منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سبب اختلاف العلماء في تحديد سن الأضاحي (في جذع الضأن: ستة أشهر أو ثمانية أوعشرة أو سنة، وفي ثني البقر: سنتان أو ثلاث سنوات)

الشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي

0

سبب اختلاف العلماء في تحديد سن الأضاحي

(في جذع الضأن: ستة أشهر أو ثمانية أوعشرة أو سنة، وفي ثني البقر: سنتان أو ثلاث سنوات)

للشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه.

سائل سألني: ما هو السن المجزئ في الأضحية بالنسبة للجذع من الضأن؛ فقد وجدت فيه خلافا كثيرا؛ قيل: هو ابن ستة أشهر، أو ثمان، أو عشر، أو سنة، فما هو الصحيح؟

وآخر يسأل: بالنسبة البقر وجدت عند الجمهور بأن الثنية هي: ما أوفت سنتين ودخلت في الثالثة، ولكن عند المالكية خاصة هي: ما أوفت ثلاث سنوات ودخلت في الرابعة؛ فارتأيت أن أسألك عما به الفتوى حفظك الله؟

الجواب:

هذا خلاف لغوي أكثر مما هو خلاف فقهي، أو قل إن شئت: هو خلاف فقهي مبني على خلاف لغوي؛ والقاعدة اللغوية في هذا الأمر تقول: “الجذع يعرف بسنينه لا بأسنانه، والثَّنِــيُّ يعرف بأسنانه لا بسنينه”.

وتوضيحا لهذا أقول: إن الحيوان من الأنعام في أيامه الأولى بعد الولادة يوجد في فمه 6 أسنان أمامية في فكه السفلي، ثم يكتمل العدد إلى 8 وتسمى أسنان الحليب وهي صغيرة الحجم ولونها أبيض ناصع، ويقال له “جذع”، قبل استبدال أسنانه، ولذلك يعرف الجذع بسنينه أي عمره؛ لا بأسنانه.

ثم بعد ذلك يستبدل هذه الأسنان الأمامية بأسنان كبيرة نسبيا، مبتدئا من الوسط فتسمى أسنان الثنايا، ويقال له عندها: إنه “ثَنِيٌّ”؛ ولذلك يعرف الثَّنِي بأسنانه لا بسنينه.

أما الجذع من الضأن حسب السؤال الأول؛ فقد اختلف أهل اللغة في بداية سِنِّه؛ فقيل: ما تم له ستة أشهر، أو ثمانية، أو عشرة، أو سنة، وسبب اختلافهم هو تنوع فصائل الضأن نفسه، أو حسب صحته لجودة علفه وغزارة حليب أمه، أو ضعفه لرداءة علفه ونزارة حليب أمه، ومنه فصائل كثيرة؛ منها فصيلة تصلح للذبح وعمرها ستة أشهر؛ مثل الفصيلة المعروفة بـ”الصردي المغربي”، ومنها فصيلة لا تصلح إلا بعد ثمان، أو عشر، أو سنة كانت كذلك خلقة.

قال علماء اللغة: “الإِجْذَاعُ وقت وليس بِسِنٍّ؛ فالعَنَاقُ تُجْذِعُ لسنة، وربما أَجْذَعَتْ قبل تمامها لِلْخِصْبِ فتَسْمَن، فيُسْرِعُ إجْذَاعُهَا، فهي جذَعَة، ومن الضأن إذا كان ابنَ شَابَّيْنِ أَجْذَعَ لستة أشهر إلى سبعة، وإذا كان ابنَ هَرِمَيْنِ أَجَذَعَ لثمانية إلى عشرة، والضأْن أَسْرعُ إِجذاعاً من المعز”. (انظر: مادة (جذع) من تهذيب اللغة للأزهري، والمصباح المنير للفيومي، ولسان العرب لابن منظور).

أما الثَّنِي الذي يعرف باستبدال أسنان الحليب الأمامية بأسنان كبيرة؛ فيختلف باختلاف نوعية الأنعام؛ فالثني من الغنم (الضأن والمعز) هو: ما أوفى سنة ودخل في الثانية دخولا بيِّنا، والثني من الإبل هو: ما أوفى خمس سنين ودخل في السادسة؛ ولا خلاف بين العلماء في هذا حسب علمي.

أما الثني من البقر حسب السؤال الثاني؛ فقد اختلف فيه الفقهاء؛ فعند المالكية هو: هو ما أوفى ثلاث سنين ودخل في الرابعة، وعند غيرهم ما أوفى سنتين ودخل في الثالثة؛ ولإزالة هذا الخلاف ننظر إلى أسنان الثني وليس إلى سنينه؛ ومن أجل هذا سألتُ بعض الكسابين والجزارين فأخبروني أن عجل البقر يبدأ باستبدال أسنانه إذا تمت له سنتان ودخل في الثالثة، وقد ينتهي من استبدالها داخل السنة الثالثة (بدايتها أو سطها أونهايتها) وقد لا ينتهي من الاستبدال حتى تتم له ثلاث سنوات ويدخل في الرابعة؛ وذلك أيضا حسب صحته، وغزارة حليب والدته أو نزارته، ونوعيتة فصيلته؛ فإذا كانت مثلا من فصيل الأبقار الرومية الجيد، نقول: سنتين وإذا كان من الفصيل الرديء البلدي الضعيف الصحراوي نقول: ثلاث سنوات.

وعلى هذا بني اختلاف الفقهاء في المسألة؛ فالمالكية حين قالوا بأن الثني من البقر هو ما أوفى ثلاث سنوات ودخل في الرابعة إنما نظروا إلى نهاية استبدال أسنانه احتياطا واستبراءً للدين؛ حتى تكون الأضحية مجزئة، والاحتياط مبدأ يأخذ به المالكية في كثير من اجتهاداتهم.
أما الذين قالوا من غير المالكية بأن الثني هو ما أوفى سنتين ودخل في الثالثة فإنما نظروا إلى بداية استبداله للأسنان تيسيرا على الناس ورفعا للحرج في الدين، والخطب هنا سهل؛ فإن كثيرا من اختلافات الفقهاء إنما هي مبنية في غالبها على الاختلاف في الأخذ بمبدأي الاحتياط والتيسير.

وقد أخبرنا شيخنا سيدي الحاج محمد الصغير التناني في أحد دروسه في ثمانيات القرن الماضي بمدرسة (ألـما) للتعليم العتيق، أن شيخه العلامة أبا العباس الكشطي رحمهما الله كان يفتي ويعلل اختلاف العلماء في سن الأضحية بهذا الأمر.

والله أعلم وهو سبحانه الموفق للصواب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.