منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رسالة العلماء زمن الوباء نظرات تصورية ومناقشات علمية

إدريس علمي

0

 

لقد من الله على أمة الإسلام إذ بعث فيها خاتم الأنبياء والمرسلين رحمة للعالمين وهداية لخلق الله أجمعين، واستأمن على هذه النعمة العظمى والمنة المثلى من بعده عليه الصلاة والسلام ورثته من علماء الأمة ودعاتها الذين يمشون في الأمة بهدي القرآن وينيرون لها طريق الحق بالبرهان، فظلوا على مدى الزمان منارات الهدى ومصابيح الدجى مطوقين بما أخذه الله عليهم من ميثاق على البيان ونفي الكتمان في قوله سبحانه: «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ».
فما زال العلماء ملاذ السائلين عما لا يعلمون من دين الله القويم ائتمارا بقول الله تعالى: «مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ»، ومرجع الاحتكام عند التنازع فيما أشكل من شرع الله واشتبه، مصداقا لقول الله تعالى: «وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً»، وقيادة حركة التجديد الدائمة في الأمة دفعا لانتحال المنتحلين ومقاومة لأهل التحريف وفلول الزيغ المبطلين على اختلاف صورهم وتلون مناهجهم.
لقد اهتم الإسلام بشـأن العلم وأهله ورفع من قدرهم ومكانتهم، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « من سلك طريقا يطلب فيه علما، سلك الله به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر».
فلا غرابة أن يحظى العلماء في الأمة بهذه المنزلة في التربية والتعليم والتوجيه والتقويم، وجعلهم صمام أمان وضمان استقامة الناس على هدي الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا غرو أن تشتد حاجة الأمة إلى علمائها الصادقين في زمن المحن وعند اشتداد الفتن، ليستبين الناس منهم الحق فيعرفونه وينصرونه، ويميزون الباطل فيدفعونه فإذا هو زاهق، قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله:» فقهاء الإسلام، ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام، الذين خُصُّوا باستنباط الأحكام، وعُنوا بضبط قواعد الحلال والحرام، فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء بنصّ الكتاب، قال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً».

تنزيل نسخة معدلة ذات جودة عالية لمجلة منار الهدى العدد التاسع عشر

لقد ظل العلماء الصادقون أوفياء لأمانة الوراثة النبوية قائمين لله شهداء بالقسط، فالتفت الأمة حولهم أفرادا وجماعات، لما ألفوا فيهم من ملاذ مرجعي آمن، يقصدونهم كلما حزبهم أمر من أمور الدنيا والدين في السرائر والشدائد استهداء واسترشادا، فتستكين بأجوبتهم النفوس وتستقر بأنوار فتاواهم الأحوال، لا يصدهم عن ذلك ظلم الظالمين، ولا فساد المفسدين، وفتنة الفاتنين، خصوصا بعد افتراق أهل السلطان عن أهل القرآن، حيث واصل العلماء العاملين الأجلاء طريق الإرشاد والإصلاح والتوجيه في الأمة في كل أحوالها الاضطرارية والاختيارية.
يؤكد هذا التقرير أحد الدعاة الصادقين أبو الحسن الندوي رحمه الله بقوله:» من الحقائق التاريخية أن تاريخ الإصلاح والتجديد متصل في الإسلام. والمتقصي لهذا التاريخ لا يرى ثغرة ولا ثلمة في جهود الإصلاح والتجديد، ولا فترة لم يظهر فيها من يعارض التيار المنحرف، ويكافح الفساد الشامل، ويرفع صوت الحق، ويتحدى القوى الظالمة أو عناصر الفساد، ويفتح نوافذ جديدة في التفكير»، نذكر من رموز هذه القيادة العلمية الرشيدة العلماء من آل البيت وعمر بن عبد العزيز والأئمة الأربعة والغزالي والعز بن عبد السلام، وابن تيمية وأبا إسحاق الشاطبي، والمفسر القرطبي والقاضي عياض، وبعدهم العلامة المحدث أبا الفيض جعفر الكتاني وعبد الحميد بن باديس وعبد الله كنون والمختار السوسي وشعيب الدكالي، وعلال الفاسي والطاهر بن عاشور…وغيرهم كثير.
والسلسلة من العلماء الربانيين الصادقين ماضية بإذن الله تعالى» إن الأمة الموعودة بالظهور والخلافة في الأرض كانت ولا تزال بحاجة لرجال يذكون فيها جذوة الإيمان، ويربون، ويعلمون، ويجددون ما بلي من عقيدة، وما فسد من أخلاق، وما تبلد من عقول، وما فتر من همم. أكابرهم ظهروا ويظهرون في فترات طويلة عينها الوحي بمائة سنة. وخلال كل قرن رجال مجددون تابعون، يحافظون على ذكرى جهاد مضى، أو يهيئون جهادا مقبلا. وهكذا الى الإمام المهدي عليه السلام.».
ولن ينهض بهذه المهام الجسيمة من إحياء لما بلي من الدين في الأمة وتجديده إلا العلماء الربانيون الصادقون الذين قال عنهم الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله محددا ومبينا بقوله:»ومعنى الرَّبانيِّ في اللغة: الرَّفيع الدرجة في العلم، العالي المنزلة فيه، وعلى ذلك حملوا قوله تعالى: «لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّ‌بَّانِيُّونَ»، وقوله تعالى: «كُونُوا رَ‌بَّانِيِّينَ»، قال ابن عباس: «حكماء فقهاء»، وقال أبو رزين: «فقهاء علماء»، وقال أبو عمر الزاهد: «سألتُ ثعلبا عن هذا الحرف وهو «الرباني»؛ فقال: سألتُ ابن الأعرابي؛ فقال: «إذا كان الرجل عالما عاملا معلما قيل له هذا رباني فإن خرم عن خصلة منها لم نقل له رباني».
ولما حل بالأمة وبالإنسانية هذه الأيام ما حل بها من وباء covid19، واضطربت الأحوال في العادات والعبادات ودب الهلع في الناس، هب أهل الوراثة من العلماء منذ اللحظة الأولى للبيان بمختلف وسائل التبليغ والتعليم تصحيحا للتصورات وترشيدا للتصرفات العادية والتعبدية يردون بعلم وحكمة المتنطعين والتسيبين إلى جادة الوسطية والاعتدال.
هذا وقد تعددت رؤى العلماء في تفاعلهم مع الجائحة فبين مبرز لأهمية التقيد بالتوجيهات الحكومية في مختلف الأقطار، وبين من أخذ منها ما يراه محققا لمقاصد الشرع ومقاصد المكلف تحقيقا لمصلحة الدارين، وبين من تفاعل مع خطورة الوباء وفق فهمه الخاص لنصوص الشرع ومقاصده.
فمن خلال تعدد رؤى العلماء الأفاضل في التفاعل مع الجائحة المستشرية في كل ربوع العالم تبرز أسئلة عديدة يمكن إجمالها في الآتي:
كيف يمكن تقييم حضور العلماء في توجيه الأمة في هذه الشديدة من شدائدها؟
ما المداخل العلمية والمنهجية الضامنة للبيان العلمائي أن يكتمل ويؤثر في الأمة؟
كيف قارب العلماء الأحكام الفقهية المتعلقة بالنوازل التي أبرزتها الجائحة؟
ماهي مظاهر خطاب العلماء التربوي المبشر والمطمئن لعموم الأمة؟
لقد انبرى للإجابة على هذه الإشكالات الجوهرية موقع منار الإسلام بعقد ندوة دولية عن بعد يومه 18 رمضان 1441ه استضاف فيها نخبة من السادة العلماء الأجلاء والدكاترة الفضلاء لمقاربة الموضوع من خلال المحاور الآتية:
أولا: التقعيد الأصولي والمقاصدي لفقه الوباء؛
ثانيا: صناعة الفتوى زمن الجائحة الأسس النظرية والمآلات التنزيلية؛
ثالثا: الأحكام الفقهية الصادرة زمن الجائحة رؤية نقدية؛
رابعا: الوظيفة التربوية الإيمانية للعلماء زمن الجائحة أسس وقضايا.
قام ببسط القول في المحور الأول الموسوم بـ «التقعيد الأصولي والمقاصدي لفقه الوباء» الدكتور نور الدين الخادمي»، حيث جاءت مداخلته مرتكزة على النقاط الآتية نذكرها اختصار وتركيزا في الآتي:
الجزء الأول من مداخلته: تأسيس الفتاوى الفقهية «وقد حدد في مداخلته الفتوى الفقهية البارزة والمتعلقة بفتوى غلق المساجد « زمن وباء كورونا على المقاصد الشرعية الأساسية التالية:
مقصد حفظ الدين: حيث بين فيه أن فتوى الجنوح إلى إغلاق المساجد هو العدول إلى الرخص الشرعية إن قامت المرجحات الشرعية على ذلك، وهي متحققة حسب رأيه في واقعنا المعيش زمن الوباء.
مقصد النفس: وقد وضح فيه الدكتور أن الفتوى القائمة على إغلاق المساجد إنما شرعت للحفاظ على الأنفس من الهلاك بسبب انتشار الوباء.
اعتبار مآلات الأفعال وفقه الأولويات: حيث أكد في قوله أن هذا الوباء معدي ومهلك ومؤدي للموت، وبالتالي فالأحكام الشرعية لجملة من النوازل في هذه الظرفية الخاصة الاستثنائية تستند إلى فقه مآلات الأفعال وترتيب الأولويات.
الجزء الثاني من المداخلة: تحدث فيه الدكتور الخادمي عن المقاصد الخاصة، جريا على تقسيم الطاهر بن عاشور رحمه الله في تقسيماته المقاصدية، وقد حدد المحاضر في مداخلاته المقاصد الخاصة بالوباء وهي كالآتي:
المقصد الأول: مقصد الابتلاء، أي هذا الوباء ابتلاء من الله تعالى لكير يختبر خلقه ويمتحنهم.
المقصد الثاني: مقصد الرجوع إلى الله تعالى والتضرع إليه زمن الوباء؛
المقصد الثالث: مقصد التخفيف والتيسير، أي أن الظرفية الحالية تعتمد الرخص في العبادات وتأجيل الفروض وغيرها.
الجزء الثالث: خصصه المحاضر في وسائل المقاصد في فقه الوباء، وحصرها في الآتي:
وسائل إحياء البيوت إحياء للشعائر والمشاعر؛
وسائل إحياء المجتمع بالعمل الخيري؛
وسائل إحياء الدولية بإحياء النظم والدساتير الصالحة للناس؛
وسائل العلاقات الدولية في مختلف المجالات العلمية والفكرية والحقوقية وغيرها.
لقد عقب على هذه المداخلة القيمة الدكتور محماد رفيع، حيث وصفها بأنها مداخلة علمية ضافية تمثل الأساس المقاصدي للقول الفقهي في نازلة كورونا المستجد، انتظمت مقاصد خاصة لهذا الوباء، وتقصيد الإجزاءات الاحترازية المتخذة من إغلاق المساجد والحجر المنزلي.
ومن النقط البارزة في المداخلة أنها جمعت في مقاصد هذا الوباء بين إحياء البيوت والمجتمع ومؤسسات الدولة، غير أن لي عليها ملحظين:
أولهما القول بإغلاق المساجد رأسا دون التمييز بين الدول القادرة على تأمين الصلوات في المساجد في حدها الأدنى، وبين غيرها العاجزة عن ذلك.
ثانيهما: منع الاقتداء بالإمام عن بعد باشتراط اتحاد المكان يفتقر إلى التحقيق من جهة التأصيل ومن جهة التنزيل.
وتطرق الدكتور محمد الناسك للمحور الثاني المتعلق بـ» صناعة الفتوى زمن الجائحة الأسس النظرية والمآلات التنزيلية»، حيث بين في مداخلته القيمة أن للفتوى منزلة عظيمة، ومكانة رفيعة، إذ قد تولاها الله جل جلاله في قوله تعالى: « يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ»، ثم تولاها رسوله – صلى الله عليه وسلم- في حياته، فالمفتي موقع عن رب العالمين، ونائب عن رسوله الأمين.
ولخطورة الفتوى كان السلف الصالح يتدافعونها، ويود كل واحد منهم لو أن غيره كفاه، وإذا اضطروا للفتوى تثبتوا منها، وكان لا يتولاها إلا من حصل شروطها العلمية والعملية، وكانوا يحرصون على الاجتهاد الجماعي لتقليل نسبة الخطأ، وتجنب زلة العالم التي قد تهدم الدين.
ومن الشروط العملية للمفتي دوام الافتقار والتضرع للكريم الوهاب، فهو المعلم والملهم، وقديما قالوا:
وإذا لم يكن للفتى عون من الله *** فأول ما يجني عليه اجتهاده
وإذا كان الافتقار واجبا على كل عبد لله، فوجوبه على العالم أحرى، لأن العلم يجعل صاحبه عارفا بنفسه وبذلك ينعدم الادعاء، عارفا بربه وبذلك يصح الافتقار، قال ابن القيم – رحمه الله -: « ينبغي للمفتي الموفق إذا نزلت به المسألة أن ينبعث من قلبه الافتقار الحقيقي الحالي لا العلمي المجرد إلى ملهم الصواب ومعلم الخير وهادي القلوب أن يلهمه الصواب ويفتح له طريق السداد ويدله على حكمه الذي شرعه لعباده في هذه المسألة فمتى قرع هذا الباب فقد قرع باب التوفيق وما أجدر من أمل فضل ربه أن لا يحرمه إياه فإذا وجد من قلبه هذه الهمة فهي طلائع بشرى التوفيق فعليه أن يوجه وجهه ويحدق نظره إلى منبع الهدى ومعدن الصواب ومطلع الرشد وهو النصوص من القرآن والسنة وآثار الصحابة فيستفرغ وسعه في -تعرف حكم تلك النازلة منها فان ظفر بذلك اخبر به وان اشتبه عليه بادر إلى التوبة والاستغفار والإكثار من ذكر الله فإن العلم نور الله يقذفه في قلب عبده والهوى والمعصية رياح عاصفة تطفئ ذلك النور أو تكاد ولا بد أن تضعفه».
كما ينبغي للمفتي المداومة على مطالعة الكتب الفقهية، فمنها تعرف الأحكام الفرعية، ومن خلال معالجتها تكتسب الملكة الفقهية، بمعرفة مناهج الاستنباط عند أئمة الإسلام، وتدرك علل الأحكام، ويعرف الخلاف وأسبابه، فالقاعدة أنه لا يجوز الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر فيما اختلف فيه، كما أن من لم يعرف الخلاف لم يشم رائحة الفقه.
الشريعة الإسلامية هي شريعة التيسير، جاء النص عليها في قوله تعالى: «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ»، وفي قوله -عليه السلام-: « يسروا ولا تعسروا، وبشروا، ولا تنفروا»، واستنبط العلماء من هذه النصوص وغيرها جملة من القواعد الفقهية، ولكن التيسير لا ينبغي أن يكون مطلوبا بنفسه، ولا مقصودا لذاته ولو على حساب الأدلة الصحيحة، والقواعد الواضحة، كمن يتتبع رخص المذاهب، ويتمسك بزلة العالم، فالحرص على التيسير قد يوقع في الإثم، فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: « ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله بها».
النظر في المآلات برهان على حنكة العالم، وتمكنه من فهم الشريعة، ومعرفة الواقع، فالعالم قد يصدر فتوى بالإباحة أو التحريم، لجلب مصلحة أو دفع مفسدة، فيحدث عكس مراده، إذا غاب عنه اعتبار المآل، والمعرفة بأحوال الناس ومقاصدهم ومشاربهم، وتحصينا الفتوى من أن تكون وسيلة لتحقيق الأهواء، أو تحصيل المكاسب الآثمة باسم الشريعة.
كان سيدنا عمر والخلفاء الراشدون إذا نزلت بهم نازلة جمعوا لها أهل الشورى من علماء الصحابة وفضلائهم، وكان الفقهاء السبعة من بعدهم إذا نزل بهم أمر تدارسوا ولا يقطع القاضي أمرا دون الرجوع إليهم ومعرفة رأيهم، فالاجتهاد الجماعي ليس بدعا من القول، بل عمل به سلفنا الصالح، لما فيه من الشورى التي أمرنا بها، ولتقليل نسبة الخطأ، والعصمة من الزلل في الفتوى.
فالاجتهاد ينبغي أن يصبح مؤسسة حرة لا تخضع لجهة أو سلطة ما، تجمع نخبة من كبار العلماء في مختلف التخصصات، مع نخبة من الخبراء في شتى المجالات.
المحور الثالث من الندوة: «الأحكام الفقهية الصادرة زمن الجائحة رؤية نقدية « فقد انبرى لبسط القول فيه الدكتور وصفي عاشور أبو زيد، حيث قدم مداخلته القيمة متضمنة المآخذ التي لاحظها على السادة العلماء زمن الوباء، نختصر أهمها في النقاط التالية:
التنويه بتفاعل العلماء مع النوازل المستجدة زمن الوباء وما صاحب ذلك من فتاوى فقهية لجملة من القضايا المستحدثة.
نبه إلى التسرع في بعض الأحكام الفقهية زمن الوباء(فتوى إغلاق المساجد).
عدم المشاورة في بعض الفتاوى الفقهية، حيث كان الأجدر صدور فتاوى جماعية عصمة للأمة من الخطأ والزلل.
لاحظ بعض الإشكالات في الاستدلال لفتاوى فقهية تستند إلى بعض الأقوال المرجوحة في المذاهب الفقهية.
اعتبر المسائل الطبية العلمية والتوجيهات الوقائية في الباب من شرع الله، التي يجب التقيد بها واحترامها.
حذر من بعض الرؤى اللاأخلاقية أثناء مناقشة والرد على آراء وفتاوى فقهية، حيث يجب التحلي بآداب التناظر والجدل المحمودين.
نبه إلى عدم استصحاب فتاوى وأحكام فقهية لواقع سابق تحكمه سياقات متعددة، تختلف كليا عن واقعنا الحالي.
وقد عقب على هذه المداخلة القيمة الدكتور عبد العظيم صغيري، بدءا بتثمين المداخلة وانتهاء بتقديم إضافات مكملة لها، ويمكن تلخيص أهم الإضافات في التالي:
ضرورة مراجعة مناهج تكوين الفقهاء وتأهيلهم، عبر الاهتمام بالجانب القيمي والأخلاقي، بشكل متكافئ بين رعاية الأدب والمراهنة على التحصيل العلمي والأكاديمي؛
الدعوة إلى بناء مرجعية فقهية موحدة للمسلمين؛
دعوة الفقهاء للتحرر من الارتهان لكل ألوان الاصطفافات والاستقطابات والتوظيفات، لأن حرية الفقيه تؤهله للتوقيع عن الله تعالى بصدق وتجرد؛
الدعوة إلى تحيين الفتاوى الفقهية، وجعلها مواكبة للمستجدات والتطورات، فهذا أدعى لتطبيقها والتفاعل معها من قبل المخاطبين بها من الأفراد والجماعات؛
دعوة الفقهاء للتمييز بين مقتضيات الفتوى الموجهة للعامة، وتلك الموجهة للخاصة؛
دعوة الفقهاء والمشايخ الكبار للانضباط لفتاوى الهيئات العلمائية التي يمثلونها؛ لضمان ثقة الناس في فتاواهم، وحرصا على لم شمل المسلمين، خاصة في الكوارث والجوائح؛
ليس شرطا في كل الفتاوى الفقهية، استدعاء نوازل مشابهة لها عند السلف، مع التكلف في ذلك، بل إن الرهان يجب أن يتوجه ابتداء لرعاية الدليل، وتنزيله على الواقع بشكل يراعي فقه التدين فهما وتنزيلا.
المحور الرابع» الوظيفة التربوية الإيمانية للعلماء زمن الجائحة أسس وقضايا» حيث فصل فيه القول الشيح محفوظ إبراهيم فال، فجاءت مداخلته القيمة مبرزة أهمية القرآن الكريم في مثل هذه الأزمات، وقد تضمنت محاضرته العناصر التالية نذكر أهمها اختصارا:
الخطاب العلمائي ينبغي أن يكون قرآنيا ابتداء وانتهاء، حيث ينبغي أن تتميز نظرة العلماء لهذه الجائحة بالنظرة القرآنية.
الجائحة الحالية أبرزت ضعف الإنسان أمام قدرة الله سبحانه وتعالى وقهره.
الرجوع إلى الله تعالى واللجوء إليه والتضرع والتوبة إليه سبحانه وتعالى هو المخرج من هذه الجائحة التي حلت بالإنسانية جمعاء، وينبغي أن يصطبغ خطاب العلماء بهذه الصبغة التربوية الإيمانية.
الأخذ بالأسباب من احترام للتوجيهات الطبية الوقائية من شرع الله، التي يجب الالتزام بها.
وقد عقب على مداخلته الدكتور إبراهيم الهلالي، حيث تضمن تعقيبه تأكيدا لبعض ما قاله المحاضر مشكورا، مع إضافة بعض القضايا المرتبطة بالموضوع ثم تنبيهه على بعض الأمور، وأجمل كل ذلك في الآتي:
رسالة العلماء وخطابهم التربوي ينبغي أن يصدر عن علم نافع من قلب خاشع، وخطاب العالم ووعظه وفتواه تنفذ إلى القلب قبل أن تطرق كلماته آذان السامعين.فالكلام الذي يعدم الخشية والتقوى يمر فوق الرؤوس دون أن ينفذ إلى القلب، ولو رصع وجمل بالآيات والأحاديث ونمق بالألفاظ الفصيحة.
رسالة العلماء لا ينبغي أن تكون منقطعة ومنبثة ومجزأة، فعليها أن تنبثق من نظرة شاملة عن الكون وخالقه، والإنسان ومصيره، والتاريخ وسنة الله فيه، وحركية الإسلام في الزمان والمكان، ومستقبل الإسلام ووعد الله فيه.
رسالة العالم وخطابه لا ينبغي أن تتقيد بالنصوص وحدها بل لا بد من مراعاة الواقع وتضاريسه ومهاويه وآفاته، فإغفال الواقع وسياقه يرسل خطاب اليأس والقنوط، ويوحي بانقطاع الأمل ويضجر صاحبه من الواقع فلا يصبر. وأما عكسه فيمنح الأمل ويبتسم في وجه قدر الله وعجيب صنعه، ويكون له مع قدر الله أجل ووعد أن يدخل الله الإسلام بيت كل حجر ومدر، والله لا يخلف الميعاد.
رسالة العالم وخطابه حين امتلاك الحكمة تتسلل إلى أعماق الإنسان زمن الشدة والأوبئة حين تقتحم المنايا والرزايا سكون الناس وحين يقرع الطارق المزعج الأبواب.
رسالة العالم وخطابه مع الناس وفي الناس في أسواقهم ومنتدياتهم ومساجدهم يأمل لآمالهم ويألم لآلامهم، يكون مرجعا وملاذا، لا ينزوي عنهم مستعليا بمنبره ومحرابه وكرسيه وشواهده وإجازاته… يبين للناس ما نزل إليهم، ولا يحتجب عن فقرهم وحاجتهم وجهلهم.
خطاب العالم لمثله من أهل العلم والفضل المعاصرين والسابقين لا يجوز أن يتجاوز حد الأدب واللياقة، فعليه أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، ويراعي قصدهم ويلتمس لهم الأعذار ما أمكن.
يجمل بالعالم وهو يبلغ رسالته ألا يربط دائما الوباء والجائحة وما يقع من زلازل وفيضانات بأنها عقوبة إلاهية، فيربطها بمواقف وأحداث، فذاك من التألي على الله تعالى.
وختاما فإن رسالة العلماء العاملين الربانيين زمن الوباء رسالة عظيمة الشأن، عالية القدر، تروم في مختلف أحوال الناس تذكيرهم بخالقهم والدلالة عليه سبحانه وتعالى، وتعريف الناس بشرع الله تعالى وأحكامه في أحوالهم التربوية الإيمانية الخلقية والتشريعية والاقتصادية والسياسية، يقول الإمام ابن قيم الجوزية-رحمه الله- في شأن العلماء الرَّبانيين- هم: «ورثة الرسل وخلفاؤهم في أممهم، وهم القائمون بما بعثوا به علماً وعملا ودعوة للخلق إلى الله على طرقهم ومنهاجهم، وهذه أفضل مراتب الخلق بعد الرسالة والنبوة…وهؤلاء هم الربانيون وهم الراسخون في العلم وهم الوسائط بين الرسول وأمته فهم خلفاؤه وأولياؤه وحزبه وخاصته وحملة دينه…»، ولن تكتمل رسالتهم النيرة الخالدة إلا باجتهاد جماعي جامع تهفو إلى تحقيقه النفوس الطاهرة، والعقول النيرة، والهمم العالية، عصمة للأمة من الزلل والخطأ، ونشدان الصواب في التصورات والأحكام، وفي هذا السياق يورد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله قوله:» لابد إذن من اجتهاد جماعي تتكامل فيه الخبرات العملية مع العلم بالنصوص، والتخصص الفقهي، وبعد النظر الأصولي».


المزيد من المشاركات
1 من 23

المصادر والمراجع:

القران الكريم
ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، دار الكتب العلمية.
ابن قيم الجوزية، طريق الهجرتين. دار السلفية، القاهرة، مصر،ط 2، 1394هـ
ابن قيم الجوزية، مفتاح دار السعادة، تحقيق: عبد الرحمن بن حسن بن قائد،دار عالم الفوائد، مكة المكرمة،ط1، 1432 هـ
أبو الحسن الندوي، رجال الفكر والدعوة، ط الثالثة، دار القلم الكويتية.
سنن الترمذي لمحمد بن عيسى الترمذي أبي عيسى، تحقيق وتعليق أحمد محمد شاكر وآخرون، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي- مصر، ط 2/1395هـ-1975م
ابن القيم، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية – ييروت، ط1، 1411هـ – 1991م
الجامع الصحيح محمد بن إسماعيل، أبي عبد الله البخاري، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، ط 1/1422هـ.
عبد السلام ياسين، إمامة الأمة، دار لبنان للطباعة والنشر، الطبعة الأولى.
عبد السلام ياسين، رجال القومة والإصلاح، منشورات الصفاء للإنتاج.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.