منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تفكيك خطاب علماء التطبيع

د. أحمد كافي

0

المقال نشر في كتاب “نحو تفكيك خطاب علماء التطبيع”

مقدمة:

لأول مرة ظهرت الخيانة في صف العلماء الذين طلب منهم شرعا أن يفوا بالعهد، ويتحملوا أمانة الميثاق، ويتشرفوا بالرسالة مهما كلفتهم من الأثمان. لقد ظهرت طينة جديدة تبرر الاغتصاب الصهيوني، وتقبل به، وتوقع عليه، بل وتخطب من فوق منبر الحرمين الشريفين بهذه الغدرات التي لم يقبلها علماء الصلاح، ولا شعوب الأمة الإسلامية شرقا وغربا، ولا الشعب الفلسطيني حكومة وشعبا.

وقد كنا نقف ذات يوم في وجه بعض العلمانيين الذين خانوا القضية بأقل من هذا، ولم ننتبه إلى صف العلماء، وانه إن لم يُحرس هو بدوره، ويشنع وينكر على من رضي لنفسه أن يكون بلعاما جديدا، فإنه قابل للانحراف هو أيضا. ونحمد الله تعالى على أنهم شرذمة قليلة، وما تزال تتكلم من وراء ستار، وبالرموز لا بالوضوح، ولم تخرج لتدافع عن رأيها، وتشرح للناس موقفها.

آن الوقت لكي نكون جادين معهم غير متهاونين، وأن نذكر كل خائن للقضية باسمه، ونعرف بمفاسده، حتى لا يخرج من وراء صمتنا عليه آخرين من دونه لا نعلمهم، الله يعلم بانتظارهم في صف الخيانة.

المزيد من المشاركات
1 من 26

قلت هذا، لأن الصهيونية المتمرسة على التمكين لخط الخيانة ستعمل على جمعهم وترميزهم، وعلى التمكين لهم في الكليات والجامعات ومؤسسات القرار، كالذي فعلته مع المسيحية حتى اعتذر رجال المسيحية عن الاتهام التاريخي لهم بما فعلوه مع المسيح.

لا صمت عليهم وعلى غيرهم بعد اليوم، وليكن شعار المرحلة: لا صمت على من رضي الخيانة.

الاعتراف يساوي التعويض

إن الصهيونية التي تأكل من الخيانة إذا استتبت لها هذه المراجعات المنكرة وسط ديار الإسلام والمسلمين، فإنها ستطالب التعويضات على الحروب التي خاضتها الأمة معهم، إذ اعترفنا اليوم بحقها، وأرهقناها وأرهقتنا سنين عددا. وستفعل ذلك غير متهيبة. والذي فعلته مع قضية الهولوكوست المضخمة والمبالغ فيها، لا تزال صامدة على حلب ضرع الدول التي اعترفت لها بما لم يكن.

واجب الشارع العربي والإسلامي

على الشارع العربي أن يتعرى كل الناس بمواقفهم، وأن يعرفوا من يدافع عن مصالح الأمة وقد اختاروا صفها، ممن اختار أن يكون مدافعا على العدو الصهيوني أو مبررا لأعماله أو مفتيا له أو كاتبا من كتبته. على الشارع أن يعرف هؤلاء بلقب الخيانة، وأنهم من نسل أبي رغال. حتى تضيق الأرض عليهم بما رحبت، إذ أرادوا شرا بالمقدسات، وأن تنطلق مرحلة جديدة في هجر من لا يؤتمن على دين ولا على شعيرة أو حرمة.

المبحث الأول: محكمات في القضية الفلسطينية

علينا أن نؤسس خطابنا ومواقفنا في القضية الفلسطينية وفي موضوع الأقصى المبارك، على المحكمات الشرعية التي هي العرى الوثيقة التي تكشف سوء وسوءة المتشابهات من القول، التي يستند عليها من في قلبه مرض.

أولا: من غير العلماء يحق له أن يتكلم فيها؟

ليتكلم من شاء مشكورا مأجورا عن أنصفنا في الكلام، لكن الأولوية للعلماء، لأنه كلام في: القدس، وأرض الرباط، وأرض المنشر والمحشر، وأرض الإسراء والمعراج، وأولى القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين الشريفين…إنها الأرض المقدسة، أرض النبوات، وبيت المقدس وأكناف بيت المقدس الذي ندبنا شرعا أن نشد إليه الرحال.

إن لم يتكلم العلماء أولا ووسطا وأخيرا، ويجاهدوا من أجل القضية: بالقلم، والكلمة الصالحة الشجاعة، والفتوى الرشيدة وتحريض الناس على الجهاد بأموالهم ودعائهم وصمودهم مع إخوانهم ومشاعرهم…فمن غيرهم سيقوم بذلك أو يقدم عليهم؟؟

إن سورة بأكملها هي سورة الإسراء تتحدث عن هذه الأرض المقدسة الطيبة التي وعدنا بها مهما اشتد ظلام الغدر والعدوان، فقال عز من قائل:﴿ فإذا جآء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا﴾[الإسراء:5].

وهذا الشرف لا يستحق إلا من اختاره الله تعالى، ووصفه ب:﴿ عبادا لنا﴾.

ولن يحوز شرف الدفاع عن فلسطين كل فلسطين، إلا من كان من عباد الله، وليس من عباد الشيطان، أو عباد الدنيا الزائفة.

 ثانيا: تاريخنا في المغرب

لن نتنكر لتاريخنا نحن أهل المغرب الأقصى مع فلسطين، دفاعا شرسا، حتى أصبح لنا دون الناس حارة وبابا باسمنا، أقتطعها الخليفة الصالح صلاح الدين الأيوبي للمغاربة، وقال: ولقد أسكنت هناك، من يثبتون في البر، ويبطشون في البحر، وخير من يؤتمنون على المسجد الأقصى وعلى هذه المدينة”.

وبسبب هذا الإقطاع التاريخي كان آباؤنا وأجدادنا لا يسمون الحاج حاجا إلا من أقام المناسك الثلاثة: زيارة المسجد النبوي، والحج في المسجد الحرام، وزيارة المسجد الأقصى. وكانت عبارتهم: الحاج، من حَجَّ، وعَمَّر، وقدَّس.

وقد علم المسلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حظ أمته على زيارة المسجد الأقصى وندبها إلى شد الرحال إليه. ولا يزال هذا الندب معتقلا من طرف الصهاينة الغاصبين، ولن يكون لندب نبينا وجود في حياة المسلمين إلا بالنفير العام من أجل تحريره بكل وسائل التحرير التي تملكها الشعوب، ولن يتحقق هذا الندب النبوي إلا إذا ساهم كل مسلم في تحرير، وكافح من أجل أن يعود إلى أحضان أمة الإسلام.

ثالثا: غرس معاني الإيمان

يجب أن نغرس في النفوس المعاني الإيمانية المتعلقة بفلسطين، وأن لا نستصغر شيئا مما نعرفه عن فلسطين تاريخا وحاضرا ودينا وواقعا. لأنه كثيرا ما خيل لبعضنا أن ما يعرفه هو بديهي بالنسبة إليه، فإذا بنا نستيقظ على جهل فظيع نكون مسؤولين عن هذا التفريط، نواجه إعلام الفجور الذي يذكر الناس بكل الرذائل إلا بالهوية والتاريخ والحضارة والدين.

لا يجوز أن نفتر من الكلام عن القضية، وأن نكرر القول فيها، ولا نسأم من ذلك، فإن الفتن المتلاطمة المتلاحقة تنسي الناس الحقائق إذا لم نقم بجهاد التعريف والتربية والتعليم.

رابعا: فك الارتباط بين القضية الفلسطينية والأفراد

يجب علينا في ظل ما تلاحق من الغدر، أن نفهم ونعي أن القضية الفلسطينية يجب أن لا يربط مصيرها لا بالحكام، ولا بالعلماء، ولا بالهيئات…نعم، على هؤلاء وغيرهم أن يقوموا بأدوارهم، وهم عند القيام بها سيتعرضون للإكراهات، والضغوطات، والحسابات، بل وحتى الانحرافات. هنا يجب أن تربط فلسطين بالأمة كلها لأنها أرض لا حق لأحد أن ينفرج بها، ولا حق زائد لأحد على أحد، ولأن هذا الربط قد خرجت منه غدرات.

إن الشعوب المسلمة وأمة المسلمين هي الضمان الحقيقي -بعد الله تعالى- لبقائها صخرة صماء، يتكسر أمامها العدوان والانحراف. ولهذا قال الله تعالى:﴿ وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين﴾[الأنفال: 62]، ﴿ يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾[الأنفال:64 ].

هذا نصرنا:﴿ هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين﴾.

وهذا حسبنا:﴿ حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾.

فلينحرف من شاء، أو يخون، أو يكذب…فإن الأمة المرحومة المعصومة لن تجتمع على ضلالة، ولن تقبل بالانحراف، ولن تقع فيه بإذن الله تعالى. وما رآه المسلمون حسنا، فهو عند الله حسن”([2]).

وإن ما يقع اليوم، وإن كان يحزننا، ولا يرضينا، ولا نرضاه لبعض بني جلدتنا، من بعض الحكام والعلماء. فإن الأمل في الله كبير، ولنا يقين أنه لن يقع في الأرض إلا ما قدّر الله تعالى. ومن ألطاف أقداره سبحانه أن تعود فلسطين إلى أحضان الأمة، وأن الخدعة الكبيرة التي روجوها ردحا من الزمن، آن أن تدخل في التاريخ المستفاد منه، وهي قولهم لنا: إن السلطة الوطنية الفلسطينية هي الناطق الرسمي والوحيد باسم فلسطين.

الآن فهمنا، لماذا كل هذا الإصرار عبر وسائل الإعلام العالمية كلها، على: النطاق الرسمي والوحيد. إنه صناعة منتظرة لأيام الغدر والانفراد بالغنم القاصية، وأخذ التنازلات بعد التخويف أو التطميع.

إن أمة محمد صلى الله عليه وسلم هي الناطق الرسمي والوحيد، وهي القادرة على استرجاع حقوقها كاملة غير منقوصة او مقتطعة، وبيسر، لو غيب هؤلاء الوقحون الخائنون وجوههم عن طريق نضال أمتهم.

خامسا:نفسية علماء التطبيع

للأسف الشديد دخل الأرز الخليجي على الخط، فاختار علماء التطبيع اختيارهم، وخافوا على حصتهم من الأرز، واعتقدوا ان مكانتهم ورزقهم في أبي ظبي أو الرياض. والله تعالى يقول:﴿ وفي السماء رزقكم وما توعدون فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون﴾[الذاريات: 22 ـ 23].

في السماء، لا في أبي ظبي، أو دبي، أو الدوحة، أو واشنطن أو باريس…أو أي مكان آخر في هذا الكون. لقد أغضبوا الجليل حتى ألجأوه إلى اليمين، كما قال الأعرابي.

هؤلاء العلماء، علماء التطبيع، لم تخالط بشاشة قلوبهم أن الرزاق هو الله، وأن المعطي هو الله، وأن المانع هو الله، وأن المحيي هو الله، وأن المميت هو الله… وأن البشرية لو اجتمعت على أن تنفعك، ما نفعتك إلا بشيء قد كتبه الله لك. وإن اجتمعوا على إذايتك ما آذوك، إلا بشيء قد كتبه الله عليك. رفعت أقلام الأقدار، وجفت صحف الناس.

هؤلاء العلماء مشكلتهم عظيمة مع الله تعالى، لأنهم لم يتعلموا الرازقية، وأن خزائنها ومفاتيحها ومقاديرها بيده سبحانه فقط.

المبحث الثاني: تفكيك خطاب علماء التطبيع:

موقفهم من ولي الأمر

اعتمد خطاب علماء التطبيع على كثافة القول في وجوب طاعة ولي الأمر، وأن الناس في رقبتهم طاعته، وأن عليهم أن يسمعوا ويطيعوا وإن رأوه يواقع المحرمات الغليظة وكبائر الإثم، وإن ضرب ظهرك واعتدى على عرضك ومالك!!!!!

هكذا هو حديث علماء التطبيع. ففي الوقت الذي وجب عليهم أن يدافعوا عن حقائق الدين، وأعراض المسلمين وأنفسهم وأموالهم…اختاروا تمريغها والاستهتار بها، وقرروا نشر ثقافة الإذعان والحط من الكرامة الآدمية للمسلمين.

ومن زورهم في القول أنهم قالوا بويل للمصلين دون إتمام ما يفيد كامل معناها. فإن الحديث نصه الكامل:

* عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: السمع والطاعة حق ما لم يؤمر بالمعصية، فإذا أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة»([3]).

* عن عبادة بن الصامت، قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم»([4]).

الاعتراض الأول:

* ففي الوقت الذي أمر الحديث النبوي الشريف بالطاعة، قيدها بأن تكون في معروف لا في المنكر. فإن كانت تصرفات ولي الأمر في المنكر، فالحديث صريح: فلا سمع ولا طاعة”.

** وأمرنا ونحن نطيع ولي الأمر، وأن لا نفرط في حقنا في قول الحق وأن نقوم من أجله، حيثما كنا. وهذا الحق الذي نقومه ونقوله هو من أعظم الجهاد كما صح في حديثه عليه الصلاة والسلام([5]).

** وأمرنا أن لا نتهيب من كائن من كان من الولاة، فجاء أمره عليه الصلاة والسلام: وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم”([6]).

فهل حديث طاعة ولي الأمر فيه حكم واحد، أم يتضمن أحكاما عديدة لا ينفصل بعضها عن بعض. ولكن خطاب دعاة التطبيع يأخذون النصوص الشرعية عزين. وهذا دأب المجرمين في كل زمان.

وإذن، طاعة ولي الأمر عندنا في ديننا معلومة معروفة منصوص عليها بقواطع الأدلة العديدة، سواء في القرآن الكريم أو السنة النبوية. وهي طاعة مبصرة غير عمياء. والشريعة تنهى عن طاعة ولي الأمر طاعة عمياء، فقال صلى الله عليه وسلم لمن أمرهم الأمير بالمعصية:” لو دخلوها(أي النار) ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف”([7]).

الاعتراض الثاني:

حينما ولينا ولي الأمر ـ هذاـ كنا أصحاب عقل ورأي وسداد ورشد ومعرفة بالمصالح، وحين ننتقد أو نصيح أو نرفض، نصبح في نظرهم جهلة وعوام وفاقدي أهلية النظر.

وإن قولكم هذا، لينقض أصل البيعة إذ اعترفتم أننا فقدنا الأهلية في عقدها، فلا حق لولي الأمر في شيء من البيعة التي يرفعها.

الاعتراض الثالث:

لم نعهد في ديننا وسيرة نبينا صلى الله عليه وسلم، وسيرة الحكم الراشد في تاريخ الإسلام هذا المنكر.

الذي نعرفه وتربينا عليه أن امرأة انتقدت عمر بن الخطاب وهو فوق المنبر، وأوقفت قائلة له: ليس ذلك يا عمر. فقلما أن أوقفت على الآية التي غفل عنها، والتي خالفها، قال فورا ومن غير تلكؤ: أصابت المرأة وأخطأ عمر.

الذي نعرفه وتربينا عليه أن أبا بكر الصديق قال في خطبة ولايته:” أيها الناس فإني وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني الصدق… أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله”([8]).

* الذي نعرفه وتربينا عليه أن عمر بن عبد العزيز قال في خطبة توليته أمر الناس: أيها الناس، من أطاع الله فقد وجبت طاعته، ومن عصى الله فلا طاعة له، أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم([9]).

فمن أين جاء علماء التطبيع بفقه تركيع الأمة، وتمريغ كرامتها في الأوحال التي لا تقبلها الفطر السليمة، ولا توافق عليها نصوص الشريعة؟؟

الاعتراض الرابع:

لقد قال الله تعالى:﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾[النساء:59].

هذه هي الآية كاملة في سياقها، وهي ناطقة بالأحكام الآتية:

1ـ الأمر بطاعة الله وطاعة رسوله من غير قيد ولا شرط. والأمر بطاعة ولي الأمر بالقيد والشرط. ويظهر ذلك جليا أنه لم يقل عز من قائل:” وأطيعوا اولي الأمر منكم”، بل حذف الفعل” أطيعوا” حتى يعلم أنه أمر مقيد ومشروط.

2ـ قرر عز وجل أنه يمكننا أن نتنازع مع ولي في قضايا من التدبير. فأمرنا إن تنازعنا أن نحتكم إلى العروة الوثقى، وهي: كتاب الله وسنة رسوله، فقال عز من قائل:﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾.

وعموم المسلمين عندهم الاستعداد الإيماني والقبول بالحكم الذي اختاره الله تعالى لنا عند التنازع، ولكن هل يقبل ولي الأمر هذا الإرجاع الذي حددته الآية؟

الاعتراض الخامس:

إن الله تعالى قال في طاعة ولي الأمر:﴿ وأولي الأمر منكم﴾.

هكذا قيده: منكم. وهو تصريح بوجود ولي أمر منا، وولي أمر ليس منا. وأمرنا بطاعة الأول، ونهينا عن طاعة الثاني.

وقد تكلم علماء التفسير طويلا عن قيد:﴿ منكم﴾. فاستفادوا أنها تعرف بمعيارين:

المعيار الأول: معيار الاختيار

فمن اخترناه فهو ولي أمرنا، وأما من تولى علينا بالغلبة والقهر وبريق السيوف…فهل تمة عاقل يقول بأن هذا أرهبنا واذعننا منا. فهؤلاء الذين تولوا بهذه الطريقة هم عند علمائنا: اللصوص المتغلبة.

قال الزمخشري:” وكيف تلزم طاعة أمراء الجور وقد جنح اللَّه الأمر بطاعة أولى الأمر بما لا يبقى معه شك، وهو أن أمرهم أولا بأداء الأمانات وبالعدل في الحكم وأمرهم آخراً بالرجوع إلى الكتاب والسنة فيما أشكل، وأمراء الجور لا يؤدّون أمانة ولا يحكمون بعدل، ولا يردون شيئا إلى كتاب ولا إلى سنة، إنما يتبعون شهواتهم حيث ذهبت بهم، فهم منسلخون عن صفات الذين هم أولو الأمر عند اللَّه ورسوله، وأحق أسمائهم: اللصوص المتغلبة”([10]).

ونحن أهل السنة والجماعة مجمعون على أن الإمامة لا تكون عندنا إلا بالاختيار الحر من جماعة المسلمين، وفي هذا نخالف الشيعة الذين قالوا: إن الإمامة كائنة بالنص لا بالاختيار.

ونتساءل: من عنده نص على ولاية أمر المسلمين، فليخرجه لنا لننظر فيه؟

المعيار الثاني: معيار المصلحة

فإذا نحن اخترنا ولي أمرنا، وقبلنا به. فإن نهوضه بأمانة الولاية إنما هي على وفق المصلحة. أي أن يمارس ولايته بجلب المصالح لنا، لا له ولا لأعدائنا. ولذلك قعد العلماء من جميع المذاهب هذا الشرط، فقالوا في القاعدة الفقهية: التصرف على الرعية منوط بالمصلحة.

وهكذا يتبين أن ولي الأمر الذي تجب طاعته، هو من اتصف بالمعيارين: اختيار الأمة، والعمل على وفق المصلحة. هذا ولي أمرنا، وحق طاعته واجبة في أعناقنا.

فإن مارس مسؤوليته على خلاف كل ما ذكر، فهذا ولي أمر آخرين ممن ليسوا من ملتنا ولا شريعتنا.

الاعتراض السادس:

إن ولي الأمر عندما تقدمه الأمة، فهو وكيلها، وخادمها، والحارس لمصالحها…وإن هذا الخادم والوكيل والحارس، لا يقبل منه أن يتسلط على من وكله واستأمنه واستخدمه. وإن من علامات الساعة أن تلد الأمة ربتها.

الخاتمة:

إنني وأنا أبين المنظور الشرعي الذي أجمعت الأمة عليه، ليؤسفني خيانة بعض العلماء لأمانتهم، والوقوف في صف من انتهك الحرمات، وباع المقدسات لشذاذ الآفاق. وإن أمة الإسلام ترفض وتلفظ هذه الخبائث. ﴿ ويومئذ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾[الروم:4ـ 5].


[2] ـ مسند أحمد: حديث رقم: 3600.

[3] ـ البخاري: باب السمع والطاعة للإمام، حديث رقم: 2955.

[4] ـ البخاري: باب كيف يبايع الإمام الناس، حديث رقم: 7199.

[5] ــ ابن ماجه، بَاب الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، حديث رقم: 4012. وفيه: عن أبي أمامة قال: عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل عند الجمرة الأولى فقال: يا رسول الله، أي الجهاد أفضل؟ فسكت عنه فلما رأى الجمرة الثانية سأله، فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة وضع رجله في الغرز ليركب، قال: أين السائل؟ قال: أنا يا رسول الله. قال: كلمة حق عند ذي سلطان جائر”.

[6]– مسلم: كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، حديث رقم: 3535.

[7] ـ ففي البخاري: باب سرية عبد الله بن حذافة السهمي، وعلقمة بن مجزز المدلجي ويقال: إنها سرية الأنصار، حديث رقم4340. وفيه: عن علي رضي الله عنه، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فاستعمل رجلا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه، فغضب، فقال: أليس أمركم النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: فاجمعوا لي حطبا، فجمعوا، فقال: أوقدوا نارا، فأوقدوها، فقال: ادخلوها، فهموا وجعل بعضهم يمسك بعضا، ويقولون: فررنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من النار، فما زالوا حتى خمدت النار، فسكن غضبه، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، الطاعة في المعروف».

[8] ـ الرياض النضرة في مناقب العشرة: محب الدين الطبري: 2/ص213.

[9] ـ تاريخ دمشق: ابن عساكر: 45/ص358.

[10] ـ الكشاف: الزمخشري: 1/ص524.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.