المخيال الرمزي في هذا الصدد لم يفتأ ينفخ في جسد الظاهرة الولائية روح التقديس في حياتها، ويمنحها قوة الامتداد والحفاظ على سطوتها بعد وفاتها، فالزوايا كشكل من أشكال هذا الامتداد تقوم على عقيدة البركة والمدارك الّلدنية والأسرار الربانية التي يختص بها شيخ الطريقة ويورثها لمن يشاء من مريديه، إنها في المعتقد الجمعي قدرات خفية تكشف له عوالم الغيب والشهادة، وأداة يتعالى بها عن الطبيعة الحسية ومنطق السببية، ضمن نسق متماسك من القيم والمعتقدات.

تمثلات واستيهامات صيرت شيوخها مع تواتر الزمن إلى مجيرين للمسافرين، ومصلحين بين المتشاجرين، ومظاهرين لأمير على حساب آخر… وحولت حدود الزوايا إلى حرم يلوذ بها المذنب والمظلوم على حد سواء. وجعلت القضايا الشرعية والجنائية لمريديهم يحرم على غير نقبائهم الفصل فيها.

  • التجار والنخبة المخزنية المحلية:

شكل التجار وأطر المخزن السلويين أحد مضلعات الوجاهة الاجتماعية بالمدينة، فهما وجهان لشريحة تكاد تكون واحدة، فهي تركيبة من الأعيان استطاعت فرض نفسها في مربع النخبة على أساس الثروة والخدمة المخزنية، أما ثقل نفوذها فظل يقاس بقوة الشبكة الزبونية التي تستند عليها، وحجم تأثيرها وقربها من دوائر صناعة القرار، ومدى براعتها في أداء دورها كهمزة وصل بين المخزن والمجتمع المحلي.

وغالبا ما كانت تنتقل الوجاهة الاجتماعية من جيل إلى جيل عن طريق الوراثة، مثل أسرة بن سعيد التي اشتهرت منذ العهد الوطاسي بتولي القضاء، إذ تسلسل في خِطّتها العديد من قضاة الأسرة أواسط القرن19، علاوة على تقلب بعضهم في مناصب دبلوماسية، وخِطط الأمانة والعدالة والعمالة والتجارة. والناظر للسيرة الوظيفية للأسر السلوية الوجيهة يصعب عليه تصنيفها قطاعيا، إذ يجد أنشطتها تتداخل في شبكة من المهام، تعززها شابكة العلاقات الموصولة بالمصاهرة وتقاطع المصالح المشتركة.

وإذا كان موظفو المخزن اقترنت حظوتهم بشرطية السلطة المنعومة، اعتبارا لكفاءتهم المشفوعة بالولاء التام للسلطان مثل أسرة الزنابرة، فإن التجار الكبار انتزعوا هذا المقام بفضل المكاسب المالية التي جنوها من التجارة الخارجية، والتي تعاظمت إثر إقحام اقتصاد الإيالة الشريفة في النظام الرأسمال العالمي، مثل أسرة الحصاصرة.

ولا غرو أن أشهر الأسر السلاوية الوجيهة يصعب تصنيفها نظرا لانخراطها في مهام مخزنية، في الوقت الذي كانت تزاول فيها نشاط التجارة، وهذا ما أهلها إلى جانب صنواتها من البيوتات البيولوجية والجماعات الطرقية التحكم في صناعة القرار المحلي، والتأثير في عملية توزيع منافع الدولة وامتيازاتها، وبلورة تصورات المخزن وتدابيره الإجرائية.

2- العامة:

مصطلح العامة مفهوم متقلب المضمون والمكونات، يحكمه سياق الزمكانية. ويحيل مفهوم العامة في الفترة المدروسة على الشريحة التي تفتقد لمقوم الشرف أو الثروة أو السلطة أو الجاه، وتفتقر لموارد قارة، وتسهم في أداء حصة الأسد من التكاليف والمجابي، سوادها بالكاد يستطيع تأمين الحد الأدنى من احتياجاته الضرورية. ويدخل في هذه الزمرة أرباب الحنط يهودا ومسلمين من أهل الحرف والتجار الصغار، وأصحاب الدكاكين، والعمال، وقد أورد الباحث في هذا الصدد جدولا بقائمة أصناف الحنط السائدة بالمدينة. وعليه، يمكن قَصر عامة سلا إبان الحقبة المدروسة على الفئات التالية:

  • الذميون اليهود:

استوطن اليهود سلا منذ الفترة الرومانية، وكان لهم حضور ثقافي واقتصادي، اشتهروا بمزاولة التجارة والحرف المختلفة، وفي عصر الانفتاح على عهد المولى عبد الرحمان، أصبحوا من كبار التجار المستقرين في المراسي، حيث اطلعوا في البداية بأدوار اعتنت بتقييم السلع والوساطة والسمسرة بين التجار المسلمين والأوروبيين، والمخالطة في الفلاحة والكسب، ليصبحوا بعد ذلك وكلاء وشركاء وتراجم ونواب قنصليين للدول الممثلة بالرباط وغيرها.

وعلى الرغم من انصهارهم في النسيج الاقتصادي العام للمدينة، إلا أنهم احتفظوا في المجالين الديني والإداري بدرجة كبيرة من الاستقلالية كما أورد الباحث.

والجدير بالذكر أن حالة المادية لليهود لم تكن تختلف عن أَحْيَادِهم المسلمين الذين تعايشوا معهم في ود لم يسلم من صدام، ففي سنة 1807 تم ترحيلهم إلى حي خاص بهم، بحجة عفونتهم ومتاجرتهم في المحرمات، واجترائهم على رفع عقيرتهم في الصلاة دون مراعاة لجيرانهم المسلمين، عدا إفشائهم للشائعات الكاذبة للاستفادة منها تجاريا، والخوف من الاستخبار ضد الجهود المستنفرة لمواجهة غزو نابليون بونابرت المحتمل للإيالة الشريفة، بعدما وجدت فيهم أوروبا موطئ قدم لها في سلا «المدينة المقفلة»، ونصبت نفسها مدافعة عن طائفتهم بها. بيد أن عزل اليهود في ملاح خاص، أكسبهم استقلالية أكبر وحرية في ممارسة تجارتهم وشعائرهم، غير أن العادة ظلت تمنع اليهود من شراء الممتلكات داخل المدينة، ما عدا داخل الملاح، في الوقت التي واتَرَت فيه القوى الدينية المحافظة ممارسة الضغوط على المخزن، ابتغاء حصر اليهود في إطار الذمة، كما أخبر الباحث.

  • الرقيق:

عدّ «إرنست كيلنر» الرقيق أهم مؤسسة أَسَّت عليها البشرية حضارتها، مؤسسة تغذت في سلا على الأسرى المسيحيين والمختطفين من داخل الإيالة وخارجها، فبمحاذاة سوق لغزل كان يعقد عقب كل صلاة عصر سوقا للمتاجرة بالعبيد، ويعاقب كل نخاس ضبط متلبسا وهو يسوق بضاعته سرّا أو خارج مجالها المعلوم.

ومن أشهر الوظائف التي انبرت لها هذه الشريحة، خدمة العائلات السلوية والعناية بشؤونها الخاصة والعامة، فالعروس السلوية الميسورة عادة ما كان من هداياها أمة تحسن تدبير شؤون البيت، وهذا ما جعل الجارية الأكثر ابتياعا في الأسواق السلوية هي تلك المتقنة لعمل خاص أو مجموعة من الأعمال المتميزة، كالإلمام بأمور التطبيب والتوليد أو أمور تربية الأطفال والتدبير المنزلي، أو تلك التي شارفت على البلوغ بغاية الاستمتاع.

وكان للعبد الحق في مفارقة سيده وطلب بيعه، فإن شَنَأَ معاشرته فرّ مستجيرا بضريح ابن عاشر أو بأحد حرم المدينة، وإن أصر على الشقاق نُزِل على طلبه وإن اعتذر وتودد أصحابه.

إن استعباد أبناء المسلمين أو الذين جرى بينهم وبين المسلمين سلم، جرّمه لفيف من علماء سلا وحرموا تجارته، حيث عدّ الفقيه والمؤرخ أحمد الناصري الفعل سلوكا عارٍ من الدين والأخلاق، بحجة أن السبي لا يحق إلا في حرب شجرت بين المسلمين وأصحاب الملل الأخرى، لا بالسرقة والسطو على عيال المسلمين كما هو شائع.

ولم يكن السلويون يجدون في الزواج من إيمائهم مثلبة تخدش هيبتهم في نظر الناس، فالعديد من الأشراف والتجار والأمناء عقدوا على جواريهم وأصبحن ملازمات لهم في حلهم وترحالهم، فـأكثر الجاريات السلويات كن على قدر من التعليم والدراية، بسبب حرص السلويين على تعليم إيمائهم القراءة والكتابة وأساليب اللياقة وفنون الطبخ والحرف المنزلية، لدرجة أن دار المخزن بمكناس على عهد المولى إسماعيل، كانت توكل لعائلات سلوية مثل عائلة ماعنينو مهمة الإشراف على تعليم إيماء الدّار بعض الحرف وأشكال التدبير المنزلي.

هذا الحرص وازاه دَيْدَنٌ التزمته ثلّة من أعيان المدينة وهو الإيصاء بعتق عبيدهم لمّا يطرق الموت بابهم أو يطبق أنفاسهم، وتمتيعهم قبل تسريحهم بقدر مالي محدد للاستعانة به على متطلبات الحياة. هذا التقليد وغيره الذي ظل متوارثا مند بدء الجهاد البحري أنجب رياسا وعمالا وطبجية مثلوا في بعض الفترات رأس النخبة وزعماءها الأنجاد.

ثالثا: الوضع السياسي السلوي: بين التحديات الداخلية والضغوطات الخارجية

راهن المولى عبد الرحمان بن هشام على إعادة إحياء نشاط الجهاد البحري الذي أخمد أنفاسه سلفه المولى سليمان سنة 1815م، متوسما من هذا الإجراء حل أزمة بيت المال والنهوض بموارده على حد تأكيد الباحث، وتدريجيا عادت القرصنة السلوية إلى السواحل الإقليمية، وعلى الرغم من حالتها المتقادمة مقارنة بغريمتها الأوروبية، فقد تمكنت من إيقاف بعضها وإحالتها على الأسر، بذريعة افتقادها لما يخول لها الدروج في المياه الإقليمية، بيد أن واقعة قنبلة العرائش من قبل الأسطول النمساوي سنة 1829م، وما أعقبها من صدمة سقوط الجزائر تحت ربقة الاحتلال الفرنسي سنة 1830م، جعل السلطان يستعيض عن ورقة القرصنة بخطة تعزيز الدفاعات البحرية وعلى رأسها دفاعات الثغر السلوي، معتمدا في هذا الخيار على تسليح الثغور وتجهيزها وإصلاح خطوطها، وتكوين أطر جديرة تخوض المعامع وتكون في مستوى التحديات، ويبدو أن السلطان آنس إثر هذه التدابير وغيرها القدرة على مواجهة القوى الأوروبية، بعد أن وجّه خطابا شديد اللهجة أكد فيه امتلاكه من القوة ما يردع به أي عدوان أجنبي، ثقة حملت السلطان على تجاهل احتجاجات القناصلة الأوروبيين على تجديده نشاط القرصنة، وعلى التهديدات بقصف مرسى من مراسي الإيالة إن ظل السلطان مصرا على دعم ثورة الأمير عبد القادر الجزائري، بيد أن محك معركة إيسلي سنة 1844م واستباحة ثغر صويرة وتركه نهشا للنهب بعد قصفه، كشف عن الحجم الحقيقي لقوة السلطان وأَبَاءَهُ كرها إلى طاولة المفاوضات الفرنسية بنفسية مهزوزة، وضع أربى القناعة بضرورة خلق جيش نظامي على الطراز الأوروبي، وحصون دفاعية أكثر جِدّة ومنعة، وقد حظيت مدينة سلا بكِفلٍ مهم من هذا الاهتمام، تُنزل فعليا على مستوى تأهيل إمكاناتها الدفاعية، تحت إشراف القائد المضرّس بوعمرو فنيش الذي عينه السلطان عاملا على سلا، لإنفاذ هذه المهمة، كإجراء استباقي لإحباط أي غزو أوروبي محتمل.

1- سلا في مهب التحديات الخارجية:

أ- سلا في مصد العدوان الفرنسي:

أعرب الباحث أن «سلا استمدت هويتها الجماعية من التحام ساكنتها القوي والدائم ضد عدو «نصراني» محتمل قد يهاجم المدينة من جهة البحر، هاجس جعل المجتمع السلوي حذرا ومتأهبا عسكريا لكل الطوارئ». فبعد أن تعرضت سلا سنة 1844م لرشق خاطف من قبل الأسطول الفرنسي وهو في طريقه لقصف الصويرة، استقر في يقين السلويين أن الوقيعة مع فرنسا لا تعدو مسألة وقت، وعلى هذا اليقين أعدوا ما استطاعوا استعدادا لهذا اليوم، تحت قيادة العامل الجديد بوعمرو فنيش، الذي كان يشرف بنفسه على عمليات تأهيل الخطوط الدفاعية للمدينة وتنظيم صفوفها.

وقد وجدت فرنسا في حادثة تكسر مركبها التجاري المحمل بِزَكائِب القمح على أحجار الضفة السلوية، إثر شطّه عن الشط الرباطي، الفرصة المواتية لاستعادة التوازن الجيو إستراتيجي الذي كان راجحا حينذاك لصالح الحضور الانجليزي، ودون تردد اتهمت فرنسا أوزاعا من السلويين بنهب وَسْقَة المركب، وطالبت السلويين بتعويض مالي قدره6795 فرنكا، وأمام رفض الأهالي للإدانة وللتعويضات التي فرضها القنصل الفرنسي «دوزان» والطعن في تبريراتها، نزعت فرنسا إلى نصب راجماتها البحرية يوم الأربعاء 26 نونبر سنة1851، وشرعت في قصف المدينة من الضحى حتى اقترب العشاء، معركة وضعت أوزارها على خسائر فادحة طالت الجانبين، إن على مستوى الأرواح أو العتاد أو البنيان، وقد بدا للباحث أن اختيار سلا هدفا للعدوان الفرنسي، جاء على أساس خلوها من المستوطنين الأجانب، باعتبارها مدينة مسكّرة في وجه الأوروبي ومصالحه، وفي سياق الضغط على المخزن عسكريا للنزول على إرادته الاستراتيجية، والفوز بِقَصَب الدولة الأكثر حضورا في الإيالة الشريفة.

ب- الاستيطان والحماية القنصلية:

أطلّ نظام الحماية القنصلية على المغرب سنة 1767 ثم كرسته معاهدة 1856، وهو اتفاق قانوني غير متكافئ، يتعالق بموجبه أحد رعايا السلطان بإحدى الدول الأجنبية، قصد التمتع بالحصانات والتسهيلات التي خولتها الإيالة الشريفة لمواطني الدول الغربية، صيغة وجدت فيها هباشات من الرعايا، ملاذا يَعْصمها من قهر القواد، وجور الحكام، وتصفية الحسابات، ومصادرة الأملاك، وأداة لتوسيع نطاق الامتيازات، في الوقت الذي تشوّف فيه الأجانب حصان طروادة الذي من شأنه تذليل القبض على مفاصل الإيالة والتحكم في دواليبها، وتوجيهها صوب المسار الذي يعزّز حضورها، وانضباطا مع هذا الإجراء الذي يمكن وسمه بالتسرب الناعم، فَقَدَ المخزن سلطته على خُباشات من رعاياه، وعلى ريع معتبر من الموارد المالية، كان أغلبه يستخلص من مداخل الضرائب وإيراد المبادلات التجارية مع الخارج،. شطط وضغوطات صارت تناجز السلطان على الشرعية والسيادة، وتحفر عميقا في هوة التناقضات والتقاطبات داخل المجتمع.

في يَمِّ هذه التجاذبات، لبث السلويون يأبون استيطان المسيحي أيّا كان جنسه، ومهما كان عذره، بيد أن هذا الوصد المحكم بدأ ِرتاجُه ينفرج تحت طائلة الحماية الأجنبية، التي استطاعت في البداية اجتذاب سبعة سلويين وتسخيرهم لخدمتها، ورويدا رويدا بدأت الدائرة تتسع حلقتها لتعم بعض أشراف سلا، حماية جرّت على ذويها قطيعة الأهالي ومجافاتهم، بل سوّلت لبعض الوجوه من أعوان القاضي علي بن عواد التنكيل بهم. ولعل مشهد محمد حصار الذي أورده الباحث ونفر من أهل سلا مائلون عليه ضربا وخَطْما، جزاء إصراره على فتح مكتب للبريد الفرنسي داخل سلا، نموذج في هذا السياق، ومن صروف القدر أن القاضي علي بن عواد ألذ أعداء المحميين جوّز حين احتلت فرنسا المدينة سنة 1911 الاستعاذة بالحماية الألمانية، فبدّد بذلك الحرج عن رهط من أعيان المدينة الذين طفقوا في اعتناقها أفواجا.

إن اندحار جبهة القبائل أمام بأس العسكرية الفرنسية المتطورة، وما خلّف ذلك من فوضى وانفلات أمني، وما أتبعه من احتلال، وضع قوى المعارضة السلوية حسب تأويل الباحث أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الاستجارة بالحماية القنصلية الألمانية أو الانجليزية بعد تسويغها من قبل فقهاء، أو الهجرة صوب المشرق، وهذا ما يحيل على الاستنتاج أن احتلال المدينة كان سببا في ارتفاع سواد المحميين السلويين، بل سببا في افتضاض قفل المدينة المحروز، واستباحتها للاستيطان الأوروبي الذي بلغ سنة 1912 ما قدره 235 مستوطنا أوروبيا، وهي السنة ذاتها التي خضعت فيها البلاد للحمايتين الفرنسية والإسبانية، فانتقلت بذلك سلا وعموم ربوع الإيالة من شاكلة عقد حماية محدود دانت له العدائد اختيارا، إلى عقد ممدود أُجبرت بنوده على السوّاد إجبارا.

ج- سلا في محك الاحتلال: التكيف الصعب

عقب اندحار القبائل السلوية وهي تحاول إيقاف زحف القوات الفرنسية على المنطقة، وبعد أن نجحت هذه القوات في عزل المدينة عن محيطها القروي سنة 1911، أمّت وجهها شطر العدوتين لاحتلالهما، غزو لم يخل من هواجس ردود الأفعال، وعواقبه على الأوروبيين المستقرين بالمنطقة، وعلى تجارتهم البحرية المرتبطة بمرسى العدوتين، بيد أن سياسية استعراض القوة والتلويح باستخدامها في حالة المواجهة، شل ّقرار المقاومة، وأجبر ساكنة العدوتين على كظم انفعالهما أثناء الاحتلال.

وأمام الغياب التام لسلطة المخزن المغلوب على أمره، استنجد أهل الحل والعقد بالقنصل الألماني «نوردوف» بعدما تعودوا نصرته حين تُنيخ يد العسف الفرنسية بكلكلها على المدينة، ويبدو أن اتفاق التسوية المبرم في 4 من نونبر سنة 1911 والذي سمحت ألمانيا بموجبه لفرنسا باحتلال الإيالة الشريفة مقابل التنازل لها عن مستعمرات بإفريقيا الاستوائية، جعل القنصل الألماني يبلع لسانه ويصم آذانه عن دعوات الاستنصار، وعن الغزو الجاري في المدينة.

واقع شكل وقْعُه صدمة نفسية أليمة وأثّر على معنويات السلويين، فمنهم – كما أشار الباحث – من اختل عقله ومنهم من لزم بيته إلا لأداء صلاة الجمعة، ومنهم من أزمع الرحيل إلى المشرق، ومنهم من استقر بعدوة الرباط خوفا من قصف لا يبقي ولا يذر.

2- سلا على وقع التحديات الداخلية:

أ- سلا وباديتها: علاقة ائتلاف لا تخلو من خلاف

شكلت بادية سلا المحرّك الرئيس لعجلة اقتصاد المدينة، حيث لبثت نخبتها الاقتصادية والسياسية مرتبطة بقوة بامتدادها البدوي فلاحيا وتجاريا، هذه العلاقة لا تعدو صورة مصغرة لنمط يعكس تبعية المدينة المغربية للبادية، وعمق تداخل المجالين إبان مرحلة ما قبل الحماية، فإذا كانت سلا أمّنت لباديتها احتياجات ذات طبيعة صناعية، وعصمت اللائذين بها من عسف القياد، والفارين من صراع قبائل اتحادية بني حسن وضغائن العشائر والأفراد، فإن البادية في المقابل مثّلت لحاضرتها حديقتها الأمامية ومتنفسها التجاري وسلة قوتها وعمقها الاستراتيجي، فكما هو معلوم أن طبيعة التربة الرملية المبثوثة على حواف المدينة، لم تكن قادرة إلا على توفير النزير من القمح. وهذا ما جعل سلا تابعة لباديتها غذائيا.

وعلى صعيد آخر، شكل البعد المجالي لبادية سلا عمقا استراتيجيا في الصراع والمناورة، وهو ما شجعها على نقل المواجهة ضد القوات الفرنسية إلى خارج المدينة، ودعم قبائلها البدوية ماديا ومعنويا بشكل غير مباشر، خوفا من تعرض المدينة لهلاك عاجل، خيار تكتيكي وجد في حرب العصابات القائمة على المباغثة ونصب الكمائن وقطع الطريق وضرب ذيل الأرتال وأطرافها ونهب قوافل تموينها، أسلوبا يتوافق وإمكاناتها المحدودة في التعامل مع العدو، خاصة حين نجح هذا الأسلوب في تكبيد الغازي خسائر فادحة، أشهرها في موقعة «غابة بوزيم» التي دارت رحاها بأحواز سلا في 24 من ماي سنة 1911 كما أورد الباحث.

هذه الصور المفعمة بمشاهد التآزر والتعاضد بين سلا وباديتها، لم تخلو خلفياتها من صور تنوء بمشاهد المشاحنة والبغضاء، المحكومة سياقتها بدافع السلطة والثروة والحظوة، أو بداعي الفاقة والخصاصة، أو بباعث التمرّد على تكاليف المخزن المثقلِة، وهو ما كان يستدعي استنفار حرْكة أو تجريدة مخزنية في بعض الأحيان لإعادة القبائل الآبقة إلى جادة الطاعة والانضباط، واسترداد زمام السيطرة السلوية على باديتها. أما في حالة الإخفاق في تَأْويبها عسكريا، يلجأ المخزن إلى معاقبتها بأسلوب الحصار الاقتصادي والعزل الاجتماعي، بتحريم المتاجرة معها، والدُّلوف على أسواقها، واعتقال كل من ضبط من عصبتها.

وفي هذا الصدد أكد الباحث أنه كلما اجتاحت المنطقة داهية طبيعية (الجفاف أو وباء) أو أشيع خبر وفاة السلطان أو انهزامه في مواجهة داخلية، إلا سلكت قبائل سلوية سلوك الحِرَابيين، الأمر الذي كان يفرض على السلويين الاعتصام داخل أسوار المدينة، والحسرة تأكلهم على انحباس تجارتهم، واندراس زراعتهم، وانحصار سبل استرزاقهم. ففي سنة 1866 مثلا وجدت قبيلة عامر وحليفتها زمور في إشاعة وفاة السلطان محمد بن عبد الرحمان، فرصة لانتهاك مزارع سلا والتسلط على مداخلها ومخارجها، ولولا أمر السلطان الذي أسعف المدينة بأقوات من الجديدة عبر منفذها البحري، لَنَابَتْها مخمصة جسيمة، خاصة وأن الحدث توازى مع رَزِيئَة الجراد الذي لم يبق على صعيدها أخضرا ولا يابسا. وفي مارس سنة 1903 استغل الزموريون اندحار جند المخزن أمام الجيلالي الزرهوني (بوحمارة) وأغاروا على سلا ونهبوا منها 180 من البقر، وحين عاودوا الكرة في اليوم الموالي تصدى لهم أهل سلا وحالوا دون بغيهم. وأما يوم اندحارهم أمام القوات الفرنسية فقد انقلبوا نهبا وسلبا على كل من طالته أياديهم.

وتبقى معضلة الماء التي طغت على مشهد الصدامات البينية، من أعقد الخلافات التي كان فتيلها يتوقد، كلما رزئت قبيلة عامر بجدب، أو استشعرت ضعفا مخزنيا وهوانه على المجابهة.

فمعلوم أن شبكة جلب الماء من واد الفوّرات الذي يبعد عن سلا بحوالي 14 كلم، قُيِّض لها المرور على حدود هذه القبيلة، ما جعل سلا رهينة لظروف عامر ومزاجها العام، فبمجرد ما كانت تَقْلِب ظهر مِجَنِّها للمدينة، إلا وتحيقها بمحنة شح الماء، فلم تكن عامر تتورع عن حصر الماء الممدود للمدينة، والضنّ به أو الإنقاص من منسوبه المعتاد وتعكير صفوه، تصرّف كان يشل كل المرافق، ويحيل وضع الساكنة إلى حال دائق، إلى أن يتدخل المخزن ويعيد الأمور الى نِصابِها السابق.

ب- سلا والرباط: الإخوة الأعداء

تعود جذور الصراع بين العدوتين إلى زمن المعارك التي شنها المجاهد العياشي ضد الرباطيين، بعدما عارضوا الدخول في سلطته واستقووا عليه بالإسبان. صراع ظل لظاه متواريا تحت هشيم التوافقات، لا تشرئب ألسنته إلا حين تتضارب المصالح ويطغى منطق إثبات الذات وفرض الإرادات، وتروغ إحداها إلى الاحتكار والاستبداد بالمناصب الاعتبارية والمكاسب التجارية.

لكن تظل من أقدع المواجهات التي شجرت بين العدوتين خلال الفترة المدروسة – حسب رأي الباحث – هي تلك التي كادت أن تتحول إلى حرب أهلية، جراء اتهام ابن سعيد عامل سلا، شِرْوهُ سويسي عامل الرباط، بالارتشاء جزاء تركه منفعة المكوس بالرباط سارية، رغم إلغائها من لدن السلطان، اتهام قابله عامل الرباط بالحظر على كل سلوي الدروج في عدوة الرباط، وتحذيرهم من مغبة الغَشْمَرَ والتجاهل، فما كان من السلويين إلا أن أعلنوا الحرب على الرباط التي كاد فتيلها أن يلبد سماء العيش بين الجارتين، لولا أن تدخل العامل بن سعيد و ألجم نزقيتهم، وقد ظلت مصانع الحداد ثاوية بينهم حتى رأب صدعهم السلطان الحسن الأول في 20 نونبر 1873، لكن دون أن يستطيع تذويب الحزازات التي واترت على إضمارها النفوس، حزازات وحساسيات عملت على تراكمها اختلاف الظروف والأدوار التي باتت تطلع بها كل حاضرة على حدة، ففي الوقت التي كانت تستفرد فيه الرباط بعموم الأنشطة التي يحتضنها مرسى أبي رقراق، وتستفيد من تدفق المنتجات الأوروبية الرخيصة، كانت سلا ترنو بعين الحسرة على الحاجز البحري الطبيعي الحائل بينها وبين مورد رزق جزيل، ودور ثقيل تستحق أن تؤديه، إكراه أسهم بشكل أو بآخر في تحويلها إلى مدينة داخلية ذات وظيفة أمنية تُعنى بحراسة الطريق الساحلية الرابطة بين سلا وقصبة المهدية، إلى جانب إشرافها على مراقبة القبائل المجاورة، والحرص على انضباطها لجادة الطاعة والانصياع لسلطة المخزن، لتحال مع اتساع غَوْط التناقضات إلى مجرّد ملحقة بالدائرة الحضرية للرباط العاصمة بعيد الحماية، مآل تشوف علي زنيبر حصوله في المراسلات التي تبادلها مع العامل الصبيحي، حيث حظّه في طيِّها -كما أورد الباحث- على توسيع نفوذ المدينة والسيطرة على قصبة المهدية كتدبير استراتيجي من شأنه اتقاء الهيمنة الرباطية وتعزيز استقلالية سلا الحاضرة.

ج- سلا في معترك صراع الأخوين: من البيعة المفروضة إلى البيعة المشروطة

بعد ثورة المولى عبد الحفيظ على أخيه السلطان المولى عبد العزيز، بحجة موالاته للكافرين وإطلاق يديهم في البلاد، ونبذِ شروط السنة والكتاب، وفساد مصالح العباد، ظهر بسلا ثلة من أعيان المدينة أعلنوا مناصرتهم جهارا للأمير الثائر باسم الجهاد، فهذا العالم أبو بكر الشنتوفي القارض لقصيدة في مدح المولى عبد الحفيظ على رؤوس الأشهاد، وهذا شَرْوُه أبو بكر بن محمد التطواني المعرٍّض بالمخزن العزيزي بين الجموع والأفراد، وكلاهما من رَيَعَان المشايعين للمولى عبد الحفيظ، اللذين تعرضا للسجن والتتريك ليكونا عبرة ورادعا؛ بيد أن القرار الذي أنهاه السلطان إلى مسامع النخبة السلوية التي اجتمعت به في قصبة المهدية، والقاضي بنيته الجنوح إلى مسالمة فرنسا والدار البيضاء لازالت ترزح تحت وطأة احتلالها، دفع بالكثير من أعيان المدينة إلى الانضواء تحت اللواء الحفيظي في السرّ والعلن، رغم التنكيل الذي لاقاه كل من ثبتت مبايعته للأمير الثائر.

تنكيل لم يثن السلويين عن الدخول في الدعوة الحفيطية أفواجا، جرّاء ما ظلت تقترفه يد المحلة العزيزية من جرائم النهب والخطف والاغتصاب داخل المدينة طوال المدّة التي استقرت بالعدوتين، وما زاد الحنق وسعّره في نفوس الأهالي، وقوف السلطان بلا حول ولا قوة أمام التدخل الأمني الفرنسي المتكررة بسلا، في الوقت الذي كان يحشد بأسه ويصرف جهده ضد القبائل التي قَلَبت له ظهر المجن، بعد أن خفرت بيعته، وأجابت صنوه، هذا الحنق الشعبي الذي كان يكبر ككرة ثلج حطها سيل من علٍ، جعل المخزن العزيزي لا يأمن على ظهره في قابل حربه، فاهتدى إلى ارتهان عشرين فردا من أعيان المدينة، ككفالة تضمن له إذعان أهل المدينة وتقيّدهم بالطاعة.

ولمّا التقى الجمعان لم يمر وقت طويل حتى حَطَّت المعركة إِصْرَها على انْفِلال المحلة العزيزية ودمار جموعها، نصر مهد الطريق أمام المولى عبد الحفيظ للجلوس على العرش، واضطر معه السلطان المعزول إلى طلب الحماية القنصلية الفرنسية درأً للانتقام. وأما السلويون فقد استقبلوا الخبر – على حد تعبير الباحث – بتحرير عقد البيعة للسلطان المنصور، بأسلوب الشاعر والأديب الحاج الطيب عواد صبيحة الثلاثاء 25 غشت 1908، الباحث وكلفوا رقاص المدينة بإيصاله على جناح السرعة إلى قصر السلطان بفاس، وبعد حين انعقد وفد رسمي بزعامة العامل الصبيحي والقاضي علي عواد لتقديم التهاني بين يدي السلطان الجديد بحاضرته سنة 1908.

على سبيل الختم:

حاول الباحث مقاربة فترة مفصلية من فترات تاريخ سلا المعاصر بخلفية وطنية، توخت استقراء مقطع القرن 19 وبداية القرن العشرين في مختلف تمظهراته ورهاناته وتعابيره من خلال وثائق مخزنية وقرائن جديدة، نشدت الإسهام في بناء تاريخ محلي خالص من المؤثرات الأيديولوجية، ونقد الادعاءات الأوروبية التي وصمت السلويين بالنهب والتعصب، مرافعة منطقية أو هكذا تبدو، كشفت في معرضها أحداثا مستطرفة ظلت في عداد المغمور، حتى بعثها الباحث من عِتْيَرِها وملأ بها الفراغ الذي ما انفك يعتري الكثير من محطات الفترة المدروسة، مشكلة بذلك وجهة نظر الأنا إزاء وجهة نظر الكولونيالي في بعض القضايا التي همت المدينة إبان الفترة المدروسة. ومستندا هاما لفهم أنماط الثابت ومحفزات المتغير، والأنساق المتداخلة في ضبط العلاقات الاجتماعية السائدة داخل المدينة: إن على مستوى الإنتاج والتبادل، أو على مستوى العلاقة مع السلطة والمؤسسة الدينية والحمايات القنصلية.

ويبدو أن الباحث جعل من التاريخ السياسي للمدينة نقطة ارتكاز لفهم طبيعة التمفصلات المشكلة لبنيتها الاجتماعية، وعلاقات التكامل والتضاد المتفاعلة داخلها: (الأنا والآخر، المعرفة والسلطة، المادي والرمزي، المركز والهامش…) معتبرا في هذا المعرض أن الأبعاد الجغرافية والاقتصادية والسياسية والروحية المتفاعلة مع بعضها تعدو محددا في تشكيل النسق الثقافي الجمعي. وموثرا رئيسا في جزئيات المعيش الجمعي وتقلبات أحوال المجتمع السلوي وانفعالاته العاطفية.

وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار هذا الكتاب المتميز بمناولته، الغني بمعطياته الطارفة والمتنوعة، أرضية ملائمة لإبرام دراسات مونوغرافية جديدة عن المدينة، بمقاربة تركيبية تستثمر القرائن في بناء الأكسوميات ومساءلة البَداهِيات من داخل إشكاليات تتداخل فيه الموضوعات بالأسئلة، هذا على اعتبار أن البناء التاريخي تتحسن جودته كلما وُجِدت دراسات مونوغرافية متراكمة، منفتحة على مختلف مناهج العلوم الإنسانية، زاخرة بالوثائق الجديدة والمصادر العديدة والمتون الموثّقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.