منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رؤية العالَم (2) بعض التدبُّر في ألفاظ العالَم في القرآن الكريم

رؤية العالَم (2) بعض التدبُّر في ألفاظ العالَم في القرآن الكريم /د. فتحي حسن ملكاوي

0

رؤية العالَم (2) بعض التدبُّر في ألفاظ العالَم في القرآن الكريم

بقلم: الدكتور فتحي حسن ملكاوي

تتكون عبارة “رؤية العالم” من كلمتين، هما من كلمات اللغة العربية الفصيحة و الواضحة الدلالة، وتستعملان في اللغة لفظاً وكتابة في سياقات مختلفة، ومع أن كلاً منهماً يحتفظ بأصله المعجمي، إلا أنَّ الدلالة الخاصة بالكلمة تتوقف على السياق. أما الدلالة المركبة من الكلمتين فإنها تنفتح على آفاق واسعة من الفكر البشري، مما يتصل بمعنى ظاهر صريح، أو مما يتسرب إلى الوعي والإدراك بصورة غير ظاهرة، وربما بصورة يصعب التعبير عنها. وتحضر الكلمتان: “الرؤية”، و”العالم” في لغة العرب وفي القرآن الكريم والسنة النبوية والتراث العربي والإسلامي فضلاً عن الاستعمال اللغوي المعاصر.

جاءت كلمة “عالم” في لسان العرب وفي غيره من معاجم اللغة من الأصل اللغوي “عَلِمَ”؛ أي حصل له العِلْم، وما يكون من ذلك من ألفاظ العِلْم والتعلّم والتعليم، والعالِم والعلماء والعلَّامة والعليم، كما جاءت بمعنى آخر: “علَمَه يعلُمُه ويَعلِمُه عَلْماً؛ أي وَسَمَه، (فوضع له وسماً أو علامةً أو أثراً)، “قال الزجّاج: معنى العالَمين كلُّ ما خلق الله، كما قال: (وهو ربُّ كلِّ شيء) وهو جمْع عالَم، قال: ولا واحد لعالَم من لفظه، لأنَّ عالَما جمْعُ أشياء مختلفة، فإن جُعل عالَمٌ لواحدٍ منها صار جمعاً لأشياء متَّفِقَة.”… ومَعْلَم كلِّ شيء: مظِنَّتُه، وفلانٌ مَعْلَم للخير كذلك، وكلُّه راجعٌ إلى الوسْم والعِلْم”….” والمَعْلَمُ: الأثرُ يُستَدَلُّ به على الطريق، وجمعه المَعالِم. والعالَمون أصناف الخلق، والعالَم الخَلْقُ كلُّه”، …” لسان العرب لابن منظور.

ويربط الجرجاني بين هذا المعنى الذي يشير إليه ابنُ منظور ومعنى عَلِم أي حصَّل عِلْماً، فيقول: العالَم “كلُّ ما سوى الله من الموجودات؛ لأنَّه يُعلَم به الله، من حيث أسماؤه وصفاته.” معجم التعريفات للجرجاني.

فكلمة العالم يعبر عنها بألفاظ: الكون والوجود والآفاق، والعالم -لغة- جمع لا مفرد له من لفظه، ويجمع على عوالم وعالمين. ولفظ عالَم يشير إلى اجتماع الأشياء والكائنات والأمور، ويدل اللفظ على كثرتها، ومنها عوالم مادية- طبيعية (عوالم الأشياء والظواهر والأحداث في الأرض والسماء وما فيهما من مجرات ونجوم، وجبال وبحار، وليل ونهار، ونبات وحيوان…)، واجتماعية- بشرية (عوالم الشعوب والأقوام، والحضارات والثقافات…)، ونفسية- روحية (عوالم المشاعر والعواطف من حب وكره وآمال وآلام…).

وجاءت كلمة “العالمين” في القرآن الكريم في 62 موقعاً، منها 41 موقفاً بصيغة “رب العالمين” منها 6 مرات بصيغة “الحمد لله رب العالمين”. ومنها إحدى عشرة مرة في سورة واحدة هي سورة الشعراء التي جرى فيها تعريف مباشر لعبارة “ربَّ العالمين”.

ويمكننا الاستئناس بالتعريف الذي ورد في هذه السورة، حيث يبدأ ورود العبارة مع قصة موسى عليه السلام في بداية السورة، حين طلب الله منه ومن أخيه هارون أن يذهبا إلى فرعون “اذهبا إلى فرعون فقولا إنَّا رسول ربِّ العالمين”. وبعد أخذٍ وردٍّ بين موسى وفرعون يسأل فرعون “وما ربُّ العالمين”؟ فيكون جواب موسى في ثلاث آيات: “ربُّ السماوات والأرض وما بينهما”، “ربُّكم وربُّ آبائكم الأولين”، “ربُّ المشرق والمغرب وما بينهما”. فيكون تعريف “العالمين” في هذه الآيات جواباً على سؤال، تعريفاً يشمل: أشياء العالم الطبيعي وظواهره، وأقوام العالمين من الناس الحاضرين ومن سبقهم من الأولين. والمرة الثالثة التي ترد فيها عبارة “رب العالمين” في استكمال قصة موسى في سورة الشعراء، تأتي عندما آمن السحرة وقالوا: “آمنا بربِّ العالمين. ربِّ موسى وهارون”، وكأنهم لا يعرفون الكثير عن هذا الربِّ إلا أنَّه ربُّ موسى وهارون، الذي أعطاهما “معجزة” ليست من قبيل السحر الذي يعرفونه، فلم يتوانوا عن السجود اعترافاً بربوبية ربِّ العالمين.

ثم تأتي قصة إبراهيم عليه السلام في هذه السورة، فترِد عبارة “رب العالمين” مرَّتين؛ مرة على لسان إبراهيم حين يشير إلى أرباب قومه ويقول “فإنَّهم عدوِّي إلا ربَّ العالمين”، والمرة الثانية على لسان الذين كذبوه وهم يوم القيامة في النار يختصمون مع من اتخذوهم في الدنيا أرباباً: “إذ نسوِّيكم بربِّ العالمين”.

ثم تأتي قصص خمسة من الأنبياء بصورة متتابعة: نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، عليهم السلام، وكلٌّ منهم يقول لقومه النص نفسه: “وما أسألكم عليه من أجر، إنْ أجري إلا على ربِّ العالمين”. وتختم السورة بالإشارة إلى القرآن الكريم الذي نزل به “الروح الأمين”: جبريل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، فتأتي العبارة بتأكيد مضاعف “وإنَّه لتنزيل ربِّ العالمين”.

ولا نشكُّ في أنَّ في تكرار عبارة “رب العالمين” على لسان الرسل حكمةً بالغة. ثم إننا نرى أنّ لله سبحانه حكمة بالغة -كذلك- في تكرار عبارة “رب العالمين” في صلاة المسلم على مدار الليل والنهار في كلِّ مرة يقرأ الفاتحة “الحمد لله ربِّ العالمين” التي لا تجوز الصلاة إلا بتلاوتها. ومن المؤكَّد أنَّ المسألة هي اللفظ والفهم والتدبر في آفاق المعنى ودلالاته، فعِلْمُ الإنسان وفهمُه وتدبُّرُه لهذه الآفاق هي بعض ما نسميه “رؤية العالم”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.