منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تراث العلماء بين نهب السلاطين و غفلة المقربين

عثمان غفاري

0

في تزامن غريب عجيب قد يكون بمثابة ناقوس خطر لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وفرصة مواتية لاستنهاض الهمم وتعبئة الطاقات والكفاءات لتدارك ما فات.
كتبت تدوينتين حول نفس الجريمة وإن اختلف المكان والزمان، الأولى كتبها أحد أعضاء رابطة العلماء السوريين نقلا عن كتاب للدكتور أحمد الصابوني وهو بالمناسبة ابن العالم المجاهد الصادع بالحق الشيخ محمد علي الصابوني الذي توفي يوم الجمعة 5 شعبان 1442 بتركيا، صاحب التصانيف النافعة والعديدة في علوم الشريعة، وأحد أبرز علماء التفسير في العالم الإسلامي.

تدوينة كشف فيها ابن المرحوم و خادمه القائم بأعماله، عن حقيقة مرة وصادمة جاء فيها بأنه كان في بيتهم بحلب مكتبة ضمت كتبا نفيسة عليها تعليقات وحواش بقلم والده رحمه الله تعالى، كما كان في البيت صناديق فيها الكثير من الوثائق المهمة، وكم من المخطوطات لبعض أعماله العلميه وإنجازاته ونحوها مضيفا بأن والده تركها بحلب بعد خروجه إلى السعودية على أمل العودة والإستقرار في حلب لأن الشيخ رحمه الله كان يعتبر بقاءه خارج حلب مؤقتا لكن زبانية وشبيحة النظام السوري بعد سنة 2011 اغتصبوا بيت الشيخ وسكنوه وجعلوا من كتبه ووثائقه ومخطوطاته وأثات بيته وقودا يتدفؤون بها كل ذلك انتقاما منه وجوابا على موقفه الصادع بالحق أمام الاستبداد والطغيان وحسبنا الله ونعم الوكيل.

أما التدوينة الثانية فقد كتبت من الرباط عاصمة المغرب من قبل الدكتور حمزة الكتاني بعنوان من فجائع المكتبات الفاسية تدوينة مهد لها بدواعي تخصيص الحديث عن مدينة فاس حيث كتب أخص فاسا بالذكر لأنها قاعدة بلاد المغرب، ووريثة الأندلس في كل شيء، وهي عمدة المغاربة في العلم، ومن جامع القرويين كانت تنتج جميع أطر البلاد من الملك فمن دونه، وبها كان سدنة الهوية المغربية، غير أن البحر طم على الوادي، وأصابها الهرم بعد الشباب، ولا حول ولا قوة إلا بالله مذكرا بأن الدافع الذي دفعه للحديث رغم حساسية الموضوع وما سيجر عليه من انتقادات، هو القيام بأمانة التبليغ والنصح فعدم التصريح يعد خيانة علمية وتاريخية متهما جل بيوتات العلم بفاس بالوقوع في بعض هذه الآفات والمصائب، إلا أفرادا قلائل انتصبوا لحفظ بقية التراث من الضياع مسميا مصدر معلوماته والتي استقاها من بعض الفضلاء من أهل العلم، الذي استند إلى رسالة أرسلها له أحد أبناء جامعة القرويين ممن لهم عناية بالعلم والكتاب وتاريخ فاس، ساردا فيها بعض مظاهر إهمال الخزانات العلمية بفاس، والتي إن صحت ستشكل بلا شك جريمة مكتملة الأركان، جريمة بشعة وخطيئة مشينة تستهدف تراث الأجداد وطمر ما أثله علماء المغرب من اجتهاد، وسنقتصر في هذه القصاصة على بعض مظاهر الإهمال التي رصدها صاحب الرسالة.

فقد أكد صاحب الرسالة مثلا أن خزانة العلامة مولاي إسماعيل الإدريسي القيطوني أحد قضاة فاس، والتي كانت تحتوي ما يربو عن أربعين ألف مجلد إضافة إلى آلاف الوثائق القديمة التي ما تجمعت عند غيره” أنه رآها مبسوطة في الأرض مثل الزرابي، وقد ضاعت كلها بعدما سرق منها بعض أقاربه ومن يدعون له المحبة، مجليا مظهرا آخر من مظاهر إهمال الخزانات العلمية في بلدنا الحبيب بقوله: هذه خزانة العلامة مولاي أحمد العمراني حافظ مدينة فاس ومحدثها فاض عليها الماء في سرداب بيته، فضاعت تآليفه، أما خزانة العلامة المفتي سيدي الغالي العمراني الذي هو من طبقة العباس بناني أحرِقت كتبه؛ لأنها كانت في بيت كبير في السطح، وتُحيط بها مرايا كبيرة، فانعكست الشمس على المرايا، فأحرقت الخزانة واسترسل صاحب الرسالة في سرد الكثير من مظاهر إهمال تراث علماء المغرب عامة وفاس خاصةبالحديث عن الإهمال الذي طال خزانة الفقيه سيدي محمد الشدادي، وهو من طبقة سيدي عبد الله كنون، إذ بعد وفاته بأربعين يوما؛ جمع أبناءؤه الكتب في صناديق، وأعطوها لصاحب ”الفرّان'”

وما حال الخزانة العلمية للفقيه العلامة العربي الشامي بأحسن حال من سابقاتها فهي لا تزال إلى الآن في رياضه بحومة بوعجّارة، محرّمة على أهل العلم، متاحة للنصارى، ومن يزور رياضهم أما خزانة سيدي عبد الكريم الداودي فقد صارت مَرْعى للفئران وكأن الخزانة حُبّست عليهم، لا ينازعهم في ذالك منازع وهو ما يعد إن ثبت مؤامرة بحق ضد آثار علمائنا وشريعتنا، شارك فيها الخصم والحكم، وسيحاسب عليها الأولون والآخرون، ويسأل عنها الوالد وما ولد.

المزيد من المشاركات
1 من 34

هذا وقد ختم  الدكتور الكتاني رسالته بالقول لو كانت المآسي تُدون؛ لسجلتُ كل ما رأيتُ من ذلك، ولكن الذهن أصبح يعاف ذلك، ولله الأمرُ مِن قبلُ ومِن بَعد…

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.