منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خطبة: الدخول المدرسي والتكافل الأسري

الشيخ عبد الله بنطاهر التناني /الدخول المدرسي والتكافل الأسري

0

خطبة: الدخول المدرسي والتكافل الأسري

للشيخ عبد الله بنطاهر التناني

انطلاقا من قصة الأشعريين من الصحابة وقول النبيﷺ فيهم: «هم مني وأنا منهم»

الحمد لله الذي حثنا على مواساة ذوي الحاجة والأرامل والأيتام، وجعل الإنفاق في سبيل الله تزكية للنفوس وتخفيفا للآلام، وأشهد أن لا إله إلا الله ذو الجلال والإكرام، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله سيد الأنام، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الكرام، وعلى التابعين لهم بإحسان ما دامت الشهور والأعوام.

أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.

المزيد من المشاركات
1 من 39

دعونا نبدأ معكم خطبة اليوم بقصة أبطالها الأشعريون من الصحابة رضوان الله عليهم، لنتعلم منهم كيف يتراحمون ويتعاطفون ويتعاونون فيما بينهم، في ظل الرابط الأسري الذي يجمعهم؟

والأشعريون جماعة من الصحابة هاجروا من اليمن لله ورسولهﷺ، تاركين وراءهم بذخ اليمن وثراءه، وكانت الأيام تمر عليهم أحيانا في المدينة لا يجدون فيها ما يأكلون، وكانوا يعالجون هذا المشكل بالتكافل الاجتماعي والتعاضد الأسري؛ فكانوا إذا قل طعامهم، جمع كل واحد منهم ما لديه من الطعام قليلا أو كثيرا، ثم اقتسموه بينهم بالسوية، من أجل تأمين حاجاتهم الضرورية؛ روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري -وهو واحد منهم- أنه قال: قال النبيﷺ: «إن الأشعريين إذا ‌أَرْمَلُوا في الغزو (أي فني زادهم) أو قَلَّ طعامُ عِيَالِهِمْ بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم»…

أي شرف هذا أن يقول النبيﷺ لك: أنت مني؟ بل وأي تكرمة هذه أن يخاطبكﷺ قائلا: أنا منك؟ هل تعلمون قيمتها -يا عباد الله-؟

إنها الانتساب لأفضل خلق الله تعالى، إنها الانتساب لرسول الإنسانيةﷺ، إنها الانتساب لذلك الطود العظيم والشرف النبيل، الذي لا يرجو غيره مسلم، ولا يعيش لغيره مؤمن، «فهم مني وأنا منهم»؛ كأني بالرسولﷺ يقول: إن من فعل مثل الأشعريين من التكافل والتعاون، ليساعد فقراء أسرته، فهو مني وأنا منه أيضا!

ومن هنا نتعلم أن الانتساب للنبيﷺ لا ينال باللحمة ولا بالنسب، لا ينال بالصهرية ولا بالقرابة، ولا بكونك حفيدا له أو ابنا، ولو كان الأمر كذلك، لكان الأولى به أبو لهب، عم النبيﷺ ولكنه تبت يداه في النار.

وقد قدمنا لكم في الجمعة الماضية بمناسبة افتتاح المدارس أن الفقراء يعانون في هذه الأيام من غلاء الأدوات المدرسية، وقدمنا لكم أن النبيﷺ دعانا إلى الإحسان للفقراء، وخصوصا منهم طالب العلم الفقير، الذي يحتاج لمن يسعف حاجته، حتى يستمر في مسيرة التعليم، واليوم نتساءل: كم من واحد منا استجاب لهذا النداء؟ كم من واحد منا مد يد المساعدة فمسح دموع الفقراء من أسرته وجيرانه؟ حتى بالأدوات المستعملة من طرف أبنائه، والرسولﷺ يقول: «أنفق يا بلال! ولا تخش من ذي العرش إقلالا».

إذا جادت الدنيا عليك فجـد بها    علـى النـاس طــــرا إنها تتـقلب

مقالات أخرى للكاتب
1 من 16

فلا الجود يُفنيها إذا هي أقبلت    ولا البخل يُبقيها إذا هي تذهب

فليسأل كل واحد منا نفسه هل ساعد أسرة فقيرة؟ هل خفف عن عائلة محتاجة ضغط الأدوات المدرسية في هذه الأيام؟ هل مد يد المساعدة لتلميذ يتيم أو طفل مشرد حتى لا ينقطع عن المدرسة؟ وقد يكون من عائلتك وأقربائك فإن فعلت ذلك فهنيئا لك جوار النبيﷺ في الجنة وهو الذي قال: «أنا وكافل اليتيم كهاتين» ومن لم يفعل ذلك فقد سجل نفسه من أولئك الذين ألفوا أن يستمعوا للكلمة الجميلة فينبهرون بها، وللخطب الرنانة فيصفقون لها، دون أن ينزلوا بشيء منها إلى الواقع للتطبيق؛ فإلى متى نسمع فنصفق ولانطبق؟

فالذي استجاب لهذا النداء النبوي، فساعد فقراء جيرانه وأسرته، قد عرض نفسه لدعاء الملائكة: بأن يخلف الله عليه ما أنفق في الدنيا والآخرة، أما الذي أمسك يده، أما الذي لا يريد أن ينظر إلى من حوله من الفقراء، أما الذي لا ينظر إلى مجتمعه بعين القلب، ولكن بعين المعدة، فليعلم الذي هذه حالته، أنه قد عرض نفسه لدعاء الملائكة بإتلاف ماله، وقد قال الرسولﷺ: «ما من يوم إلا وملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا».

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين.

الحمد لله رب العالمين…

أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ إن الانتساب إلى الجناب النبوي الشريف، وإلى الدوحة النبوية المباركة، إنما يكون بمقدار ما نقدم من الإحسان للفقراء، بمقدار ما نرحم به عباد الله الضعفاء، بمقدار أخلاقنا والصدق في محبة غيرنا.
يا من يحب أن يكون من النبيﷺ؛ يا من يحب أن يكون النبيﷺ منه؛ ها هي الفرصة أمامك، أغث من لا يجد ما يشتري به الأدوات المدرسية لأبنائه، قدم المساعدة للطلبة اليتامى، الذين لا يسألون الناس إلحافا، وقد يكونون من أسرتك أو جيرانك أو معارفك، فتكون أنت أعلم بهم من غيرك؛ يقول الله عز وجل: {لَن ‌تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيم}

ألا فاتقوا الله عباد الله، وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ …

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.