منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خطبة: الدخول المدرسي ومعاناة الفقراء من الأدوات المدرسية بسبب وباء “كورونا”

الشيخ عبد الله بنطاهر التناني / الدخول المدرسي ومعاناة الفقراء من الأدوات المدرسية بسبب وباء "كورونا"

0

خطبة: الدخول المدرسي ومعاناة الفقراء من الأدوات المدرسية بسبب وباء “كورونا”

الشيخ عبد الله بنطاهر التناني

الحمد لله الذي جعل الفقر والغنى امتحانا وابتلاء، سبحانه وتعالى أغنى بفضله ورحمته الأغنياء، وأفقر بعدله وحكمته المحرومين الضعفاء، {وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلرِّزۡقِ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزۡقِهِمۡ عَلَىٰ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَهُمۡ ‌فِيهِ ‌سَوَآءٌ}، وأشهد أن لا إله إلا الله هو الغني ونحن الفقراء، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله إمام الرسل والأنبياء، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الكرماء، وعلى التابعين لهم بإحسان مادامت الأرض والسماء…

أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.

ها هي المدارس تفتح من جديد أبوابها، لتحتضن تلاميذها احتضان الأم الحنون لأولادها، فيتقدم المجتهد يجني ثمار الاجتهاد في العمل، تاركا وراءه الراسب وقد باء بالفشل، وذاق مرارة التهاون والكسل، ليعيد الكرة مرة أخرى عله يستدرك فيحقق ما فاته من الأمل، والسقوط في المدرسة مرتان؛ فاجتهاد بمعروف، أو طرد بغير إحسان، والإسلام قد أوجب على المسلم العلم من المهد إلى اللحد، وفرضه على كل مسلم ومسلمة دون التحديد بأيام ولا بسنوات؛ يقول الرسولﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم».

المزيد من المشاركات
1 من 47

أيها الاخوة المؤمنون إن التلاميذ في هذه الأيام أول ما يحتاجون إليه هو المساعدة المادية، مساعدة المحتاجين الذين أثقلت كواهلهم الأدوات المدرسية الثقيلة وثمنها الأثقل، وخصوصا في ظل وباء “كورونا” الذي نال من كل شيء؛ فمن نجا منه صحيا أصابه ماديا واقتصاديا، والنبي ﷺ يقول: «دووا مرضاكم بالصدقة»، وهذه الأدوات تقف في سبيل الفقراء، وتعرقل في حياتهم مسيرة التعليم، ومن عادتي من فوق هذا المنبر أنني أنبه إلى هذا المشكل في بداية كل سنة، لعل التنبيه يجد آذانا صاغية، وقلوبا حانية، وها هي الحالة تتكرر مرة أخرى فيجب أن يتكرر معها التنبيه والنداء، ولا بد من الوقوف عند الأزمات وإن تعددت أزمنتها، وما شرع الإسلام صلاة الجمعة وخطبتيها إلا لتساير المجتمع، وتعالج أحداثه بحلول الإسلام الناجعة.

فتعالوا بنا اليوم نحرك القلوب الرحيمة، والنفوس المؤمنة، لمساعدة الأسر الفقيرة، وهذه الأيام تمر عليهم كالإعصار أو الصاعقة، لم يستفيقوا بعد من نطحات كبش العيد المؤلمة، إذا بنطحات الأدوات المدرسية تتوجه صوب جيوبهم لتستنزفها، منهم من تخلف عليه ديونا، ومنهم من تخلف له نزاعا وخصاما بينه وبين أهله، ومنهم من يخرج أبناءه أو على الأقل بعضا منهم من المدرسة مرغما، لأنه لا يستطيع شراء الأدوات المدرسية…

فهل تعلمون يا أصحاب القلوب الرحيمة، أن متوسط ما تتطلبه أدوات تلميذ واحد يفوق ألف درهم؟ وهل تعلمون يا أصحاب النفوس المؤمنة، أن أغلب الأسر يتراوح عدد الأبناء والبنات فيها ما بين أربع إلى ستة؟ وهل تعلمون أن بيننا فقراء، راتبهم الشهري لا يفي بأغراضهم الضرورية؟ فمن أين يأتي التلميذ الفقير بثمن أدواته الإجبارية ومصاريف الأسرة من الأكل والملبس والمسكن وشبح الكراء وفاتورة الضوء والماء قد أثقل كاهل أبيه؟ هذا عند الأسر التي وجد فيها الأب عملا يعول به أسرته، فكيف بالأسرة التي الأب فيها عاطل عن العمل؟ وأنتم تعلمون مدى العمق الذي وصل إليه أخطبوط البطالة، وليس في بلادنا فحسب، بل في العالم كله؛ فكيف باليتامى الذين مات أبوهم أو غاب؟ وبقيت الأم أرملة ضائعة تكد وتعمل ليعيش أبناؤها، وإلا فالجوع لهم بالمرصاد، وناهيك عن نتائج الطلاق وتفكيك الأسر وضياع الأبناء؛ هؤلاء والله أولى بقول شاعر الحمراء إذ قال:

كيف المآل إذا تكون الحــــــال     بالجوع تقضي نسوة ورجـال
هذا أبو الأيتام خلفك سائــــــلا   وأبو اليتامى دأبه التســـــآل
فعساك تشفق من أليم عذابه   فإذا فعلت فربنا فعـــــــــــال
آه لأرملــــــــة تقود صغارهـــــا    والدمع من أجفانهم هطــال
عار علينا أن تموت ضعافنــــا       جوعا وتفضل عندنا الأموال

هل فكرتم أيها الأغنياء في هؤلاء؟ يا من بسط الله عليه الدنيا؛ هل سألت في هذه الأيام عن أمثال هؤلاء؟ وقد يكونون في أسرتك: أبناء الاخوة أو الأعمام أو الأخوال، افتح بصرك جيدا، لا تمش بعيدا، ألا تجد في عائلتك أسرة قد خنقتها أثمنة الأدوات في هذه الأيام؟ لم لا تمد لها يد المساعدة؟ والرسولﷺ يقول: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذوي الرحم صدقة وصلة» وقد يكون هذا المسكين عاملا في معملك أو متجرك، وأنت تعلم وصية الرسولﷺ بالعامل إذ قال: «أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه» وقد يكون من جيرانك والرسولﷺ يقول: «لازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه».

اتصل رعاك الله يا من بسط الله عليه الدنيا بالأساتذة والمعلمين والمدراء، ليكشفوا لك عن حالات من الفقر، تتفطر لها القلوب من كمد، إن كان في القلب إسلام وإيمان، إن كان يدور في بالك الآن أن تقدم المساعدة، حتى بالأدوات المستعملة، والرسولﷺ يجمع بين الحث على طلب العلم، وبين الإحسان للفقراء فيقولﷺ فيما روى الإمام مسلم: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله طريقا إلى الجنة، ومن نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» و كأنهﷺ يقول لنا في هذا الحديث: إن أفضل من تساعدون هم طلبة العلم الفقراء والمحتاجون.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين، والحمد لله رب العالمين

الحمد لله رب العالمين…

مقالات أخرى للكاتب
1 من 16

أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ إن الإحسان إلى الفقراء، خصوصا عند الأزمات والنكبات جزاءه عند الله عظيم، والله تعالى يقول: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ ‌فَلِأَنفُسِكُمۡ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ ٱللَّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَٰهُمۡ لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗا وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ}…

ذلكم –يا عباد الله- هو النداء الرباني إلى الوقوف بجانب الضعفاء، وتلكم هي التوجيهات القرآنية والنبوية، في الإحسان إلى الفقراء، وذلكم هو جزاء من يساعد المساكين عند الله عز وجل؛ فهل من مجيب؟ فهل من مجيب؟ فهل من مجيب؟

ألا فاتقوا الله عباد الله! وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.