منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(4) استقراء النصوص و الشواهد التاريخية الموثقة للحقائق | قواعد التأصيل العلمي في المسائل الحديثية

(4) استقراء النصوص و الشواهد التاريخية الموثقة للحقائق | قواعد التأصيل العلمي في المسائل الحديثية/ ذ. يحي زركيط

0

(4) استقراء النصوص و الشواهد التاريخية الموثقة للحقائق

قواعد التأصيل العلمي في المسائل الحديثية

ذ. يحي زركيط

(1)  التحقيق المصطلحي للمفاهيم | قواعد التأصيل العلمي في المسائل الحديثية 

(2) التأصيل الشرعي للمسائل الحديثية استنادا إلى الأدلة النقلية|قواعد التأصيل العلمي في المسائل الحديثية 

(3) التأصيل استنادا إلى الأدلة العقلية | قواعد التأصيل العلمي في المسائل الحديثية 

من ركائز البحث العلمي الموضوعي أن يستقري الباحث النصوص بعد جمعها وتحقيقها بكل دقة علمية، ليصل في آخر المطاف إلى نتائج واقعية يمكنه تعميمها على الظاهرة المدروسة.

إن كثيرا من الدراسات التي تطعن في السنة النبوية، تفتقر إلى هذه الركيزة الأساس في ميدان البحث العلمي. وإنك لتجد المغرضين ما إن يعثروا على نص بين صفحات الكتب، إلا ويجتزئونه عن سياقه ويحرفون دلالاته عن جهل أو عن قصد، ثم يوظفونه على نحو يمكنهم من استخلاص نتائجهم الباطلة، واستصدار أحكامهم الفاسدة.

وقد نبّه الدكتور الأعظمي إلى ضرورة أن تكون الدراسات الحديثية مؤيدة بالنصوص الصريحة الواضحة، فقال: “ومما رجح اتباع هذا المنهج في الكتابة –عندي- فقدان الأمانة العلمية لدى كثير من الباحثين المعاصرين فيما ينقلون من نصوص، واكتفاؤهم بالإشارة إليها، أو بنقلها مع التصرف في عبارتها، ثم يستنتجون منها ما يشاؤون أو يحملونها ما لا تطيقه بشكل من الأشكال، الأمر الذي يفرض هنا عرض النصوص كاملة موثقة لتكون شاهد الحكم وفصل القول فيما يختلف فيه.”[1]

ولكي تحصّن السنة أمام سهام المشككين، كان من اللازم والواجب أن تتضافر جهود العلماء من أجل تكثيف البحوث والدراسات الحديثية القائمة على الاختيار الدقيق للنصوص والشواهد، واستقرائها بطريقة علمية صحيحة، ثم استنباط الأحكام المبينة للحقائق والناسفة للشبهات.

يقول الدكتور فاروق حمادة: “وإني لأتساءل كم دراسة قامت حول مناهج السنة في عهد التابعين وقبلهم عن السنة وتلقيها ومناهجها في حلقات الصحابة المرضيين؟ إنها دراسات معدودة جدا في ما أعلم، فلو كثُرت ونمت لكان من أنفع وأهم ما يقدم للأمة لتطمئن إلى سنة نبيها، وأعظم ما يطفئ شرر المغرضين والمتحاملين والحاقدين، وإن المنهج الحديثيّ حقيق أن يكون حاضرا ماثلا في كل ميدان لتأخذ المعرفة النظرية، بل والتجريبية طريقها الصحيح.”[2]

ومن خلال هذا المثال ستتضح أهمية الاهتمام بالنصوص المبثوثة في كتب التراجم والطبقات وتواريخ البلدان وكتب الجرح والتعديل، والحاجة إلى استقرائها في سبيل الانتصار للمنهج النقدي عند المحدثين:

يزعم المستشرق جولدتسيهر أن رواة الحديث كانوا يستبيحون الكذب لأجل مصلحة السلطة السياسية. ومن الأمثلة التي ساقها تحت هذا الافتراء، اتهامه للأتقياء (أي المحدثين) باختلاق كثير من الأحاديث نصرة للدولة العباسية ضد خصومهم الأمويين، فقال: “ولم يبق في هذه الموضوعات إلا أن يُعلن النبيُّ أن العباس وبنيه هم أصحاب الخلافة، وكان الأتقياء في هذه الحقبة مُغرمين بوضع الصورة البغيضة للعهد الأموي -البعيد كل البعد عن الإيمان- في شكل حديث”[3].

هذه الفرية المكشوفة رددها  بعده كثير من المستغربين من أمثال محمد أركون الذي قال: “لقد تعرض الحديث النبوي لعملية الانتقاء والاختيار والحذف التعسفية التي فُرضت في ظل الأمويين وأوائل العباسيين أثناء تشكيل المجموعات النصية (كتب الحديث) المدعوة بالصحيحة.”[4]

إن هذه الافتراءات البغيضة لتتهاوى أمام الحقائق التاريخية والشواهد المستفيضة المثْبِتة لتسامي أهل الحديث عن التحول إلى أداة في يد السلطة السياسية، يضعون لها الأحاديث التي تخدم مصلحتها.

فجمعُ واستقصاء النصوص الكاشفة لعوار تلك الاتهامات والدعاوى، لا يعدّ فقط وثيقة براءة لرواة الحديث، بل هو انتصار للسنّة المطهرة وتعزيز لمكانة المصنفات الحديثية في قلوب المسلمين.

والحقيقة الساطعة سطوع الشمس، أن كثيرا من أهل الحديث كانوا يتحاشون ما أمكنهم من غشيان مجالس السلاطين، ويتجنبون عطاياهم وما يُعرض عليهم من مناصب وأعمال.

“ودوافعهم في اتخاذ هذا الموقف من اعتزال السلطة كثيرة منها:

  • إما خشية الافتتان بالدنيا، والميل إليها بما عند السلطة من مغريات.
  • أو ما كان عليه الحكام من الأثرة، وربما الظلم، فسلامةً لدينهم رأوا الابتعاد عنهم مخافة الركون إليهم.
  • وإما لاشتمال بعض مجالس الحكام على منكرات لا يسعهم السكوت عليها، فآثروا الابتعاد خشية لحوق الإثم إن سكتوا.
  • أو بسبب عزة أنفسهم وصيانتها عن مواطن الامتهان، وما كان يفعله العامة من الانحناء وتقبيل أيدي الولاة.
  • أو لأجل الحفاظ على سمعة العالِم وقطع الظن السيء به، حتى لا يُظن أن دخوله كان بسبب مطامع شخصية دنيوية.”[5]

فقد كان محمد بن سيرين لا يرضى حميد بن هلال. قال ابن أبي حاتم الرازي: فذكرت ذلك لأبي فقال: ‌دخل ‌في ‌شيء ‌من ‌عمل ‌السلطان فلهذا لا يرضاه[6].

ودخل سفيان الثوري على أبي جعفر فقال: حاجتك؟ فقال: حاجتي أن لا تدعوني حتى آتيك.[7]

وقال صالح بن أحمد بن حنبل، قلت لأبي: أيهما أصلح عندك، وكيع أو يزيد بن هارون؟ قال: ما فيهما بحمد الله إلا صالح، إلا أن وكيعا لم يختلط بالسلطان[8].

وذكر ابن أبي حاتم في ترجمة أحمد بن سعيد الرباطي الذي قبل عملا لعبد الله بن طاهر والي خراسان في زمن العباسيين، قوله: “قدمت على أحمد بن حنبل فجعل لا يرفع رأسه إلي، فقلت: يا أبا عبد الله، إنه يُكتب عني بخراسان، وإن عاملتني بهذه المعاملة رموا بحديثي، فقال لي: يا أحمد، هل بد يوم القيامة من أن يقال: أين عبد الله بن طاهر وأتباعه؟ انظر أين تكون أنت منه؟ قال: قلت يا أبا عبد الله، إنما ولاني أمر الرباط، لذلك دخلت فيه، قال: فجعل يكرر علي: يا أحمد، هل بد يوم القيامة من أن يقال: أين عبد الله بن طاهر وأتباعه؟ فانظر أين تكون أنت منه”[9].

وكان محمد بن إسماعيل البخاري ورعا، يتجنب السلطان، ولا يدخل عليهم[10].

وبعث الأمير خالد بن أحمد الذهلي والي بخارى إلى محمد بن إسماعيل، أن احمل إلي كتاب “الجامع” و”التاريخ” وغيرهما لأسمع منك. فقال محمد بن إسماعيل لرسوله: ‌أنا ‌لا ‌أذل ‌العلم ولا أحمله إلى أبواب الناس، فإن كانت لك إلى شيء منه حاجة فاحضرني في مسجدي أو في داري، وإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة؛ لأني لا أكتم العلم.[11]

وما هو معلوم ومؤكد، أن أساطين الرواية وكبار المحدثين من أمثال مالك بن أنس وأحمد بن حنبل ومحمد بن إسماعيل البخاري كانت لهم خصومات مع الأمراء، وتعرضوا للأذى بسبب مواقفهم الجريئة، فكيف يستجيزون وضع الحديث إرضاء لهم.

فالنتيجة التي يمكن استخلاصها من دراسة وتحليل مضامين هذه الشواهد التاريخية، هي كالتالي:

  • كانت لعلماء الحديث عزة نفس لا يكسرها الترغيب ولا الترهيب، وكانت خشيتهم لله تمنعهم من أن يرضخوا لأهواء الأمراء والسلاطين.
  • كان أئمة الحديث يحذرون بعضهم البعض من الدخول على الأمراء ويتواصون باعتزالهم.
  • إن الرواة الذين كانوا يترددون على الولاة، كانوا لا يسلمون من توهين وتضعيف أئمة الجرح والتعديل.
  • كثير من المحدثين كانت بينهم وبين السلطة السياسية خصومات ومواقف تمنع من استغلالهم لأي غرض دنيوي.
  • أحكام الجرح والتعديل كانت ثابتة وتخضع لمعايير النقد الحديثي العلمي ولم تخضع لتأثير السلطة السياسية.

هذه النتائج ليست أحكاما من فراغ، بل من خلال عملية جمع واستقصاء للنصوص، ثم استقراء مضامينها واستنطاق مفاهيمها، ثم عرض للنتائج والخلاصات. إنها منهجية علمية متكاملة توصل إلى الحقيقة وترسخها، وليست من قبيل ما يدعيه أعداء السنة “بحوثا ودراسات” تعتمد الدسّ والتحريف والمغالطة، ويعوزها الدقة والموضوعية.


[1]  دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه ص(ج) من المقدمة.

[2]  تطور دراسات السنة ص241-242.

[3]  دراسات محمدية ، أجناس جولدتسيهر ترجمة د. الصديق بشير نصر، مركز العالم الإسلامي لدراسة الاستشراق، ط. الثانية 2009م. ص168.

[4]  تاريخية الفكر العربي الإسلامي، محمد أركون. ترجمة هاشم صالح المركز الثقافي العربي البيضاء، ط. الثانية 1996. ص146.

[5]  المحدثون والسياسة، قراءة في أثر الواقع السياسي على منهج المحدثين، إبراهيم بن صالح العجلان، مركز البيان للبحوث والدراسات ط. 2017. ص59.

[6]  الجرح والتعديل، أبو محمد عبد الرحمن بن محمد الرازي ابن أبي حاتم (ت 327هـ) دار إحياء التراث العربي – بيروت ط. الأولى، 1371 هـ/ 1952م. ج3/230.

[7]  نفسه ج1/112.

[8]  نفسه ج9/38.

[9]  تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي (ت 463هـ) تح: الدكتور بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي بيروت ط. الأولى، 1422هـ/ 2002م. ج5/271.

[10]  سير أعلام النبلاء ج12/465.

[11]  نفسه ج2/340.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.