منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رُؤْيةُ النّبِيِّ في اليقظةِ: مُراجَعاتٌ وتحْقيقاتٌ

عبد المجيد فاضل / رُؤْيةُ النّبِيِّ في اليقظةِ: مُراجَعاتٌ وتحْقيقاتٌ

2
الفهرس إخفاء

رُؤْيةُ النّبِيِّ في اليقظةِ: مُراجَعاتٌ وتحْقيقاتٌ

ذ. عبد المجيد فاضل

مقدمة

الحمدُ للّهِ ربِّ العالمين، والصّلاةُ والسّلامُ على خاتَم الأنبياء والمرسلين، وبعدُ: إنّ رؤيةَ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في اليقظةِ، مِن المسائل التي شغَلتَ بالَ كثيرٍ من الناس قديماً وحديثاً، ووقَع فيها اختلافٌ بيْن أهل العلم؛ بل وصلَ الأمرُ إلى الخصومات، وتراشقِ الاتهامات، التي وصلت إلى الرّميِ بالفِسق والتكفير!

وهذا البحثُ ليس هدفُه رفعُ الخلافِ أو تعميقُه، بل يَرومُ عرضَ أهمِّ أدلةِ القائلين بمنع هذه الرؤية، وأهمِّ أدلةِ القائلين بجوازها، ومناقشةَ بعضِها من أجل تعميق البحث؛ للوصول إلى أجوبةٍ واضحة ومقنعة لبعض التساؤلات التي يطرحُها ذهن الباحث عن الصواب. وموقفُ النّاس من البحثِ عن الحقيقة أصنافٌ:

  • صنفٌ يبحث؛ طَلباً للوصول إلى الحقيقة.
  • وصنفٌ يبحث؛ لإخفاء الحقيقة!
  • وصنفٌ لا يبحث؛ خوفاً من الحقيقة!
  • وصنفٌ يجادل قبل أن يبحث عن الحقيقة!

هذا، والباحثُ النّزيه عليه أنْ يبتعدَ عن التّعصُّب للرِّجال والطعن في الأئِمّةِ الأعلام، المشهورين بالعلم والعمل للإسلام، الذين غابَتْ عنهم الأفْهامُ وزَلَّتْ بهم الأقلامُ؛ ولا عِبْرَةَ بِمَن لا عِلْمَ لهم بالأحكام. والبحثُ في هذه المسألةِ لا بُدَّ أنْ يكونَ متكاملاً، ولا يكفي ذكر أدلة المنكرين لِلرُّؤية في اليقظة أو المجيزين لها؛ بل يجب إلقاءُ الضوء على بعض المسائل والتساؤُلات، التي لها علاقةٌ بهذه المسألةِ؛ أهمّها:

  •  هل هذه المسألة تُعَدّ من المسائل الكبرى في عقيدة المسلم، التي يجب الإيمان بها، والمعاداة مِن أجلها؟
  • هل يجوزُ الاجتهادُ في هذه المسألةِ؟
  • ماذا لو لمْ يتوصّلِ الْبَاحث إلى الراجحِ من الأقوال؟
  • هل مِن الحكمةِ إشغالُ عامّةِ النّاس بهذه المسألةِ؟

الفصلُ الأوّل: رُؤيةُ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في المنام.

قبل الحديث عن رؤيةِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم في اليقظة، لا بُدّ من الحديث عن رؤيتِه صلى الله عليه وسلم في المنام؛ لأن هناك ارتباطاً بينهما عند أكثر الباحثين.

1- مَن الذي تصِحُّ رُؤْيتُه لِلنّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟

لقد اتّفق العلماءُ على إمكانيةِ رؤيةِ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في المنامِ؛ لقوله: “مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَمَثَّلُ بِي” [متفق عليه].

ولكن هل هذه الرؤيةُ ممكنةٌ لجميع النّاس إلى يوم القيامة، أمْ أنّها خاصّةٌ للصحابة فقط؟

الصحيحٌ أنّها ممكنةٌ لجميع الناس، قال مُؤلِّفا كتاب (المُقدِّمات المُمَهِّدات السّلَفيّات في تفسير الرؤى والمنامات): “رؤيةُ النَّبيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في المنام غيرُ مخصوصةٍ فيمن عاصره من أصحابه -رضي اللّهُ عنهم- على خلاف ما اختاره بعضُ العلماءِ كما نقله العيني وغيرُه، فإنّ هذا لا دليلَ عليه… والصحيح هو أنّ الرؤى غيرُ محصورة بأحدٍ، بل جَوّز العلماءُ رؤيةَ الفاجر والعاصي والكافر لِلنّبِيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم، وأنّ لذلك تعبيراً وتأويلاً، يعود بالخير أو الشر على الرائي” [المقدمات الممهدات السلفيات في تفسير الرؤى والمنامات، مشهور حسن آل سلمان وعمر بن إبراهيم آل عبد الرحمن، مؤسسة الريان – دار الإمام مالك، ط2 سنة 1428ھ/2007م، ص290-291].

ومن الأدِلّةِ على ذلك أنّ الاسم الموصول (مَن) الذي جاء في قوله صلّى اللّهُ عليه وسلّم: “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي” يفيد العموم، ولا يوجد أيُّ دليلٍ يخصِّص الرؤية بالصحابة فقط، ولقد كان التابعي ابنُ سيرين، إذا قصّ عليه رجلٌ أنه رأى النّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قال: “صِف لي الذي رأيتَه”، فإن وَصَف له صفة لا يعرفها، قال: “لَمْ تَرَهُ” [صَحَّح سندَه ابنُ حجر العسقلاني في (فتح الباري)].

وقال ابن حجر العسقلاني، بعد أن أورد هذا الأثر: “ووجدت له ما يؤيده: فأخرج الحاكم من طريق عاصم بن كليب: «حدثني أبي قال: قلت لابن عباس رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام قال: صفه لي، قال: ذكرت الحسن بن علي فشبهته به، قال: قد رأيته»، وسنده جيد” [فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب التعبير، باب من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام].

إنّ ابن سيرين كان من التابعين، فهو لمْ يرَ النَّبِيَّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم، وكان إذا قصّ عليه رجلٌ من عامّة النّاسِ أنه رأى النّبِيَّ صلى الله عليه وسلم في المنام، يقول له: “صِف لي الذي رأيتَه”، ولا يقول له: “هذا كذب، رؤيا النبي في المنام كانت خاصة بالصحابة فقط”.

وكُلَيْبُ بْنُ شِهَابِ الذي رأى النّبيَّ صلى الله عليه وسلم في المنام، لم يكن صحابياً، فهو لم يرَ النَّبِيَّ في حياته، ولما قصّ رؤيتَه لابن عباس الصحابي الجليل، فإنه لم يقل له: “رؤية النبي في المنام خاصة بالصحابة فقط”.

  • وقفة تساؤلية: هل نُصدّق كلَّ من ادّعى رؤية النّبِيِّ صلى الله عليه وسلّم في المنام؟

قال ابن جُزي المالكي: “وقال العلماء: لا تصِحُّ رُؤْيةُ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قطعاً إلّا لصحابي رآه، أوْ لحَافِظٍ لِصفاتِه حتى يكونَ المثالُ الذي رآه في المنام مطابقاً لخِلْقته صلى الله عليه وسلم”     [القوانين الفقهية لابن جزي، الباب 13، ص 457، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء – المغرب، تحقيق عبد الكريم الفضيلي].

وقال القَرَافِيُّ في كتابه (الفروق) مِثْلَ ما قال ابنُ جُزي؛ ثُمّ زادَ: “وأمّا غيرُ هذين فلا يحل له الجزم، بل يجوز أن يكونَ رآه صلى الله عليه وآله وسلم بمثاله، ويحتمل أن يكونَ من تخْيِيل الشيطان، ولا يُفيد قولُ الرائي لمن رآه: أنا رسول الله، ولا قولُ من يحضر معه هذا رسول الله؛ لأن الشيطان يَكْذِب لنفسه، ويكذِب لغيره، فلا يحصل الجزم”.

وقال الشيخ ابن باز: “ثم ليس كلُّ من ادّعى رؤيته صلى الله عليه وسلم يكون صادقا، وإنما تُقْبل دعوى ذلك من الثقات المعروفين بالصدق والاستقامة على شريعة الله سبحانه”     [فتاوى يسألونك: الأستاذ الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة، الطبعة: الأولى، ج9 ص219/ http://islamport.com/l/ftw/3895/2142.htm ].

هذا، ومَن لمْ يكن حَافِظاً لِصفاتِ النَّبيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم وظن أنّه رآه في المنام، فعليه أن يسأل عالماً بصفاته، كما كان النّاسُ يسألون الصحابِيَّ ابنَ عبّاس، أو التابِعيَّ ابنَ سيرينَ؛ ليتأكّدوا من رؤيتهم للنَّبيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم.

  •  تنبيه:

زعم بعضُ النّاس أنّ النّبِيَّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم يمكن أنْ يأتيَ في المنام في كلِّ صورةٍ غيرِ صورتِه الحقيقية؛ ويَسْتدِلُّون بما رُوِيَ عنه صلّى اللّهُ عليه وسلّم أنّه قال: “من رآني في المنام فقد رآني، فإني أُرَى في كل صورة”.

هذا الحديث قال عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني: “وفي سنده صالح مولى التوأمة، وهو ضعيف؛ لاختلاطه، وهو مِن رواية مَنْ سمع منه بعد الاختلاط” [فتح الباري (12 / 384)].

ثُمّ إنّ هذا الحديثَ يجعل الحديثَ الصحيحَ السابق لغواً؛ لأنّه إذا كان النَّبِيُّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم يُرَى في كلّ صورة، فلا داعيَ لأنْ يقول: “فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَمَثَّلُ بِي”.

2- هل رُؤية النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في النّومِ بعد موته، إذا قال قولاً أو فَعَل فِعلاً يكون حُجَّةً؟

قال الشوكاني: “ولا يخْفَاك أنّ الشرع، الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم، قد كمَّلَه اللهُ عز وجل وقال: {اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم}، ولم يأتنا دليل يدل على أن رؤيته في النوم بعد موته صلى الله عليه وسلم إذا قال فيها بِقَوْل، أو فَعَلَ فيها فِعلْاً، يكون دليلاً وحجةً” [الشوكاني، إرشاد الفحول، ص249].

وقال الشاطبي: “وأمّا الرُّؤيا التي يُخبر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم الرائي بالحكم، فلا بد من النظر فيها أيضاً؛ لأنه إذا أخبر بحكم موافق لشريعته فالحكم بما استقر، وإن أخبر بمخالف فمحال؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يَنسَخُ بعد موته شريعتَه المستقرة في حياته” [الاعتصام: 1/321].

وقال العلّامة عبد الرحمن المُعَلِّمِي: “اتفق أهل العلم على أنّ الرؤيا لا تصلح للحجة، وإنما هي تبشير وتنبيه، وتصلح للاستئناس بها إذا وافقت حُجّة شرعية صحيحة” [التنكيل، ج2 ص242 ].

وقال ابن حزم: “الشّرائِعُ لا تُؤخَذُ بالمنامات” [ابن حزم، المحلى: 507/6].

وقال العلاّمةُ زكريا الأنصاري: “ولا يُمتَنع عقْلاً أن يُسَمَّى إبليسُ باسم النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم؛ ليقول للنّائم: إنّهُ النَّبِيُّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم، ويأمره بالطاعة ليوقعه في المعصية” [المناوي، فيض القدير، ج6 ص172].

ولقدْ وقعَ مثلُ هذا لبعض الشُّبّان؛ فأرسل إلى أحدِ مواقع الفتوى طالباً المساعدة، فقال: “رأيت رؤيا أفزعتني فأرجو مساعدتي، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءني في المنام، وقال لي: لا تُتْعِب نفسك في طاعة الله، فقد اطَّلَعْتُ على أهل النار فوجدتك منهم”!

الفصْلُ الثاني: رؤيةُ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في اليقظة.

  • أوّلاً: تحديد مفهوم (الرؤية يقظةً):

إنّ تحديدَ معنى (الرؤية يقظةً) هو أوّلُ ما يجب أنْ يبدأَ به الباحث؛ إذْ لا يمكنُ الحكم على مسألة ما إلّا إذا كان تصوّرُها واضحاً؛ ومن القواعد المقررة عند العلماء: “الحكمُ على الشَّيءِ فَرعٌ عَنْ تَصَوُّرِهِ”، ومعناها: أنه قبل الحكم على شيءٍ ما، فلا بدَّ من معرفتِه معرفةً كاملةً، وتصورِه تصوراً دقيقاً، حتى لا يكون الحكمُ على ذلك الشيء بعيداً عن الصواب.

وبالرجوعِ إلى بعض أهل العلم وأهل التصوف الذين أجازوا رؤيةَ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم يقظةً، نلاحظُ أنّ هناك تعريفاتٍ كثيرةً تُحدِّدُ معنى هذه الرّؤية، وهذه بعضُها:

  • قَالَ الإمامُ الْغَزَالِيُّ (ت: 595ھ): “لَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فَقَدْ رَآنِي رُؤْيَةَ الْجِسْمِ، بَلْ رُؤْيَةُ الْمِثَالِ الَّذِي صَارَ آلَةً يَتَأَدَّى بِهَا الْمَعْنَى الَّذِي فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَكَذَا قَوْلُهُ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَرَى جِسْمِي وَبَدَنِي. قَالَ: وَالْآلَةُ إِمَّا حَقِيقِيَّةٌ وَإِمَّا خَيَالِيَّةٌ، وَالنَّفْسُ غَيْرُ الْمِثَالِ الْمُتَخَيَّلِ فَالشَّكْلُ الْمَرْئِيُّ لَيْسَ رُوحَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا شَخْصَهُ بَلْ مِثَالَهُ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَكَذَا رُؤْيَتُهُ تَعَالَى نَوْمًا فَإِنَّ ذَاتَهُ مُنَزَّهَةٌ عَنِ الشَّكْلِ وَالصُّورَةِ وَلَكِنْ يَنْتَهِي تَعْرِيفَاتُهُ تَعَالَى إِلَى الْعَبْدِ بِوَاسِطَةِ مِثَالٍ مَحْسُوسٍ مِنْ نُورٍ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ آلَةٌ حَقًّا فِي كَوْنِهِ وَاسِطَةَ مِثَالٍ فِي التَّعْرِيفِ. فَقَوْلُ الرَّائِي رَأَيْتُ اللَّهَ نَوْمًا لَا يَعْنِي أَنِّي رَأَيْتُ ذَاتَهُ تَعَالَى كَمَا يَقُولُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ”. وَقَالَ أَيْضًا: “مَنْ رَآهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَوْمًا لَمْ يُرِدْ رُؤْيَةَ حَقِيقَةِ شَخْصِهِ الْمُودَعِ رَوْضَةَ الْمَدِينَةِ بَلْ مِثَالَهُ، وَهُوَ مِثَالُ رُوحِهِ الْمُقَدَّسَةِ عَنِ الشَّكْلِ وَالصُّورَةِ”     [نقلاً عن كتاب: جمع الوسائل في شرح الشمائل، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري، نشر: المطبعة الشرفية – مصر، طبع على نفقة مصطفى البابي الحلبي وإخوته، ج2 ص233].

 

  • وقال الإمامُ السيوطي (ت: 911ھ) -بعد أن ذكر حديث البخاري “مَن رَآنِي في المَنَامِ فَسَيَرانِي في اليقَظَةِ، وَلَا يَتَمَثَّلُ الشيْطَانُ بِي”، وبعد أن ذكر بعضَ النقول عن بعض العلماء-: “فَحَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ النُّقُولِ وَالْأَحَادِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيٌّ بِجَسَدِهِ وَرُوحِهِ، وَأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ وَيَسِيرُ حَيْثُ شَاءَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَفِي الْمَلَكُوتِ وَهُوَ بِهَيْئَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ وَفَاتِهِ لَمْ يَتَبَدَّلْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَأَنَّهُ مُغَيَّبٌ عَنِ الْأَبْصَارِ كَمَا غُيِّبَتِ الْمَلَائِكَةُ مَعَ كَوْنِهِمْ أَحْيَاءً بِأَجْسَادِهِمْ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ رَفْعَ الْحِجَابِ عَمَّنْ أَرَادَ إِكْرَامَهُ بِرُؤْيَتِهِ رَآهُ عَلَى هَيْئَتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا، لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا دَاعِيَ إِلَى التَّخْصِيصِ بِرُؤْيَةِ الْمِثَالِ”        [السيوطي، الحاوي للفتاوي، الفتاوى الصوفية تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت – لبنان: 1424ھ – 2004م، ج2 ص319].

 

  • وقال السيوطي أيضاً: “الذين رأيتهم من أرباب الأحوال يقولون بالثاني، وبه صرح الغزالي فقال: ليس المراد أنه يرى جسمه وبدنه بل يرى مثالاً له… ولا يمتنع رؤية ذاته الشريفة بجسده وروحه؛ وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم وسائرُ الأنبياء أحياء ردت إليهم أرواحهم بعد ما قبضوا وأذن لهم بالخروج من قبورهم والتصرف في الملكوت العلوي والسفلي”   [المصدر السابق: (2/263)].

والغريبُ أنّه نُقِلَ عن الإمام السيوطي رؤيتُه للنّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم يقظةً عدّة مرات، ومع ذلك فإنّه لم يجزم بحقيقة ما رأى، أي: هل رأى ذاتَه صلى الله عليه وسلم على الحقيقة، أم أنّه رأى مثالاً لها؟

فلقد ذكر ابنُ عماد، أنّ الشيخ عبد القادر الشاذلي سأل السيوطي: “قلت له: كم رأيت النبي يقظة؟ فقال: بضعا وسبعين مرة”    [شذرات الذهب في أخبار من ذهب، دار الكتب العلمية، ج8 ص54].

  • تنبيه: إنّ قولَ السيوطي: “ولا يمتنع رؤية ذاته الشريفة بجسده وروحه” -الذي سبق ذكرُه-، فيه ردٌّ على مَن أنكرَ أنْ يكونَ أحدُ المجيزين للرؤية يقظةً، قد قال برؤية جسدِ النَّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم ورُوحِه في اليقظة.

وَسُئِلَ ابنُ حجرَ الهيتمي -بالتاء المثناة- (ت: 973ھ): هَل تُمْكِن رُؤْيَةُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي الْيَقَظَة؟ فَأجَاب بقوله: أنكر ذَلِك جمَاعَة وَجوزهُ آخَرُونَ، وَهُوَ الْحق، فقد أخبر بذلك من لايُتَّهَمُ من الصَّالِحين؛ بل اسْتدلَّ بِحَدِيث البُخَارِيّ «من رَآنِي فِي الْمَنَام فسيراني فِي الْيَقَظَة»، أَي: بعيْنَيْ رَأسِه، وَقيل بِعَين قلبِه.   [الفتاوى الحديثية، دار الفكر، ص 212].

وَسُئِلَ أيضاً: هَل يُمكن الْآن الِاجْتِمَاعُ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْيَقَظَة والتّلقي مِنْهُ؟ فَأجَاب بقوله: نعم يُمكن ذَلِك، فقد صرح بِأَن ذَلِك من كرامات الْأَوْلِيَاء الْغَزالِيّ والبارزي والتاج السُّبْكِيّ والعفيف اليافعي من الشَّافِعِيَّة والقرطبي وَابْن أبي جَمْرَة من الْمَالِكِيَّة. [المصدر السابق، ص 211].

  • تنبيه: المعروف عن الإمامِ القرطبي أنّه قال بِعدم إمكانيّة رؤيةِ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في اليقظةِ، وسيأتي مناقشةُ موقف القرطبي من هذه المسألة.

وقال الشيخُ المُلّا علي القاري (ت: 1014ھ): “ونحن نعلم أنه صلى الله عليه وسلم حَيٌّ في قبره يصلي، وإذا أُكرِم إنسان بوقوع بصره عليه صلى الله عليه وسلم، فلا مانع من أن يكون بمحادثته ومكالمته وسؤاله عن الأشياء وأنه يجيبه عنها”     [جمع الوسائل شرح الشمائل للترمذي (2\299)].

وقال الإمامُ المَنّاوي (ت: 1031ھ) في «فيض القدير، شرح الجامع الصغير» -عند شرحه للحديث (طوبى لمن رآني)-: “والعارفون يرونه في عالم الحس يقظة، حتى قال الشيخ أبو العباس المرسي: لو احتجب عني رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم طرفةَ عين ما عددت نفسي من الفقراء -وفي رواية: من المسلمين-، وكان بعضهم يعيد كل صلاة غفل فيها عن شهوده ولو سهواً ويقول: من توارى عنه شهوده في صلاته ولم يصافحه فيها فهي خداج”    [فيض القدير الجزء الرابع/ حرف الطاء].

وقال الآلوسي الكبير (ت: 1270ھ) -عند تفسيره لقوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ}– في تفسيره (روح المعاني): “والذي يغلب على الظن أن رؤيته صلى الله عليه وسلم بعد وفاته بالبصر ليست كالرؤية المتعارفة عند الناس من رؤية بعضهم لبعض، وإنما هي جمعية حالية وحالة برزخية وأمر وجداني لا يدرك حقيقته إلا من باشره، ولشدة شبه تلك الرؤية بالرؤية البصرية المتعارفة يشتبه الأمر على كثير من الرائين فيظنّ أنّه رآه صلى الله عليه وسلم ببصره الرؤية المتعارفة وليس كذلك، وربما يقال إنهّا قلبية ولقوتها تشتبه بالبصرية.

والمرئي إما روحُه عليه الصلاة والسلام التي هي أكمل الأرواح تجرداً وتقدساً، بأن تكون قد تطورت وظهرت بصورة مرئية بتلك الرؤية مع بقاء تعلقها بجسده الشريف الحي في القبر السامي المنيف على حد ما قاله بعضهم، مع أن جبريل عليه السلام مع ظهوره بين يدي النبيّ عليهم الصلاة والسلام في صورة دحية الكلبي أو غيره لم يفارق سدرة المنتهى؛ وإما جسدٌ مثالي تعلقت به روحه صلى الله عليه وسلم المجردة القدسية، ولا مانع أن يتعدد الجسد المثالي إلى ما لا يحصى من الأجساد مع تعلق روحه القدسية، عليه من الله تعالى ألف ألف صلاة وتحية بكل جسد منها، يكون هذا التعليق من قبيل الواحدة بأجزاء بدون واحد ولا تحتاج في إدراكاتها وإحساساتها في ذلك التعلق إلى ما تحتاج إليه من الآلات في تعلقها بالبدن في الشاهد”.

وقال الشيخ محمد بن محمد درويش، أبو عبد الرحمن الحوت الشافعي (ت: 1277ھ): “ثمَّ أَن كثيرا من الصَّالِحين يَقُول: إِنَّه يرى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقظة وَلَا يُنكر هَذَا مِنْهُم، وَإِنَّمَا هِيَ رُؤْيَة روحانية لَا جسمانية؛ وَلذَلِك يرَاهُ الْبَعْض دون الْبَعْض فِي الْمَكَان الْوَاحِد، وَلَو كَانَ بجسمه لرآه كل أحد؛ لِأَن رُؤْيَة الْجِسْم لَا تتَوَقَّف على صَلَاح التَّقْوَى، بل رَآهُ الْكفَّارُ فِي حياته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وشرارُ الْخلق وخيارُهم. وَاعْلَم أَن الشَّيْطَان لَا يُمكنهُ أَن يتَمَثَّل بِصُورَة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَهَذَا لطفٌ وكرامةٌ من الله تَعَالَى زِيَادَة فِي حفظهم وعصمتهم مِنْهُ حَتَّى لَا يقدر على التشكل بشكلهم فَإِذا أكْرم الله عبدا بِرُؤْيَة رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقظة يمثل لَهُ نوره الشريف بِصُورَة جِسْمه الْكَرِيم، وَرُبمَا ظَنّه الرَّائِي أَنه الْجِسْم الشريف لغَلَبَة الْحَال” [أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب، محمد بن محمد درويش، أبو عبد الرحمن الحوت الشافعي، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية – بيروت الطبعة: الأولى، 1418 هـ -1997م، ج1 ص357].

وقال الشيخ المُفتي عبد اللطيف عبد الغني حمزة: “غيرَ أنه لا بد من التنبيه إلى أن المرئي هو نوره صلى الله عليه وآله وسلم، متمثلًا في جسده الشريف، بحيث يظن الرائي أنه الجسم الشريف؛ لغلبة الحال وليس هو حقيقة”      [دار الإفتاء المصرية، رقم الفتوى: 4536، بتاريخ: 21/06/1981 /هل يجوز للأولياء والصالحين رؤية رسول الله؟].

وقال الدكتور علي جمعة: “ورؤيته صلي الله عليه وسلم لا تعد إلا أن تكون انكشافًا للولي عن حاله الذي هو في قبره صلي الله عليه وسلم يقظة…

وقد تكون الرؤيةُ رؤيةَ صورةِ النبي صلي الله عليه وسلم الحقيقية، بمعنى: أن النبي صلي الله عليه وسلم في مكانه في روضته الشريفة، والرائي رأى صورته الشريفة وتسمى صورة من عالَم المثال، وذلك ينتج من كثرة المحبة والتفكير في شخصه الشريف صلي الله عليه وسلم”.

وزعم البعضُ أن النّبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يمُتْ، وأنّ موتَه ما هو إلّا تستُّرُه عمّن لا يفقه عن الله!

وزعم آخرون أنه صلى الله عليه وسلم يحضر كل مجلس أو مكان أراد بجسده وروحه، ويسير حيث شاء في أقطار الأرض في الملكوت وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته.     [عمر الفوتي (رماح حزب الرحيم) (1/210) بهامش (جواهر المعاني)].

وهناك من زعم أنّ له صلى الله عليه وسلم مقدرةً على التشكل والظهور في صور مشايخ الصوفية. [عبد الكريم الجيلي، الإنسان الكامل، (2/74-75)].

وزعم بعضُهم أن المراد برؤيته يقظة القلب لا يقظة الحواس الجسمانية. [الشعراني، الطبقات الكبرى، نقلاً عن محمد المغربي الشاذلي].

وذهب آخرون إلى أن الاجتماع بالنبي صلى الله عليه وسلم يكون في حالة بين النوم واليقظة.[الشعراني (ت: 973ھ)، الطبقات الصغرى، ص89].

  • وقفة نقدية: حسب هذه التعاريف نلاحظ أنّ هناك اختلافاً كبيراً في المقصود برؤية النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم يقظةً: هل هي رؤيةٌ لذاته على الحقيقة؟ أم هي رؤية لمثال لها؟ أم هي رؤيةٌ لروحه؟ واختلفوا أيضاً: هل هذه الرؤية تكون بالقلب أم بالبصر؟ فحصل بذلك اضطرابٌ في كيفية الرؤية وحقيقتها. واضطراب الأقوال – في ميزان النَّقْد العلمي- يُسقِطُ الأخذَ بها عند عدم إمكانية الجمع بينها، أو الترجيح بينها.

وفي علوم الحديث، يُعتَبَرُ الحديث المضطرب من الأحاديثِ الضعيفة غير المقبولة؛ والحديث المضطرب اصطلاحًا: هو الحديث الذي يُروَى من قِبَلِ راوٍ أو رُوَاة متعددين، على أوجه مختلفةٍ متساويةِ القوة، بحيث لا يمكن الترجيح بينها، ولا الجمع بينها. وهذا الاختلاف مشعرٌ بعدم ضبط الراوي أو الرواة؛ إذ يشترط في قبول الحديث كون الراوي ضابطًا.

فالاضطراب قد يقع من راو واحد، بأن يَرْوِيَ الحديثَ على أوجه مختلفة، وقد يقع من جماعة، بأن يَرويَ كلٌّ منهم الحديثَ على وجه يخالف رواية الآخرين؛ قال الشيخ الدكتور يوسف الجديع -عند تناوله لمبحث (الحديث المضطرب)-: “فهذا وإن لم نجزم بخطأ أحدٍ من رواته، لكن الخطأ موجود من راوٍ أو أكثرَ مِن غير تعيين” [تحرير علوم الحديث، عبد الله بن يوسف الجديع، مؤسسة الريان، بيروت – لبنان/ الطبعة: الأولى، 1424 هـ – 2003 م، ج 2 ص1029].

وإذا زعم بعضُ المُجيزين لِلرُّؤية يقظةً، أنّهُ يمكنُ الترجيحُ بين هذه الأقوال المضطربة أو الجمعُ بينها، فعليه أنْ يبين لنا كيف يمكن أنْ يتمَّ ذلك؟ وهل يسوغ لنا أنْ نأخذَ بقولِ أحدهم ونرفضَ الأقوالَ الأخرى بدون بيِّنةٍ ولا برهان؟

إنّ المتبادرَ إلى الأذهان هو أنّ  رؤْيَة النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في اليقظة، تعني رؤية البدن والروح خارجَ القبر، بِعيْنَيْ الرّأس في حالة اليقظةِ لا النّوم. وأمّا المعاني الأخرى فيستعصي على الذهن فهمُها؛ ويمكن أن نلاحظَ أنّ أكثر الذين ينكرونها يُفهَمُ من كلامهم أنهم ينكرون رؤية البدن والروح خارجَ القبر، بِعيْنَيْ الرّأس في حالة اليقظةِ.

إن هذا الاختلافَ الذي حصل حول معنى (الرؤية يقظةً)، وغموض بعض معانيها، يُصعِّبُ على الباحث حسمَ الخلاف بين المجيزين للرؤية والمانعين لها. ومن المعلوم أنّ من أسباب اختلاف العلماء حول مسألةٍ ما، غموضُ الموضوع في ذاته، وغموضُ موضع النزاع. [انظر: تاريخ الجدل، الإمامُ محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، ط 2010م، ص7-8].

ولقد حاولَ العلاّمةُ المُلا الهروي القاري (ت: 1014ھ) أن يرفع هذا الإشكالَ فقال: “فَإِنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَكَانَ يَجِبُ الْعَمَلُ بِمَا سَمِعُوا مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ وَإِثْبَاتٍ وَنَفْيٍ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إِجْمَاعًا كَمَا لَا يَجُوزُ بِمَا وَقَعَ فِي حَالِ الْمَنَامِ، وَلَوْ كَانَ الرَّائِي مِنْ أَكَابِرِ الْأَنَامِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّ مَنْ رَآهُ يَأْمُرُ بِقَتْلِ مَنْ يَحْرُمُ قَتْلُهُ كَانَ هَذَا مِنَ الصِّفَاتِ الْمُتَخَيَّلَةِ لَا الْمَرْئِيَّةِ، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَحْمِلَ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ أَيْضًا عَلَى رُؤْيَةِ عَالَمِ الْمِثَالِ أَوْ عَالَمِ الْأَرْوَاحِ، كَمَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ عَنِ الْإِمَامِ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَبَعْدَ حَمْلِنَا عَلَى عَالَمِ الْمِثَالِ فَيَزُولُ الْإِشْكَالُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَإِنَّ الْأَوْلِيَاءَ فِي عَالَمِ الدُّنْيَا مَعَ ضِيقِهَا، قَدْ يَحْصُلُ لَهُمْ أَبْدَانٌ مُكْتَسَبَةٌ وَأَجْسَامٌ مُتَعَدِّدَةٌ، تَتَعَلَّقُ حَقِيقَةُ أَرْوَاحِهِمْ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَبْدَانِ، فَيَظْهَرُ كُلٌّ فِي خِلَافِ آخَرَ مِنَ الْأَمَاكِنِ وَالْأَزْمَانِ، وَحِينَئِذٍ لَا نَقُولُ بِأَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُضَيَّقٌ عَلَيْهِ فِي عَالَمِ الْبَرْزَخِ بِكَوْنِهِ مَحْصُورًا فِي قَبْرِهِ، بَلْ نَقُولُ إِنَّهُ يَجُولُ فِي الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ وَالْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ، فَإِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ مَعَ أَنَّ مَرْتَبَتَهُمْ دُونَ مَرْتَبَةِ الْأَنْبِيَاءِ إِذَا كَانَتْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ تَعُودُ إِلَى قِنْدِيلٍ مُعَلَّقَةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ، وَفِي مَحَلِّهِ مُحَرَّرٌ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ قُبُورَهُمْ خَالِيَةٌ عَنْ أَجْسَادِهِمْ، وَأَرْوَاحَهُمْ غَيْرُ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَجْسَامِهِمْ؛ لِئَلَّا يَسْمَعُوا سَلَامَ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ. وَكَذَا وَرَدَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يُلَبُّونَ وَيَحُجُّونَ، فَنَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى بِهَذِهِ الْكَرَامَاتِ، وَأُمَّتُهُ مُكْرَمَةٌ بِحُصُولِ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ الْأَهْدَلِ وَغَيْرِهِ فَتَأَمَّلْ”    [جمع الوسائل في شرح الشمائل، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري، نشر: المطبعة الشرفية – مصر، طبع على نفقة مصطفى البابي الحلبي وإخوته، ج2 ص238].

عالمُ المثالِ الذي ذكره الإمامُ القاري، اختَلَفَ في القول به الذين يُجَوِّزُون الرّؤيةَ في اليقظةِ، وهو يحتاجُ إلى تحديد معناه الحقيقي. ومحاولةُ الإمامِ القاري هذه لا يمكن أن ترفعَ هذا الإشكال، فهو يقول: “فَالشَّكْلُ الْمَرْئِيُّ لَيْسَ رُوحَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا شَخْصَهُ بَلْ مِثَالَهُ”، وقال أيضاً: “وَكَذَا قَوْلُهُ (فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ) لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَرَى جِسْمِي وَبَدَنِي”؛ فالرّائي لا يرى بدن النَّبيِّ ولَا رُوحَه، ولكنّه قال بعد ذلك: “فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَحْمِلَ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ أَيْضًا عَلَى رُؤْيَةِ عَالَمِ الْمِثَالِ أَوْ عَالَمِ الْأَرْوَاحِ”!

وهنا نتساءلُ: هل يعني أن عالَمَ المثال هو عالمُ الأرواح؟ إنّ هذا يُفهَمُ منه إمكانيةُ رؤيةِ روح النَّبيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم، وهو ما نفاه مِن قبل؛ ثُمّ إنّه أراد أنْ يُقرِّبَ لنا فهْمَ ما يقوله، فضرب مثلاً بالأولياء، وقال: “قَدْ يَحْصُلُ لَهُمْ أَبْدَانٌ مُكْتَسَبَةٌ وَأَجْسَامٌ مُتَعَدِّدَةٌ، تَتَعَلَّقُ حَقِيقَةُ أَرْوَاحِهِمْ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَبْدَانِ”.

فهو يزعمُ أنّ هؤلاء الأولياء أرواحُهم لها القدرةُ على التعلق بأجسام أخرى غير أجسامهم، وكذلك روح النَّبيِّ لها القدرةُ على التعلق بمثاله صلّى اللّهُ عليه وسلّم. ولكن هذه من الأمور الغيبية، فأين الدليلُ عليها من النّصوص الشرعية؟ وأين الدليلُ على أنّ الأولياءَ يَحْصُلُ لَهُمْ أَبْدَانٌ مُكْتَسَبَةٌ وَأَجْسَامٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْ دون عامّة النّاسِ؟

ويبدو أن صعوبة التفريق بين ذات النبي والمثال، هي التي جعلت الإمامَ السيوطي يرى أنّه لَا دَاعِيَ إِلَى التَّخْصِيصِ بِرُؤْيَةِ الْمِثَالِ، كما رأينا سابقاً.

  • ثانيا: هل وقع اتفاق حول إمكانية الرؤية يقظةً؟

لقد وقع اختلافٌ في هذه المسألةِ، لا كما قال الشيخُ النّفراوي: “يجوز رؤيتُه عليه الصَّلاةُ والسلامُ في اليقظة والمنام باتِّفاق الحُفّاظ” [الفواكه الدواني، للنفراوي، ج2 ص 360]، فهذا غيرُ صحيح؛ وهذه المسألة فيها رأيان:

– الرأيُ الأوّل: الرّؤيةُ يقظةً غيرُ ممكنة:

ومِمّن أنكر هذه الرُّؤْيَةَ: القشيري (ت: 465ھ)، والقاضي ابن العربي (ت 543ھ)، وابن الجوزي (ت: 597ھ)، والقرطبي (ت: 671ھ)، وابن تيمية (ت: 728ھ)، والحافظ ابن حجر العسقلاني (ت: 852ھ)، والحافظ السخاوي (ت: 902ھ)، والشيخ محمود شكري الآلوسي الحفيد (ت: 1342ھ)، والشيخ رشيد رضا (ت: 1354ھ).

واسْتُدِلَّ على عدم إمكانية وقوع هذه الرُّؤْيَةِ بأدلّة، منها:

  • الدليلُ الأوّل: عدم وجود دليل صريح من الكتاب أو السُّنَّةِ، يُثْبِت إمكانيةَ رُؤيةِ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في اليقظة:

أ) قال أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحُزن الصحابة عليه واضطرابهم-: “ألَا مَن كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فإنَّ مُحَمَّدًا قدْ مَاتَ، ومَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فإنَّ اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، وقَالَ: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30]، وقَالَ: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144]” [رواه البخاري].

إنّ قوْلَ أبِي بَكْرٍ: ” فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ”، وقَبولَ الصحابة قوله، يدلُّ على عدم وجود نصٍّ من الكِتاب أو السُّنَّةِ، يقول بِإمكانية رؤيةِ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في اليقظةِ بعد وفاتِه؛ ولو وُجِدَ نصٌّ يدلُّ على ذلك، لذكره أبو بكر وقال للصحابة: “لِمَ هذا الفزع؟ ألمْ يعدْكم ربُّكُم -أو نبيُّكم- أنكم سترونه في اليقظةِ، بعد موته؟”

ولا يمكن أن يغيبَ هذا النَّصُّ -لو كان موجوداً- عن جميع الصحابة، ويكْتُمونه؛ لأنّ فيه تخفيفاً كبيراً مِن مصيبةِ موت نبيِّهم العظيم، وانقطاعِ الوَحْي.

ويُؤكِّدُ الدكتورُ إسماعيل المقدم: “أن رؤية النبي صلى اللَّه عليه وسلم يقظة من باب العقائد، والعقائدُ مبنيةٌ على التوقيف، فلا يُجزَمُ بنفي شيء أو إثباته إلّا بدليل يصح الاعتمادُ عليه، ولمْ يَرِدْ في الكتاب ولا في السنة ما يدل على إثباتها” [كتاب أصول بلا أصول، محمد إسماعيل المقدم، ج1 ص154].

وأمّا الشيخُ رشيد رضا فإنّه استبعد إمكانيةَ رؤيةِ النبيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم يقظةً، بسبب ما يرويه المُجيزون من روايات تُخالف نصوص الكتاب والسُّنَّةِ؛ وقال في (فتاويه: 6/2385): “والدليل على صحة القول بأن ما يدَّعُونه كذب أو تخيُّل، ما يروونه عنه صلى الله عليه وسلم في هذه الرؤية وبعض الرؤى المنامية مما تختلف باختلاف معارفهم وأفكارهم ومشاربهم وعقائدهم. وكون بعضه مخالفًا لنص كتاب الله وما ثبت من سنته صلى الله عليه وسلم ثبوتًا قطعيًا، ومنه ما هو كفر صريح بإجماع المسلمين”.

وعلى سبيل المثال، نقل عبد الوهاب الشعراني عن أبي المواهب الشاذلي قولَه: “رأيت رسول الله صلى اللَّه عليه وسلم، فقال لي عن نفسه: لستُ بِمَيِّت، وإنما موتي تستُّري عمن لا يفقه عن الله، فها أنا أراه ويراني”!

وهذا معناه أنّ موْتَ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم ليس كموْتِ سائِرِ النّاسِ، وهذا تكذيبٌ لقوله تعالى لنبِيِّه: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} [الزمر: 30].

قال الماوَرِدي (450 ھ) في تفسيره: “قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: }إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ} هَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم أخْبَرَ بِمَوْتِهِ ومَوْتِهِمْ، فاحْتَمَلَ خَمْسَةَ أوْجُهٍ:

 

  • أحَدُها: أنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ تَحْذِيرًا مِنَ الآخِرَةِ.
  • الثّانِي: أنْ يَذْكُرَهُ حَثًّا عَلى العَمَلِ.
  • الثّالِثُ: أنْ يَذْكُرَهُ تَوْطِئَةً لِلْمَوْتِ.
  • الرّابِعُ: لِئَلّا يَخْتَلِفُوا في مَوْتِهِ كَما اخْتَلَفَتِ الأُمَمُ في غَيْرِهِ حَتّى إنَّ عُمَرَ لَمّا أنْكَرَ مَوْتَهُ احْتَجَّ أبُو بَكْرٍ بِهَذِهِ الآيَةِ فَأمْسَكَ.
  • الخامِسُ: لِيُعَلِّمَهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ سَوّى فِيهِ بَيْنَ خَلْقِهِ مَعَ تَفاضُلِهِمْ في غَيْرِهِ لِتَكْثُرَ فِيهِ السَّلْوى وتَقِلَّ الحَسْرَةُ.

 

وَمَعْنى إنَّكَ مَيِّتٌ أيْ سَتَمُوتُ، يُقالُ مَيِّتٌ بِالتَّشْدِيدِ لِلَّذِي سَيَمُوتٌ، ومَيْتٌ بِالتَّخْفِيفِ لِمَن قَدْ ماتَ”.

وقال الزمخشري (538ھ) في تفسيره «الكشاف»: “كانوا يتربصون برسول الله صلّى اللّهُ عليه وسلّم موته، فأخبر أن الموت يعمهم، فلا معنى للتربص، وشماتة الباقي بالفاني”.

وقال ابنُ جُزَيّ (742ھ) في تفسيره: ” {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} في هذا وَعْد للنبي صلّى اللّهُ عليه وسلّم، ووعيد للكفار، فإنهم إذا ماتوا جميعاً وصاروا إلى الله فاز من كان على الحق وهلك من كان على الباطل، وفيه أيضاً إخبار بأنه صلّى اللّهُ عليه وسلّم سيموت، لئلا يختلف الناس في موته كما اختلفت الأمم في غيره”.

ونقل عبد الوهاب الشعراني عن أبي المواهب الشاذلي -أيضاً- قولَه: “قلت لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: إنّ الناس يكذِّبونني في صحة رؤيتي لك، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: وعزة الله وعظمته، من لم يؤمن بها أو كذبك فيها لا يموت إلا يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو مجوسيًّا”! [الطبقات الكبرى، للشعراني (2/ 69)].

هذا الكلامُ فيه تكفيرٌ لجميع الأئِمّة الأعلام، الذين أنْكروا رؤيتَه صلّى اللّهُ عليه وسلّم يقظةً بعد موته، ولا شكّ أنّه كذِبٌ على رسول اللّهِ صلّى اللّهُ عليه وسلّم، إذْ لا يجوز للنّبِيِّ أنْ يُخْفِيَ مثل هذا الحكم الخطير عنْ الصحابة الكرام، ولا يخبرَ به إلّا بعد موته!

والكذبُ على النَّبيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن أعظم الكبائر، فعَنْ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة قَالَ: سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: “إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى غَيْرِي، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَده مِنْ النَّار” [متفق عليه].

‏ وعَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَده مِنْ النَّار” [متفق عليه].

وعَنْ سَلَمَة بْن الْأَكْوَع قَالَ: سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: “مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَده مِنْ النَّار” [رواه الْبُخَارِيّ].

  • وردَّ المجيزون للرؤية يقظةً هذا الدليل، بما يأتي:

 – أولا:  يرى بعضُهم أنّه يوجد دليلٌ من السُّنَّةِ على إمكانية رؤيةِ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في اليقظةِ، قال الإمامُ السيوطي: “وَبَعْدُ: فَقَدْ كَثُرَ السُّؤَالُ عَنْ رُؤْيَةِ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْيَقَظَةِ، وَإِنَّ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ مِمَّنْ لَا قَدَمَ لَهُمْ فِي الْعِلْمِ بَالَغُوا فِي إِنْكَارِ ذَلِكَ وَالتَّعَجُّبِ مِنْهُ وَادَّعَوْا أَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ. فَأَلَّفْتُ هَذِهِ الْكُرَّاسَةَ فِي ذَلِكَ وَسَمَّيْتُهَا: تَنْوِيرُ الْحَلَكِ فِي إِمْكَانِ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ وَالْمَلَكِ، وَنَبْدَأُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ: أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وأبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي)” [كتاب الحاوي للفتاوي، السيوطي/ تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك: ج2 ص307].

وقال الشيخُ الآلوسي الكبير في تفسيره «روح المعاني» -عند تفسيره لقوله تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَاۤ أَحَدࣲ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِیِّـۧنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیمࣰا} [الأحزاب 40]-: “وفي «تنوير الحَلَك» لجلال الدين السيوطي، الذي رد به على منكري رؤيته صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في اليقظة، طَرَف مُعْتَدٌّ به من ذلك؛ وبدأ في الاستدلال على ذلك بما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود…”.

وأكثرُ الذين يُجَوِّزون رؤية النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم يقظةً، يستدلون بهذا الحديث، الذي أورده السيوطي؛ وسيأتي الكلامُ عليه.

 – ثانيا: وقال بعضُهم ما ملخّصه: “إنّ القولَ بعدم وجود دليل من الكتاب أو السُّنَّةِ على إمكانية وقوع هذه الرؤية، ليس دليلاً على عدم إمكانياتها؛ لأنّها تُعدّ من الكرامات، وهي ممكِنةٌ، والمُمْكِن الذي يدخل تحت القدرة الإلهية لا يجوز إخراجه إلّا بِنصٍّ صريح”. وسيأتي مناقشةُ هاتين المسألتيْن.

تنبيه: القولُ بعدم وجودِ أدِلّةٍ على إمكانية الرُّؤيةِ يقظةً، ليس دليلاً -أيضاً- على عدمِ وجودِ أدِلّةٍ على عدمِ إمكانياتها.

  • الدليلُ الثاني: انتهاءُ مهمّةِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِموْتِه.

والدليلُ على ذلك قولُه تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران: بعضُ آية 144].

قال الإمامُ الرازي في تفسيره: “{وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ} فَسَيَخْلُو كَما خَلَوْا، وكَما أنَّ أتْباعَهم بَقُوا مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِهِمْ بَعْدَ خُلُوِّهِمْ، فَعَلَيْكم أنْ تَتَمَسَّكُوا بِدِينِهِ بَعْدَ خُلُوِّهِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ مِن بِعْثَةِ الرُّسُلِ تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ وإلْزامُ الحُجَّةِ، لا وُجُودُهم بَيْنَ أظْهُرِ قَوْمِهِمْ أبَدًا”.

فالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلّغ الرسالة كاملةً، كما جاء في قوله تعالى: {ٱلیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی وَرَضِیتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَـٰمَ دِینࣰا} [المائدة: جزء من الآية 3].

وبعد موته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ترك لنا الكتاب والسُّنَّةِ؛ قال عليه الصلاةُ والسّلامُ في خطبته في حجّة الوداع: “وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ.” [رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة، وابن أبي شيبة  وابن حبان والبيهقي والطحاوي في (مشكل الآثار)].

وروى الإمام مالك بلاغاً أن رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ”.

قال الإمامُ ابنُ عبدِ البرّ عند شرحه لهذا الحديث: “وَهَذَا مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، شُهْرَةً يَكَادُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ، وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ أَحَادِيثُ مِنْ أَحَادِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَمْرِو بْنِ عَوْفٍ” [التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ابن عبد البر (ت: 463ھ) تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي  محمد عبد الكبير البكري الناشر: وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية – المغرب عام النشر: 1387 هـ، ج24 ص331، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (2937)].

وقال النّبِيُّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم: “وإنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ، وإنَّ الأنبياءَ لم يُورِّثُوا دينارًا ولا درهمًا، ورَّثُوا العِلمَ، فمن أخذَه أخذ بحظٍّ وَافِرٍ” [أخرجه أبو داود واللفظ له، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد، وصحّحه الألباني في صحيح أبي داود].

لقد ماتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخرج من هذه الدنيا، ولمْ يذهبْ هديُه، وفي الحديث الصحيح: “إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له” [رواه مسلم في كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته 3/ 1255 (1631)].

قال الإمامُ النّووي في شرحه: “قال العلماء: معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته، وينقطع تجدد الثواب له إلّا في هذه الأشياء الثلاثة؛ لكونه كان سببها؛ فإن الولد من كسبه، وكذلك العلم الذي خلفه من تعليم أو تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية، وهي الوقف”.

فلا حاجةَ إذن إلى وجودِ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم بَيْنَ أظْهُرِ المسلمين بعد أن مات وترك فينا كتابَ اللّهِ وسُنّتَه، ففيهما النجاةُ والهدايةُ والكفاية، ولَنْ نَضِلَّ بَعْدَهُما إِنِ اعْتَصَمْنا بِهِما.

ولا حاجةَ أيضاً لاجتماع روح النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم بأرواح كِبار الأئِمّة؛ لكي تسألَه عن كل شيء توقّفَتْ فيه من الأدلة -كما زعم بعضُهم- بعد أنْ أكمل مهمته، وانتقل إلى جوار ربه.

وقفة: نعم، لقد ثبت أن صلاة المسلمين على النبي صلى الله عليه وسلم تبلغه وتُعرَض عليه، ولكنْ صلواتُهم تبلغه عن طريق الملائكة، لا مباشرةً كما يعتقد البعضُ؛ فعَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: “قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ، قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ -يَقُولُونَ: بَلِيتَ-؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ” [رواه أبو داود، والنسائي، وصححه الألباني في «إرواء الغليل» (1 / 34)].

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ” [رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصحّح إسناد أبي داود الشيخ شعيب الأرناؤوط، وصحح إسناد الإمامِ أحمدَ الشيخُ المحدث أحمد شاكر، وصحح إسناد النسائي الشيخُ المحدث الألباني في “سلسلة الأحاديث الصحيحة” (6 / 842)].

ولمْ يثبت أنّ أعمالاً أخرى -غير الصلاة والسلام- تصل النّبِيَّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم، جاء في موقع (الإسلام سؤال وجواب)، جواباً عن السؤال رقم 296459 الذي جاء فيه (هل تعرض أعمالنا على النبي صلى الله عليه وسلم؟): “وأما غير هذا من الأعمال فلا يُعرَفُ في نصوصِ الوحيِ نصٌّ صحيحٌ يدل على أنها تعرض عليه. وإنما حديث ابن مسعود السابق الذكر رواه البزار بزيادة في آخره تحتوي على أن أعمال الأمة تعرض عليه؛ حيث قال البزار في مسنده (5 / 308): “حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: نا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ يُبَلِّغُونِي عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ. قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ؛ تُحدثُونَ وَيُحدثُ لَكُمْ، وَوَفَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ؛ تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ، فَمَا رَأَيْتُ مِنَ خَيْرٍ حَمِدْتُ اللَّهَ عَلَيْهِ، وَمَا رَأَيْتُ مِنَ شَرٍّ اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ لَكُمْ. وَهَذَا الْحَدِيثُ آخِرُهُ لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ” انتهى.

ثُمّ إنّ هذا الحديث يعارضه ما هو أصح؛ وهو ما ثبت من حديث عدد من الصحابة رضوان الله عليهم؛ منهم ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ، ثُمَّ قَالَ: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ إِلَى آخِرِ الآيَةِ، ثُمَّ قَالَ: أَلاَ وَإِنَّ أَوَّلَ الخَلاَئِقِ يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، أَلاَ وَإِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلاَءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ» [وراه البخاري (4625) ، ومسلم (2860)]. انتهى ما جاء في موقع (الإسلام سؤال وجواب).

انظر: [https://www.google.com/ mp/s/islamqa.info/amp/ar/answers/296459 ].

فالنّبيُّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم لا يصِلُه من أعمال أمّته إلّا الصلاةُ والسّلامُ عليه، وتصلُه عن طريق الملائكة، لا مباشرةً؛ وهذا دليلٌ على عدم إمكانية وقوعِ لقاءِ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم بعد موته، ورؤيته في اليقظةِ.

  • الدليلُ الثالث: عدمُ ثبوت وقوعها لأحد من الصحابة أو التابعين:

قال العلاّمةُ والحافظ السخاوي: “لم يصل إلينا ذلك -أي: اِدِّعاءُ وقوعِها- عن أحد من الصحابة، ولا عَمّن بعدَهم؛ وَقدِ اشْتَدَّ حُزنُ فاطمةَ عليه‏ صلى الله عليه وسلم؛ حتى ماتت كَمَداً بعده بستة أشهر على الصحيح، وبيتُها مجاور لضريحه الشريف، ولم يُنقل عنها رؤيتُه في المدة التي تأخَّرَتْها عنه”. [نقل كلامَ السخاوي القسطلانيُّ في (المواهب اللدنية) (5/295)].

والذين يُجَوِّزون رؤيته صلّى اللّهُ عليه وسلّم يقظةً، يقولون بأنّ ذلك ينتج من كثرة المحبة والتفكير في شخصه الشريف صلّى الله عليه وسلم؛ فهل الذين قالوا إنّهم رأوه صلّى اللّهُ عليه وسلّم يقظةً، كانوا أشدَّ حُبّاً له من ابنته فاطمة الزهراء؟

ولقد ثبت عن عمرَ بنِ الخطابِ -رضي اللّهُ عنه- أنّه قال: “وَثَلَاثٌ أَيُّهَا النَّاسُ، وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ عَهِدَ إِلَيْنَا فِيهِنَّ عَهْدًا نَنْتَهِي إِلَيْهِ: الْجَدُّ، وَالْكَلَالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا” [متفق عليه].

ولم يثبت عنه أنّه انتظر رؤيةَ رسول اللّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقظةً ليُجيبَه عن هذه المسائل!

وبعضُ الذين يُجَوِّزون رؤيته صلّى اللّهُ عليه وسلّم يقظةً يقولون بأنّه “لا يَصِحُّ خروجُ شيءٍ من أقوال الأئمة المجتهدين عن الشريعة أبدًا عند أهل الكشف قاطبة؛ وكيف يصح خروجهم عن الشريعة مع اطلاعهم على مواد أقوالهم في الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، ومع اجتماع روح أحدهم بروح رسول الله صلي الله عليه وسلم، وسؤاله عن كل شيء توقفوا فيه من الأدلة”! [نقله الشيخ عليش عن علي الخواص في كتابه (فتح العلي المالك)، ج1 ص 92، 93].

فلماذا لمْ تجتمعْ روحُ عمر بن الخطاب بروح رسول الله صلّى الله عليه وسلم؛ ليسأله عن كلّ شيء توقّف فيه من الأدلة؟

  • وردّ المجيزون للرؤية يقظةً بما يأتي:

إنّ عدم وقوعها لأحد من الصحابة أو التابعين، ليس دليلاً على عدم إمكانية وقوعها لمن بعدهم؛ قال الآلوسي الكبير -في معرض ردِّه على هذا الكلام- في تفسيره (روح المعاني): “وبالجملة؛ عدمُ ظهورِه لأولئك الكرام وظهورُه لمن بعدَهم، مِمّا يحتاج إلى توجيه يَقنَع به ذَوُو الأفهام… أقول: إن تلك الرؤية من خوارق العادة كسائر كرامات الأولياء ومعجزات الأنبياء عليهم السلام، وكانت الخوارق في الصدر الأول لقرب العهد بشمس الرسالة قليلة جداً، وأنى يرى النجم… تحت الشعاع أو يظهر كوكب وقد انتشر ضوء الشمس في البقاع، فيمكن أن يكون قد وقع ذلك لبعضهم على سبيل الندرة ولم تقتض المصلحة إفشاءه، ويمكن أن يقال: إنه لم يقع لحكمة الابتلاء، أو لخوف الفتنة، أو لأن في القوم من هو كالمرآة له صلى الله عليه وسلم، أو ليهرع الناس إلى كتاب الله تعالى وسنته صلى الله عليه وسلم فيما يهمهم، فيتسع باب الاجتهاد، وتنشر الشريعة، وتعظم الحجة التي يمكن أن يعقلها كل أحد، أو لنحو ذلك… فإن قبل قولي هذا وتوجيهي لذلك الأمر فبها ونعمت، وإلا فالأمر مشكل فاطلب لك ما يحله، والله سبحانه الموفق للصواب”.

  • ويُرَدُّ عليه بما يأتي:

أ- قال أنسُ بنُ مَالِك -رضي اللّهُ عنه-: “لَمَّا كَانَ اليَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ: أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ. فَلَمَّا كَانَ اليَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ. وَمَا نَفَضْنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأَيْدِي، وَإِنَّا لَفِي دَفْنِهِ، حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا” [رواه الترمذي وقال: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ، وصحّحه الألباني].

قال ابن رجب الحنبلي: “لمّا تُوفي صلى الله عليه وسلم اضطرب المسلمون، فمنهم من دهش فخولط، ومنهم من أقعد فلم يطق القيام، ومنهم من اعتقلت لسانُه، فلم ينطق الكلام، ومنهم من أنكر موته بالكلية.” [لطائف المعارف، ص 110].

نَعم، لقد قلَّت الكرامات في عهد الصحابة لقُوّة إيمانهم؛ وكثرت بعدهم لضعفهم بالنسبة إلى الصحابة، قال الشيخُ ابنُ تيميةَ: “ومِمّا ينبغي أن يُعرَف: أنّ الكرامات قد تكون بحسب حاجة الرجل، فإذا احتاج إليها الضّعيفُ الإيمان أو المحتاجُ، أتاه منها ما يقوي إيمانه ويسد حاجته، ويكون من هو أكملُ ولايةً لِلّه منه مُستغنيا عن ذلك، فلا يأتيه مثل ذلك؛ لِعُلو درجته وغِناه عنها، لا لنقصِ ولايته؛ ولهذا كانت هذه الأمورُ في التابعين أكثرَ منها في الصحابة” [الفرقان: 69].

ولكنّ الصحابةَ -رضوانُ اللّهِ عليهم- كانوا أحْوَجَ النّاسِ إلى رؤيةِ نبيِّهم صلّى اللّهُ عليه وسلّم في اليقظةِ بعد موته، مِمّن سيأتي بعدَهم؛ لأنّهم ذاقوا لذّةَ النّظر إليه، والأُنسَ بمجالستِه وأحاديثه، وكانوا يعيشون في حالة ترقُّبِ أخبار السماء، وكانوا إذا ذكّرهم بالجَنّة والنّار، يرتفعُ إيمانُهم، ويصلُ إلى درجة كأنهم يرون الجنة والنار أمام أعينهم؛ قَال الصحابيُّ  حَنظلةُ لرسُول اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: “يا رسولَ اللَّهِ، نَكونُ عندَكَ تُذَكِّرُنا بالنَّارِ والجنَّةِ حتّى كأنَّا رأيَ عينٍ” [رواه مسلم وغيره]. ففراقُ النَّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم ليس من السهل على الصحابة تحمُّلُه، رغم قُوّةِ إيمانِهم، وصِدْق إخلاصهم.

ولقد وقعت للصحابة والتابعين بعدهم كراماتٌ كثيرةٌ وعظيمةٌ، فلقد نزلت الملائكة عند قراءة أسيد بن حضير سورة الكهف، وكانت الملائكة تسلم على عمران بن حصين، وكان سلمان وأبو الدرداء يأكلان في صحفة فسبّحت الصحفة أو سبّح ما فيها، وعباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة فأضاء لهما نور مثل طرف السوط فلما افترقا افترق الضوء معهما، وخبيب بن عدي كان أسيرا عند المشركين بمكة شرَّفها اللهُ تعالى وكان يُؤتَى بعنب يأكله وليس بمكةَ عنبةٌ، وخرجت أم أيمن مهاجرة وليس معها زاد ولا ماء فكادت تموت من العطش فلما كان وقت الفطر وكانت صائمة سمعت حسا على رأسها فرفعته فإذا دلو معلق فشربت منه حتى رويت وما عطشت بقية عمرها، وسفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر الأسد بأنه رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فمشى معه الأسد حتى أوصله مقصده، وخالد بن الوليد حاصر حصنا منيعا، فقالوا: لا نسلم حتى تشرب السم فشربه فلم يضره، وأبو مسلم الخولاني مشى هو ومن معه من العسكر على نهر دجلة، وطلبه الأسود العنسي لما ادعى النبوة فقال له: أتشهد أني رسول الله. قال ما أسمع قال أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال نعم فأمر بنار فألقي فيها فوجدوه قائما يصلي فيها وقد صارت عليه بردا وسلاما، وعامر بن عبد قيس دعا الله تعالى أن يهون عليه الطهور في الشتاء فكان يؤتى بالماء له بخار، وتغيب الحسن البصري عن الحجاج فدخلوا عليه ست مرات فدعا الله عز وجل فلم يروه، وصلة بن أشيم مات فرسه وهو في الغزو فقال: اللهم لا تجعل لمخلوق علي منة ودعا الله عز وجل فأحيا له فرسه، فلما وصل إلى بيته قال يا بني خذ سرج الفرس فإنه عارية فأخذ سرجه فمات الفرس، وكان مطرف بن عبد الله بن الشخير إذا دخل بيته سبحت معه آنيته، وكان هو وصاحب له يسيران في ظلمة فأضاء لهما طرف السوط. [انظر: (رياض الصالحين/ كتاب الدعوات/ باب كرامات الأولياء وفضلهم) للإمامِ النووي، والمَبحث: (ذكر بعض الكرامات التي وقعت للصحابة رضي الله عنهم)، على الموقع: https://www.google.com/amp/s/islamqa.info/amp/ar/answers/220765 ].

فلماذا حدَثَتْ لهم جميعُ هذه الكرامات العظيمة، رغم قُرب عهدهم بشمس الرسالة، وحُرِموا مِن رؤيةِ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم يقظةً بعد موته، وهم كانوا أحْوَجَ النّاسِ إلى رؤيته صلّى اللّهُ عليه وسلّم مِمّن سيأتي بعدَهم؟

إنّ البعدَ عن شمسِ الرِّسالة يمكن أنْ يُفسَّرَ به ظهور كثْرَةِ الكراماتِ، ولكنْ لا يمكن أنْ يُفسَّرَ به عدمُ وقوع رؤيةِ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم يقظةً للصّحابة رضوان اللّهِ عليهم!

ب- لقد علق على كلام الآلوسي الكبير السابق، حفيدُه العلاّمةُ محمود شكري الآلوسي، قائلاً: “وتوجيهه الذي وجه به غير مقبول، إذ لا يدل عليه كتاب ولا سنّة صحيحة، وليس الأمر مشكلاً إذا لم يقبل توجيهه كما زعمه، لأن غلط الحس كثير” [غاية الأماني في الرد على النبهاني، ج1 ص 296-297-298].

ويمكن أنْ نُعطيَ توجيهاً آخر، لتفسير عدمِ انتشار القول بظهورِ النَّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم يقظةً، لأولئك الصحابة والتابعين الكرام، وظهوره لمن بعدَهم؛ بأن نقول: إنّ عدم نقلِ أي خبر على وقوعِ الرؤية يقظةً عن أحد من الصحابة، ولا عَمّن بعدَهم في الصدر الأول؛ راجِعٌ إلى أنّهم كانوا قريبي العهد بشمس الرسالة، وقُربُهم بهذا العهد حفِظهم من تلاعب الشيطان بعقولِهم وأبصارهم؛ لِقُوَّةِ إيمانِهم، ومعرفتهم الدقيقة بأوصافِ نبِيِّهم صلّى اللّهُ عليه وسلّم كأنّهم يرونه رأيَ العين.

وأمّا انتشارُ ادِّعاء ظهوره لمن بعدَهم، فهو راجعٌ إلى سهولة تلاعب الشيطان بعقولهم وأبصارهم؛ لبعدهم عن شمس الرسالة. وذكر مِثلَ هذا التوجيه الشيخُ ابنُ تيميةَ بقوله: “والمقصودُ أنّ الصحابةَ -رضوانُ اللهِ عليهم- لم يطمعِ الشيطانُ أن يُضلَّهم كما أضلَّ غيرَهم مِن أهل البدع الذين تأوّلوا القرآن على غير تأويله، أو جهلوا السُّنَّةَ، أو رأوا وسمعوا أمورًا من الخوارق فظنّوها من جنس آيات الأنبياء والصالحين، وكانت من أفعال الشياطين” [مجموع الفتاوى، ج27 ص390 وما بعدها].

ج- إنّ الإمام الآلوسي، بعد أنْ زعم أنّ هذه الرؤيةَ لم تظهر في عهد الصحابة، تراجع فقال: “فيُمْكِن أن يكون وقع ذلك لبعضهم [أي: لبعض الصحابة] على سبيل النُّدرة ولم تقتض المصلحة إفشاءه”.

وهذا مجرّدُ احتمال؛ فإذا كان اللفظ “فسيراني في اليقظة” ثابتاً ومعلوماً لدى جميع الصحابة والتابعين، فما هي المصلحة في إخفائه؟ ولماذا أفشوا رؤيته صلّى اللّهُ عليه وسلّم في المنام؟

  • الدّليلُ الرابع: لمْ يبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إلاّ الرُّؤيا الصاّلحة:

 قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: “أيُّها النَّاسُ، إنَّه لَمْ يَبْقَ مِن مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا المُسْلِمُ، أوْ تُرَى له” [رواه مسلم].

فلم يَبقَ بَعْد موتِه صلَّى الله عليه وسلَّم من المُبشِّرات، إلاّ الرُّؤيَا الصالحة -وهي لا تكون إلاّ في المنام-؛ ولمْ يُدْخِلْ صلَّى الله عليه وسلَّم في تفسيرِه لِلمُبشِّرات، رُؤيتَه يقظةً؛ فلَوْ كانت مُمكنةً، لكانت أعظمَ مِن الرؤيا الصالحة، وأعظمَ من رؤيته في المنام، ولَما غفل صلَّى الله عليه وسلَّم عن ذِكْرها وتبشير أُمّتِه بها.

تعقيب: قد يقول قائل: من رأى النّبيَّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في المنام فهذا تبشير له بأنّه سيراه في اليقظة؛ للحديث الذي جاء فيه: “من رآني في المنام، فسيراني في اليقظة”؛ وهذا الحديث الذي رواه البخاري بهذا اللفظ فيه مقال، فلا يمكن الاستدلالُ به، وسيأتي الكلامُ عليه.

  • الدّليلُ الخامس: عدمُ إمكانية مَن آمَن بالنَّبِيِّ -ولم يتمكّن من لقائه في حياته أو جاء بعد عصر الصحابة– أنْ  يرَه بعد وفاته:

 جاء في حديثٍ عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى الْمَقْبرَةَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا. قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ. فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ. [جزء من  حديثٍ رواه مسلم].

وفي حديثٍ آخر، قال صلّى اللّهُ عليه وسلّم: ودِدْتُ أنِّي لقِيتُ إخواني، قالَ: فقالَ أصحابُ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ أوليسَ نحنُ إخوانَكَ قالَ: بل أنتُم أصحابي، ولكنْ إخواني الَّذينَ آمَنوا بي ولم يرَوني. [صحيح، أخرجه أحمد واللفظ له، وأبو يعلى، والطبراني في المعجم الأوسط].

قال العلماء: قوله: “وَدِدْتُ أَنِّي لَقِيتُ إِخْوانِي”، أي: تَمَنَّيْتُ لِقاءَهُمْ، أي: في الحَياةِ الدُّنْيا، وقيل: المُرادُ تَمَنِّي لِقائِهِم بعدَ المَوْتِ”.

فالنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم تمنّى رؤيةَ الذينَ سيؤْمِنون به، ولن يتمكّنوا من لقائه في حياته أو بعد وفاته؛ ثمّ أخبر أنّه سيَعْرِفهم يوم القيامة بآثار الوضوء؛ لأنّهم سيَأْتُونَ يومئِذٍ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الوُضُوءِ. وهذا دليلٌ على أنّه صلّى اللّهُ عليه وسلّم لَنْ يرَ أحداً من التّابعين ومَنْ بعدَهم بعد موته، ولَنْ يلتَقِيَ بأحدٍ مِنهم إلّا يومَ القيامة؛ وإلّا لمَا قال هذا الكلام!

وهذا الحديثُ الصحيح، فيه خبرٌ لا يتضمّن حُكْمًا شرْعيًّا، والخبرُ الذي لا يتضمّن حُكمًا شرعيًّا لا يدخلُه النسخُ، كما هو مُقَرَّرٌ عند علماءِ الأصول؛ فلا يمكن أن يوجدَ حديثٌ آخرُ، يخبر فيه النبيُّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم بجواز رؤيته لإخوانه الذين سيأتون بعد وفاته؛ قال الأستاذُ الدكتورُ مصطفى سعيد الخن: “من النصوص التي لا تقبل النسخَ الإِخبارُ بما وقع وبما سيقع، وهي لا تقبل النسخ؛ لأنّ النسخَ لهذا النوع من الأخبار تكذيبٌ لمن أَخبَر به، والكذبُ على الشّرع محال” [الكافي الوافي في أصول الفقه الإسلامي، أ. د. مصطفى سعيد الخن، مؤسسة الرسالة، ط 1 سنة 2000، ص 352].

وقال ابنُ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيُّ (320 ھ): “فصل: والنسخ إنما يقع في الأمر والنهي، ولا يجوز أن يقع في الأخبار المحضة” [الناسخ والمنسوخ لابن حزم: 8].

وقالَ مَكِّيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (437 ھ): “فأمّا ما لا يجوز نسخُه فهو كلُّ ما أخبرنا الله تعالى عنه أنه سيكون أو أنه كان، أوْ وَعَدنا به، أو قصّ علينا من أخبار الأمم الماضية، وما قصّ علينا من أخبار الجنة والنار، والحساب والعقاب والبعث والحشر، وخلقُ السموات والأرضين، وتخليدُ الكُفّار في النار والمؤمنين في الجنة” [الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: 65-66].

وقالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت:643هـ): “والنسخ إنما يكون في الأحكام، ولا نَسْخَ في الأخبار؛ لأن خبرَ اللَّهِ عز وجل حقٌّ، لا يصح أنْ يكون على خِلافِ ما هو عليه” [جمال القراء: 248].

ويحقُّ لنا الآن أنْ نتساءل: هل الذين قالوا إنّهم الْتقَوْا النّبِيَّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في اليقظة بعد وفاته، كانوا يرونه دون أنْ يراهم؟

وهل كان أبو المواهب الشاذلي من الصادقين، حين زعم -كما رأينا سابقاً- أنّ النّبيَّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم رآه، وذلك حينما قال: “فها أنا أراه، ويراني”؟

  • الدليلُ السادس: عدمُ إمكانية الرجوع إلى الحياة بعد الموت:

ومن الأدِلّةِ على ذلك:

قولُه تعالى: {وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 100].

وقال تعالى: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 95].

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: “أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ لقيَه، فقال: يا جابرُ، ما لي أراكَ منكسِرًا؟ قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، استُشهِدَ أبي وترَك عليهِ دَيْنًا وعِيالًا. فقال: ألا أبشِّرُك بما لقيَ اللَّهُ بهِ أباكَ؟ إنَّ اللَّهَ لم يُكلِّم أحدًا من خلقِه قطُّ إلَّا من وراءِ حجابٍ، وإنَّ اللَّهَ أحيا أباكَ فَكلَّمَه كِفاحًا، وقالَ: يا عبدي، تمنَّ عليَّ ما شئتَ أعطيكَّ قال: تردَّني إلى الدُّنيا فأُقتَلُ فيكَ. فقال تبارَك وتعالى: لا، إنِّي أقسمتُ بيمينٍ أنَّهم إليها لا يُرجَعونَ: يعني الدُّنيا” [أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وابن حبان باختلاف يسير في صحيحه؛ وقال الشيخ شعيب الأرناوؤط: إسناده جيد].

وقال الإمام ابن حزم في كتابه (مراتب الإجماع): “وَاتَّفَقُوا أَن مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلَام وَجَمِيع أَصْحَابه لَا يرجعُونَ إلى الدُّنْيَا إلّا حِين يُبعثون مَعَ جَمِيع النَّاس، وَأَن الأجساد تُنشرُ وَتُجمع مَعَ الانفس يَوْمئِذٍ” [مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات، بَاب من الإجماع فِي الاعتقادات يكفر من خَالفه بإجماع، ابن حزم الأندلسي (ت: 456ھ)، ص176، دار الكتب العلمية – بيروت].

  • ورُدّ عليهم بما يأتي:

نَعَمْ، إنّ الأصلَ أنّ الميّتَ لا يرجع إلى الحياة الدنيا، ولكنْ إحياءُ اللّهُ لِلْموتى قد وقع عبرَ التاريخ، ورآهم الناس، بل وحصلت محادثة معهم؛ وهذا دليلٌ على إمكانية إحياء النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم، ورؤيتِه، بل ومحادثَتِه. وسيأتي مناقشة هذه المسألة.

 – الرأيُ الثاني: وهو يقول بإمكانية رؤيةِ النَّبيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في اليقظة:

ومِمّن قال بها: الإمامُ أبو حامد الغزالي (ت: 505ھ)، وابن أبي جمرة (ت: 599ھ)، والسيوطي (ت: 911ھ)، وابن حجر الهيتمي (ت: 974ھ)، ومحمود بن عبد الله الآلوسي الكبير (ت: 1270ھ)، والشعراني (ت: 973ھ).

واسْتَدلّ المُجيِزون على هذه الرؤية بأدلّة، منها:

  • الدليلُ الأوّل: الإمكان العقلي:

قالوا: “إنّ العقل إنْ خُلِّي ونفسَه لم يَحْكم بامتناع رؤية النبيِّ صلى الله عليه وسلم يقظةً بعد وفاته؛ لأنّ اللّهَ على كلِّ شيءٍ قدير”.

وقالوا: “والمُمْكِن الذي يدخل تحت القدرة الإلهية لا يجوز إخراجه إلا بنص صريح”.

واتّهموا مُخالِفِيهم بإنكارِ قدرة اللّهِ تعالى!

  • ورُدَّ عليهم بما يأتي:

أوّلاً- إنّ قدرة اللّهِ على فعل الشيء لا يعني بالضرورة أنّه سيفعله، وهذا متفق عليه: فاللّهُ قادرٌ -مثلاً- على أنْ يجعل النّاسَ كُلَّهم مؤمنين، ولكنه لم يفعل لحكمةٍ قضاها؛ قال تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَٰكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة: 13].

 ثانياً- المخالفون لمْ يُنكِروا قدرةَ اللّهِ تعالى، وإنّما أنكروا وجودَ نصوصٍ مُحْكَمَة من الكتاب أو السُّنَّة تُثْبِت هذه المسألة، ورأوا أنّ بعضَ الأدلةَ التي جاء بها المجيزون للرؤية يقظةً لا تصلح للاحتجاج، وبعضَها ليست صريحةً حتى تكون دليلاً لرأيهم.

ولو كان المخالفون ينكرون قُدْرَةَ اللّهِ، لأنكروا ما سيأتي به الدجال من خوارقَ في آخر الزمان، ولكنّهم لم ينكروها؛ لِأنّها ثَبَتَتْ بالأحاديث الصحيحة.

ثالثاً- جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي اللّهُ عنه أنّهُ: “كانَ أهْلُ الكِتَابِ يَقْرَؤُونَ التَّوْرَاةَ بالعِبْرَانِيَّةِ، ويُفَسِّرُونَهَا بالعَرَبِيَّةِ لأهْلِ الإسْلَامِ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتَابِ ولا تُكَذِّبُوهُمْ، وقُولوا: {آمَنَّا باللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنَا} الآيَةَ” [رواه البخاري].

فما يرويه أهلُ الكتاب، ولا يوجد نصّ من كتاب اللّهِ أو سُنّتِه يصدّقه أو يُكذِّبُه، لا يدلُّ على صِحّته. وهذا الحديث دليلٌ على أنّ عدم وجود نص صريح يُخْرِج المُمْكِن الذي يدخل تحت القدرة الإلهية، لا يكفي وحدَه لتصديق وقوع هذا الممكن.

قال ابن حجر العسقلاني عند شرحه لهذا الحديث: “ويُؤْخَذ من هذا الحديث التَّوقُّفُ عن الخوض في المشكلات، والجزم فيها بما يقع في الظن، وعلى هذا يُحْمَلُ ما جاء عن السَّلَف من ذلك” [فتح الباري شرح صحيح البخاري/ كتاب تفسير القرآن/ سورة البقرة/ باب قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا].

وهذا يؤيّدُ قولَ الدكتور إسماعيل المقدم، الذي جاء فيه: “أنّ رؤية النبي صلى اللَّه عليه وسلم يقظة من باب العقائد، والعقائد مبنية على التوقيف، فلا يجزم بنفي شيء أو إثباته إلا بدليل يصح الاعتماد عليه” [كتاب أصول بلا أصول، محمد إسماعيل المقدم، ج1 ص154].

  • الدليلُ الثاني: إحياءُ اللّهِ لبعضِ الموتى، ورؤيةُ بعض الناس لهم، وحصولُ محادثة معهم:

قالوا: “لقد ثبت أن كثيرا من الموتى غادروا قبورهم، فرآهم الأحياء وكلموهم، وهذا دليلٌ على إمكانية حصول ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلّم”.

ويُردُّ عليهم بما يأتي:

أوّلاً: إحياءُ المَيِّتِ يعنى إرجاعُ روحِه إلى بدنِه، وإمكانيةُ رؤيةِ عامّة النّاس له وسماعِ كلامه إنْ تكلّم؛ قال الشيخُ ابن تيمية: “والله تعالى يُحيِي الموتى بإقامتهم من قبورهم، وقد أحيا غيرَ واحد من الموتى في الدنيا” [الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، (4/17-19)].

  • وإحياءُ الموتى قد وقعَ معجزةً لبعضِ الأنبياء، كما وقع لإبراهيمَ وموسى وعيسى عليهمُ السلامُ. أمّا إبراهيمُ فلقد أحيا اللّهُ له الطير بعد أنْ ذبحهم؛ قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 260].

وأمّا موسى فلقد أحيا اللّهُ في عهدِه رجلاً مات مقتولاً ليخبر قومه بقاتِله فقط؛ ثمّ رجع إلى حالة الموت؛ قال تعالى: {وَإِذۡ قَتَلۡتُمۡ نَفۡسࣰا فَٱدَّ ٰ⁠رَ ٰٔۡ ⁠تُمۡ فِیهَاۖ وَٱللَّهُ مُخۡرِجࣱ مَّا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ. فَقُلۡنَا ٱضۡرِبُوهُ بِبَعۡضِهَاۚ كَذَ ٰ⁠لِكَ یُحۡیِ ٱللَّهُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَیُرِیكُمۡ ءَایَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} [البقرة: 72-73].

وأمّا عيسى فكان يُحيي الموتى بإذن اللّهِ، ولا ندري هل هؤلاء الموتى عادوا إلى الحياة الطبيعية أم رجعوا إلى قبورهم ولم يُعمِّروا إلاّ لَحْظَةً من الزمن؟ ولا توجد نصوصٌ تفْصل في ذلك؛ قال تعالى: {وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ءِیلَ أَنِّی قَدۡ جِئۡتُكُم بِـَٔایَةࣲ مِّن رَّبِّكُمۡ أَنِّیۤ أَخۡلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّینِ كَهَیۡـَٔةِ ٱلطَّیۡرِ فَأَنفُخُ فِیهِ فَیَكُونُ طَیۡرَۢا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ وَأُحۡیِ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأۡكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِی بُیُوتِكُمۡۚ إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَـَٔایَةࣰ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ} [آل عمران: 49].

  • وإحياءُ الموتى قد وقع -حسب بعض النصوص الصحيحة- كرامةً لبعضِ النّاس، وذلك كما وقع لأولئك الرهط من بني إسرائيل، الذين أحيا اللّهُ لهم ميِّتاً فسألوه عن بعض الأمور فأجابهم، ولكنّه رجع إلى قبره بمجرد أن انتهى من إجابتهم، ولم يذهب معهم ليعيش مع الناس كما عاش بينهم قبل موته؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : “قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: خَرَجَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل حَتَّى أتَوْا مَقْبَرةً لهُم مِن مَقابِرِهِمْ، فَقَالُوا: لَوْ صَلَّيْنَا رَكْعَتَيْن، ودَعَوْنَا اللهَ عز وجل أنْ يُخْرِجَ لَنَا رَجُلًا مِمَّنْ قَدْ مَاتَ نَسْأَلُه عَن الْمَوْت. ففعلوا؛ فبَيْنَمَا هُمْ كذلك إذْ أَطْلَع رجُلٌ رأْسَه مِن قَبرٍ مِن تِلْكَ المقَابِر، خِلَاسِيّ (أي: أسمر اللون) بَيْنَ عَيْنَيْهِ أَثَرُ السُّجُود. فَقَال: يَا هَؤُلاء مَا أَرَدتُّم إليَّ؟ فقَد مِتُّ مُنْذُ مائَة سَنَةٍ، فما سَكَنَتْ عَنِّي حَرَارَةُ الموْتِ حتَّى كَانَ الآنَ؛ فادْعُوا اللهَ عز وجل لِي يُعِيدُني كَمَا كُنْتُ” [أخرجه أحمد في الزهد، وابن أبي شيبة في المصنف، وصحّحَه الشيخُ الألباني].

ولا يوجد أيُ نصٍّ صحيحٍ يدلُّ على أنّ أحدَ هؤلاء الأموات عاد إلى حياته العادية. ولا يوجد أيّ نصٍّ يدلُّ على أنّ اللّهَ تعالى أحيا نبِيًّا من الأنبياء؛ كرامةً لِوليٍّ من الأولياء.

ملاحظة: إنّ عيسى عليه السلامُ رفعه اللّهُ تعالى إلى السماء حيًّا ولمْ يُمِتْه، وسيُرجِعه إلى الدنيا في آخر الزمان؛ وكان في الإمكان أنْ يُمِيته ثمّ يُحيِيه في آخر الزمان.

  • وإحياءُ الموتى قدْ يكون على يدِ بعضِ الكُفار الفَجَرة؛ فتنَةً واختباراً لِلنّاسِ، كما سيكون في آخر الزمان على يدِ المسيح الدّجال، حسب النّصوص الصحيحة؛ حدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصحابَه حَديثاً طويلاً عَنْ الدَّجَّالِ: فَكَانَ فِيمَا حدَّثَهم بِهِ أَنَّهُ قَالَ: “يَأْتِي الدَّجَّالُ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ، فَيَنْزِلُ بَعْضَ السِّبَاخِ الَّتِي تَلِي الْمَدِينَةَ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ وَهُوَ خَيْرُ النَّاسِ أَوْ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَهُ. فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ، هَلْ تَشُكُّونَ فِي الْأَمْرِ: فَيَقُولُونَ: لَا. فَيَقْتُلُهُ؛ ثُمَّ يُحْيِيهِ. فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيكَ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الْيَوْمَ. فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ” [رواه البخاري].
  • رفعُ إشكال:

قال ابن حجر العسقلاني -عند شرحِه لهذا الحديث- في فتح الباري: “قال الخطابي: فإن قيل كيف يجوز أن يجري الله الآية على يد الكافر؟ فإن إحياء الموتى آية عظيمة من آيات الأنبياء فكيف ينالها الدجال وهو كذاب مفتر يدعي الربوبية؟ فالجواب أنه على سبيل الفتنة للعباد إذ كان عندهم ما يدل على أنه مبطل غير محق في دعواه وهو أنه أعور مكتوب على جبهته كافر يقرؤه كل مسلم، فدعواه داحضة مع وسم الكفر ونقص الذات والقدر، إذ لو كان إلها لأزال ذلك عن وجهه، وآيات الأنبياء سالمة من المعارضة فلا يشتبهان وقال الطبري: لا يجوز أن تعطى أعلام الرسل لأهل الكذب والإفك في الحالة التي لا سبيل لمن عاين ما أتى به فيها إلا الفصل بين المحق منهم والمبطل، فأما إذا كان لمن عاين ذلك السبيل إلى علم الصادق من الكاذب فمن ظهر ذلك على يده فلا ينكر إعطاء الله ذلك للكذابين، فهذا بيان الذي أعطيه الدجال من ذلك فتنة لمن شاهده ومحنة لمن عاينه”. انتهى. وفي الدجال -مع ذلك- دلالةٌ بَيِّنةٌ لِمَن عقَل على كذبه؛ لأنه ذو أجزاء مؤلفةٌ، وتأثيرُ الصَّنْعَةِ فيه ظاهرٌ مع ظهور الآفةِ به مِن عَوَرِ عَيْنَيْه، فإذا دعا الناس إلى أنه ربُّهم، فأسْوأُ حالِ مَن يراه مِن ذوِي العقول أنْ يعْلَم أنّه لم يكن لِيُسَوِّيَ خَلْقَ غيره ويُعَدِّلَه ويُحَسِّنَه، ولا يدفع النّقصْ عن نفسه، فأقل ما يجب أن يقول: يا من يزعم أنه خالق السماء والأرض صور نفسك وعدلها وأزل عنها العاهة، فإن زعمت أن الرب لا يُحدث في نفسه شيئا فأزل ما هو مكتوب بين عينيك. وقال المهلب: ليس في اقتدار الدجال على إحياء المقتول المذكور ما يخالف ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم “هو أهْوَنُ على الله من ذلك”، أي: من أن يُمَكَّنَ من المعجزات تمكيناً صحيحا، فإن اقتداره على قتل الرجل ثم إحيائه لم يستمر له فيه ولا في غيره، ولا اسْتَضَرَّ به المقتولُ إلا ساعةَ تألُّمِه بالقتل، مع حصول ثواب ذلك له، وقد لا يكون وجد للقتل ألَماً؛ لقدرة الله تعالى على دفع ذلك عنه.

وقال ابن العربي: الذي يظهر على يدي الدجال من الآيات: من إنزال المطر والخصب على مَن يُصَدِّقُه، والجدب على من يُكذّبُه، واتباع كنوز الأرض له، وما معه من جنة ونار ومياه تجري، كلُّ ذلك مِحْنَةٌ من الله واختبارٌ ليَهْلكَ المرتابُ وينْجوَ المُتَيقِّنُ، وذلك كلُّه أمْرٌ مُخْوِفٌ؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: لا فتنةَ أعظمُ من فتنة الدجال. وكان يستعيذ منها في صلاته تشريعاً لأُمّته”.

  • تنبيه: زعم بعضُ النّاس أنّ ما سيقع من الدجال إنما هو سحرٌ وتخييلٌ، واستدلّوا بحديثٍ غيرِ ثابت؛ قال الحافظ ابن حجر العسقلاني عند شرحه للحديث السابق: “وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعْتَمِرٍ (ثُمَّ يَدْعُو بِرَجُلٍ، فِيمَا يَرَوْنَ، فَيُؤْمَرُ بِهِ، فَيُقْتَلُ؛ ثُمَّ يَقْطَعُ أَعْضَاءَهُ كُلَّ عُضْوٍ عَلَى حِدَةٍ، فَيُفَرِّقُ بَيْنَهَا، حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ، ثُمَّ يَجْمَعُهَا، ثُمَّ يَضْرِبُ بِعَصَاهُ؛ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ. فَيَقُولُ: أَنَا اللَّهُ الَّذِي أُمِيتُ وأحيي. قَالَ وَذَلِكَ كُلُّهُ سِحْرٌ، سَحَرَ أَعْيُنَ النَّاسِ، لَيْسَ يَعْمَلُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا)؛ وَهُوَ سَنَدٌ ضَعِيفٌ جِدًّا”.

قال المُسْتدِلّون بهذا الحديث: كلمةُ (فِيمَا يَرَوْنَ) تدلُّ على أنّ قتلَ الدجالِ لذلك الرجل وإحياءَه، ما هو إلّا تخييلٌ، ولكنْ فاتَهم أنّ هذا الحديثَ سَنَدُه ضَعِيفٌ جِدًّا، كما حقّقَه ابن حجر العسقلاني.

  • وإحياءُ الموتى قد يكون بعدَ إماتةِ عقوبةٍ، لا إماتةِ الأجل، وذلك كما جاء في قوله تعالى: {أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِینَ خَرَجُوا۟ مِن دِیَـٰرِهِمۡ وَهُمۡ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُوا۟ ثُمَّ أَحۡیَـٰهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَشۡكُرُونَ} [البقرة: 243].

يرى بعضُ المفسرين أنّ هذه المِيتَةَ هِي مِيتَةُ عُقُوبَةٍ التي بعدها ترجعُ الحياة، لا مِيتَةُ الْأَجَلِ التي لَا حَيَاةَ بَعْدَهَا؛ قال ابن جرير الطبري (310 ھ) في تفسيره: “حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن الأشعث، عن الحسن في قوله: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت}، قال: خرجوا فرارا من الطاعون، فأماتهم قبل آجالهم، ثم أحياهم إلى آجالهم”.

وقال أيضاً: “حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا سويد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: “{ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف} الآية، مَقَتَهُم اللهُ على فرارهم من الموت، فأماتهم الله عقوبة، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ليستوفوها، ولو كانت آجال القوم جاءت ما بعثوا بعد موتهم”.

وقال ابن العربي (543 ھ) في تفسيره: “فِيهَا مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي سَبَبِ نُزُولِهَا: فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ لَمَّا سُلِّطَ عَلَيْهِمْ رِجْزُ الطَّاعُونِ، وَمَاتَ مِنْهُمْ عَدَدٌ كَثِيرٌ، خَرَجُوا هَارِبِينَ مِنْ الْمَوْتِ، فَأَمَاتَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مُدَّةً، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ آيَةً، وَمِيتَةُ الْعُقُوبَةِ بَعْدَهَا حَيَاةٌ، وَمِيتَةُ الْأَجَلِ لَا حَيَاةَ بَعْدَهَا”.

وقال ابن عطية (546 ھ) في تفسيره «المحرر الوجيز»: “وهَذا المَوْتُ ظاهِرُ الآيَةِ، وما رُوِيَ في قَصَصِها أنَّهُ مَوْتٌ حَقِيقِيٌّ فارَقَتْ فِيهِ الأرْواحُ الأجْسادَ، وإذا كانَ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِمَوْتِ آجالِهِمْ، بَلْ جَعَلَهُ اللهُ في هَؤُلاءِ كَمَرَضٍ وحادِثٍ مِمّا يَحْدُثُ عَلى البَشَرِ”.

وجاء في آية أخرى قولُه تعالى: {أَوۡ كَٱلَّذِی مَرَّ عَلَىٰ قَرۡیَةࣲ وَهِیَ خَاوِیَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ یُحۡیِۦ هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِا۟ئَةَ عَامࣲ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ یَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ یَوۡمࣲۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِا۟ئَةَ عَامࣲ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ یَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَایَةࣰ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَیۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمࣰاۚ فَلَمَّا تَبَیَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ} [البقرة: 259].

قال أبو حيان (745 ھ) عند تفسيره للآية 243 السابقة من سورة البقرة: “وهَذا المَوْتُ لَيْسَ بِمَوْتِ الآجالِ، بَلْ جَعَلَهُ اللَّهُ في هَؤُلاءِ كَمَرَضٍ وحادِثٍ مِمّا يَحْدُثُ عَلى البَشَرِ، كَحالِ {الَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ} [البقرة: 259] المَذْكُورَةِ بَعْدَ هَذا”.

  • وقد يقع خطأٌ في تشخيصِ الموت -وهذا معروفٌ عند الأطباء- ويظن الناسُ أنّ الشخصَ قد مات ثمّ أحياهُ اللّهُ؛ قال الدكتور محمد علي البار: “ورغم أن ملايين البشر قد أتوا إلى الدنيا، ثم ماتوا، ورحلوا عنها دون الحاجة إلى طبيب لتشخيص ذلك، إلا أن كثيرًا من الحالات تم فيها تشخيص الموت خطأ، وأدى ذلك إلى دفن بعض الأحياء، ثم تبين أن هؤلاء لم يموتوا بعد، وقد كتب ابن أبي الدنيا كتابًا فيمن عاش بعد الموت: وكذلك كتب (إدجار آلان بو) مجموعة من القصص تحكي حوادث لأشخاص دفنوا وهم أحياء، وكتب (الكونت كارنيس كارنيكي) مجموعة من الاقتراحات والتوصيات، مثل أن يوضع في النعش أعلام وأجراس، وتفتح كوة من القبر بحيث يستخدمها الشخص إذا دفن أثناء غيبوبته وهو لم يمت بعد… ولا شك أن تشخيص الموت أمر قد تكتنفه الصعوبات، ولذا فإن تُرِكَ للعامّة فإن احتمال حدوث خطأ في التشخيص سيؤدي إلى الحكم على العديد من الأشخاص بالموت، وهم لا يزالون أحياء”    [انظر: موت القلب وموت الدماغ.. الموت.. تعريفه وعلاماته وتشخيصه/ د. محمد علي البار: استشاري أمراض باطنية واستشاري الطب الإسلامي، على الموقع: https://www.eajaz.org/index.php/component/content/article/73-Number-XV/721-Cardiac-death-and-brain-death/ ].

ولقد تنبّه الإمامُ النووي إلى احتمال أنْ يقعَ خطأٌ في تشخيص الوفاة؛ فقال: “فإن شكّ بأنْ لا يكونَ به عِلَّةٌ، واحتَمَل أن يكونَ به سكْتةٌ، أو ظهرت أماراتُ فزَعٍ أو غيرِه: أُخِّرَ إلى اليقين بتَغيُّرِ الرائحة أو غيرِه” [روضة الطالبين: 2/98].

وجاء في الجواب عن السؤال رقم 227945 في موقع «سؤال وجواب»: “والحاصل: أن الأصل: أن عامة الناس لا يرجعون إلى دار الدنيا بعد موتهم، وما روي في رجوع من رجع، من الحكايات والأقوال: إنما هو لِأُناسٍ لم يموتوا الموتة الحقيقية لهم، بل انقطع نفسه وقتا، أو ظن الناس حولهم أنهم ماتوا، ولم يموتوا، وليس في مقدور أحد من البشر، لا هذا الذي زعموا أنه مات، ولا من حوله: أن يثبت أن ما رآه، وذاقه: هو الموتة الحقيقية الكبرى، ثم إنه رجع بعدها إلى دار الدنيا. هذا ليس في مقدور أحد من الناس إثباته، إلا بالدعاوى، التي لا يعجز عنها أحد. وما صح من ذلك، وأخبرنا الله به في كتابه: إنما هو من باب المعجزة التي لا يقاس عليها، ولا يشبه بها أمر الناس، وحال البشر. وليست مما يخضع للقياس والتجربة. والله أعلم. [https://www.google.com/amp/s/islamqa.info/amp/ar/answers/227945 ].

  • وإحياءُ الموتى قد يكون خداعاً بصرياً، وذلك بأنْ يرى الناسُ شخصاً يخرجُ من القبر، ويمشي إليهم ويُكلِّمهم، ويظنون أنّه ميِّتٌ أحياهُ اللّهُ، وهو في الحقيقة جِنِّيٌّ تَمَثَّلَ بصورة الإنسان؛ ولا يمكن لمن رآه أنْ يجزمَ أنّه إِنْسِيٌّ، وهذا الاحتمالُ واردٌ ولا يمكن إنكارُه أو ردُّه؛ لأنّ الجِنِّيَّ له القدرة على فعل ذلك؛ قال الشيخُ ابن تيمية: “فرؤيا الأنبياء في المنام حق، وأما رؤية الميت في اليقظة فهذا جني تمثل في صورته، وبعض الناس يسمي هذا روحانية الشيخ، وبعضهم يقول: هي رفيقه وكثير من هؤلاء يُرى يقوم من مكانه ويدع في مكانه صورة مثل صورته، وكثير من هؤلاء ومن هؤلاء من يقول: يُرى في مكانين ويُرى واقفا بعرفات، وهو في بلده لم يذهب فيبقى الناس الذين لا يعرفون حائرين، فإن العقل الصريح يعلم أن الجسم الواحد لا يكون في الوقت الواحد في مكانين، والصادقون قد رأوا ذلك عيانا لا يشكون فيه، ولهذا يقع النزاع كثيرا بين هؤلاء وهؤلاء، كما قد جرى ذلك غير مرة وهذا صادق فيما رأى وشاهد، وهذا صادق فيما دل عليه العقل الصريح، لكن ذلك المرئي كان جنيا تمثل بصورة الإنسان، والحسيات إن لم يكن معها عقليات تكشف حقائقها وإلا وقع فيها غلط كبير” [الجواب الصحيح (2/326)].

وقال أيضا: “وقد يرى القبر انشق وخرج منه صورة إنسان، فيظن أن الميت نفسه خرج من قبره، أو أن روحه تجسدت وخرجت من القبر، وإنما ذلك جني تصور في صورته ليضل ذلك الرائي، فإن الروح ليست مما تكون تحت التراب وينشق عنها التراب، فإنها وإن كانت قد تتصل بالبدن فلا يحتاج في ذلك إلى شق التراب، والبدن لم ينشق عنه التراب وإنما ذلك تخييل من الشيطان وقد جرى مثل هذا لكثير من المنتسبين إلى المسلمين وأهل الكتاب والمشركين، ويظن كثير من الناس أن هذا من كرامات عباد الله الصالحين، ويكون من إضلال الشياطين، كما قد بسط الكلام في هذا الباب في غير هذا الكتاب مثل الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان وغير ذلك” [الجواب الصحيح (3/348)].

  • ومن الأمور التي قد تقع، أن يرى فيها بعضُ النّاس الميِّتَ يخرُجُ من قبره، وهو يعذّبُ ويصرخ؛ ثُمّ ما يلبث أنْ يُرى وهو راجعٌ إلى قبره، فيذهب أثرُه ولا يرجع مرّةً أخرى. وهذه الرؤيةُ لا تَتِمُّ عن طريق الرؤية الحقيقية بعيْنَيْ الرأس، بل تَتِمُّ عنْ طريق الكشف، والكشف: في اللغة: “رفْعُ الحجاب، وفي الاصطلاح: هو الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية، والأمور الحقيقية وجودًا وشهودًا”. [التعريفات، علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني (ت: 816 ھ)/ ضبطه وصححه جماعة من العلماء بإشراف الناشر، دار الكتب العلمية بيروت – لبنان الطبعة: الأولى 1403هـ -1983م، ص184].

وبتعبيرٍ آخَرَ: يكون الكشف عن طريق خرق العادة بأن يكشف الله تعالى لبعض عباده شيئاً من الغيوب من غير الوسائل العادية. وهذا الكشف قد يكون كرامةً لبعض الأولياء، وقد يكون ابتلاءً وفتنةً لبعض أهل الفسق والكفر والفجور. [انظر بتفصيل: جواب الشيخ محمد حسن الددو على السؤال: ما حقيقة الكشف؟ رابط المادة: http://iswy.co/e3okr ].

وجاء في موقع «إسلام ويب»: “أن الله سبحانه قد يُطلِع من شاء من عباده على شيء مما يحصل في القبر من نعيم أو عذاب… وقد نُقِلَتْ لنا أخبارٌ كثيرةٌ عن أهل الصلاح والصدق في مُعاينتهم لبعض آثار عذاب البرزخ أو نعيمه. [انظر: الجواب عن السؤال (هل يمكن الاطلاع على عذاب القبر؟) في الفتوى رقم: 71912/ تاريخ النشر: الثلاثاء 23 محرم 1427ھ].

وقال ابن حجر العسقلاني: “أَمَّا مَنْ رَآهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَبْلَ دَفْنِهِ فَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَحَابِيٍّ وَإِلَّا لَعُدَّ مَنِ اتَّفَقَ أَنْ يَرَى جَسَدَهُ الْمُكَرَّمَ وَهُوَ فِي قَبْرِهِ الْمُعَظَّمِ وَلَوْ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ وَكَذَلِكَ مَنْ كُشِفَ لَهُ عَنْهُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ فَرَآهُ كَذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الْكَرَامَةِ.” [فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، ص4 ج7، دار المعرفة – بيروت، 1379].

إنّ اطِّلاعَ بعضِ النّاسِ عن طريق الكشف على أحوال بعضِ الموتى في قبورهم، ورؤيتَهم لا يعني أنّ اللّهَ أحياهم؛ فلا ينبغي الاستدلالُ بهذه الرؤية -التي ليس فيها إحياءٌ للميّت- على إمكانية إحياء النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم؛ فهذا استدلالٌ في غير محَلِّه!

ثانيا: نعمْ، إنّ إحياء الموتى يدخل في دائرة الممكنات، وقد وقع عبْرَ التاريخ معجِزَةً لبعض الأنبياءِ، ولكنْ محورُ النِّقاش لا يدور حول هذه المسألة، فهذا ليس محلَّ النِّزاع؛ لأنّ الموضوع يدور حول إمكانية رؤية النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في اليقظةِ، ووقوعُ إحياءِ الموتى لا يستلزمُ إمكانيّةَ إحياء النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم.

ثالثا: إنّ الصحابةَ -رِضْوانُ اللّهِ عليهم- كانوا يعلمون أنّ اللّهَ تعالى قادرٌ على إحياء النَّبيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم بعد وفاته، كما أحيا بعضَ الموتى من قبلُ، كما ورد في القرآن الكريم والسُّنَّةِ النَّبوِيَّة؛ وكانوا يعلمون قصّةَ الذين ذهبوا إلى مَقْبَرةٍ لهُم مِن مَقابِرِهِمْ، فصلّوْا رَكْعَتَيْن، ودَعَوْا اللهَ تعالى أنْ يُخْرِجَ لَهم رَجُلًا من الأموات، فاستجاب لدعائهم. فلماذا لم يطلبوا من اللّهِ تعالى أنْ يُحْيِيَ لهم نَبِيَّهم؛ ليتمتّعوا بلقائه وينْعموا برؤيته؟ إنّهم فهموا من كلام اللّهِ، وكلام رسوله أنّهم لن يلتقوا بنَبِيَّهم إلاّ عند الحوض يوم القيامة؛ ولذلك فإنّهم لمْ يطمعوا في لقائِه ورؤيتِه بعد وفاته.

رابعاً: إنّ بعضَ الصّوفية يقولون بإمكانية وقوع الرؤيةِ في اليقظة لِمثالِ النّبِيِّ -صلّى اللّهُ عليه وسلّم- أو لِرُوحِه لا لِبَدنه، وهذا لا يستلزم إحياءَ النّبي صلّى اللّهُ عليه وسلّم، وخروجَه من قبره. ولا يَسْتدِلّ بإحياء الموتى، إلاّ مَن يعتقد أنّ النَّبِيَّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم يخرج من قبره بِبَدنه وروحه، وهذا يستلزم أنْ يكون صلّى اللّهُ عليه وسلّم مَرْئِيًّا لجميع النّاس (الصالحين وغيرِ الصالحين) الحاضرين في قبره الشريف، وهذا هو الذي كان يقع عندما كان يُحيِي عيسى عليه السلام الموتى بإذن اللّهِ، فإن جميع مَن كان معه كانوا يرون هؤلاء الموتى ترجعُ إليهم الحياةُ. وهذا هو الذي وقع في عهد موسى عليه السلام، لمّا أحيا اللّهُ المقتول، بضَرْبِه بجزء من البقرة التي ذُبِحَت بأمر اللّهِ، فإنّ جميع الحضور رأوا ذلك المقتول الذي أحياه اللّهُ تعالى. فلا يمكن أن يَستدِلَّ بإحياء الموتى إلّا من يُجَوِّزُ رؤيةَ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في اليقظةِ بعيني الرّأس؛ ولكن لمْ يحدُثْ أنْ رأى الناسُ خروجَ النَّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم من قبره الشريف ببدنه وروحه، وكلّمهم وكلّموه؛ وهذا لا يمكن أنْ يقع شرعاً للأدِلّةِ السابقة، وهو الذي أنكره ابن العربي والقرطبي وابن الجوزي وابن حجر العسقلاني وغيرُهم.

وبذلك يسقطُ الاحتجاجُ بهذا الدليل.

تنبيه1: رُوِيَتْ قصةُ شابٍّ عابدٍ، كان في زمن عمر بن الخطاب رضي اللّهُ عنه، مات من خشية الله؛ وبعد دفنه خاطب عمرَ بن الخطاب من قبره.

هذه القصة رواها الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (45/ 450)، وهي واهية السند، ومنكرة المتن. [ انظر: https://www.google.com/amp/s/islamqa.info/amp/ar/answers/218554 ].

تنبيه2: أكثرُ الأخبارِ المرويةِ في كتاب (مَن عاش بعد الموت) ليس فيها ذكرٌ لحياةٍ حقيقية بعد الموت كما جاء في عنوان الكتاب. ونجد فيه مَن تكلم أو ابتسم بعد موته، ولكنه لم يرجع إلى الحياة الطبيعية، وذكر من أخطأ النّاس في تشخيص موته وظنوا أنّه مات موتةً حقيقية ولم يمت.

تنبيه3: جاء في أثرٍ أنّ التّابعي رِبْعِيَّ بنَ حِرَاشِ، تكلّم بعد موته، ووصلَ الخبرُ إلى عائشة رضي الله تعالى عنها، فقالت: “أمَا إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يتكلم رجل من أمتي بعد الموت” [سير أعلام النبلاء، ج4 ص361].

وهذا الأثرُ -إنْ صحّ- دليلٌ على أنّ واحداً فقط مِن هذه الأمّة مَن سيتكلمُ بعد موته، وهذا دليلٌ على أنّ النّبِيَّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم، لن يُكلِّمَ أحداً بعد موته!

  • الدليلُ الثالث: استدلوا بالقاعدة التي تقول: “كلُّ ما جاز أن يكون معجزةً لنَبِيٍّ، جاز أن يكون كرامةً لولي”:

قال إمام الحرمين أبو المعالي الجويني -وهو من الشافعية- (ت 478 ھ): “صار بعضُ أصحابِنا [أي: الشافعية] إلى أنّ ما وقع معجزةً لنبيّ، لا يجوز وقوعه كرامة لوليّ؛ فيمتنع عند هؤلاء أن ينفلق البحر، وتنقلب العصا ثعباناً، ويحيي الموتى كرامة لولي، إلى غير ذلك من آيات الأنبياء.

وهذه الطريقة غير سديدة أيضاً. والمرضي عندنا: تجويز جملة خوارق العوائد، في معارض الكرامات.” [الإرشاد، للجويني، ص 317].

استدَلّ المجيزون للرؤية يقظةً، بهذه القاعدةِ وقالوا: “إذا جازت الرؤية للنبي صلى الله عليه وسلم للأنبياء معجزةً -كما حصل ذلك في الإسراء والمعراج-، جازت للأولياء كرامةً”.

  • ورُدَّ عليهم بما يأتي:

أ) القاعدةُ المُستدلُّ بها، ليس عليها دليلٌ من الكتاب أو السُّنَّةِ، وهي مُختَلَفٌ فيها، وإمام الحرمين  نفسُه يعترفُ بهذا الاختلاف؛ وذكر أنّ هناك من علماءِ الشافعية مَن قال إنّ ما وقع معجزة لنبيّ، لا يجوز وقوعه كرامة لوليّ؛ وهذا دليلٌ على أنّ هذه القاعدة ليس عليها اتفاقٌ بين العلماءِ كما زعم بعضُهم، فلا يمكن الاستدلالُ بها في محلِّ النِّزاع.

ب) لقد دلَّت بعضُ النُّصُوصِ أنّ هناك أشياءَ كثيرةً جاز للنّبِيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم، سماعُها أو رُؤْيتُها أو علمُها، ولا يمكن لغيره أن يسمعها أو يراها أو يعلمها؛ مِن هذه النُّصُوصِ:

  • قول النَّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم: “لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا” [رواه البخاري ومسلم، وغيرُهما].

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: “والمراد بالعلم هنا ما يتعلق بعظمة الله، وانتقامه ممَّن يعصيه، والأهوال التي تقع عند النزع، والموت، وفي القبر، ويوم القيامة” [فتح الباري (11/319)].

وقال القرطبي: “وقوله صلى الله عليه وسلم: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا): يعني ما يعلم هو من أمور الآخرة وشدة أهوالها، ومما أعد في النار من عذابها وأنكالها، ومما أعد في الجنة من نعيمها وثوابها، فإنه صلى الله عليه وسلم قد كان رأى كل ذلك مشاهدةً وتحقيقاً، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم متواصلَ الأحزان، قليلَ الضحك، جُلُّه التبسُّم” [المفهم (2/557)].

  • وفي حديث آخر، قال النّبِيُّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم: “إنِّي أرَى ما لا ترَونَ وأسمعُ ما لا تسمَعون، أطَّتِ السّماءُ وحُقَّ لها أن تَئِطَّ؛ ما فيها موضِعُ أربعِ أصابِعَ إلا ومَلَكٌ واضِعٌ جبهَتَهُ لله ساجدًا. واللهِ لو تَعلمونَ ما أعْلَمُ لضَحِكْتُمْ قليلًا ولبَكَيتُمْ كثيرًا، وما تَلَذَّذْتُمْ بالنساءِ على الفُرُشِ، ولخَرَجْتُمْ إلى الصُّعُدَاتِ تجْأَرونَ إلى اللهِ تَعَالَى” [رواه الترمذي، وقال: حسن غريب، وحسّنه الألباني].

قال الأستاذ الدكتور سليمان بن فهد العيسى: “ومعلوم أن الصحابة لن يعلموا ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فلن يحصل لهم ما ذكر…

وكَوْنُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قد علم ما لم يعلموا، ومع ذلك فلم يحصل له ما ذكر، يمكن تفسيره بأنه صلى الله عليه وسلم أعطاه الله من الجَلَد والتَّحمُّل ما لم يُعطِ غيره، وبالتالي فعلمه بما ذكر لا يجعله في الصورة التي حدث عنها…

وجاء في صحيح مسلم (2867) في قصة مرور النبي صلى الله عليه وسلم ببعض القبور قال: “إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه”، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: “… تعوذوا بالله من عذاب القبر…”.

قلت فهذا الحديث يدل على ما ذكرته من وجود الفرق بين المصطفى صلى الله عليه وسلم وبين غيره من الناس، فالله سبحانه قد أطْلَعه على عذاب القبر، وأسمعه، وكان بالإمكان أن يدْعُوَ ربّه لأمته أن يُسْمِعها ما يَسمع، لكنه صلى الله عليه وسلم امتنع عن ذلك لسبب ذكره صلى الله عليه وسلم بقوله: “لولا أن لا تدافنوا” ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد دفن كثيراً من أصحابه، فما منعه اطلاعه على عذاب بعض أهل القبور من الدفن، بينما يراه صلى الله عليه وسلم في أمته مانعاً، مما يدلك على أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس كغيره من الناس، فالله سبحانه قد ثبت فؤاده وقوى إيمانه، فلا يقاس عليه غيره مطلقاً.” [ أ. د. سليمان بن فهد العيسى، أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية/ انظر: https://www.islamtoday.net/fatawa/quesshow-60-102530.htm ].

ج) قال الإمامُ ابنُ السُّبْكِيّ الشافعي: “معاذَ الله أن يُتَحَدَّى نبيٌّ بكـرامةٍ تكررت على ولي! بل لا بُدّ أنْ يأتيَ النَّبِيُّ بما لا يوقعه الله على يد الولي وإنْ جاز وقوعُه؛ فليس كلُّ جائز في قضايا العقول واقعاً. ولمّا كانت مرتبةُ النَّبيِّ أعلى وأرفعَ من مرتبة الولي؛ كان الوليُّ ممنوعاً مِمّا يأتي به النبيّ على الإعجاز والتحدي أدباً مع النبيِّ” [طبقات الشافعية، ج2 ص322].

ونقل ابنُ السبكي في كتابه (طبقات الشافعية الكبرى، ج2 ص 316) قولَ الإمام أبي إسحاق الإسفراييني الذي جاء فيه: “وكل ما جاز تقديره معجزة لنبي، لا يجوز ظهور مثله كرامة لولي”.

وقال الشيخُ ابنُ تَيْمِيَّةَ: “ولا يقدر أحَدٌ من مُكَذِّبِي الأنبياءِ أنْ يأتيَ بمثل آياتِ الأنبياءِ، وأمّا مُصَدِّقوهم فهم مُعْتَرِفون بأنّ ما يأتون به [أي: مِن الكراماتِ] هو من آيات الأنبياءِ، مع أنّه لا تَصِلُ آياتُ الأتباعِ إلى مثل آيات المَتبوع مُطلقا، وإن كانوا قد يشاركونه في بعضها كإحياء الموتى وتكثير الطعام والشراب؛ فلا يشركونه في القرآن وفلق البحر وانشقاق القمر؛ لأنّ اللّهَ فَضَّل الأنبياءَ على غيرهم” [ابن تيمية، النبوات، ص 232].

وقال سلطانُ العلماء عِزّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام (ت: 660ھ) في كتابه «قواعد الأحكام في مصالح الأنام»: “(فَصْلٌ فِي مَعْرِفَةِ الْفَضَائِلِ) الْفَضَائِلُ بِالْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ وَمَا يَتْبَعُهُمَا مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ: وَلَقَدْ نَالَ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ ذَلِكَ أَفْضَلَ مَنَالٍ، فَوَرِثَ عَنْهُمْ الْعَارِفُونَ بَعْضَ الْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ، وَوَرِثَ عَنْهُمْ الْعَابِدُونَ التَّقَرُّبَ بِالْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ، وَوَرِثَ عَنْهُمْ الْفُقَهَاءُ التَّقَرُّبَ بِمَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْجَوَارِحِ وَالْأَبْدَانِ، وَوَرِثَ عَنْهُمْ أَهْلُ الطَّرِيقَةِ الْأَحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْبَوَاطِنِ، وَوَرِثَ عَنْهُمْ الزُّهَّادُ التَّرْكَ وَالْإِقْلَالَ، وَاخْتَصَّ الْأَنْبِيَاءُ بِمَعَارِفَ لَا تُدْرَكُ بِنَظَرِ الْعُقُولِ لَا بِضَرُورَتِهَا، وَاخْتَصُّوا بِالْأَحْوَالِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى تِلْكَ الْمَعَارِفِ، وَلَعَلَّ بَعْضَ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَبْدَالِ وَرِثُوا أَشْيَاءَ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ اخْتَصَّ الْأَنْبِيَاءُ بِالْمُعْجِزَاتِ وَالْكَرَامَاتِ، وَشَارَكَهُمْ الْأَوْلِيَاءُ فِي بَعْضِ الْكَرَامَاتِ” [قواعد الأحكام في مصالح الأنام، عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام الدمشقي (660هـ-1262م)، ص496، دار ابن حزم، طبعة 1424ھ-2003م].

لقد قرّر سلطان العلماءِ أنّ الْأَوْلِيَاءَ شاركوا الأنبياءَ فِي بَعْضِ الْكَرَامَاتِ، وليس في جميع المعجزات والكرامات، التي هي من اختصاص الأنبياءِ.

ولقد شدّدَ الحنفيّةُ في مسألة كرامات الأولياء، حيث جاء في الفتاوى الهندية -وهو من أهم مراجع المذهب الحنفي- قسم الفتاوى البزازية: “وقد ذكر علماؤنا: أن ما هو من المعجزات الكبار كإحياء الموتى، وقلب العصا حية، وانشقاق القمر، وإشباع الجمع من الطعام القليل، وخروج الماء من بين الأصابع، لا يمكن إجراؤه بطريق الكرامة للولي، وطيُّ المسافات من قبيل المعجزات، لقوله عليه الصلاة والسلام: {زُوِيَتْ لي الأرضُ} فلو جاز لغيره أيضاً لم يبق فائدة التخصيص، أو لأنه كالإسراء بالجسم وذلك خاصيته عليه الصلاة والسلام” [الفتاوى الهندية، قسم الفتاوى البزازية أو الجامع الوجيز في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، محمد بن محمد بن شهاب البزازي الكردي (ت 827 هـ)/ الطبعة الثالثة/ طبعة تركية، (ج4  ص348)].

وقال الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري، عند حديثِ أكل خُبَيب رضي الله عنه قِطْفاً من العَنَب وهو أسير مُقيَّد، ولمْ يكن في مكة عنب: “قال ابن بطال: “هذا يمكن أن يكون الله جعله آية على الكفار وبرهانا لنبيه لتصحيح رسالته، قال: فأمّا من يَدّعى وقوع ذلك له اليوم بين ظهرانَيْ المسلمين فلا وجه له؛ إذ المسلمون قد دخلوا في الدين وأيقنوا بالنبوة، فأي معنى لإظهار الآية عندهم. ولو لم يكن في تجويز ذلك إلّا أن يقول جاهل: إذا جاز ظهور هذه الآيات على يد غير نبي فكيف نصدقها من نبي؟ والفرض أن غيره يأتي بها لكان في إنكار ذلك قطعا للذريعة… إلى أن قال: إلا أن يكون وقوع ذلك مما لا يخرق عادة ولا يقلب عينا مثل أن يكرم الله عبدا بإجابة دعوة في الحين ونحو ذلك مما يظهر فيه فضل الفاضل وكرامة الولي ومن ذلك حماية الله تعالى عاصما لئلا ينتهك عدوه حرمته”.

ثمّ قال ابن حجر العسقلاني: “والحاصل أن ابن بطال توسط بين من يثبت الكرامة ومن ينفيها، فجعل الذي يثبت ما قد تجري به العادة لآحاد الناس أحيانا، والممتنع ما يقلب الأعيان مثلا، والمشهور عن أهل السنة إثبات الكرامات مطلقا لكن استثنى بعض المحققين منهم كأبي القاسم القشيري ما وقع به التحدي لبعض الأنبياء فقال: «ولا يَصِلون إلى مثل إيجاد ولد من غير أب ونحو ذلك»، وهذا أعْدَل المذاهب في ذلك فإن إجابة الدعوة في الحال، وتكثير الطعام والماء، والمكاشفة بما يغيب عن العين، والإخبار بما سيأتي ونحو ذلك، قد كثر جداً حتى صار وقوع ذلك ممن ينسب إلى الصلاح كالعادة. فانحصر الخارق الآن فيما قاله القشيري وتَعَيَّنَ تقييدُ قولِ من أطلق أنّ كل معجزة وُجِدت لنبي يجوز أن تقع كرامة لولي، ووراء ذلك كله أن الذي استقر عند العامة أن خرق العادة يدل على أن من وقع له ذلك من أولياء الله تعالى وهو غلط ممن يقوله فإنّ الخارق قد يظهر على يد المبطل من ساحر وكاهن وراهب؛ فيحتاج من يستدل بذلك على ولاية أولياء الله تعالى إلى فارق، وأولى ما ذكروه أن يختبر حال من وقع له ذلك، فإنْ كان متمسكا بالأوامر الشرعية والنواهي كان ذلك علامة ولايته ومن لا فلا وبالله التوفيق” [فتح الباري شرح صحيح البخاري (7/383)، ابن حجر العسقلاني الشافعي، دار المعرفة – بيروت، 1379].

وسُئِلَ الشيخُ محمد الحسن الدَّدَوْ: “هل ما جاز أن يكون معجزةً لِنَبِيٍّ، جاز أن يكون كرامة لولي؟”

فأجاب: “لا، ولا يمكن أن يقع ذلك بحال من الأحوال، لو كان كذلك لجاز أن ينزل الوحي على الأولياء الذين ليسوا بأنبياء، فمعجزةُ النبي صلى الله عليه وسلم الوحيُ المنزل إليه، فلو كان كلما جاز أن يكون معجزة لنبي يجوز أن يكون كرامة لولي؛ لادّعى كثيرٌ من الناس أنهم أُنزِل إليهم قرءانٌ يُتلى! وهذا لا يمكن أن يقع أصلا، ولا يمكن أن يتصوره مؤمن” [ https://dedewnet.com/index.php/dawa-akida/akida-w/568.html ].

وجاء في الفتوى رقم (49724)، بموقع إسلام ويب: “فإن القول بأن (ما صحّ لنبي جاز لولي) لا نَعْلمُه حديثاً مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هي مقولة لبعض أهل العلم، إذ يقولون: إن كل معجزة وجدت لنبي يجوز أن تقع كرامة لولي. وهذا القول لا يصح بهذا الإطلاق، وإنما يتعين تقييده، فيستثنى ما وقع به التحدي لبعض الأنبياء، فإن الأولياء لا يصلون إلى مثله، وهذا ما اختاره الحافظ في (فتح الباري) وَعَدَّه أعْدَل المذاهب” [انظر: https://www.islamweb.net/ar/fatwa/49724/ ].

  • وقفاتٌ مع الكرامات:

قال الدكتور محمد إسماعيل: “الكرامة لا تُدْرَك بالتعلم، وهم يقولون بأنها تدرك بالتعلم والكسب عن طريق كثرة الذكر والرياضة، كما جاء في (بغية المستفيد، ص 79-80)” [د. محمد بن أحمد إسماعيل المقدم، أصول بلا أصول ص146، دار ابن الجوزي – القاهرة، ط1 سنة 1429ھ].

وقال الشيخ صنع اللَّه الحلبي الحنفي: “أمّا اعتقادُهم أن هذه التصرفات لهم من الكرامات فهو من المغالطة؛ لأن الكرامة شيء من عند اللَّه يكرم بها أولياءه، لا قصد لهم فيها، ولا تحديَ، ولا قدرة، ولا علم؛ كما في قصة مريم بنت عمران، وأسيد ين حضير، وأبي مسلم الخولاني. (انظر: تيسير العزيز الحميد، ص (198)” [د. محمد بن أحمد إسماعيل المقدم، أصول بلا أصول، ص146، دار ابن الجوزي – القاهرة، ط1 سنة 1429ھ].

وقال الإمامُ الشاطبي: “طلبُ الكرامات ليس عليه دليل، بل الدليل خلاف ذلك؛ فإنّ ما غيب عن الإنسان، ولا هو من التكاليف لا يطالب به” [الشاطبي: الموافقات (2/283)].

ولهذا قال أبو علي الجوزجاني: “كنْ طالباً للاستقامة، لا طالبا للكرامة؛ فإن نفسَك مُنْجَبِلَةٌ على طلب الكرامة، وربُّك يطلب منك الاستقامة” [مجموع الفتاوى (11/320)].

وقال الشيخ السهروردي في عوارفه مُعَلِّقاً على كلمة الجوزجاني: “سبيلُ الصّادِق مطالبةُ النّفسِ بالاستقامة، فهي كلُّ الكرامة؛ ثم إذا وقع في طريقه شيءٌ خارقٌ، كان كأنْ لم يقع فما يُبالي؛ ولا يَنْقُصُ بذلك، وإنّما يَنْقُصُ بالإخلال بواجبِ حقِّ الاستقامة”! [انظر المعجزة وكرامات الأولياء لابن تيمية 40-41 بتصرف].

وقال أبو القاسم القشيري -وهو من كبار المتصوِّفة-: “واعلم أنه ليس للولي مُساكنة إلي الكرامة التي تظهر عليه، و لا لَه ملاحظة” [الرسالة القشيرية: 529].

وقال سلطانُ العلماءِ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام الدمشقي: “وَكَذَلِكَ اخْتَصَّ الْأَنْبِيَاءُ بِالْمُعْجِزَاتِ وَالْكَرَامَاتِ، وَشَارَكَهُمْ الْأَوْلِيَاءُ فِي بَعْضِ الْكَرَامَاتِ. وَالْمَعَارِفُ وَالْأَحْوَالُ خَيْرٌ مِنَ الْكَرَامَاتِ وَخَرْقِ الْعَادَاتِ، لِتَعَلُّقِ الْمَعَارِفِ بِاَللَّهِ وَتَعَلُّقِ الْكَرَامَاتِ بِخَرْقِ الْعَادَاتِ فِي بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ، فإنّ العَارِفَ مُقْبِلٌ عَلَى الخَالِقِ بقَلْبِه، والمُكْرَمُ الوَاقفُ مَعَ الكَرامَاتِ مُقْبِلٌ على بعض المخلوقات، فالمشيُ على الماء كمشْيِ الحيتان عليه، والطيرانُ في الهواء كطيران الشيطان من السماء إلى الأرض، ومن الأرض إلى السماء… ومَن اشتغل بغير اللّهِ فقد أعرضَ عن اللّهِ بقَدْرِ ما اشتغل به {بِئۡسَ لِلظَّـٰلِمِینَ بَدَلࣰا} [الكهف ٥٠].

فشتّانَ بين مَن ينظُرُ إلى نفسه وبين من ينظر إلى ربِّه، وَفَرْقٌ  بينَ مَن تَعَلَّقَ بِرَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ، وبينَ مَن تَعَلَّقَ بِفَكِّ اطِّرَادِ الْعَادَات. أين النَّظَرُ إلَى رَبِّ الْأَرْبَابِ وَمَالِكِ الرِّقَابِ مِنَ النَّظَرِ إلَى مَنْ هُوَ سِتْرٌ وَحِجَابٌ بَيْنَ الْقُلُوبِ وَبَيْنَ الْمَلِكِ الْوَهَّابِ! وَكَفَى بِالْغَفْلَةِ عَنْ اللَّهِ عِقَابًا. [قواعد الأحكام في مصالح الأنام، عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام الدمشقي (660هـ-1262م)، ص496-497، دار ابن حزم، طبعة 1424ھ-2003م].

ونبّه الدكتور إسماعيل المقدم إلى “أن الكرامة غالبًا لا تحدث إلا مرة واحدة في العمر، وربما مرة واحدة على امتداد الزمان، بينما يرى التجانيون أن رؤية النبي صلى اللَّه عليه وسلم يقظة بعد موته في الدنيا تقع لآلاف البشر في الوقت الواحد؛ وكلُّ ذلك يبطل القول بأنها من باب الكرامة” [د. محمد بن أحمد إسماعيل المقدم، أصول بلا أصول، ص147، دار ابن الجوزي – القاهرة، ط1 سنة 1429ھ].

ولقد سبق أنْ قال الشيخ المُلا الهروي القاري: “إِذْ لَا يُعْرَفُ اسْتِمْرَارُ خَارِقِ الْعَادَةِ أَصْلًا لَا شَرْعًا، وَلَا عَقْلًا”. [جمع الوسائل في شرح الشمائل، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري، ج2 ص238، المطبعة الشرفية – مصر، طبع على نفقة مصطفى البابي الحلبي وإخوته].

تعقيب: قال الشيخُ محمد بن محمد بن مصطفى بن عثمان، أبو سعيد الخادمي الحنفي (المتوفى: 1156هـ): “ثُمَّ الْكَرَامَةُ قَدْ تَكُونُ فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا وَقَدْ تَكُونُ إلْجَائِيًّا، وَلَا يَجُوزُ إظْهَارُهَا بِاخْتِيَارِهِ عَلَى غَيْرِ أَهْلِهَا وَهَلْ يَجُوزُ عِلْمُ الْوَلِيِّ بِكَوْنِهِ وَلِيًّا قِيلَ: لَا؛ لِاسْتِلْزَامِ الْأَمْنِ” [بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية، محمد أبو سعيد الخادمي الحنفي (ت: 1156ھ)، مطبعة الحلبي الطبعة، ج1 ص 203].

هذا، ومن أنواع الخوارق التي ذكرها العلماء: المعونة؛ وعرَّفها الشيخُ محمد الحسن الدَّدَوْ الشنقيطي بقوله: “وهو ما يناله أواسط المسلمين ممن ليس مشهوراً بالطاعة ولا بالعبادة، فيُقَيِّضُ اللهُ له أمراً خارقاً للعادة بسبب إيمانه، كمن نفرت منه راحلته بخلاء من الأرض فأمسكتها عليه شجرة، فهذا النوع مما يعين على أمور الدنيا ليس داخلاً في نطاق الكرامة، ولكنه من العون يعين الله بها عباده، فيُقَيِّضُ لهم ما يعينهم على أمور دنياهم مما هو خارق للعادة” [انظر: الكلام على خوارق العادات، http://iswy.co/e3oku ].

وعرّفها الدكتور ماهر حنون -عضو جمعية هيئة علماء الأردن- بقوله: “ومن الأمور الخارقة للعادة أيضاً: المعونة؛ فهناك أمرٌ قد لا يظن الإنسان الصالح وجوده أو حدوثه؛ ثم يقع له حسب رغبته أو حسب ما ينجيه، كمن كان في صحراء وظهر له الأسد فوجد شجرة في مكان لا توجد في مثله الأشجار فتسلقها ونجى من الأسد، أو كما ورد في قصة أصحاب الغار”.

  • الدليلُ الرابع: استدلوا بوقوع هذه الرؤية لبعض الصحابة.

ا) رؤيةُ الصحابي ابن عباس لصورة النبي صلى الله عليه وسلّم في المرآة.

قال الإمامُ ابنُ أبي جمرة، في تعليقه على الأحاديث التي انتقاها من البخاري: “وقد ذُكِر عن بعض الصحابة -أظنه ابن عباس رضي الله عنهما- أنّه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فتذكر هذا الحديث، وبقي يفكر فيه؛ ثم دخل على بعض أزواج النبي -أظنها ميمونة- فقص عليها قصته، فقامت وأخرجت له مرآته صلى الله عليه وسلم. قال رضي الله عنه فنظرت في المرآة، فرأيت صورة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم أر لنفسي صورة”.

ولم يذكر لهذا الأثر إسنادا، ولم يذكره أحدٌ من أهل الحديث في كتبهم؛ وبهذا يسقط الاحتجاجُ بهذا الأثر.

ب) استدلوا بأثر عن ضمرة بن ثعلبة.

جاء فيه أنّ رؤيةَ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم في اليقظة، حصلت للصحابي ضمرة بن ثعلبة.

جاء في مسند الشاميين للطبراني، الحديث 1356: عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ السُّلَمِيِّ، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ادْعُ لِي بِالشَّهَادَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ دَمَ ابْنِ ثَعْلَبَةَ على الْمُشْرِكِينَ، وَالْكُفَّارِ، قَالَ: فَكُنْتُ أَحْمِلُ فِي عَظْمِ الْقَوْمِ، فَيَتَرَاءَى لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَهُمْ، وَأَحْمِلُ عَلَيْهِمْ حَتَّى أَقِفَ عِنْدَهُ، ثُمَّ يَتَرَاءَى لِي عِنْدَ أَصْحَابِي، فَأَحْمِلُ حَتَّى أَكُونَ مَعَ أَصْحَابِي، قَالَ: فَعَمَّرَ زَمَانًا مِنْ دَهْرِهِ.

وهذا الأثرُ وإنْ حسّنه الهيثمي في كتابه «مجمع الزوائد»، فهو في ميزان النقد العلمي غيرُ ثابت؛ فلقد ضعّفه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة: 6388 – (اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ دَمَ ابْنِ ثَعْلَبَةَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَالْكُفَّارِ).

والحافظان الطبراني ونور الدين الهيثمي لا يُعتمدُ عليهما في مجال الحكم على الأحاديث عند المحققين. [انظر: الدكتور عبد الله الجديع، تحرير علوم الحديث، ج1 ص338].

ج) هل رأى عثمانُ بنُ عفّانَ النَّبِيَّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في اليقظة، قبل استشهاده؟

وهذا الكلامُ ليس عليه دليلٌ ثابت؛ والآثارُ التي ذَكَرَت رُؤيةَ عُثمانَ بنِ عفان للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قبل استشهاده، تدلُّ بمجموعها على أنّ تلك الرؤية قد حصلت في منامه لا في يقظته؛ فلقد جاء في هذه الأحاديث أنّ عثمان رضي اللّهُ عنه:

  •  رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ ليْلاً.
  •  أُغْفِيَ فرأى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
  •  أنّه هَوَى فرأى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
  •  أنّه رأى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
  •  أنّه رأى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَارِحَةَ فِي الْمَنَامِ.
  •  أنّه رأى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ أَشْرَفَ من الكُوَّةِ في الليل.

وهذا لا يدل على أنّ عثمان رأى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم في اليقظة؛ ولذلك قال الحافظ البيهقي في «دلائل النبوة» (7/ 48): “رُوِيَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَا مِنْ أَوْجُهٍ كَثِيرَةٍ”.

و (الرُّؤْيَا) لا تكون إلاّ في المنام؛ وهذا يدلّ على أنّ هذه الأحاديث تدل على أنّ عثمان رأى النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في المنام، لا في اليقظة. [ انظر: https://www.djelfa.info/vb/showthread.php?t=2159353&styleid=16 ]

  • الدليلُ الخامس: استدلوا بوقوع هذه الرؤيةِ لعدد كبير من العلماء والصالحين.

قال بعضُهم: “كما أجمع العلماء على أن العدل الضابط إذا أخبر بأمر ممكن فلا وجه لتكذيبه. وقد أخبر برؤيته صلى الله عليه وسلم عدد كبير من العلماء والصالحين الذين لا يُشَكُّ في عدالتهم. إذاً فالأمر ثابت من غير حديثِ البخاري؛ ثم جاء حديث البخاري فازدادت المسألة ثباتًا على ثبات”.

  • ويُرَدُّ على هذا الكلام بما يأتي:

ا) هل صحيحٌ أنّ عددَ العلماء والصالحين، الذين أخبروا بوقوع هذه الرؤية لهم كان كبيراً؟

لقد صرَّح بعضُ العلماءِ الذين يُجوّزون الرؤية يقظةً، أنّ عددَ الذين وقعت لهم هذه الرؤية لم يكن كبيراً، بل كان قليلاً؛ قال العلاّمةُ محمد حبيب الله الشنقيطي: “إذا علمت ما قررناه من إمكان رؤيته صلى الله عليه وسلم في اليقظة كرامة لبعض خواص أكابر الأولياء…” [ زاد المسلم (3/ 187)/نقلاً عن: أُصُوْلٌ بِلاَ أُصُوْلٍ، محمد بن أحمد بن إسماعيل المقدم، ص 162، دار ابن الجوزي-القاهرة، الطبعة الأولى، 1429 هـ – 2008 م].

فهذا الشيخ يرى أنّ هذه الرؤية وقعت كرامةً لبعض خواص أكابر الأولياء فقط!

بل قال ابن الحاج: “بل بعضُهم يدعي رؤيته عليه الصلاة والسلام وهو في اليقظة، وهذا بابٌ ضيق، وقَلَّ من يقع له ذلك الأمرُ، إلّا مَن كان على صفةٍ عزيزٍ وجودُها في هذا الزمان، بل عدمت غالبا، مع أنا لا ننكر من يقع له هذا من الأكابر الذين حفظهم الله تعالى في ظواهرهم وبواطنهم” [المدخل لابن الحاج، ج3 ص 194].

ب) قال الشيخ الدكتور محمد بن أحمد إسماعيل المقدم: “إذا ظهر في كلام الأولياء والصالحين ما يخالف الشرع والعقل فينبغي أن يُحمَلَ على أحسن المحامل، ويُصارَ إلى تأويله؛ إذ قد يُنْقَلُ عنهم الكلامُ، ويُفْهَمُ على غير ما أرادوا؛ لتفاوت المدارك واختلاف العقول، فمن ذلك مثلًا ما قاله أبو العباس المُرْسِي: لي أربعون سنة ما حُجِبتُ عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، ولو حُجِبْتُ طرفةَ عين، ما أعددتُ نفسي من جملة المسلمين.

قال الشيخ الأهدل: فهذا كلام فيه تجوُّز يقع مثله في كلام الشيوخ والصالحين، والمراد به أنه لم يُحْجَبْ حجابَ غفلةٍ ونسيان عن دوام المراقبة واستحضارها في الأعمال والأقوال، ولم يُرِدْ أنه لم يحجب عن الروح الشخصية؛ فذلك مستحيل. (شرح المواهب اللدنية، للزرقاني، 5/ 300، 301).

أما من لم يبلغ درجة أولئك في الصلاح والتقوى فلا عِبرةَ بما يقوله، إنما هو شيطان تمثل له، وأخبر قرينه بخبر كاذب، بل قد يتمثل الشيطان لعباد اللَّه الصالحين” [انظر: أصول بلا أصول، د. محمد بن أحمد إسماعيل المقدم، 147-148، دار ابن الجوزي-القاهرة، ط1 سنة 1429ھ]

  • وقفةٌ تساؤلية: هل صحيحٌ أنّ الإمامَ القرطبي رأى النّبيَّ في اليقظة؟

ومن الذين نُقِل عنهم بعضُ الكلامِ، وفُهِمَ على غير ما أرادوا الإمامُ القرطبي؛ فلقد نسبَ إليه بعضُهم أنّه رأى النّبِيّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في اليقظةِ بعينَيْ رأسه، مُستدلِّين بقولٍ له جاء فيه: “ثمَّ: إنَّ الله تعالى كمَّل عليَّ إحسانه وإنعامه؛ وأوصلني بعد حجِّ بيته إلى قبر نبيه ومسجده، فرَأَيتُهُ وَاللهِ فـي اليقظة على النَّحو الذي رأيته في المنام مِن غير زيادة ولا نقصان”.

قالوا: لقد صرّح القرطبي هنا بأنّه رأى النّبيَّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في اليقظةِ، كما رآه في المنام!

والقصةُ التي رواها القُرطبيُّ جاءت كما يأتي: “تنبيه: قد قررنا أن المُدرَكَ في المنام أمثلةٌ للمَرئيات لا أنْفُسُ المرئيات، غير أنّ تلك الأمثلةَ تارةً تكون مطابقة لحقيقة المَرئِي، وقد لا تكون مطابقة. ثم المطابقة قد تظهر في اليقظة على نحو ما أُدرِكَتْ في النوم، كما قد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشةَ: “أُرِيتُكِ في سَرَقَةٍ من حَرِيرٍ، فإذا هي أنت”، ومعناه: أنه رآها في نومه على نحو ما رآها في يقظته.

قلت: وقد وقع لي هذا مرات، منها: أني لما وصلت إلى تونسَ قاصدا إلى الحج سمعت أخبارا سيئة عن البلاد المصرية من جهة العدو الذي غلب على دمياط، فعزمت على المقام بتونسَ إلى أن ينجليَ أمرُ العدو، فأُرِيتُ في النّوم كأني في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وأنا جالس قريبا من منبره، وأناس يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءني بعض من سلم عليه، فانتهرني وقال: قم فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقمت فشرعت في السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فاستيقظت، وأنا أسلم عليه، فجدد الله لي عزما، ويسّر علَيّ فيما كان قد صعب من أسبابي، وأزال عني ما كنت أتخوفه من أمر العدو، وسافرت إلى أن وصلت إلى الإسكندرية عن مدة مقدارها ثلاثون يوما في كَتَف السلامة، فوجدتها والديار المصرية على أشد خوف، وأعظم كرب، والعدو قد استفحل أمره، وعظمت شوكته، فلم أكمل في الإسكندرية عشرة أيام حتى كسر الله العدو، ومكّن منه من غير صنع أحد من المخلوقين، بل: بلطف أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين. ثم: إن الله تعالى كمل علي إحسانه، وإنعامه، وأوصلني بعد حج بيته إلى قبر نبيه ومسجده، فرأيته والله في اليقظة على النحو الذي رأيته في المنام من غير زيادة ولا نقصان.

ومنها: أني تزوجت امرأة، وقبل الدخول بها حُدِّثْتُ عن صفتها ما أوقع في قلبي نفرة، فأُرِيتُها في النوم على الصفة التي كانت عليها في بيتها، ثم إني لما اجتمعت بها وجدتها هي التي أُرِيتُها في النوم. ونحو هذا كثير” [المفهم لما أشكل من كتاب مسلم/كتاب الرؤيا/ باب رؤية النبي صلى الله عليه وسلم، ج6 ص24-25]

في هذه القصة يحكي القرطبي أنّه رأى في النوم كأنه في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس قريبا من منبره، ثمّ بعد أنْ حج بيت اللّهِ، ووصل إلى قبر نبيه ومسجده، أَقسَم باللّهِ أنّه رأى المسجد في اليقظة على النحو الذي رآه في المنام، من غير زيادة ولا نقصان. فهو قد رأى المسجد لا النّبيَّ صلى الله عليه وسلم؛ ومن له علمٌ متواضع باللغة العربية، يعلم أن الضميرَ المُتّصل (الهاء) في كلمة (فرأيته) -التي جاءت في النص: “وأوصلني بعد حج بيته إلى قبر نبيه ومسجده، فرأيته والله في اليقظة على النحو الذي رأيته في المنام من غير زيادة ولا نقصان”- يعُود على كلمة (المسجد)، لا على كلمة (نبيّه)؛ ولذلك جاء في آخر هذا النص قولُه: “مِن غير زيادة ولا نقصان”، أي: رأى المسجد كامِلاً، كما رآه في منامه. ولا يمكن أن يطلق هذا الكلام على النبي، ويقول إنه رآه كاملا بدون زيادة ولا نقصان

  • تذكير بقَاعِدَة «الْأَصْلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ»:

قال السيوطي في كتابه الإتقان: “الْأَصْلُ عَوْدُهُ عَلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ، أَيِ: الضَّمِيرُ، وَمِنْ ثَمَّ أُخِّرَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ: فِي قَوْلِه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} [الْأَنْعَام: 112]؛ لِيَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ لِقُرْبِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُضَافًا وَمُضَافًا إِلَيْهِ فَالْأَصْلُ عَوْدُهُ لِلْمُضَافِ؛ لِأَنَّهُ الْمُحَدِّثُ عَنْهُ، نَحْوَ: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [إِبْرَاهِيمَ: 4]. وَقَدْ يَعُودُ عَلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ، نَحْوَ: {إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} [غَافِرٍ: 37].

وَاخْتُلِفَ فِي {أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الْأَنْعَام: 145]، فَمِنْهُمْ مَنْ أَعَادَهُ عَلَى الْمُضَافِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَعَادَهُ إِلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ” [انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن/ النَّوْعُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ: فِي قَوَاعِدَ مُهِمَّةٍ يَحْتَاجُ الْمُفَسِّرُ إِلَى مَعْرِفَتِهَا].

وَلْنَرجِعْ إلى النصّ “وأوصلني بعد حج بيته إلى قبر نبيه ومسجده، فرأيته والله في اليقظة”.

فحرفُ الهاء -الذي هو ضمير متصل- في كلمة (فرأيته) يعود على المسجد في كلمة (مسجده)، لا إلى الهاء التي هي مضافٌ إليه، وأمّا (مسجد) فهو مضاف.

ورؤيةُ شيءٍ موجودٍ في الواقع في المنام؛ ثُمّ رؤيتُه في اليقظةِ، لا إشكال فيه، ومتّفقٌ على وقوعه.

وأمّا سَلامُ القرطبي على النَّبيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في المنام، فإنّه ليس دليلاً -أيضاً- على أنّه رآه في منامه.

فلا يوجد دليلٌ على أنّ القرطبي رأى النَّبِيَّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في منامه، ولا يوجد دليلٌ على أنّهُ رآه في يقظته؛ ومن قرأ القصة كاملة، وبتدبّر فإنّه سيفهم كلامه.

هذا، وقرأ أحدُهم قولَ القرطبي: “قلت: وقد وقع لي هذا مرات”، وفهِم منه أنّ القرطبي رأى النّبيَّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم عدّةَ مرّات!

ومعلومٌ أنّ الذي وقع للقرطبي عدة مرّاتٍ، هو أنّه كان يرى رؤيةً في نومِه؛ ثُمّ تظهر له في اليقظة على نحو ما أُرِيَها في النوم؛ لأنّ قولَه “قلت: وقد وقع لي هذا مرات” جاء بعد قولِه: “قد قررنا أن المُدرَكَ في المنام أمثلةٌ للمَرئيات لا أنْفُسُ المرئيات، غير أنّ تلك الأمثلةَ تارةً تكون مطابقة لحقيقة المَرئِي، وقد لا تكون مطابقة. ثم المطابقة قد تظهر في اليقظة على نحو ما أُدرِكَتْ في النوم”.

تنبيه: إنّ القرطبي اشتهر عنه -كما سنرى- أنّهُ اشْتدّ نكيرُه على من ادّعى إمكانيةَ رؤيةِ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في اليقظةِ، ولا يوجد أيُّ قولٍ صريح له، يدّعي فيه أنّه رأى النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في اليقظةِ!

ج) هؤلاء «الصالحون» أكثرهم مجهولون، والذين ثبت عنهم أنّهم رأوا النّبِيَّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في اليقظة، غيرُ معصومين من الخطأ في رؤيتهم، وغير معصومين من الشياطين، وليس هناك دليلٌ قاطعٌ على أنّهُم رأوا فعلاً شخصَ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم. [وانظر: كتاب مجلة المنار، محمد رشيد رضا (ج6 ص184)/ انظر: https://al-maktaba.org/book/6947/1224 ].

قال ابن تيمية: “وليس من شرط وليّ الله أن يكون معصوما لا يغلط ولا يُخطئ، بل يجوز أن يخفى عليه بعضُ علم الشريعة، ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين حتى يحسب بعض الأمور مما أمر الله به ومما نهى الله عنه، ويجوز أن يظن في بعض الخوارق أنها من كرامات أولياء الله تعالى وتكون من الشيطان، لبَّسَها عليه لنقص درجته، ولا يعرف أنها من الشيطان، وإن لمْ يخرجْ بذلك عن ولاية الله تعالى” [الفرقان 27].

وقال في موضع آخر: “وأعرف مَن وقع له هذا وأشباهه عددًا كثيرًا، وقد حدثني بما وقع له في ذلك، وبما أخبر به غيره من الصادقين من يطول هذا الموضع بذكرهم… لكنْ كثير من الناس يكذِّب بهذا، وكثير منهم إذا صدَّق به يظن أنه من الآيات الإلهية، وأن الذي رأى ذلك رآه لصلاحه ودينه، ولم يعلم أنه من الشيطان، وأنه بحسب قلة علم الرجل يضله الشيطان” [مجموع الفتاوى (27/ 390 – 392) بتصرف؛ نقلاً عن: أُصُوْلٌ بِلاَ أُصُوْلٍ، محمد بن أحمد بن إسماعيل المقدم، ص 162-163- دار ابن الجوزي – القاهرة، الطبعة الأولى، 1429ھ].

وقال ابن تيمية -أيضاً- في كتابه (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (1/174)): “ومنهم من يرى أشخاصا في اليقظة، يدعي أحدهم أنه نبي أو صديق أو شيخ من الصالحين.

وقد جرى هذا لغير واحد، وهؤلاء منهم من يرى ذلك عند قبر الذي يزوره، فيرى القبر قد انشق وخرج إليه صورة، فيعتقدها الميت، وإنما هو جني تصور بتلك الصورة.

ومنهم من يرى فارسا قد خرج من قبره، أو دخل في قبره، ويكون ذلك شيطانا.

وكل من قال: أنه رأى نبيا بعين رأسه فما رأى إلا خيالا”.

وقال ابنُ الجوزي: “قَدَّمْنا فيما تَقَدَّم أنَّ إبليس إنما يتمكّن من الإنسان على قَدْر قِلَّة العِلْم؛ فكلما قَلَّ علمُ الإنسانِ كثُرَ تمكُّنُ إبليسَ منه، وكلما كثُر العلمُ قَلَّ تمَكُّنُه منه. ومن العُبَّاد من يرى ضوءا أو نورا في السماء، فإن كان رمضان قال: رأيت ليلة القدر، وإن كان في غيره قال: قد فُتِحت لي أبواب السماء.

وقد يتفق له الشيءُ الذي يطلبه، فيظن ذلك كرامة، وربما كان اتفاقا وربما كان اختيارا، وربما كان من خدع إبليس؛ والعاقل لا يُساكِن شيئا من هذا ولو كان كرامة… ولمّا علم العقلاءُ شدة تلبيس إبليس حذَروا من أشياءَ ظاهرُها الكرامة وخافوا أن تكون من تلبيسه” [انظر: ابن الجوزي، تلبيس إبليس، ص 517].

وقال الدكتور محمد إسماعيل المقدم: “إنّ ما وقع لهؤلاء الشيوخ هل ثبت عنهم أنه كان يقظة أو منامًا؟ وإذا ثبت أنه كان يقظة، فهل ثبت عنهم بسند صحيح يوثق به؟ وإذا ثبت أنه كان يقظة بسند صحيح يوثق به، فهل هم معصومون من تلبيس الشيطان عليهم؟

كل هذه الأسئلة لا نجد الجواب عليها!!” [المرجع السابق، ص 149].

وقال الشيخ عطية صقر: “حوادث رؤية النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بعد موته كثيرة، لكن أسانيد رواياتها ظنية، وهناك مندوحة لعدم تصديقها، والرائى لا بد أن يكون عدلا، وفى الوقت نفسه يكون متثبتا مما رآه، كامل العقل والقدرة على الإخبار به كما حدث، وبدون ذلك تقوى التهمة، وكل راوٍ له استعداده في التحمل والنقل، والأداء ربما لا يعتبر تماما عن الرؤية” [دار الافتاء المصرية، مايو 1997/ انظر: https://islamarchive.cc/fatwaa_show_3758_13 ]

  • الدليلُ السادس: استدلُّوا بالسُّنَّة النَّبَوِيّة، واحتجّوا بالأحاديث الآتية:

الحديثُ الأوّل: روى البخاري عن النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: “من رآني في المنام، فسيراني في اليقظة”.

وهذا الحديثُ ليس نصّاً في هذه المسألة؛ للأدلة الآتية:

أ) إنّ قوْلَ أبِي بَكْرٍ -الذي سبق ذكرُه-: “فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ”، وقبولَ الصحابةِ قولَه، يدلُّ على عدم وجود نصٍّ من الكِتاب أو السُّنَّةِ على إمكانية رؤيةِ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في اليقظةِ بعد وفاتِه؛ ولو كان هذا الحديثُ نصًّا في المسألة، لذكره أبو بكر وقال للصحابة: “لِمَ هذا الفزع؟ ألمْ يعدْكم نبيُّكم أنكم سترونه في اليقظةِ، بعد موته؟”

ولا يمكن أن يغيبَ هذا الحديثُ عن جميع الصحابة، لو كان يدلُّ على الرُّؤية يقظةً!

ب) قال الحافظُ ابن حجر العسقلاني: “قوله «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة» زاد مسلم من هذا الوجه «أو فكأنما رآني في اليقظة» هكذا بالشك، ووقع عند الإسماعيلي في الطريق المذكورة: «فقد رآني في اليقظة» بدل قوله: «فسيراني»، ومثله في حديث ابن مسعود عند ابن ماجه. وصححه الترمذي وأبو عوانة، ووقع عند ابن ماجه من حديث أبي جحيفة: «فكأنما رآني في اليقظة»، فهذه ثلاثة ألفاظ: فسيراني في اليقظة، فكأنما رآني في اليقظة، فقد رآني في اليقظة؛ وجل أحاديث الباب كالثالثة إلا قوله: «في اليقظة»” [فتح الباري شرح صحيح البخاري/ كتاب التعبير].

وقال الشيخُ الألباني: “ولكنني في شكّ من ثبوت قوله: «فسيراني في اليقظة»؛ وذلك أن الرُّواةَ اختلفوا في ضبط هذه الجملة: «فسيراني في اليقظة»، فرواه هكذا البخاري كما ذكرنا، و زاد مسلم (7/ 54): «أو فكأنما رآني في اليقظة» هكذا على الشك” [ https://al-maktaba.org/book/31869/9935 ].

وقال الشيخ محمد أحمد لوح ما مُلخّصه: “ثمانيةٌ من أئمة الحديث أخرجوا هذا الحديث في كتبهم في 44 موضعاً، ولم يَرِدْ في أي موضع لفظ «فسيراني في اليقظة» بالجزم إلاّ في إحدى روايات البخاري عن أبي هريرة… وعند الترجيح نُقَدِّم رواية الجزم على رواية الشك”.

ثمّ بيّن خطأ السيوطي في كتابه (تنوير الحلك)، وذلك حين أوْهَم أنّ مسلماً وأبا داود أخرجا الحديث برواية الجزم؛ وأغفل جميع روايات البخاري الأخرى، التي خَلَتْ من هذا اللفظ. [انظر: تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي، محمد أحمد لوح، (2/39-52)، وانظر: https://www.saaid.net/feraq/sufyah/30.htm ].

تعقيب: والذي يُقوِّي رواية الجزم على رواية الشّكِّ أنّ الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة، جاء هكذا: حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي”. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ [أي: البخاري]: قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِذَا رَآهُ فِي صُورَتِهِ.

وهذا الحديثُ ليس في سَنَدِه ابنُ سيرينَ، وأمّا قولُه: “إِذَا رَآهُ فِي صُورَتِهِ”، الذي جاء في نهاية الحديث، فإنّه ليس دليلاً على أنّه من رجال الحديث؛ لأنّ البخاري هو الذي أورده هناك.

أمّا محمد بن سيرين فإنّه قد روى حديثَ رؤيةِ النَّبيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في المنام، عن أبي هريرةَ نفسِه، بدون ذكر لفظ “فسيراني في اليقظة”؛ فلقد روى أيوب وهشام عن محمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من رآني في المنام فقد رآني؛ فإن الشيطان لا يتمثل بي” [رواه مسلم وأحمد].

والراوي محمد عن أبي هريرة هو محمد بن سيرين، كما هو معلومٌ عند أهل الحديث. وابن سيرين هذا كان مِن كبار التابعين، وسمع العلم وتلقّاه عن عددٍ كبير من الصحابة، وثبت أنْه سمع من أبي هريرة رضي اللّهُ عنه، الذي روى عنه البخاري الحديث السابق. وكان محمّد بن سيرين إماماً في الحديث، والفقه، وتعبير الرؤيا؛ فلا يمكن لمثله أن لا يسمع اللفظَ “فسيراني في اليقظة”، لو ثبت عن أبي هريرة؛ فلو ثبت هذا اللفظُ عن أبي هريرة، لسمعه ابنُ سيرين، ولَجَاءت إحدى روايات الحديث عنه بذلك اللفظ أيضاً.

قال ابن حجر العسقلاني عند شرحه للحديث السابق الذي رواه البخاري: “كَانَ مُحَمَّد -يَعْنِي بن سِيرِينَ- إِذَا قَصَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: صِفْ لِيَ الَّذِي رَأَيْتَهُ، فَإِنْ وَصَفَ لَهُ صِفَةً لَا يَعْرِفُهَا قَالَ لَمْ تَرَهُ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ” [فتح الباري ( 12 / 383-384 )].

فابْنُ سيرين لم يَثْبُتْ عنه أنْ بَشَّرَ أحداً مِمَّنْ رأى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام برُؤْيتِه في اليقظة، ولم يَثْبُتْ عنه أنْ سأل أحداً رأى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام: هل رأيته في اليقظة؟

وهذا يؤكد أنّه لم تَصِلْهُ أيُّ رواية عن أبي هريرة -رضي اللّهُ عنه- ذُكِر فيها اللفظُ “فسيراني في اليقظة”؛ ومِثْلُ ابن سيرين لا يمكن أنْ يخفى عنه هذا اللفظ، وهذا يقَوّي التشكيكَ في ورودِه عن أبي هريرة رضي اللّهُ عنه.

ج) لو افترضنا أنّه قد ثبت اللفظ “فسيراني في اليقظة”، وأنّ الصحابة فهموا منه أنّ كلّ مَنْ رأى النّبِيَّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في المنام، فإنّه سَيَراهُ بعد أنْ يفيقَ من سُباتِه؛ فالذي قد يحدث بعد نومهم، هو أنّ منهم مَن قد يراه في منامه، ومنهم من قد لا يراه؛ ولكن بعد إفاقتِهم من نومِهم، فإنّهم كُلَّهم أو جُلَّهم سَيَرَوْنَه إمّا في المسجد أو في الطُّرُقات، في نفس اليوم أو في يومٍ آخر! فأيُّ مَزِيَّةٍ لمن رآه في المنام على مَن لم يره؟ ولا شكّ أنّهم سيستبعدون هذا الفهم الذي تبادر إلى أذهانهم؛ وهذا سيجعلهم يسألون نبِيَّهم عن مَقْصِدِ هذا اللفظِ الذي سمعوه؛ وأغلبُ الصحابة -رضي اللّهُ عنهم- كانوا يسألون النّبيَّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم عمّا كان يستشكل عليهم من مسائل.

قال الشيخ ابن عثيمين عند شرحه للحديث “إذا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ في النَّارِ” في كتابه (شرح رياض الصالحين): “وفيه: دليل على أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يُورِدون على الرسول صلى الله عليه وسلم الشُّبْهة فيجيب عنها”.

ولو فهم الصحابةُ أنّ هذه الرؤيةَ يمكن أن تحصلَ بعد موته صلّى اللّهُ عليه وسلّم لسألوه أيضاً: وكيف سنراك وأنت في قبرك؟

ولقد سألوه صلّى اللّهُ عليه وسلّم مثل هذا السؤال لمّا أخبرهم أنّ صَلَاتَهمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيه، فقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ -أَيْ، بَلِيتَ-؟ [رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ].

د) رؤيتُه صلَّى الله عليه وسلَّم في المنام قد يكون فيها بِشارةٌ، وقد يكون فيها تنبيهٌ عن غَفلةٍ، وقد يكون فيها غضبٌ على الرائي العاصي؛ قال الإمامُ النووي -في جوابه عن السؤال: رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام، هل يختص بها الصالحون، أم تكون لهم ولغيرهم؟-: تكون لهم ولغيرهم”. [فَتاوَى الإِمامِ النَّوَوَي المُسمَّاةِ: (بالمَسَائِل المنْثورَةِ): أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)، ص 275، ترتيبُ: تلميذه الشيخ عَلَاء الدِّين بن العَطّار، تحقِيق وتعلِيق: محمَّد الحجَّار، الناشر: دَارُ البشائرِ الإسلاميَّة للطبَاعَة وَالنشرَ والتوزيع، بَيروت – لبنان، الطبعة: السَادسَة، 1417 هـ – 1996 م].

وقال الشيخ ابن باز: “والرؤية للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم لا تدل على صلاح ولا على فساد قد يراه الفاجر، وقد يراه المؤمن … فالمقصود: أنه من رآه على صورته فقد رآه، لكن إن استقام على طاعة الله، واتبع شريعته نفعه ذلك، وإلا فالرؤية لا تنفعه إذا لم يستقم على دين اللّهِ” [برنامج نور على الدرب: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام بين الحقيقة والزيف].

وجاء في الفتوى رقم الفتوى: 24475، على موقع «إسلام ويب»: “فلا يلزم من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام أن يكون الرائي له رجلَ خير، فقد تكون الرؤيا تحذيراً للعاصي”.

فهل كلُّ مَن رأى النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم في المنام يستحقُّ رؤيتَه في اليقظة، ولو كان من الغافلين، أو العصاة المتمرِّدين؟

ھ) لقد طرح اللفظُ “فسيراني في اليقظة” بعضَ الإشكالات لدى العلماء الذين لم يردُّوه؛ لوجوده في صحيح البخاري، وأجابوا بأجوبة، وهذه بعضُها:

قَالَ ابْنُ بَطَّال: “قَوْلُه (فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَة) يُرِيدُ تَصْدِيقَ تِلْكَ الرُّؤْيَا فِي الْيَقَظَةِ وَصِحَّتَهَا، وَخُرُوجَهَا عَلَى الْحَقّ”.

وقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْنُ الْعَرَبِيّ: “وَقَوْله (فَسَيَرَانِي) مَعْنَاهُ: فَسَيَرَى تَفْسِيرَ مَا رَأَى، لِأَنَّهُ حَقٌّ وَغَيْبٌ أُلْقِيَ فِيهِ، قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا رَآهُ عَلَى صُورَتِهِ الْمَعْرُوفَة، فَإِنْ رَآهُ عَلَى خِلَافِ صِفَتِهِ، فَهِيَ أَمْثَال، فَإِنْ رَآهُ مُقْبِلًا عَلَيْهِ مَثَلًا، فَهُوَ خَيْرٌ لِلرَّائِي وَفِيهِ، وَعَلَى الْعَكْسِ فَبِالْعَكْسِ”.

وقال ابن التين‏:‏ “المراد من آمن به في حياته ولم يره لكونه حينئذ غائبا عنه؛ فيكون بهذا مبشرا لكل من آمن به ولم يره أنه لا بد أن يراه في اليقظة قبل موته قاله القزاز‏”.‏

وقال المازري‏:‏ “إن كان المحفوظ ‏(فكأنما رآني في اليقظة)‏ فمعناه ظاهر وإن كان المحفوظ ‏(فسيراني في اليقظة) احتمل أن يكون أراد أهل عصره ممن يهاجر إليه؛ فإنه إذا رآه في المنام جعل علامة على أنه يراه بعد ذلك في اليقظة وأوحى الله بذلك إليه صلى الله عليه وسلم‏”.‏

وانتصر لهذا القولِ مِنَ المعاصرين الشيخُ الدكتور مصطفى الزرقا، وقال: “والرأي الذي انتهيت إليه واطمأَنَّتْ إليه نفسي في فهم المراد بهذا الحديث النبوي، أنه خاص بعصر الرسول صلى الله عليه وسلم  وعصر صحابته الكرام، وليس له امتداد في الزمان ولا في الأشخاص. وحينئذ يكون قد انتهى حكمه بوفاة أخر صحابي من الصحابة الكرام الذين عايشوا الرسول صلى الله عليه وسلّم، أو شاهده أحدهم ولو مرة واحدة، وتعرف صورته الحقيقة” [انظر: https://al-maktaba.org/book/31621/29587#p1 ].

وقال القرطبي: “والصحيح في تأويل هذا الحديث، أن مقصوده أن رؤيته في كل حالة ليست باطلة ولا أضغاثا، بل هي حق في نفسها ولو رُئِي على غير صورته؛ فتصور تلك الصورة ليس من الشيطان بل هو من قبل الله”. وقال -أي: القرطبي-: “وهذا قول القاضي أبي بكر بن الطيب وغيره، ويؤيده قوله: (فقد رأى الحق) أي: رأى الحق الذي قصد إعلام الرائي به: فإن كانت على ظاهرها وإلا سعى في تأويلها ولا يهمل أمرها؛ لأنها إما بشرى بخير أو إنذار من شر، إما ليخيف الرائي وإما لينزجر عنه وإما ليُنَبَّه على حكم يقع له في دينه أو دنياه”.

ولقد اختصر ابن حجر العسقلاني الأجوبة التي وصلته بقوله: “وَالْحَاصِلُ مِنَ الْأَجْوِبَةِ سِتَّةٌ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ عَلَى التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ وَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ.

ثَانِيهَا: أَنَّ مَعْنَاهَا سَيَرَى فِي الْيَقَظَةِ تَأْوِيلَهَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَوِ التَّعْبِيرِ.

ثَالِثُهَا: أَنَّهُ خَاصٌّ بِأَهْلِ عَصْرِهِ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ.

رَابِعُهَا: أَنَّهُ يَرَاهُ فِي الْمِرْآةِ الَّتِي كَانَتْ لَهُ إِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ، وَهَذَا مِنْ أَبْعَدِ الْمَحَامِلِ.

خَامِسُهَا: أَنَّهُ يَرَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَزِيدِ خُصُوصِيَّةٍ لَا مُطْلَقٌ مَنْ يَرَاهُ حِينَئِذٍ مِمَّنْ لَمْ يَرَهُ فِي الْمَنَامِ.

سَادِسُهَا: أَنَّهُ يَرَاهُ فِي الدُّنْيَا حَقِيقَةً وَيُخَاطِبُهُ وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْإِشْكَالِ” [فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، ج12 ص385، دار المعرفة – بيروت، 1379].

ونلاحظ أنّ المجيبين في الأجوبة الخمسة الأولى لم يحملوا اللفظ “فسيراني في اليقظة” على الحقيقة، الذي حمله عليه بعضُهم، كما جاء في الجواب السادس، الذي ردَّه ابن حجر، لِمَا فيه من الإشكال الذي ذكره -عند ردّه على ابن أبي جمرة-؛ فلقد نقل ابن أبى جمرة عن جماعة من المتصوفة، أنهم رأوا النبيَّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في المنام؛ ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة، وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين؛ فأرشدهم إلى طريق تفريجها فجاء الأمر كذلك! فتعقب كلامَه العسقلانيُّ بقوله: “ويُعَكِّرُ عليه أن جَمْعًا جَمّاً رأوه في المنام، ثم لمْ يذكرْ واحدٌ منهم أنّه رآه في اليقظة؛ وخَبَرُ الصّادق لا يتخلف” [فتح الباري (12/385)].

فعلى سبيل المثال: لقد كان الصحابيُّ الجليلُ أنسُ بنُ مالك رضي اللّهُ عنه، يرى النّبيَّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم كلَّ ليلة، ولم يثبت عنه أنّه رآه في اليقظة.

قال أنس: “قَلَّ لَيْلَةٌ تَأْتِي عَلَيَّ إِلَّا وَأَنَا أَرَى فِيهَا خَلِيلِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ”، وكان يَقُولُ ذَلِكَ، وَتَدْمَعُ عَيْنَاهُ. [رواه الإمامُ أحمد، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لمسند الإمام أحمد: إسناده صحيح على شرط البخاري].

وقد يرى البعضُ، أنّ الإشكال الذي ذكره ابن حجر، يُمكن رفْعُه بما قاله الْإِمَامُ أبو محمد بن أبي جمرة فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْأَحَادِيثِ الَّتِي انْتَقَاهَا مِنَ الْبُخَارِيِّ: هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْ رَآهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ فَسَيَرَاهُ فِي الْيَقَظَةِ… وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ ذَلِكَ لِلْعَامَّةِ قُبَيْلَ الْمَوْتِ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ، فَلَا يَخْرُجُ رُوحُهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى يَرَاهُ وَفَاءً بِوَعْدِهِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَتَحْصُلُ لَهُمُ الرُّؤْيَةُ فِي طُولِ حَيَاتِهِمْ إِمَّا كَثِيرًا وَإِمَّا قَلِيلًا بِحَسْبِ اجْتِهَادِهِمْ وَمُحَافَظَتِهِمْ عَلَى السُّنَّةِ” [انظر: كتاب الحاوي للفتاوي، للسيوطي، تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك: ج2 ص308-309].

أو بما جاء عن الشيخ عبد الله التليدي، عند شرحه للحديث: “من رآني… فسيراني في اليقظة”، حيثُ قال: “يعني في الدنيا كرامةً له، وبشارةً، ولوْ عند آخر رمق من حياته، إن لم يكن أهلاً لرُؤْيَتِه يقظةً في حياته” [الشيخ عبد الله التليدي، جواهر البحار في الأحاديث الصحيحة القصار، ج 2 ص 723، ط1 سنة 1998م، دار البشائر الإسلامية].

ولكنْ هذا الكلامُ لا يرفع الإشكال المطروح؛ لأنّه لمْ يثبت عن أحد من أولئك الجمعِ الجَمِّ -الذين ذكر ابن حجر أنّهم رأوا النّبِيَّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في منامهم، ولم يروه في يقظتهم- أنّهُ لم يرَ النّبِيَّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم إلّا عند آخر رمق من حياته؛ ولقد كان الصحابي أنس بن مالك -كما سبق أن ذكرنا- يرى النّبيَّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم -بعد وفاته- كلَّ ليلة، ولم يره في اليقظة قَطُّ، ولو رآه لصرّح بذلك ولما استطاع أنْ يكتُم رؤيته له، لشدّةِ حبِّه للنّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم؛ ولمْ يثبت عنه أنّه رآه عند آخر رمق من حياته؛ ودليله ما جاء عن أنس بن سيرين -وهو أخو محمّد بن سيرين- قال: “شهدْتُ أنس بن مالك وحضره الموت، فجعل يقول: لقِّنوني لا إله إلا الله فلم يزل يقولها حتى قبض” [انظر: الثبات عند الممات لابن الجوزي، وجمع الجوامع للسيوطي].

هذا، والصحابي أنس بن مالك -رضي اللّهُ عنه- لم يكنْ من عامّة النّاسِ، فلماذا لم تَحْصُلْ لَهُ الرُّؤْيَةُ فِي طُولِ حَيَاتِهِ؟

ولمْ يذكرْ لنا ابن أبي جمرة -ولا التليدي- اسماً واحداً من أسماء بعضِ الصالحين، الذين لم يكونوا أهلاً لرُؤْيَة النَّبيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في اليقظة، ولم تحصل لهم هذه الرؤيةُ إلاّ عند آخر رمق من حياتهم.

  • توضيح موقف ابن حجر العسقلاني من رؤية النبيِّ في اليقظة:

لقد أنكر ابن حجر العسقلاني إمكانية الرُّؤية في اليقظة، ولكنْ له قولٌ آخر في «فتح الباري/ كتاب فضائل الصحابة» جاء فيه: “أَمَّا مَنْ رَآهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَبْلَ دَفْنِهِ فَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَحَابِيٍّ، وَإِلَّا لَعُدَّ مَنِ اتَّفَقَ أَنْ يَرَى جَسَدَهُ الْمُكَرَّمَ وَهُوَ فِي قَبْرِهِ الْمُعَظَّمِ -وَلَوْ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ- وَكَذَلِكَ مَنْ كُشِفَ لَهُ عَنْهُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ فَرَآهُ كَذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الْكَرَامَةِ” [فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، ص4 ج7، دار المعرفة – بيروت، 1379].

وقوله هذا يدلّ على أنّه لا ينكر رؤيةَ جسدِ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم  الْمُكَرَّمَ وَهُوَ فِي قَبْرِهِ الْمُعَظَّمِ،  لبعض الأولياء عن طريق الكشف؛ ولكنْ هذا ليس فيه التصريح بإمكانية رؤيةِ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في اليقظةِ، لبدنِه وروحِه خارجَ القبر، بعينَيْ الرأس.

الحديثُ الثاني: استدلّوا بقوله صلى الله عليه وسلم: “و الذي نَفْسُ أبي القَاسِمِ بيدِهِ لَيَنْزِلَنَّ عِيسَى بنُ مريمَ إِمامًا مُقْسِطًا، و حَكَمًا عَدْلًا، فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ، و لَيَقْتُلَنَّ الخِنْزِيرَ، و لَيُصْلِحَنَّ ذاتَ البَيْنِ، ولَيُذْهِبَنَّ الشَّحْناءَ، و لَيُعْرَضَنَّ عليهِ المالُ فلا يَقْبَلُهُ، ثُمَّ لَئِنْ قامَ على قبرِي فقال: يا محمدُ، لَأَجَبْتُهُ”.

وقالوا: لقد صرّح هذا الحديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم سيجيب نداء عيسى عليه اسلام، ومعلوم أن عيسى لن يكون وحده، فسيراه معه كلُّ مَن يحضره. وقالوا: نعم، إنّ الإجابةَ المُشارَ إليها في الحديث تكون بالصوت، ويحتمل أن تكون بالصورة أيضاً، ولا دليلَ على إنكار هذا الاحتمال!

ويُرَدُّ على هذا الدليل بما يأتي:

أوّلاً: روى البخاري ومسلم هذا الحديث بلفظ: “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا”.

وهذا الحديث -بهذا اللفظ- متفقٌ على ثبوته عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا إشكال فيه.

وأمّا الحديثُ الذي جاء بلفظ (ثُمَّ لَئِنْ قَامَ عَلَى قَبْرِي فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! لأُجِيبَنَّهُ) أو باللّفظ (وليأتين قبري حتى يسلِّمَ علَيَّ، وَلَأَرُدَّنَّ عليه) فهو غيرُ مقطوع بثبوته عن النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، كما ذهب إلى ذلك الحافظ ابن عساكر. وتصحيحُ الشيخ الألباني لهذا الحديث في «سلسلة الأحاديث الصحيحة (2733)»، لا يفتحُ البابَ للاستدلال به؛ لأنّ الحديث إذا اخْتُلِف في صحته، سقَط الاحتجاجُ به.

ثانيا: على فرض صحة الحديث، فيُحتمل أنّ المراد بقوله: (ثم لئن قام على قبري فقال: يا محمد، لأُجِيبَنَّه) هو تسليمُ عيسى على النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، كما في رواية الحاكم: (وليأتيَنّ قبري حتى يسلِّمَ علَيَّ، وَلَأَرُدَّنَّ عليه)؛ فإحدى الروايتين تُبَيِّن المراد بالرواية الأخرى، ويزول الإشكال بالكلية؛ فرَدُّ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سلامَ مَن يُسلِّم عليه: ثابت في حق غير عيسى عليه السلام، ولا إشكال فيه: فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ” [رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني].

ثالثا: ليس من النظر السديد في المسائل العلمية أن نَقِفَ عند لفظٍ واردٍ في إحدى الروايات، التي لم نتيقن ثبوتها، ونبني عليه مسائل عظيمة. [هذا الرّدُّ مختصرٌ من موقع “الإسلام سؤال وجواب” – السؤال 156011: هل ينادي عيسى بن مريم النبي صلى الله عليه وسلم في قبره فيجيبه؟: https://www.google.com/amp/s/islamqa.info/amp/ar/answers/156011 ].

الحديثُ الثالث: استدلّوا بما رواه البخاري ومسلم وغيرُهما، عن ابن عباس: “أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ مَرَّ بوادِي الأزْرَقِ، فقالَ: أيُّ وادٍ هذا؟ فقالوا: هذا وادِي الأزْرَقِ، قالَ: كَأَنِّي أنْظُرُ إلى مُوسَى عليه السَّلامُ هابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ، وله جُؤارٌ إلى اللهِ بالتَّلْبِيَةِ، ثُمَّ أتَى علَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى، فقالَ: أيُّ ثَنِيَّةٍ هذِه؟ قالوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى، قالَ: كَأَنِّي أنْظُرُ إلى يُونُسَ بنِ مَتَّى عليه السَّلامُ علَى ناقَةٍ حَمْراءَ جَعْدَةٍ عليه جُبَّةٌ مِن صُوفٍ، خِطامُ ناقَتِهِ خُلْبَةٌ وهو يُلَبِّي قالَ ابنُ حَنْبَلٍ في حَديثِهِ: قالَ هُشيمٌ: يَعْنِي لِيفًا”.

قال الإمامُ النووي: “وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، وفصّل القولَ فيها القاضي عياض -رحمه الله- فقال: “أكثرُ الرواياتِ في وصْفِهم تدل على أنه صلى الله عليه وسلم رأى ذلك ليلة أسري به، وقد وقع ذلك مبينًا في رواية أبي العالية عن ابن عباس، وفي رواية ابن المسيب عن أُبَيّ -رضي الله عنه- وليس فيها ذكر التلبية.

قال: فإن قيل: كيف يحجون ويلبون وهم أموات، وهم في الدار الآخرة، وليست دارَ عمل؟

فاعلم أنّ للمشايخ -وفيما ظهر لنا- عن هذا أجوبةٌ:

 – أحدُها: أنهم كالشهداء، بل هم أفضل منهم، والشهداء أحياء عند ربهم، فلا يبعد أن يحجوا ويُصَلُّوا كما ورد في الحديث الآخر، وأن يتقربوا إلى الله تعالى بما استطاعوا؛ لأنهم وإنْ كانوا قد توفوا فهم في هذه الدنيا التي هي دار العمل، حتى إذا فنيت مدتها وتعقبتها الآخرة التي هي دار الجزاء؛ انقطع العمل.

 – الوجه الثاني: أن عمل الآخرة ذكرٌ ودعاءٌ، قال الله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [يونس: 10].

 – الوجه الثالث: أن تكون هذه رؤيةَ منامٍ في غير ليلة الإسراء أو في بعض ليلة الإسراء كما قال في رواية ابن عمر -رضي الله عنهما-: (بينا أنا نائم رأيتني أطوف الكعبة)، وذكر الحديث في قصة عيسى عليه السلام.

 – الوجه الرابع: أنه صلى الله عليه وسلم أُري أحوالهم التي كانت في حياتهم، ومُثِّلوا له في حال حياتهم كيف كانوا، وكيف حجهم وتلبيتهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (كأني أنظر إلى موسى، وكأني أنظر إلى عيسى، وكأني أنظر إلى يونس -عليهم السلام-).

 – الوجه الخامس: أن يكون أَخبَر عما أوحِيَ إليه صلى الله عليه وسلم من أمرهم، وما كان منهم، وإن لم يرهم رؤيةَ عينٍ” [شرح النووي على مسلم، ج2 ص228-229].

إنّ الاختلافَ الذي وقع في كيفية حصول رؤيةِ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم لموسى ويونس، واحتمال أنه صلى الله عليه وسلم أُرِي أحوالهم التي كانت في حياتهم، ومُثِّلُوا له في حال حياتهم كيف كانوا، وكيف حجهم وتلبيتهم، أو أن يكون أُخبِر عما أوحي إليه صلى الله عليه وسلم من أمرهم، وما كان منهم وإن لم يرهم رؤية عين؛ هذا الاختلافُ يُضعف الاحتجاج بهذا الحديث في مسألة غيبية، تحتاجُ إلى دليل قطعيِّ الثبوت وقطعيِّ الدلالة!

الحديثُ الرابع: استدلوا بالحديث الذي جاء  فيه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم: “الأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ” [رواه أبو يعلى في مسنده ( 3425 ) وصححه محققه، وصححه الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (621)].

وقالوا هذا الحديث دليلٌ على أن الأنبياء أحياءٌ في قبورهم، ومَن كان حيًّا فيمكن رؤيته ولقاؤه.

تعقيب:

هذا الحديثُ ليس فيه أيُّ دليلٍ على إمكانية رُؤيةِ النَّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم يقظةً بعَينَيْ الرأس؛ قال الشيخ الألباني: “ثم اعلم أن الحياة التي أثبتها هذا الحديث للأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما هي حياة برزخية، ليست من حياة الدنيا في شيء، ولذلك وجب الإيمان بها دون ضرب الأمثال لها ومحاولة تكييفها وتشبيهها بما هو المعروف عندنا في حياة الدنيا” [السلسلة الصحيحة (2 / 120 )].

وقال الأستاذ الدكتور سعود بن عبد العزيز خلف الخلف: (أمّا الاحتجاجُ بحديث “الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون)، فهو احتجاجٌ باطلٌ لعدة أوجه:

أ- أن هذه حياةٌ برزخية لا يُعرَف كُنْهُها ولا كيفيّتُها؛ فدعوى أنهم يلقونه ويجتمعون به يجعل ذلك من جنس الحياة العادية وذلك باطل.

ب- أن الوارد في الحديث أنه قال: في قبورهم فقَيّدَها بذلك، فالحياة البرزخية تتقَيّد بذلك؛ فدعوى أنهم أحياءٌ بأجسادهم خارجَ قبورهم خلافُ ما دلَّ عليه الدليل.

ج- أن هذه الحياة من جنس الحياة التي ذكرها الله عز وجل للشهداء، ولا أحدَ يقول أن الشهيد يلقاه الناس بجسده خارجا عن قبره بناءً على الحياة التي خُصَّ بها” [أصول مسائل العقيدة عند السلف وعند المبتدعة، سعود بن عبد العزيز الخلف، ج1 ص30-31].

واحتجّوا -أيضاً- بما رواه الإمامُ مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “… وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّى فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَائِمٌ يُصَلِّي أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَائِمٌ يُصَلِّى أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ -يَعْنِي: نَفْسَهُ- فَحَانَتِ الصَّلاَةُ فَأَمَمْتُهُمْ”.

قال ابن حجر العسقلاني: “وقد اسْتُشْكِل رؤيةُ الأنبياءِ في السماوات، مع أنّ أجسادَهم مستقرّةٌ في قبورهم بالأرض، وأُجِيبَ: بأن أرواحهم تشكلت بصور أجسادهم، أو أُحضِرَت أجسادُهم لملاقاة النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة تشريفاً له وتكريماً” [فتح الباري ( 7 / 210 )].

وقال الشيخ ابن تيمية: “وأما رؤيته -أي: رؤية موسى عليه السلام- ورؤية غيره من الأنبياء ليلة المعراج في السماء، لما رأى آدم في السماء الدنيا، ورأى يحيى وعيسى في السماء الثانية، ويوسف في الثالثة، وإدريس في الرابعة، وهارون في الخامسة، وموسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة، أو بالعكس: فهذا رأى أرواحَهم مصوَّرةً في صور أبدانهم. وقد قال بعض الناس: لعلّه رأى نفس الأجساد المدفونة في القبور؛ وهذا ليس بشيء” [مجموع الفتاوى (4 / 328)].

وقال الشيخ صالح آل الشيخ: “والأظهر من القولين عندي: أنَّ ذلك كان بالأرواح دون الأجساد، خلا عيسى عليه السلام؛ وذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حين التقى بالأنبياء وصلُّوا معه صلى الله عليه وسلم:

– إمّا أن يُقال: صَلَّوا معه بأجسادهم، وقد جُمِعَت أجسادهم له من القبور، ثم رَجعت إلى القبور وبقيت أرواحُهم في السماء.

– وإمّا أن يُقال: هي بالأرواح فقط؛ لأنَّهُ لقيهم في السماء.

ومعلوم أنَّ الرّفع إنما خُصَّ به عيسى عليه السلام إلى السماء رَفْعاً حيّاً، وكونهم يُرْفَعُون بأجسادهم وأرواحهم إلى السماء دائماً ولا وجود لهم في القبور: هذا لا دليل عليه، بل يخالف أدلة كثيرة: أنَّ الأنبياء في قبورهم إلى قيام الساعة.

فمعنى كونهم ماتوا ودُفنوا: أنَّ أجسادهم في الأرض، وهذا هو الأصل.

ومن قال بخلافه قال: هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه بُعِثَتْ له الأنبياء فَصَلَّى بهم ولقيهم في السماء.

وهذه الخصوصية لابدَّ لها من دليل واضح، وكما ذكرتُ فالدليل التأمُّلي يعارضه.

وعلى كلٍّ: هما قولان لأهل العلم من المتقدمين والمتأخرين” [شرح العقيدة الطحاوية (شريط رقم 14)].

وقال ابن تيمية: “وأما كونه رأى موسى قائمًا يُصلِّي في قبره، ورآه في السماء أيضًا، فهذا لا منافاةَ بينهما، فإن أمر الأرواح من جنس أمر الملائكة في اللحظة الواحدة تصعد وتهبط كالمَلَك، ليست في ذلك كالبدن” [مجموع الفتاوى (4/328)].

  • الأحاديث الخامس والسادس والسابع:

واحْتَجَّ بعضُهم بأحاديثَ في صِحّتِها نظر، وليس فيها أيُّ دليلٍ قاطعٍ على جواز الرؤية يقظةً، منها:

  •  إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُتْرَكُونَ فِي قُبُورِهِمْ بَعْدَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَلَكِنَّهُمْ يُصَلُّونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يُنْفَخَ فِي الصُّورِ.
  •  مَا مِنْ نَبِيٍّ يَمُوتُ فَيُقِيمُ فِي قَبْرِهِ إِلَّا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا.
  •  أَنَا أَكْرَمُ عَلَى رَبِّي مِنْ أَنْ يَتْرُكَنِي فِي قَبْرِي بَعْدَ ثَلَاثٍ.

قال الأستاذ الدكتور سعود بن عبد العزيز خلف الخلف: “استدلال الصوفية بأحاديث غير صحيحة في هذا مردود غير مقبول، وذلك مثل: (أنا أكرم على ربي أن يتركني في قبري بعد ثلاث) حديث غير صحيح قال عنه ابن حجر: «لا أصل له» [فتح الباري 7/296] أو رواية (إن الله لا يترك نبيا في قبره أكثر من نصف يوم) قال ابن عبد الهادي: «حديث منكر غير صحيح» [الصارم المنكى، ص: 271، مصادر التلقي ص: 414] وكذلك سائر الروايات من هذا الجنس كلها أحاديث غير صحيحة كما صرح بذلك العديد من الأئمة فلا تقوم بها حجة” [أصول مسائل العقيدة عند السلف وعند المبتدعة، سعود بن عبد العزيز الخلف، ج1 ص31].

وتناول بعضُ كبار المُحدِّثين هذه الأحاديث بالدراسة، فجاءت كما يأتي:

قال ابن الملقن في كتابه «البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير»: “قلت: وَفِي «الموضوعات» لأبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ من حَدِيث أنس (رَفعه) : (مَا من نَبِي يَمُوت فيقيم فِي قَبره إِلَّا أَرْبَعِينَ صباحًا، حَتَّى يرد الله إِلَيْهِ روحه). ثمَّ قَالَ: قَالَ ابْن حبَان: هَذَا حَدِيث بَاطِل مَوْضُوع” [البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير، ابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري، ج5 ص286، تحقيق: مصطفى أبو الغيط وعبد الله بن سليمان وياسر بن كمال، دار الهجرة للنشر والتوزيع – الرياض-السعودية الطبعة: الاولى، 1425ھ-2004م].

وقال وَلِيُّ الدّين العراقي -وهو ابن العراقي صاحب الألفية- في كتابه «الأجوبة المرضية عن الأسئلة المكية» في (المسألة الرابعة والعشرون)، جواباً عن الأسئلة: الحديثُ الذي وردَ عن النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم أنّه قال: “أنا أَكْرَمُ على ربِّي مِن أنْ يَدَعَني في قبري بعْد ثلاثٍ”؛ مَن أخرجه مِن الحفّاظ؟ وهل صحّ هذا الحديثُ أمْ لا؟ وما معناه؟ وهل هو صلّى اللّهُ عليه وسلّم في قبره أمْ لا؟

الجواب: هذا الكلامُ لا أصْلَ له عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يُخْرجْه أحدٌ من الحفاظ ولا من غيرِهم، وليس له إسنادٌ أصلاً، لا صحيحٌ ولا ضعيفٌ، وإنما يُقال على الألسنة؛ ثم إنه باطل في نفسه، والنبي صلى الله عليه وسلم الآن في قبره، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة”، وهو ثابت في الصحيحين، وله عدة طرق وهذا أمر لا شك فيه، والله أعلم. انتهى كلامُ وَلِيُّ الدّين العراقي. [الأجوبة المرضية عن الاسئلة المكية، الحافظ ولي الدين أبي زرعة أحمد بن الحافظ أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي الشافعي / 826 ھ، تحقيق محمد تامر، طُبِع في مكتبة التوعية الاسلامية مصر دراسة].

وجاء في كتاب «التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير» لابن حجر العسقلاني ما يأتي: “777 – (47) – حَدِيثُ: رُوِيَ «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَنَا أَكْرَمُ عَلَى رَبِّي مِنْ أَنْ يَتْرُكَنِي فِي قَبْرِي بَعْدَ ثَلَاثٍ» وَكَذَا أَوْرَدَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي نِهَايَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَرُوِيَ «أَكْثَرُ مِنْ يَوْمَيْنِ»، لَمْ أَجِدْهُ هَكَذَا، لَكِنْ رَوَى الثَّوْرِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنْ شَيْخٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «مَا يَمْكُثُ نَبِيٌّ فِي قَبْرِهِ، أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً حَتَّى يُرْفَعَ»، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي الْمِقْدَامِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يُسَلِّمُونَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا مَكَثَ نَبِيٌّ فِي الْأَرْضِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَهَذَا ضَعِيفٌ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَقِبَهُ حَدِيثَ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «مَرَرْت بِمُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ». وَأَرَادَ بِذَلِكَ رَدَّ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَمِمَّا يَقْدَحُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ حَدِيثُ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ: «صَلَاتُكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ» الْحَدِيثَ. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ»، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَ الْأَوَّلِ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: هَذَا بَاطِلٌ مَوْضُوعٌ” [التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير المؤلف: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852ھ) تحقيق: أبو عاصم حسن بن عباس بن قطب، الجزء 2 ص253-254، الناشر: مؤسسة قرطبة – مصر، الطبعة: الأولى، 1416هـ/1995م].

وقال ابن حجر العسقلاني في «فتح الباري»: “وَقَدْ جَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ كِتَابًا لَطِيفًا فِي حَيَاة الْأَنْبِيَاء فِي قُبُورهمْ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَس «الْأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورهمْ يُصَلُّونَ» أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير وَهُوَ مِنْ رِجَال الصَّحِيح عَنْ الْمُسْتَلِم بْن سَعِيد، وَقَدْ وَثَّقَهُ أَحْمَد وَابْن حِبَّانَ عَنْ الْحَجَّاج الْأَسْوَد وَهُوَ اِبْن أَبِي زِيَاد الْبَصْرِيّ وَقَدْ وَثَّقَهُ أَحْمَد وَابْن مُعِين عَنْ ثَابِت عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَده مِنْ هَذَا الْوَجْه، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّار لَكِنْ وَقَعَ عِنْده عَنْ حَجَّاج الصَّوَّاف وَهُوَ وَهْم، وَالصَّوَابُ: الْحَجَّاج الْأَسْوَد كَمَا وَقَعَ التَّصْرِيح بِهِ فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيِّ وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيق الْحَسَن بْن قُتَيْبَة عَنْ الْمُسْتَلِم، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْبَزَّار وَابْن عَدِيّ، وَالْحَسَن بْن قُتَيْبَة ضَعِيف. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَة مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى أَحَد فُقَهَاء الْكُوفَة عَنْ ثَابِت بِلَفْظِ آخَر قَالَ: «إِنَّ الْأَنْبِيَاء لَا يُتْرَكُونَ فِي قُبُورهمْ بَعْد أَرْبَعِينَ لَيْلَة وَلَكِنَّهُمْ يُصَلُّونَ بَيْن يَدَيْ اللَّه حَتَّى يُنْفَخ فِي الصُّوَر»، وَمُحَمَّد سَيِّئ الْحِفْظ. وَذَكَرَ الْغَزَالِيّ ثُمَّ الرَّافِعِيّ حَدِيثًا مَرْفُوعًا «أَنَا أَكْرَم عَلَى رَبِّي مِنْ أَنْ يَتْرُكنِي فِي قَبْرِي بَعْد ثَلَاث وَلَا أُصَلِّي لَهُ»، إِلَّا إِنْ أُخِذَ مِنْ رِوَايَة اِبْن أَبِي لَيْلَى هَذِهِ وَلَيْسَ الْأَخْذ بِجَيِّدِ لِأَنَّ رِوَايَة اِبْن أَبِي لَيْلَى قَابِلَة لِلتَّأْوِيلِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إِنْ صَحَّ فَالْمُرَاد أَنَّهُمْ لَا يُتْرَكُونَ يُصَلُّونَ إِلَّا هَذَا الْمِقْدَار ثُمَّ يَكُونُونَ مُصَلِّينَ بَيْن يَدَيْ اللَّه” [فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، ج6 ص487، دار المعرفة – بيروت، 1379].

  • الدليلُ السابع: احتجّوا بأنّ هذه الرؤيةَ، قال بها بعضُ العلماءِ.

قالوا: إن رُؤيةَ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يقظةً قد قال بها بعضُ العلماءِ، كالإمام السيوطي، وابن أبي جمرة، والشيخ يوسف بن إسماعيل، النبهاني، وابن حجر المكي الهيتمي، وأبي حامد الغزالي، وابن الحاج، والسبكي، والعفيف اليافعي.

ورُدَّ عليهم بما يأتي:

أ) اجتهادُ العلماءِ وأقوالُهم، ليست بأدلّة شرعية؛ ولا يُحْتجُّ بقولهم إلاّ عند إجماعهم عليه. بل قال القاضي أبو بكر بن العربي في ردِّه على الذين تأثروا بالقول برؤية النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم يقظةً: “شذّ بعضُ الصالحين، فزعم أنها -أي رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظةً بعد موته- تقع بعيني الرأس حَقِيقَةً” [فتح الباري، الحافظ ابن حجر العسقلاني، 12/384].

والأقوالُ الشّاذّةُ لا يُعملُ بها، كما هو معلومٌ عند المُحَقِّقين من أهل العلم.

ب) لماذا لمْ يحْتَجُّوا بالعلماء الآخرين -وهم من أهلِ التحقيق- الذين قالوا بعدمِ إمكانية الرؤية يقظةً، ومنهم: الإمامُ القرطبي، والحافظ ابن حجر العسقلاني، والحافظ ابن كثير، والإمامُ القاضي أبو بكر بن العربي المالكي، وابن الجوزي، والحافظ الكبير السخاوي الذي كان معاصِراً للسيوطي، والإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني؟ بل لماذا لم يحتجوا ببعض كبار أهل التصوف الذين نَفَوْا وقوع رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة؛ ومنهم أبو القاسم القشيري الذي قال: “وقال بعضُهم: في النوم معانٍ ليست في اليقظة، منها: أنه يرى المصطفى صلى الله عليه وسلم والصحابة والسلف الماضين في النوم، ولا يراهم في اليقظة” [الرسالة القشيرية، باب رؤيا القوم، ص368].

إنّ الإمامَ القشيري كان من كبار الصوفية، ونقل عن بعضهم: عدم إمكانية رؤية النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم يقظةً؛ وأقَرَّ قولَهم ولم يُنْكِرْه!

  • وقفة1: هل صحّ أنْ قال الإمامَان القرطبي والقاضي أبو بكر بن العربي، بجواز الرؤية في اليقظة؟

نسب البعضُ إلى الإمامَيْن القرطبيِّ -صاحبِ التفسير- والقاضي أبي بكر بنِ العربي المالكيِّ، القولَ بجواز رؤيةِ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في اليقظةِ؛ وهذا غيرُ صحيحٍ، وفيما يلي تبرئة هذين الإمامَيْن من هذا القول:

أ- استدلوا بقول القرطبي في كتابه التذكرة: “قال شيخنا أحمد بن عمر: موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أن غُيِّبُوا عنا بحيث لا ندركهم وإن كانوا موجودين أحياء، وذلك كالحال في الملائكة فإنهم موجودون أحياء ولا يراهم أحدٌ من نَوْعِنا إلّا مَن خَصّه الله بكرامة من أوليائه” [التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة: 1/212].

ولا يوجد في هذا الكلام أيُّ دليلٍ على ما ذهبوا إليه؛ لأنّ الضميرَ (هُم) في كلمة (يراهم) يعود إلى (الملائكة)، ولا إشكال في رؤيتهم في هذه الدنيا بعيَنَيْ الرأس؛ لأنّ إمكانية رؤيتهم ثبتت بالكتاب والسُّنَّةِ؛ فلقد ثبت أن الملائكةَ يمكن أن يتشكّلوا في صورة البشر، ويمكن رؤيتهم، كما تشكّل جبريلُ لمريم، فكلّمها وكلّمته؛ قال تعالى: {وَٱذۡكُرۡ فِی ٱلۡكِتَـٰبِ مَرۡیَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانࣰا شَرۡقِیࣰّا. فَٱتَّخَذَتۡ مِن دُونِهِمۡ حِجَابࣰا فَأَرۡسَلۡنَاۤ إِلَیۡهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرࣰا سَوِیࣰّا} [مريم: 16-17].

قال ابن كثير في تفسيره: “قَوْلُهُ: {فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا} أَيِ: اسْتَتَرَتْ مِنْهُمْ وَتَوَارَتْ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهَا جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} أَيْ: عَلَى صُورَةِ إِنْسَانٍ تَامٍّ كَامِلٍ.

قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وقَتَادَةُ، وَابْنُ جُرَيْج وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّه، والسُّدِّي، فِي قَوْلِهِ: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا} يعني: جبريل، عليه السلام.

وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ هُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَدْ قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [الشُّعَرَاءِ: 193، 194]” انتهى كلامُ ابنِ كثير.

وكما وقع للثّلاثة الذين جاءهم ملَكٌ في صورة بشر، فكلّمهم وكلّموه؛ قال النّبِيُّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم: “إنَّ ثَلَاثَةً في بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَبْرَصَ، وَأَقْرَعَ، وَأَعْمَى، بَدَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا، فأتَى الأبْرَصَ، فَقالَ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ؛ قدْ قَذِرَنِي النَّاسُ، قالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عنْه، فَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا، وَجِلْدًا حَسَنًا، فَقالَ: أَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ: الإبِلُ – أَوْ قالَ: البَقَرُ، هو شَكَّ في ذلكَ: إنَّ الأبْرَصَ وَالأقْرَعَ قالَ أَحَدُهُما: الإبِلُ، وَقالَ الآخَرُ: البَقَرُ -، فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقالَ: يُبَارَكُ لكَ فِيهَا. وَأَتَى الأقْرَعَ فَقالَ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ: شَعَرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هذا؛ قدْ قَذِرَنِي النَّاسُ، قالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ، وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا، قالَ: فأيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ: البَقَرُ، قالَ: فأعْطَاهُ بَقَرَةً حَامِلًا، وَقالَ: يُبَارَكُ لكَ فِيهَا. وَأَتَى الأعْمَى فَقالَ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ: يَرُدُّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَأُبْصِرُ به النَّاسَ، قالَ: فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قالَ: فأيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ: الغَنَمُ، فأعْطَاهُ شَاةً وَالِدًا، فَأُنْتِجَ هذانِ وَوَلَّدَ هذا، فَكانَ لِهذا وَادٍ مِن إِبِلٍ، وَلِهذا وَادٍ مِن بَقَرٍ، وَلِهذا وَادٍ مِن غَنَمٍ، ثُمَّ إنَّه أَتَى الأبْرَصَ في صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ، تَقَطَّعَتْ بيَ الحِبَالُ في سَفَرِي، فلا بَلَاغَ اليومَ إِلَّا باللَّهِ ثُمَّ بكَ، أَسْأَلُكَ بالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الحَسَنَ، وَالجِلْدَ الحَسَنَ، وَالمَالَ؛ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عليه في سَفَرِي، فَقالَ له: إنَّ الحُقُوقَ كَثِيرَةٌ، فَقالَ له: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ، فقِيرًا فأعْطَاكَ اللَّهُ؟ فَقالَ: لقَدْ وَرِثْتُ لِكَابِرٍ عن كَابِرٍ، فَقالَ: إنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إلى ما كُنْتَ. وَأَتَى الأقْرَعَ في صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقالَ له مِثْلَ ما قالَ لِهذا، فَرَدَّ عليه مِثْلَ ما رَدَّ عليه هذا، فَقالَ: إنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إلى ما كُنْتَ، وَأَتَى الأعْمَى في صُورَتِهِ، فَقالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابنُ سَبِيلٍ، وَتَقَطَّعَتْ بيَ الحِبَالُ في سَفَرِي، فلا بَلَاغَ اليومَ إِلَّا باللَّهِ ثُمَّ بكَ، أَسْأَلُكَ بالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بهَا في سَفَرِي، فَقالَ: قدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ بَصَرِي، وَفقِيرًا فقَدْ أَغْنَانِي، فَخُذْ ما شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لا أَجْهَدُكَ اليومَ بشَيءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ؛ فإنَّما ابْتُلِيتُمْ، فقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ، وَسَخِطَ علَى صَاحِبَيْكَ” [رواه البخاري ومسلم].

إنّ قولَ القرطبي كان الهدف منه هو الإيمانُ بحياةِ الشهداءِ في قبورهم، وإنْ كنّا لا نراهم ولا نشعر بهم، كما نؤمن بوجود الملائكة رغم أنّنا لا نراهم.

وأمّا موقفه من رؤية النّبِيِّ في اليقظةِ، فقد جاء واضحاً في قوله: “قولُه صلى الله عليه وسلم: (من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي)، وفي أخرى: (فإن الشيطان لا ينبغي أن يتشبه بي)، وفي أخرى: (لا ينبغي أن يتمثل في صورتي)، وفي غير كتاب مسلم: (لا يتكوّنني)، اخْتُلِفَ في معنى هذا الحديث، فقالت طائفة من القاصرين: هو على ظاهره، فمن رآه في النوم رأى حقيقته، كما يُرَى في اليقظة. وهو قول يُدرَك فسادُه بأوائل العقول، فإنه يلزم عليه ألا يراه أحد إلا على صورته التي توفي عليها، ويلزم عليه ألا يراه رائيان في وقت واحد في مكانين، ويلزم عليه أن يحيا الآن، ويخرج من قبره، ويمشي في الناس، ويخاطبهم، ويخاطبونه كحالته الأولى التي كان عليها، ويخلو قبره عنه، وعن جسده، فلا يبقى منه فيه شيء فيزار غير جدث، ويسلم على غائب؛ لأنه يرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته، في غير قبره. وهذه جهالات لا يبوء بالتزام شيء منها من له أدنى مسكة من المعقول، وملتزم شيء من ذلك مختل مخبول” [المفهم لما أشكل من كتاب مسلم/ كتاب الرؤيا/ باب رؤية النبي صلى الله عليه وسلم، ج6 ص22-23].

ونقل ابن حجر العسقلاني كلامَه في (فتح الباري)، فقال: “قَالَ الْقُرْطُبِيُّ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ فَقَالَ قَوْمٌ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَمَنْ رَآهُ فِي النَّوْمِ رَأَى حَقِيقَتَهُ كَمَنْ رَآهُ فِي الْيَقَظَةِ سَوَاءً قَالَ وَهَذَا قَوْلٌ يُدْرَكُ فَسَادُهُ بِأَوَائِلِ الْعُقُولِ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ إِلَّا عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا وَأَنْ لَا يَرَاهُ رَائِيَانِ فِي آنٍ وَاحِدٍ فِي مَكَانَيْنِ وَأَنْ يَحْيَا الْآنَ وَيَخْرُجَ مِنْ قَبْرِهِ وَيَمْشِيَ فِي الْأَسْوَاقِ وَيُخَاطِبَ النَّاسَ وَيُخَاطِبُوهُ وَيَلْزَمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَخْلُوَ قَبْرُهُ مِنْ جَسَدِهِ فَلَا يَبْقَى مِنْ قَبْرِهِ فِيهِ شَيْءٌ فَيُزَارَ مُجَرَّدَ الْقَبْرِ وَيُسَلَّمَ عَلَى غَائِبٍ لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يُرَى فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَعَ اتِّصَالِ الْأَوْقَاتِ عَلَى حَقِيقَتِهِ فِي غَيْرِ قَبْرِهِ وَهَذِهِ جَهَالَاتٌ لَا يَلْتَزِمُ بِهَا مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَةٍ مِنْ عَقْلٍ.” [فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني الشافعي، ج12 ص384 دار المعرفة – بيروت، 1379].

وَقَالَ اِبْنُ بَطَّال: “قَوْله: «فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَة» يُرِيدُ تَصْدِيقَ تِلْكَ الرُّؤْيَا فِي الْيَقَظَةِ وَصِحَّتَهَا، وَخُرُوجَهَا عَلَى الْحَقّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَرَاهُ فِي الْآخِرَة لِأَنَّهُ سَيَرَاهُ يَوْم الْقِيَامَة فِي الْيَقَظَة- فَتَرَاهُ جَمِيعُ أُمَّتِهِ، مَنْ رَآهُ فِي النَّوْمِ، وَمَنْ لَمْ يَرَهُ مِنْهُمْ، وَقَدْ اِشْتَدَّ إِنْكَار الْقُرْطُبِيِّ عَلَى مَنْ قَالَ: مَنْ رَآهُ فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَأَى حَقِيقَتَه، ثُمَّ يَرَاهَا كَذَلِكَ فِي الْيَقَظَة” [فتح الباري (19/ 469)].

ب) ولقد نَسَبَ البعضُ -أيضاً- إلى القاضي أبو بكر بن العربي القولَ بالرؤية في اليقظة، مُستدلِّين ببعض أقوال السيوطي في كتابه «الحاوي للفتاوي»:

القولُ الأوّل: قال السيوطي: “وَقَالَ تِلْمِيذُهُ [أي: تِلْمِيذُ الإمامِ أبي حامد الغزَالي] الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ فِي كِتَابِ قَانُونِ التَّأْوِيلِ: ذَهَبَتِ الصُّوفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا حَصَلَ لِلْإِنْسَانِ طَهَارَةُ النَّفْسِ فِي تَزْكِيَةِ الْقَلْبِ، وَقَطْعُ الْعَلَائِقِ، وَحَسْمُ مَوَادِ أَسْبَابِ الدُّنْيَا مِنَ الْجَاهِ وَالْمَالِ وَالْخُلْطَةِ بِالْجِنْسِ، وَالْإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْكُلِّيَّةِ عِلْمًا دَائِمًا وَعَمَلًا مُسْتَمِرًّا، كُشِفَتْ لَهُ الْقُلُوبُ وَرَأَى الْمَلَائِكَةَ وَسَمِعَ أَقَوَالَهُمْ، وَاطَّلَعَ عَلَى أَرْوَاحِ الْأَنْبِيَاءِ وَسَمِعَ كَلَامَهُمْ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنْ عِنْدِهِ: وَرُؤْيَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَسَمَاعُ كَلَامِهِمْ مُمْكِنٌ لِلْمُؤْمِنِ كَرَامَةً وَلِلْكَافِرِ عُقُوبَةً” [«الحاوي للفتاوي»، الجزء الثاني، ص 310، طبع دار الفكر، بيروت: 1424 هـ – 2004 م].

ويُردُّ عليهم بما يأتي:

أوّلاً: النّصّ الأوّل (ذهبت الصوفية إِلى أنه إِذا حصل للإِنسان طهارة النفس،… ورأى الملائكة وسمع أقوالهم، واطلع على أرواح الأنبياء، وسمع كلامهم) المنسوب إلى القاضي أبي بكر بن العربي، لم أجدْه في كتابه «قانون التأويل»، بل وجدتُه ذكَرَ مثل هذا الكلام في كتابه «العواصم من القواصم» في (الموقف الثاني)، وجاء فيه: “ذهبت طائفة إلى تحقيق العلوم في مواقعها، واعترفت بتعلقها بمعلوماتها، ولكنها ذهبت إلى أن الأدلة، وإن كان تفيدها، وتقتضيها، ولكن رحمة الله ولطفه، إذا فاض على العبد جاءه به من العرفان ما يستغرق مقتضى الأدلة، من البيان، وهذا نحو مما تقدم، ولكن تعلقت به طائفة جليلة، كالحارث بن أسد المحاسبي أوّلاً، وأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري ثانيا، وبين الرجلين طوائف لا يحصون كثرة، من مشهور ومذكور، وهذان العالمان سلكا، طريقاً متوسطةً بين الغلو والتقصير، ونجمت في آثارهما أمم، انتسبت إلى الصوفية، وكان منها من غلا وطفف، وكاد الشريعة وحرّف، وقالوا كما تقدم لا يُنَال العلمُ إلّا بطهارة النفس، وتزكية القلب، وقطع العلائق بينه وبين البدن، وحسم مواد أسباب الدنيا، من الجاه والمال، والخلطة بالجنس، والإقبال على الله بالكلية، علما دائما، وعملا مستمرا، حتى تنكشف له الغيوب، فيرى الملائكة، ويسمع أقوالها، ويطلع على أرواح الأنبياء، ويسمع كلامهم؛ وهذا ووراء هذا غُلُوٌّ ينتهي إلى القول بمشاهدة الله، يُدخِلونه في باب الكرامات إذ كان من الجوزات.

قاصِمة: ولقد فاوَضْتُ فيها أبا حامد الغزالي، حين لقائي له بمدينة السلام،… فقرأت عليه جملةً من كتبه، وسمعت كتابه الذي سماه بالإحياء لعلوم الدين، فسألته سؤالَ المُسترشِد عن عقيدته، المستكشف عن طريقته، لأقف من سر تلك الرموز، التي أوْمأ إليها في كتبه، على موقفٍ تامِّ المعرفةِ، وطفق يجاوبني، مجاوبةَ الناهج لطريق التسديد للمُريد، لعظيم مرتبته، وسمو منزلته، وما ثبت له في النفوس من تكرمته، فقال لي من لفظه، وكَتَبَه لي بِخطه: إن القلب إذا تطهر عن علاقة البدن المحسوس، وتجرد للمعقول انكشفت له الحقائق…” [انظر: «النص الكامل لكتاب العواصم من القواصم»، القاضي أبو بكر بن العربي المالكي، تحقيق: الدكتور عمار طالبي، نشر: مكتبة دار التراث، ج1 ص: 23-24].

ثمّ قال ابن العربي: “وأمّا دعواهم رؤية الملائكة والأنبياء وسماع كلامهم، فذلك ممكن للكافر والمؤمن: فأما رؤية الكافر له[م]، فعقوبة وحجة وبلاء وفتنة، وأما رؤية المؤمن فكرامة. ولو كان رؤيتهم للملائكة -كما يقولون- لصفاء القلب فيتجلون فيه، لاقتصرت رؤيتُهم على القلب الصقيل، ولم يرهم قلبٌ لِصَدَأٍ قد تراكم بِالرَّيْن، وهذا مما يمنعونه سِرًّا، ولا يقدرون عليه جهرا؛ لأنهم يتظاهرون بالإسلام. فأما الفلاسفة فيمنعونه، وسيأتي الكلام معهم في طريقتهم، في الأدلة، وعقيدتهم في الملة إن شاء الله تعالى. وقد سمِعَتِ الصحابةُ كلامَ الملائكة، وسمعها من لم يؤمن، ورأوها في صورة الآدمي، ورأوها في صورة النحل، ولم يكونوا من صفاء القلب، وقطع العلائق بحيث يشترطون في رؤيتهم، وإن كانوا من تقوى الإله، وفضل المعرفة، بأوفى مرتبة، فهذه دعاوى باطلة، لا أصل لها في منقول ولا معقول” [المصدر السابق، ج1 ص: 35].

تعقيب على ما جاء في هذا النص:
كلمةُ (الأنبياء) التي جاءت في (وأما دعواهم رؤية الملائكة والأنبياء) مشكوكٌ في ثبوتها؛ لأنّه يمكن للكافر أنْ يرى في اليقظة الملائكةَ بعد تشكُّلها، ولكنّه لا يمكن له أن يرى الأنبياء بعد وفاتهم، وابن العربي نفسُه قد صرّح أنّه لا يمكن للأولياء أن يرَوْا النّبيَّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في اليقظةِ، بقولِه: “وَشَذَّ بَعْضُ الصَّالِحِينَ فَزَعَمَ أَنَّهَا تَقَعُ بِعَيْنَيِ الرَّأْسِ حَقِيقَةً وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ هِيَ مُدْرَكَةٌ بِعَيْنَيْنِ فِي الْقَلْبِ” [فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، ج12 ص384 – 385، دار المعرفة – بيروت، 1379].

فإذا كانت رؤية النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم غيرُ ممكنة للمؤمنين في اليقظةِ -كما قال ابن العربي-، فكيف تكون رؤيةُ الأنبياء ممكنةً للكافر؟ وما هو الدليلُ على أنّ الكافرَ رأى نبيًّا من الأنبياءِ، لا شيطاناً من الشياطين؟

فلا شكّ في أنّ ابن العربي لمْ يقُلْ أنّ رؤيةَ الأنبياء ممكنةٌ للكافر؛ ولذلك فإنّه بعد أنْ قال: (فأما رؤية الكافر لهم فعقوبة وحجة وبلاء وفتنة، وأما رؤية المؤمن فكرامة) قال: (ولو كان رؤيتهم للملائكة -كما يقولون- لصفاء القلب فيتجلون فيه لاقتصرت رؤيتهم على القلب الصقيل، ولم يرهم قلبٌ لِصَدَأ)، فذكر إمكانية رؤية الكفار للملائكة فقط، ولم يقل: “ولو كان رؤيتهم للملائكة والأنبياء…”.

فلا شكّ أنّه قد وقع سهوٌ مِن البعضِ، وأضيفتْ كلمة (الأنبياء).

تعقيب على السيوطي:
إنّ القاضي أبو بكر بن العربي، عندما قال: “وقالوا كما تقدم لا يُنَال العلمُ إلا بطهارة النفس، وتزكية القلب، وقطع العلائق بينه وبين البدن، وحسم مواد أسباب الدنيا، من الجاه والمال، والخلطة بالجنس، والإقبال على الله بالكلية، علما دائما، وعملا مستمرا، حتى تنكشف له الغيوب، فيرى الملائكة، ويسمع أقوالها، ويطلع على أرواح الأنبياء، ويسمع كلامهم”، فإنّما قال ذلك ردّاً على الصوفية، وخصوصاً على أستاذه الإمام أبي حامد الغزالي الذي قال: “ومن أول الطريقة تبتدئ المشاهدات والمكاشفات حتى إنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتا، ويقتبسون منهم فوائد، ثم يترقى بهم الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجـات يضيق عنها نطاق النطق، فلا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأٍ صريح لا يمكنه الاحتراز عنه” [المنقذ من الضلال، ص 54].

ولذلك فإنّه قال بعد أنْ ردّ عليهم: “وهذا وَوَراءَ هذا غُلُوٌّ”.

تنبيه هامّ:
كتاب: «النص الكامل لكتاب العواصم من القواصم» هو الكتاب الأصلي والكامل للعلاّمةِ أبي بكر بن العربي، كما قال مُحقِّقُه -الدكتور عمار طالبي-؛ وأمّا كتاب «العواصم من القواصم» الذي سبق أن نشره محب الدين الخطيب (1970 م)، فليس كاملاً -كما ظنّ كثيرٌ من الباحثين- بل يتضمّن جُزءاً صغيرا منه فقط، وهو مَبحث الصحابة، كما أشار إليه محب الدين الخطيب نفسه في مقدمته. [انظر: الكتاب الكامل في https://al-maktaba.org/book/33884 ].

ثانياً: النّصُّ الثّاني “ورؤية الأنبياء والملائكة وسماع كلامهم ممكن للمؤمن كرامة، وللكافر عقوبة.” -الذي أوردَه السيوطي ونسبه إلى ابن العربي-، لمْ أجدْه بهذه الصيغة في كتابه «قانون التأويل»، بل وجدته في نفس الكتاب، في مَبْحث (ذكر حقيقة النوم وحكمته) كما يلي: “كذلك خلق الله للعبد النومَ، ليعلم به كيفيةَ الانتقال من حال إلى حال، وصفةَ الخروج من دار إلى دار، فإنه موتٌ أصغرُ، وقد يُقال بِنظرٍ آخرَ أنه يَقَظَةٌ صغرى، فإن نظرنا إليه من حيثُ عدم الحركة والحس والتصرف بالأفعال معه، قلنا هو موتٌ لعدم ذلك كله به، وقد قال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر: 42] وقال صلى الله عليه وسلم: «أخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أخَذَ بِنَفْسِكَ».

وإن نظرنا إليه [أي: النوم] من حيث إنه انقطاعٌ عن عالَمِ التصرف الأدنى مع الآدميين والإكباب على الدنيا ومعانيها، وأنه إقبال على الملائكة المقربين، وتفريغ القلب لإدراك الحقائق بطريق الأمثال، واطلاع على ما يكون غداً، رأينا أنه حياة صحيحة، ويقظة محققة بدلاً عن موت مفقد، ونوم مفسد.

وقد يرى نفسه في الرؤيا كبيراً، وهو صغير، وصغيراً وهو كبير، وطائراً وهو يمشي، وبهيمة وهو آدمي، وقريباً وهو بعيد، وبعيداً وهو قريب، ومدركاً لما لا يناله في يقظته بحال، فلا يستنكر أن يكون له حالةُ وجود أخرى، يوجد ذلك كله فيها وهي الجنة، فيرتقي فيها إلى درجة عظيمة بتسخير الباري سبحانه له جميعَ الموجودات فيقول للشيء كن فيكون كما قال وأراد.

وقد يرى ذلك في منامه متفرقاً ومجتمعاً، وكذلك لا يبعد أن يكون جبريل عليه السلام تارة كبيراً حتى يملأ بجسمه الآفاق، وتارة صغيراً حتى يكون على قَدْرِ دِحْيَة، ويأتي مرة في صفة طائر وأخرى في هيئة آدمي، وربما ظن جاهل أن حالة النوم حالة تخيل، وهذا جهل عظيم، وقد بينا الكلام عليه في كتبنا وخاصة في رسالة (محاسن الإحسان في جوابات أهل تلمسان)، والمشاهدةُ تدفع قولَهُ، فإن المرء يرى الرؤيا نائماً ويرى تَفْسِيرَهَا يَقَظَة، وهذا مِمّا يُدركه المُتقي، وَيتَأتَّى مِنَ الكَافِرِ كما يَتَأتَّى من المؤمن.

ومن الغريب أنا كنا نحاصر بلداً من بلاد الروم، وكان معنا ذمي معاهدٌ حضر في غُمَارِ العسكرية بذمة سبقت له، فقاتلنا ذلك اليوم حتى كدنا نيأس منه، فلما كان صبيحة يوم جاءنا فتكلمنا في هذا الغرض، فقال لي: أظن البلد مأخوذاً، فإني كنت أرى البارحة حيةً تلسع الناس فكنت آخذها وأفتح بطنها ويخرج أولاد صغار فأرمي بهم في كِظَامَةٍ؟.

فقلت لترجمان بيني وبينه: رؤيا صحيحة، وسأنظر.

فقال الكافر: قد فَسَّرْتُهَا: الحية التي تلسع الناس هذه البلدة، وهي مأخوذة، وسيُرمَى بأهلها فيخرجون إلى بلادهم، فإنها مزابل عندكم، والرؤيا لكم ليس لنا فيها حظ.

فعجبت من صدق رؤياه، وتفسيره لما رآه، وكذلك كان، فتحناها بعد يومين وَمَنَّ الأمير على مَنْ كان بها فخرجوا إلى بلادهم.” [قَانون التَّأويل، القاضي أبو بكر بن العربي المالكي، دراسة وتحقيق: محمّد السّليماني، ص469-482، دار القبلة للثقافة الإسلاميَّة، جَدّة، مؤسَسَة عُلوم القرآن، بيروت، الطبعة: الأولى، 1406 هـ – 1986 م].

إنّ ابن العربي لم يتطرّق إلى مسألة (رؤيةِ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم في اليقظةِ)، في بحثه هذا، بل كان كلامُه يدور حول صدق الرؤيا، ووقوعها بعد تأويلها تأويلاً صحيحاً، وذكر لنا رؤيا ذلك الكافر التي وقعتْ بعد تأويلها تأويلاً صحيحاً.

وابن العربي أرادَ أن يُفسّر حقيقة الموت، فقال: ” فإن نظرنا إليه من حيث عدم الحركة والحس والتصرف بالأفعال معه، قلنا هو موت… وإن نظرنا إليه من حيث إنه انقطاع عن عالم التصرف الأدنى مع الآدميين والإكباب على الدنيا ومعانيها، وأنه إقبال على الملائكة المقربين، وتفريغ القلب لإدراك الحقائق بطريق الأمثال واطلاع على ما يكون غداً؛ رأينا أنه حياة صحيحة، ويقظة محققة بدلاً عن موت مفقد، ونوم مفسد”.

القولُ الثّاني: قال السيوطي (ت 911ھ): “وَفَصَّلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ: رُؤْيَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصِفَتِهِ الْمَعْلُومَةِ إِدْرَاكٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَرُؤْيَتُهُ عَلَى غَيْرِ صِفَتِهِ إِدْرَاكٌ لِلْمِثَالِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ، وَلَا يَمْتَنِعُ رُؤْيَةُ ذَاتِهِ الشَّرِيفَةِ بِجَسَدِهِ وَرُوحِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ أَحْيَاءٌ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ أَرْوَاحُهُمْ بَعْدَ مَا قُبِضُوا وَأُذِنَ لَهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْ قُبُورِهِمْ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْمَلَكُوتِ الْعُلْوِيِّ والسّفلي.” [الإمام السيوطي، الحاوي للفتاوي، الجزء الثاني ص317، طبع دار الفكر، بيروت: 1424 هـ – 2004 م].

تعقيب1: إنّ قولَ ابْن الْعَرَبِيِّ “رُؤْيَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصِفَتِهِ الْمَعْلُومَةِ إِدْرَاكٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَرُؤْيَتُهُ عَلَى غَيْرِ صِفَتِهِ إِدْرَاكٌ لِلْمِثَالِ”، أرادَ به أنّ الرُّؤْيَا التي يرَى فيها النّائمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصِفَتِهِ الْمَعْلُومَةِ لَا تحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرٍ، وأمّا رُؤْيَتُهُ عَلَى غَيْرِ صِفَتِهِ المعلومة فإنّها تحْتَاجُ إِلَى التَّعْبِيرِ.

ولقد أورد ابنُ حجر العسقلاني قولَ ابن العربي السابق؛ لكي يجمع بين قولين، فقال: “قَالَ أَبُو عَبْدِ الله قَالَ بن سِيرِينَ إِذَا رَآهُ فِي صُورَتِهِ، سَقَطَ هَذَا التَّعْلِيقُ لِلنَّسَفِيِّ. وَلِأَبِي ذَرٍّ وَثَبَتَ عِنْدَ غَيْرِهِمَا وَقَدْ رُوِّينَاهُ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ كَانَ مُحَمَّد يَعْنِي بن سِيرِينَ إِذَا قَصَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ صِفْ لِيَ الَّذِي رَأَيْتَهُ فَإِنْ وَصَفَ لَهُ صِفَةً لَا يَعْرِفُهَا قَالَ لَمْ تَرَهُ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ وَوَجَدْتُ لَهُ مَا يُؤَيِّدُهُ فَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ قَالَ صِفْهُ لِي قَالَ ذَكَرْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَشَبَّهْتُهُ بِهِ قَالَ قَدْ رَأَيْتَهُ. وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ وَيُعَارِضُهُ مَا أخرجه بن أَبِي عَاصِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنِّي أُرَى فِي كُلِّ صُورَةٍ وَفِي سَنَدِهِ صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِاخْتِلَاطِهِ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ رُؤْيَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصِفَتِهِ الْمَعْلُومَةِ إِدْرَاكٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَرُؤْيَتُهُ عَلَى غَيْرِ صِفَتِهِ إِدْرَاكٌ لِلْمِثَالِ فَإِنَّ الصَّوَابَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا تُغَيِّرُهُمُ الْأَرْضُ وَيَكُونُ إِدْرَاكُ الذَّاتِ الْكَرِيمَةِ حَقِيقَةً وَإِدْرَاكُ الصِّفَاتِ إِدْرَاكَ الْمَثَلِ قَالَ وَشَذَّ بَعْضُ الْقَدَرِيَّةِ فَقَالَ الرُّؤْيَا لَا حَقِيقَةَ لَهَا أَصْلًا وَشَذَّ بَعْضُ الصَّالِحِينَ فَزَعَمَ أَنَّهَا تَقَعُ بِعَيْنَيِ الرَّأْسِ حَقِيقَةً وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ هِيَ مُدْرَكَةٌ بِعَيْنَيْنِ فِي الْقَلْبِ قَالَ وَقَوْلُهُ فَسَيَرَانِي مَعْنَاهُ فَسَيَرَى تَفْسِيرَ مَا رَأَى لِأَنَّهُ حَقٌّ وَغَيْبٌ أُلْقِيَ فِيهِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ فَسَيَرَانِي فِي الْقِيَامَةِ وَلَا فَائِدَةَ فِي هَذَا التَّخْصِيصِ وَأَمَّا قَوْلُهُ فَكَأَنَّمَا رَآنِي فَهُوَ تَشْبِيهٌ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَوْ رَآهُ فِي الْيَقَظَةِ لَطَابَقَ مَا رَآهُ فِي الْمَنَامِ فَيَكُونُ الْأَوَّلُ حَقًّا وَحَقِيقَةً وَالثَّانِي حَقًّا وَتَمْثِيلًا قَالَ وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا رَآهُ عَلَى صُورَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ فَإِنْ رَآهُ عَلَى خِلَافِ صِفَتِهِ فَهِيَ أَمْثَالٌ فَإِنْ رَآهُ مُقْبِلًا عَلَيْهِ مَثَلًا فَهُوَ خَيْرٌ لِلرَّائِي وَفِيهِ وَعَلَى الْعَكْسِ فَبِالْعَكْسِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ عِيَاضٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فَقَدْ رَآنِي أَوْ فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ أَنَّ مَنْ رَآهُ عَلَى صُورَتِهِ فِي حَيَاتِهِ كَانَتْ رُؤْيَاهُ حَقًّا وَمَنْ رَآهُ عَلَى غَيْرِ صُورَتِهِ كَانَتْ رُؤْيَا تَأْوِيلٍ وَتَعَقَّبَهُ فَقَالَ هَذَا ضَعِيفٌ بل الصَّحِيح أَنه يرَاهُ حَقِيقَة سَوَاء كَانَت عَلَى صِفَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ أَوْ غَيْرِهَا انْتَهَى.

وَلَمْ يَظْهَرْ لِي مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي مَا يُنَافِي ذَلِكَ بَلْ ظَاهِرُ قَوْلِهِ أَنَّهُ يَرَاهُ حَقِيقَةً فِي الْحَالَيْنِ لَكِنْ فِي الْأُولَى تَكُونُ الرُّؤْيَا مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرٍ وَالثَّانِيَةُ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَى التَّعْبِيرِ” [فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، ج12 ص 383- 384، دار المعرفة – بيروت، 1379].

وقولُ ابن العربي (وَشَذَّ بَعْضُ الصَّالِحِينَ فَزَعَمَ أَنَّهَا تَقَعُ بِعَيْنَيِ الرَّأْسِ حَقِيقَةً)، يدلُّ دلالةً واضحةً على أنّه لمْ يعْنِ بقوله (رُؤْيَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصِفَتِهِ الْمَعْلُومَةِ إِدْرَاكٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ) الرؤية في اليقظة.

ولقد بيّن الإمامُ القرطبي -أيضاً- أنّ رُؤْيَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنامِ، قد لا تحتاجُ إلى تفسير إن كَانَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا، وقد تحتاج إلى تأويل؛ قال ابن حجر العسقلاني: “قَالَ الْقُرْطُبِيُّ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ… وَالصَّحِيحُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَقْصُودَهُ أَنَّ رُؤْيَتَهُ فِي كُلِّ حَالَةٍ لَيْسَتْ بَاطِلَةً وَلَا أَضْغَاثًا بَلْ هِيَ حَقٌّ فِي نَفسهَا وَلَو رُؤِيَ عَلَى غَيْرِ صُورَتِهِ فَتَصَوُّرُ تِلْكَ الصُّورَةِ لَيْسَ مِنَ الشَّيْطَانِ بَلْ هُوَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ وَقَالَ [أي: القرطبي]: وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ [الباقلاني] وَغَيْرِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ أَيْ رَأَى الْحَقَّ الَّذِي قَصَدَ إِعْلَامَ الرَّائِي بِهِ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا وَإِلَّا سَعَى فِي تَأْوِيلِهَا وَلَا يُهْمِلُ أَمْرَهَا؛ لِأَنَّهَا إِمَّا بُشْرَى بِخَيْرٍ أَوْ إِنْذَارٌ مِنْ شَرٍّ: إِمَّا لِيُخِيفَ الرَّائِيَ وَإِمَّا لِيَنْزَجِرَ عَنْهُ وَإِمَّا لِيُنَبِّهَ عَلَى حُكْمٍ يَقَعُ لَهُ فِي دِينِهِ أَو دُنْيَاهُ” [فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، ج12 ص384 – 385، دار المعرفة – بيروت، 1379].

هذا، ولا ندري لماذا أورد السيوطي قولَ ابنِ العربي هذا، الذي لا علاقةَ له برؤية النّبِيِّ في اليقظةِ؛ ثمّ قرّر بعده إمكانية رؤية النّبِيِّ في اليقظةِ وسائرِ الأنبياءِ، وخروجهم من القبر؟

تعقيب2: قال ابن حجر الهيتمي (973 ھ): “ثمَّ رَأَيْتُ ابْنَ الْعَرَبِيّ صرّح بِمَا ذَكرْنَاهُ من أَنه لَا يمْتَنع رُؤْيَة ذَات النَّبِي صلى الله عليه وسلم بِرُوحِهِ وَجَسَده؛ لِأَنَّهُ وَسَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ أَحيَاءٌ رُدَّتْ إِلَيْهِم أَرْوَاحُهم بَعْدَمَا قُبِضوا، وَأُذِن لَهُم فِي الْخُرُوج من قُبُورهم، وبالتصرف فِي الملكوت الْعُلوِي والسُّفلي” [الفتاوى الحديثية، ابن حجر الهيتمي، دار الفكر، ص213].

ابن حجر الهيتمي جاء بعد السيوطي (911 ھ)، ويبدو أنّ كلامَه هذا منقول من كلام السيوطي السابق، وَوَهِمَ وظنّ أنه من قول ابن العربي، وهو ليس من كلامه، وإنّما هو مِن كلام السيوطي؛ لأنّه بعد أن ذكَر السيوطيُّ تفصيلَ الْقَاضِي أَبي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ لرُؤْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: “وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ…”؛ ثمّ بعد ذلك قال السيوطي من عندِه: “وَلَا يمْتَنعُ رُؤْيَةُ ذَاتِهِ الشَّرِيفَةِ بِجَسَدِهِ وَرُوحِهِ”!

القولُ الثالث: قال السيوطي: “تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: أَكْثَرُ مَا تَقَعُ رُؤْيَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْيَقَظَةِ بِالْقَلْبِ ثُمَّ يَتَرَقَّى إِلَى أَنْ يُرَى بِالْبَصَرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْأَمْرَانِ فِي كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ، لَكِنْ لَيْسَتِ الرُّؤْيَةُ الْبَصَرِيَّةُ كَالرُّؤْيَةِ الْمُتَعَارَفَةِ عِنْدَ النَّاسِ مِنْ رُؤْيَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَإِنَّمَا هِيَ جَمْعِيَّةٌ حَالِيَّةٌ وَحَالَةٌ بَرْزَخِيَّةٌ وَأَمْرٌ وُجْدَانِيٌّ لَا يُدْرِكُ حَقِيقَتَهُ إِلَّا مَنْ بَاشَرَهُ” [الحاوي للفتاوي، الجزء الثاني، ص316، طبع دار الفكر، بيروت: 1424 ھ – 2004 م].

تعقيب1: نجد نفس الكلام تقريباً عند ابن حجر الهيتمي، جاءَ فيه: “وَعُلِم مِمَّا مر عَن ابْن الْعَرَبِيّ أَن أَكثر مَا تقع رُؤْيَته صلى الله عليه وسلم بِالْقَلْبِ ثمَّ بالبصر، لَكِنَّهَا بِهِ لَيست كالرؤية المتعارفة وَإِنَّمَا هِيَ جمعية حَالية وَحَالَة برزخية وَأمر وجداني، فَلَا يدْرك حَقِيقَته إِلَّا من بَاشرهُ؛ كَذَا قيل” [الفتاوى الحديثية، ابن حجر الهيتمي، دار الفكر، ص213].

ويبدو -والله أعلم- أنّ الهيتمي نقل هذا الكلامَ من الإمامِ السيوطي، ولكنه خلط بين قولٍ منسوبٍ إلى ابن العربي وما قاله السيوطي، وجعلهما معاً مِن كلام ابن العربي!

تعقيب2: لا ندري أين قال ابن العربي: “أَكْثَرُ مَا تَقَعُ رُؤْيَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْيَقَظَةِ بِالْقَلْبِ ثُمَّ يَتَرَقَّى إِلَى أَنْ يُرَى بِالْبَصَرِ”؟

والسيوطي لم يذكر لنا مِن أين نقل هذا الكلام. ولقد قال السيوطي أيضاً: “قَالَ الْعُلَمَاءُ: اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ «فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ» فَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَسَيَرَانِي فِي الْقِيَامَةِ،… وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَمَنْ رَآهُ فِي النَّوْمِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَرَاهُ فِي الْيَقَظَةِ -يَعْنِي بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ- وَقِيلَ: بِعَيْنٍ فِي قَلْبِهِ، حَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ” [«الحاوي للفتاوي»، الجزء الثاني، ص307-308، طبع دار الفكر، بيروت: 1424 ھ – 2004 م].

والثّابتُ عن ابن العربي أنّه ينكر ما نسبَه إليه السيوطي، قال ابن حجر العسقلاني -كما سبق أنْ ذكرنا-: “قَالَ [أي: ابن العربي] وَشَذَّ بَعْضُ الْقَدَرِيَّةِ فَقَالَ: الرُّؤْيَا لَا حَقِيقَةَ لَهَا أَصْلًا، وَشَذَّ بَعْضُ الصَّالِحِينَ فَزَعَمَ أَنَّهَا تَقَعُ بِعَيْنَيِ الرَّأْسِ حَقِيقَةً، وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: هِيَ مُدْرَكَةٌ بِعَيْنَيْنِ فِي الْقَلْبِ” [فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، ج12 ص384 – 385، دار المعرفة – بيروت، 1379].

فالْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِي حكى الرُّؤْيَةَ يقظةً بِعَيْنَيْ الرّأْسِ وبِعَيْنٍ فِي القَلْبِ، على سبيل الإنكار، لا على سبيل الموافقة كم توهّم بعضُهم.

هذا، ثُمّ إنّ ابن العربي كان تلميذاً للإمامِ أبي حامد الغزالي، ولكنه لمْ يوافقه على الطريق الذي سلكه؛ قال الأستاذ حسن عزوزي: “ويُعتبَر القاضي أبوبكر بن العربي أبرزُ من تصدى لشيخه أبي حامد الغزالي في نقد وتقييم معالم فكره الصوفي… وإذا كان كتاب «قانون التأويل» قد ألفه ابن العربي عام 533، فإن كتاب العواصم قد ألفه بعد ذلك بثلاث سنوات (536)، لكن ثمة فرق شاسع بين مضمون الكتابين فيما يتعلق بنقد ابن العربي لشيخه، فإذا كان في الكتاب الأول، وقد ألفه بعد أكثر من أربعين سنة من لقائه بحجة الإسلام لا ينتقده مباشرة وبشكل صريح، فإنه في الكتاب الثاني لم يتوان في نقد شيخه نقدا لاذعا، فهو يضعه تارة في صف الغلاة من المتصوفة وتارة في صف الباطنية من فلاسفة المسلمين.

إن ابن العربي في قانون التأويل مهما تعرض أحيانا لنقد شيخه في بعض ما ذهب إليه من أفكار صوفية، فإنه يناقشه مناقشة هادئة ولا يصفه بأوصاف قادحة، بل إنه كان لا يشير إلى اسمه إلا معرضا، في حين نجده يعمد منذ الصفحات الأولى من كتابه «العواصم من القواصم» إلى حشر الغزالي ضمن كل التيارات المتطرفة المعارضة للفكر السني والتي أخذ ابن العربي على عاتقه مهمة فضحها في كتابه هذا” [موقف أبي بكر بن العربي من تصوف شيخه أبي حامد الغزالي، ذ. حسن عزوزي، مجلة الإحياء: العدد 12].

وقفة 1: الإمامُ أبو حامد الغزالي يُعَدّ من العلماءِ الذين استعملوا ألفاظاً غريبةً ومُعقَّدةً؛ وعاب عليه ذلك مجموعةٌ من العلماء، منهم تلميذُه القاضي أبو بكر بن العربي  الذي قال: “وقد كان أبو حامد تاجاً في هامّة الليالي، وعقداً في لبّ المعالي، حتى أوغل في التصوف وأكثر معهم التصرف، فخرج على الحقيقة، وحاد في أكثر أحواله عن الطريقة، وجاء بألفاظ لا تطاق، ومعان ليس لها مع الشريعة انتظام ولا اتساق، فكان علماء بغداد يقولون: لقد أصابت الإِسلام فيه عين، فإذا ذكروه جعلوه في حيز العدم، وقرعوا عليه السنن من ندم، وقاموا في التأسف عليه على قدم، فإذا لقيته رأيت رجلاً قد علا في نفسه، ابن وقته، لا يبالي بِغَدِه ولا أمْسِه، فواحسرتي عليه أي شخص أفسد من ذاته، وأي علم خاط وخلط فيه مفرداته” [العواصم من القواصم،  ص 107 – 108].

وقال أيضاً: “شيخُنا أبو حامد: بَلَعَ الفلاسفةَ، وأراد أن يتقيَّأهم فما استطاع” [سير أعلام النبلاء(19/327)].

وقال ابن الجوزي: “وجاء حامد الغزالي فصنف لهم كتاب (الإحياء) على طريقة القوم، ومَلَأَهُ بالأحاديث الباطلة وهو لا يعلم بطلانها، وتكلم في علم المكاشفة، وخرج عن قانون الفقه، قال: إن المراد بالكوكب والشمس والقمر اللواتي رآهن إبراهيم صلوات الله عليه، أنوارٌ هي حُجُبُ -عز وجل-، ولم يُرِدْ هذه المعروفات! وهذا من جنس كلام الباطنية”! [ابن الجوزي في تلبيس إبليس،  ص 186].

وقال عنه الإمامُ الذهبي: “وأدخله سَيَلانُ ذهنهِ في مضايقِ الكلام، ومزالِّ الأقدام” [سير أعلام النبلاء (19/323)].

وقفة 2: علّقَ على كتاب «تنوير الحَلَك»، العلاّمةُ محمود شكري بن عبد الله الآلوسي -وهو حفيدُ الآلوسي الكبير- بقولِه: “وقد ألف الجلال السيوطي رسالته المسماة (بتنوير الحلك في رؤية النبي والملك) لأجل تأييد هذا القول، وحالُ السيوطي وتلوُّنُه معلومٌ، حتى جعله بعضُ أهل العلم حاطبَ ليلٍ” [غاية الأماني في الرد على النبهاني، ج1 ص296].

وجاء في موقع (إسلام ويب): “وأمّا الموقفُ الصوابُ من الإمام السيوطي وغيرِه من العلماء، فهو بيانُ خطأِ العالِم -إن أخطأ- مع التزام أدب الرد، وما مِن أحدٍ من الناس إلاّ ويُؤْخذ من قوله ويُرَد، إلّا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولا ينبغي الخلطُ بين إجلالِ أهْلِ العلم وتوقيرِهم وبين قَبُول كلِّ ما يقولونه، فالحق أحق أن يتبع، والخطأ يُردُّ على صاحبه مع التزام أدب الرد، وبهذا يُعْطَى كلُّ ذي حق حقه” [https://www.islamweb.net/ar/fatwa/45820/ ]

وقفة 3: ليس صحيحاً -كما قال بعضُهم- أنّ الوهاّبيين هم الذين ينكرون الرؤيةَ يقظةً فَقَط؛ فلقد أنكرها ابن حجر العسقلاني والحافظ ابن كثير، وابن الجوزي، والحافظ الكبير السخاوي، والشيخ الدكتور مصطفى الزرقا -وهو من العلماءِ المعاصرين-، وهؤلاء لا علاقةَ لهم بالوهابية.

تنبيه: قال الشيخ الدكتور علي جمعة: “بل ما أَعْتقِدُه أن كبارَ الأئِمّةِ أهلِ السُّنّة أمثال البخاري ومسلم والنسائي وأحمد ومالك والشافعي وأبو حنيفة والكثير ممن تبعهم من المعروفين لهم ذوق مليح في هذا الباب”.

ولا شكّ أنّ هذا القولَ غيرُ ثابت عن هؤلاء الأئمة الكبار، ولو ثبت لذكره الأئمة الأعلام، ولكان إجماعاً على جواز رؤيةِ المصطفى صلّى اللّهُ عليه وسلّم، ولما غفل عن الاستشهاد بهم السيوطي والغزالي وغيرهُما مِمَّن قالوا بجواز هذه الرؤية. وعلى الشيخ علي جمعة ذِكْرُ المصادر الموثوقة التي تؤكِّدُ صِدْقَ دعواه!

الفصلُ الثالث: إضاءاتٌ وتساؤُلات

ا) وقفة تأمُّلية:

إنّ ادِّعاء رؤيةِ الأنبياءِ، قد صدر أيضاً عن أتباع الديانات القديمة، قال ابن تيمية: “كَمَا يَقَعُ كَثِيرٌ مِنْ ذَلِكَ لِلْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ يَرَوْنَ بَعْدَ الْمَوْتِ مَنْ يُعَظِّمُونَهُ مِنْ شُيُوخِهِمْ. فَأَهْلُ الْهِنْدِ يَرَوْنَ مَنْ يُعَظِّمُونَهُ مِنْ شُيُوخِهِمْ الْكُفَّارِ وَغَيْرِهِمْ. وَالنَّصَارَى يَرَوْنَ مَنْ يُعَظِّمُونَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالْحَوَارِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ” [مجموع الفتاوى (27/ 390 – 392)].

ويرى بعضُ العلماءِ أنّ بعضَ الأفكارِ الغرِيبةِ التي يصعب على العقل فهمُها أو تقبُّلُها، والتي تسلّلَتْ إلى الثقافة الإسلامية، قد يكون سببُها مجاورةَ المسلمين لأهل الديانات القديمة، وتأثرَهم ببعض عقائدهم، أو تأثرَهم ببعض المذاهب التي اطّلعوا عليها، بعد ترجمتهم للكتب الفلسفية التي تُرجِمت إلى اللغة العربية. [انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية في السياسة والعقائد، الإمامُ محمد أبو زهرة، ص13-14، دار الفكر العربي سنة 1996].

ومعلومٌ، أنّهُ لا يمكن للصحابة -رضي اللّهُ عنهم- أنْ يتصوّروا أنّه يمكن رؤيةُ النَّبيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم بعد موته يقظةً، فهذه المسألة لا يمكن أن تخطر على تصوراتهم الفطرية والبسيطة، والبعيدة عن المعتقدات القديمة الباطلة، والفلسفات التي لم تختلط بثقافتهم!

ولم يَثْبُتْ أثرٌ صحيحٌ يدلّ على أنّهم تكلموا في هذه المسألة التي يكتنفها الغموض والتعقيد، ووقعَ فيها اختلافٌ شديدٌ في حقيقتِها وكيفيتها!

قال العلاّمةُ أبو الحسن الندوي: “وقد اختار اللّهُ العربَ، لِيتلقَّوْا هذه الدّعوةَ أوّلاً، ثمّ يُبلِّغُونها إلى أبعد أنحاء العالم؛ لأنّ ألواحَ قلوبِهم كانت صافيةً، لم تُكْتَبْ عليها كتاباتٌ دقيقةٌ عميقةٌ يصعُب محْوُها وإزالتُها، شأن الروم والفرس، وأهل الهند، الذين كانوا يتيهون ويزهون بعُلومهم وآدابهم الراقية، ومدنياتهم الزاهية، وبفلسفاتهم الواسعة، فكانت عندهم عقدٌ نفسية وفكرية، لم يكنْ من السهل حلّها؛ أمّا العربُ فلم تكن على ألواح قلوبِهم إلاّ كتاباتٌ بسيطةٌ خَطّتْها يدُ الجهلِ والبداوةِ، ومن السهل الميسور محوُها وغسلُها، ورسمُ نقوشٍ جديدةٍ مكانَها” [السيرة النبوية، أبو الحسن علي الحسيني الندوي، ص42-43، الطبعة 12، وطبعة ابن كثير الأولى، سنة 1999، دمشق-بيروت].

ثمّ قال: “وكانت قواهم العَمَلِيَّةُ والفكريّةُ، ومواهبُهم الفطريةُ، منخورةً فيهم، لم تُسْتهْلَك في فلسفات خيالية، وجدالٍ عقيم «بيزنطي» ومذاهبَ كلاميةٍ دقيقةٍ” [المرجع السابق، ص45].

ب) هل يجوزُ الاجتهادُ في مسألةِ الرؤيةِ يقظةً؟

إنّ مسألةَ الرؤيةِ يقظةً أنكرها كبارُ العلماءِ، وقال بها علماءُ آخرون لهم مكانتُهم في الاجتهاد، ولا يُمكن أنْ ننكرَ ذلك، وهي مسألةٌ غيْبيّةٌ، تدخل في إطار العقيدة؛ فحصلَ بذلك خلافٌ في هذه المسألة. ولكن هل يجوز الاجتهادُ والاختلافُ في بعض المسائل العقائدية؟

يقول الشيخ صالح الفوزان: “والعقيدة توقيفية ليست محلاً للاجتهاد، فإذا كانت كذلك فليس فيها مجال للتفرق، فالعقيدة مأخوذة من الكتاب والسنة، لا من الآراء الاجتهادات”.

فهل هذا الكلامُ متَّفقٌ عليه؟

قال الشيخ ابن عثيمين: “لا يمكن أن نقول: إن جميع مسائل العقيدة يجب فيها اليقين؛ لأن من مسائل العقيدة ما اختلف فيه العلماء رحمهم الله، وما كان مختلفا فيه بين أهل العلم فليس يقينيا؛ لأن اليقين لا يمكن نفيه أبدا.

فمثلا اختلف العلماء رحمهم الله في عذاب القبر؛ هل هو واقع على البدن أو على الروح؟”؛ ثمّ قال: “والحاصلُ: أن مسائلَ العقيدةِ ليست كلّها مما لابد فيه من اليقين؛ لأن اليقين أو الظن حسب تجاذب الأدلة، وتجاذب الأدلة حسب فهم الإنسان وعلمه. فقد يكون الدليلان متجاذبين عند شخص، ولكن عند شخص آخر ليس بينهما تجاذب إطلاقا، لأنه قد اتَّضَح عنده أن هذا له وجه وهذا له وجه، فمِثْلُ هذا الأخير ليس عنده إشكالٌ في المسألة بل عنده يقين، وأما الأول فيكون عنده إشكال وإذا رجح أحد الطرفين فإنما يرجحه بغلبة الظن.

ولهذا لا يمكن أن نقول إن جميع مسائل العقيدة مما يتعين فيه الجزم، ومما لا خلاف فيه؛ لأن الواقع خلاف ذلك، ففي مسائل العقيدة ما فيه خلاف، وفي مسائل العقيدة ما لا يستطيع الإنسان أن يجزم به، لكن يترجح عنده.

إذاً هذه الكلمة التي نسمعها بأن مسائل العقيدة لا خلاف فيها، ليس على إطلاقها؛ لأن الواقع يخالف ذلك” [شرح العقيدة السفارينية، العثيمين، محمد بن صالح (1/ 307)].

وقال الشيخ ابن تيمية، مُبَيِّناً موقفَه مِن العلماءِ أهلِ الاجتهاد والنظر، الذين يُخطِئون في بعضِ أمور العقيدة التي لا تُخْرِجُ صاحبَها من دائرة الإسلام: “وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ خَالَفَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الِاعْتِقَادِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَالِكًا فَإِنَّ الْمُنَازِعَ قَدْ يَكُونُ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا يَغْفِرُ اللَّهُ خَطَأَهُ وَقَدْ لَا يَكُونُ بَلَغَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا تَقُومُ بِهِ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَقَدْ يَكُونُ لَهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ، وَإِذَا كَانَتْ أَلْفَاظُ الْوَعِيدِ الْمُتَنَاوَلَةُ لَهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا الْمُتَأَوِّلُ وَالْقَانِتُ وَذُو الْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ وَالْمَغْفُورُ لَهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ: فَهَذَا أَوْلَى، بَلْ مُوجِبُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ نَجَا فِي هَذَا الِاعْتِقَادِ وَمَنْ اعْتَقَدَ ضِدَّهُ فَقَدْ يَكُونُ نَاجِيًا وَقَدْ لَا يَكُونُ نَاجِيًا كَمَا يُقَالُ مَنْ صَمَتَ نَجَا” [مجموع الفتاوى (3/179)].

وجاء في موقع «الإسلام سؤال وجواب»: -جواباً عن السؤال: هل مسائل العقيدة فيها خلاف سائغ؟-: “ضابط ما يسوغ فيه الخلاف من المسائل العِلْمية والعَمَلِية:

– أن لا يكون في المسألة دليل صريح من الكتاب أو السنَّة أو إجماع متحقق. وما لم تكن المسألة فيها نص من الوحي أو إجماع منعقد: فستكون مبنية على النظر والاجتهاد، والعلماء ليسوا سواسية في هذا الباب، وقد وهب الله تعالى لبعضهم ما لم يهبه لغيره من قوة النظر والقدرة على الاستنباط. ولا فرق في هذا بين مسائل العقيدة ومسائل الفقه، وأكثر ما يقع فيه الخلاف والعفو عنه هو دقيق مسائل العلم؛ لأنه يندر إجماع العلماء على هذه الدقائق. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمَّة وإن كان ذلك في المسائل العلمية، ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمَّة. انتهى من «مجموع الفتاوى» (20 / 165).

– أن تكون المسألة فيها نص صحيح، لكنه غير صريح في الدلالة على المراد. ووقوع الخلاف هنا في الفهم الذي جعله الله تعالى متفاوتاً بين الخلق.

– أن تكون المسألة فيها نص صريح في الدلالة لكنه متنازع في صحته، أو يكون له معارض قوي من نصوص أخرى. مع التنبيه أن الخلاف السائغ المقبول: هو ما كان صادراً من أهل العلم والدين، وأما العامة، وأشباههم، فلا قيمة لخلافهم، ولا عبرة بفتواهم أصلا… والحاصل: أنه لا يصح الإطلاق بأن المسائل العَقَدِيَّة فيها خلاف سائغ، ولا العكس، والصواب أن أكثر المسائل العقدية لا خلاف فيها، وإنما الخلاف في بعض الفروع الدقيقة التي لا نص فيها، أو فيها نص غير صريح. واللّهُ أعلم” [انظر: https://www.google.com/amp/s/islamqa.info/amp/ar/answers/280893 ].

إنّ مسألة رؤية النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم يقظةً، مِن الأمور الغيبية، ولكنّها ليست من أصول الإسلام كالإيمان بالملائكة، والكتب السماوية، والرسل والأنبياء، واليوم الآخر، والقضاء والقدر؛ وهي مثل مسألة رؤية النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم ربَّه -عزّ وجلّ- ليلةَ المعراج؛ والمُخطِئُ في مثل هذه المسائل التي ليست من أصول العقيدة لا يخرج من دائرة الإسلام، قال الشّيْخُ ابن تيمية: “إن السلف أخطأ كثيرٌ منهم في كثير من هذه المسائل، واتفقوا على عدم التكفير بذلك” [مجموع الفتاوى، ج12 ص492].

وقال -أيضاً-: “الخطأ المغفور في الاجتهاد هو في نوعَيْ المسائل الخبرية والعلمية،… مثل مَن اعتقد أن الذبيح إسحاق” [ج20 ص33].

وقال في مكان آخر: “إن المتأوِّل الذي قصد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لا يكفر؛ بل ولا يفسق، إذا اجتهد فأخطأ، وهذا مشهور عند الناس في المسائل العَمَلية، وأما مسائلُ العقائدِ فكثير من الناس كفَّر المخطئين فيها، وهذا القول لا يُعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا عن أحد من أئمة المسلمين، وإنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع” [منهاج السنة، 5/239].

وقال في موضع آخر: “هذا مع أني دائمًا -ومَن جالسني يعلم ذلك مني- أني من أعظم الناس نهيًا عن أن يُنسب معيَّنٌ إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا عُلم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية، التي مَن خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى، وعاصيًا أخرى، وإني أقرر أن الله قد غَفَر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعمُّ الخطأ في المسائل الخبرية القولية، والمسائل العملية.” ثم قال: “والمتأول مِن أهل الاجتهاد، الحريصِ على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بالمغفرة مِن مثل هذا” [مجموع الفتاوى، 3/ 229، 231].

وقال في مكان آخر: “وليس كلُّ من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكاً، فإن المنازِع قد يكون مجتهداً مُخطِئاً يغفر الله خطأه، وقد لا يكون بلغَه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته، وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد بكفر ولا بفسق ولا معصية” [مجموع الفتاوى: 3/229].

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم، مفتي المملكة السابق، عند ذِكره لأنواع المكفِّرات: “القسم الثالث: أشياء تكون غامضة، فهذه لا يُكَفَّرُ الشخصُ فيها، ولو بعدما أقيمت عليه الأدلة، وسواء كانت في الفروع أو الأصول” [فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم(1/ 74)].

وقال الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: “إن المتأولين من أهل القِبلة الذين ضلوا وأخطؤوا في فَهم ما جاء به الكتاب والسنة، مع إيمانهم بالرسول، واعتقادهم صدقه في كل ما قال، وأن ما قاله كله حق، والتزموا ذلك، لكنهم أخطؤوا في بعض المسائل الخبرية أو العملية، فهؤلاء قد دلَّ الكتاب والسنة على عدم خروجهم من الدِّين، وعدم الحكم لهم بأحكام الكافرين، وأجمع الصحابة -رضي الله عنهم- والتابعون، ومِن بعدهم أئمة السلف على ذلك” [الإرشاد إلى معرفة الأحكام، ص 207].

وقال الشيْخُ محمد بن عثيمين عند كلامه على تكفير المعين: “ومن الموانع أيضًا أن يكون له شُبْهَةُ تأويلٍ في المُكفِّر، بحيث يظن أنه على حق؛ لأن هذا لم يتعمد الإثم والمخالفة، فيكون داخلاً في قوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب:5]، ولأن هذا غاية جهده، فيكون داخلاً في قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]” [مجموع فتاواه، (جمع فهد السليمان) 2/ 136].

وأقوالُ هؤلاء الأئمة والعلماء، تُبيِّنُ زلّةَ قلَمِ الإمامِ السيوطي حين نالَ مِن قَدْرِ علماءِ عصرِه الذين أنكروا الرؤية يقظةً وحقَّرَهم، بقوله: “وَبَعْدُ: فَقَدْ كَثُرَ السُّؤَالُ عَنْ رُؤْيَةِ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْيَقَظَةِ، وَإِنَّ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ مِمَّنْ لَا قَدَمَ لَهُمْ فِي الْعِلْمِ بَالَغُوا فِي إِنْكَارِ ذَلِكَ وَالتَّعَجُّبِ مِنْهُ وَادَّعَوْا أَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ. فَأَلَّفْتُ هَذِهِ الْكُرَّاسَةَ فِي ذَلِكَ وَسَمَّيْتُهَا: تَنْوِيرُ الْحَلَكِ فِي إِمْكَانِ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ وَالْمَلَك” [الحاوي للفتاوي، السيوطي/ تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك: ج2 ص307].

وزلّ الْإِمَامُ أبو محمد بن أبي جمرة أيضاً -فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْأَحَادِيثِ الَّتِي انْتَقَاهَا مِنَ الْبُخَارِيِّ- في قولِه: “وَقَدْ وَقَعَ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ عَدَمُ التَّصْدِيقِ بِعُمُومِهِ، وَقَالَ عَلَى مَا أَعْطَاهُ عَقْلُهُ: وَكَيْفَ يَكُونُ مَنْ قَدْ مَاتَ يَرَاهُ الْحَيُّ فِي عَالَمِ الشَّاهِدِ؟ قَالَ: وَفِي قَوْلِ هَذَا الْقَوْلِ مِنَ الْمَحْذُورِ وَجْهَانِ خَطِرَانِ، أَحَدُهُمَا: عَدَمُ التَّصْدِيقِ لِقَوْلِ الصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، وَالثَّانِي: الْجَهْلُ بِقُدْرَةِ الْقَادِرِ وَتَعْجِيزِهَا” [السابق، ج2 ص308].

ج) النبيُّ لا يمكن أنْ يأمُرَ بأمر مخالف للشريعة.

مَن زعم أنّهُ رأى النّبيَّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم، وأمره بما هو مخالفٌ للشريعة فلا يُصدَّق، وهذا قول العلماءِ أنفُسِهم الذين يُجوِّزون الرؤية يقظةً؛ قال الشيخُ نوح علي سلمان في جوابه عن السؤال (هل يمكن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة؟): “فلو ادَّعى شخص أنَّه رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم في اليقظة لا ننكر عليه ذلك إن كان ظاهر الصلاح، ولكن إذا قال أنه رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقظةً أو مناماً فأمره بكذا أو نهاه عن كذا ويريد بذلك أن يزيد في أحكام الشريعة لا نقبل منه، لأن الله تبارك وتعالى أتمَّ لنا الدين ولا مجال لزيادة فيه ولا نقص، وقد قال الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) المائدة/3.” [(فتاوى الحياة العامّة / فتوى رقم/68)  https://www.aliftaa.jo/Question.aspx?QuestionId=2593&fbclid=IwAR3pcz8eIQMGaEnZVZ1lg_be2J0hU1CViMulYEi-36H8rjrTWInA3z6UR6s#.X9ekkGnzMey ].

وقال العلاّمةُ حبيب الله الشنقيطي: “إذا علمت ما قررناه من إمكان رؤيته -صلى الله عليه وسلم- في اليقظة كرامةً لبعض خواص أكابر الأولياء… ، فاعلم أن فائدةَ ذلك إنما تعود غالبًا على الرائي فقط، ولا يجوز أن يُثْبَتَ بها حكمٌ شرعِيٌ كائنًا ما كان: ندبًا أو غيره من سائر الأحكام الشرعية، كما تُعطيه قواعدُ الشرع المعلومة، وكما صرح به الأئمة” [زاد المسلم (3/ 187)/نقلاً عن: أُصُوْلٌ بِلاَ أُصُوْلٍ، محمد بن أحمد بن إسماعيل المقدم، ص162، دار ابن الجوزي – القاهرة، الطبعة الأولى، 1429ھ – 2008 م].

د) عدمُ التوصّلِ إلى الراجحِ من القولَيْن لا يضرّ في الدين.

لا يضُرُّ عدمُ التوصّلِ إلى الراجحِ من القولَيْن، لأنّ هذه المسألةَ ليست من الأصول العقائدية، بشهادة منْ يُجوِّزونها أنفُسُهم؛ قال علي جمعة -وهو من الذين يُجَوِّزون الرؤية يقظةً-: “إن رؤية النبي صلي الله عليه وسلم في اليقظة ليست من المسائل التشريعية التي يترتب عليها زيادة في الدين، أو نقص فيه”.

إنّنا -معْشَرَ المسلمين- لمْ نُؤمَرْ بالإيمان بإمكانية رُؤْيةِ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم، بل أُمِرْنا بالتّصديق بنُبُوّتِه، واتِّباعِ النُّور الذي جاء به، وعدمِ تبديلِ شرع اللّهِ بعد مماته؛ قال تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولࣱ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِی۟ن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰۤ أَعۡقَـٰبِكُمۡۚ وَمَن یَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَیۡهِ فَلَن یَضُرَّ ٱللَّهَ شَیۡـࣰٔاۗ وَسَیَجۡزِی ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِینَ} [آل عمران: 144].

قال ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ “أَيِ: الَّذِينَ قَامُوا بِطَاعَتِهِ وَقَاتَلُوا عَنْ دِينِهِ، وَاتَّبَعُوا رَسُولَهُ حَيًّا وَمَيِّتًا”.

وقال ابنُ عطِية في تفسيره «المحرر الوجيز»: “ولَزِمَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ العَمَلُ بِمُضَمَّنِ الرِسالَةِ، ولَيْسَتْ حَياةُ الرَسُولِ وبَقاؤُهُ بَيْنَ أظْهُرِكم شَرْطًا في ذَلِكَ؛ لِأنَّ الرَسُولَ يَمُوتُ كَما ماتَ الرُسُلُ قَبْلَهُ”.

وقال الشيخ ابن تيمية: “لَا رَيْبَ أَنَّ مَنْ لَقِيَ اللَّهَ بِالْإِيمَانِ بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مُجْمَلًا، مُقِرًّا بِمَا بَلَّغَهُ مِنْ تَفْصِيلِ الْجُمْلَةِ، غَيْرَ جَاحِدٍ لِشَيْءٍ مِنْ تَفَاصِيلِهَا: أَنَّهُ يَكُونُ بِذَلِكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ؛ إذْ الْإِيمَانُ بِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ تَفْصِيلِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ وَأَمَرَ بِهِ غَيْرَ مَقْدُورٍ لِلْعِبَادِ، إذْ لَا يُوجَدُ أَحَدٌ إلَّا وَقَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ مَا قَالَهُ الرَّسُولُ.

وَلِهَذَا يَسَعُ الْإِنْسَانَ فِي مَقَالَاتٍ كَثِيرَةٍ ألّا يُقِرّ فِيهَا بِأَحَدِ النَّقِيضَيْنِ، لَا يَنْفِيهَا وَلَا يُثْبِتُهَا، إذَا لَمْ يَبْلُغْهُ أَنَّ الرَّسُولَ نَفَاهَا أَوْ أَثْبَتَهَا.

وَيَسَعُ الْإِنْسَانَ السُّكُوتُ عَنْ النَّقِيضَيْنِ فِي أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ، إذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ بِوُجُوبِ قَوْلِ أَحَدِهِمَا” [ انظر: التسعينية، ج1 ص 210 وما بعدها].

ھ) مِن الحكمةِ عدمُ إشغالِ العامّةِ بهذه المسألةِ.

ليس مِن الحكمةِ إشغالُ العامّةِ من الناس بهذه المسألةِ، وجمعُهم في بعضِ الفضاءات، ومحاولةُ إقناعِهم بإمكانية رؤيةِ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم يقظةً، بِبضع كلماتٍ وفي بضع دقائق!

فهذا فيه إشعالٌ للفتن، وزيادةُ التفريق بين المسلمين؛ وعامّةُ النّاس يميلون إلى التّعصُّب وتفجيرِ الخصومات، ويَجهلون كيفيةَ التّعامُل مع اختلافاتِ العلماء، ومِن المؤسفِ حقًّا أنّ بعضَ العلماءِ يستغلّون عامّةَ النّاسِ لحاجَةٍ في نفوسِهم، ويتسبَّبُون في خلق الفتنِ وإضعافِ الأمّة الإسلامية! قال الشيخ ابن تيمية: “الْمَسَائِلَ الْخَبَرِيَّةَ الْعِلْمِيَّةَ قَدْ تَكُونُ وَاجِبَةَ الِاعْتِقَادِ، وَقَدْ تَجِبُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ، وَعَلَى قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ؛ وَقَدْ تَكُونُ مُسْتَحَبَّةً غَيْرَ وَاجِبَةٍ، وَقَدْ تُسْتَحَبُّ لِطَائِفَةِ أَوْ فِي حَالٍ كَالْأَعْمَالِ سَوَاءً، وَقَدْ تَكُونُ مَعْرِفَتُهَا مُضِرَّةً لِبَعْضِ النَّاسِ، فَلَا يَجُوزُ تَعْرِيفُهُ بِهَا كَمَا قَالَ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ وَدَعُوا مَا يُنْكِرُونَ؛ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ».

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُحَدِّثُ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إلَّا كَانَ فِتْنَةً لِبَعْضِهِمْ»” [مجموع الفتاوى، ج6 ص59-61].

وقال أيضاً: “وَالْوَاجِبُ أَمْرُ الْعَامَّةِ بِالْجُمَلِ الثَّابِتَةِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَمَنْعُهُمْ مِنْ الْخَوْضِ فِي التَّفْصِيلِ الَّذِي يُوقِعُ بَيْنَهُمْ الْفُرْقَةَ وَالِاخْتِلَافَ؛ فَإِنَّ الْفُرْقَةَ وَالِاخْتِلَافَ مِنْ أَعْظَمِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ” [مجموع الفتاوى (12/237)].

ولقد أنكر الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي على من يُعْلِن بين عامة الناس رؤيته لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة، وقال: “رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة، داخلة في الأمور الجائزة أي الممكنة، وليست من الأمور المستحيلة ولكن الذي يكرمه الله بخارقة رؤية رسول الله يقظة، لا يجهر بذلك بين الناس، بل يمعن في إخفاء ذلك. فإن رأيت من ينسب هذه الخارقة إلى نفسه اليوم، ويعلن ذلك في دروسه وبين عامة الناس، فلْتَعلَمْ أنه مُرَاء يريد أن ينسج لنفسه بذلك هالة تقديس بيت الناس. ولذا قال كثير من العلماء أن مدعي ذلك علانية بين الناس ينبغي أن يعزر” [ https://www.naseemalsham.com/persons/muhammad_said_ramadan_al_bouti/fatwas/view/8013 ].

وقال الإمامُ النّووي -عند شرحه للحديث رقم 2542 مِن صحيح مسلم-: “قَوْلُهُ: «وَفِيهِمْ رَجُلٌ يَسْخَرُ بِأُوَيْسٍ» أَيْ: يَحْتَقِرُهُ، وَيَسْتَهْزِئُ بِهِ؛ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُخْفِي حَالَهُ، وَيَكْتُمُ السِّرَّ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا يَظْهَرُ مِنْهُ شَيْءٌ يَدُلُّ لِذَلِكَ، وَهَذِهِ طَرِيقُ الْعَارِفِينَ وَخَوَاصِّ الْأَوْلِيَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ” [شرح صحيح مسلم، بَاب مِنْ فَضَائِلِ أُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، ج17 ص73].

وقال الشيخُ محمد بن محمد بن مصطفى بن عثمان، أبو سعيد الخادمي الحنفي (المتوفى: 1156ھ): “ثُمَّ الْكَرَامَةُ قَدْ تَكُونُ فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا وَقَدْ تَكُونُ إِلْجَائِيًّا، وَلَا يَجُوزُ إظْهَارُهَا بِاخْتِيَارِهِ عَلَى غَيْرِ أَهْلِهَا” [بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية، محمد أبو سعيد الخادمي الحنفي (ت: 1156ھ)، مطبعة الحلبي الطبعة، ج1 ص 203].

و) هل يجبُ التصديقُ بكلّ خارقٍ يُخبِرُ به المؤْمنُ؟

قال بعضُهم: “ولم يرد في الشرع ما يدل على حصر الخوارق في مجال محدد، فإذا أَخبَر المومنُ الصّادقُ بأمر مخالف لسنن الكون، وجب تصديقه والتسليم بحاله، مهما كان هذا الخارق”!

وهذا الكلامُ فيه مغالطة؛ لِأمريْن:

ا) لقد رأينا أنّ القاعدة (ما جاز لنبي، جاز لولي)، ليست على إطلاقها؛ وهذا يستلزمُ عدم التّصديق بجميع الخوارق التي نسمعُ بها، ولو قيل إنّها وقعتْ على يدِ وليّ من الأولياء الصادقين!

ب) هناك فرْقٌ بين التصديق بوقوع الكرامات، والتصديق بوقوع كرامةٍ لشخص مُعَيّن؛ والواجبُ في الكرامات هو التّصديق بها في الجملة، أما التصديق بِحصول كرامة لشخص مُعَيَّن، فإنّه غير واجب؛ لأنّه لا يمكن أنْ نقطع  في جميع الأحوال أنها كرامةٌ من الله.

لقد نقل -مثلاً- أبو حامد الغزالي قولاً منسوباً إلى سهل التستري، جاء فيه: “إن لِلّه عباداً في هذه البلدةِ، لو دَعَوْا على الظالمين لم يُصبحْ على وجهِ الأرضِ ظالمٌ إلا مات في ليلةٍ واحدةٍ… حتى قال: ولو سألوه أنْ لا يقيم الساعة لم يُقِمْها”!

فهل نُصدِّقُ هذا الكلام؛ لمجرّد أنّه نُسِبَ إلى سهل التستري؟

وهذه أمثِلةٌ أخرى لأقوالٍ، لا يمكن أن يصدقها مسلمٌ عاقلٌ:

  • زعم علي بن حرازم أنّه خليفةٌ يُملِّكه الله كلمةَ التكوين، متى قال للشيء: كن، كان من حينه”! [جواهر المعاني، علي بن حرازم، 8 ج 2 ص8].
  • وقال الشعراني في طبقات الأولياء: “ومنهم الشيخ حسين أبو علي رضي الله عنه ورحمه، كان هذا الشيخ رضي الله عنه من كُمّل العارفين وأصحاب الدوائر الكبرى، وكان كثير التطورات، تدخل عليه بعض الوقت تجدهُ جُنديا؛ ثم تدخل عليه فتجدهُ سبعاً؛ ثم تدخل فتجدهُ فيلاً؛ ثم تدخل عليه فتجدهُ صبياً، وهكذا، فمكث نحو أربعين سنة في خلوة مسدودٌ بابُها، ليس لهُ غير طاقةٍ يدخلُ منها الهواء”.
  • ومن كرامات عبد الرحيم القناوي التي ذكرها الشعراني أيضاً: أنّه نزل يوماً في حلْقَتِه شبَحٌ مِن الجوِّ لا يدري الحاضرون ما هو، فأطرق الشيخُ ساعةً ثم ارتفع الشبحُ إلى السماء، فسألوه عنه فقال: “هذا ملَكٌ وقعت منه هفوةٌ، فسقط علينا يستشفع بنا، فقبِل الله شفاعتَنا فيه فارتفع”!

ومنها: وكان الشيخ إذا شاوره إنسانٌ في شيءٍ يقول: أمْهِلْني حتى أستأذن لك فيه جبريل عليه السلام، فيمهله ساعة، ثم يقول له: افعل أو لا تفعل؛ على حسب ما يقول جبريل!

ز) متى نعتبر الخارق للعادةِ -الذي يقع لشخصٍ مُعيّنٍ- كرامةً، ويُصدّقُ؟

هناك حالات:

أ) إنْ كان في الخارق ما يُخالف الشرع، فلا يعتبرُ كرامة.

ب) إن لم يكن فيه ما يخالف الشرع، ننظر:

* إن كان مَنْ وقعت على يديه مِنْ أهل الفسق والفجور، فهذا الخارق قد يكون سحراً، أو استدراجاً، أو إهانة.

* وإنْ كان مجهول الحال، نتوقّف؛ فلا نُكذّبْ ولا نُصدّقْ.

* وإنْ كان معروفاً بالصلاح والتّقوى، ننظر:

– فإنْ كان الخارقُ مِمّا يُمكن رؤيتُه (كالمشي على الماء)، أو سمعُه (كسماع تسبيح شيء يُمسكه بيده)، أو شمُّه (كشمّ رائحة طيبة وغريبة، مصدرُها مجهولٌ)، فهذا الخارق يُعدُّ كرامة، لا مجالَ لتكذيبها.

–  وإن كان ممّا لا تُدركه حواسُّنا، ويمكنُ أن يقع، فلا حرجَ على مَن صدّقَ ولمْ يُكذِّبْ.

– وإن كان ممّا لا تُدركه حواسُّنا، وليس لدينا دليلٌ مقنع على إمكانية حصوله، أو شكَكْنا في قولِ مَن نُسِب إليه الخارقُ، لسبب من الأسباب (كاختلاطه، أو ذهاب وعْيِه)، فلا حرَجَ على مَن لمْ يُصدِّقْ، أو شكّ وتوقّف.

ح) هنِيئاً لكلّ مَن آمن بالنَّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم، ولوْ لمْ يره.

قال النَّبِيُّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم: “طُوبى لِمَن رآني وآمَن بي ثم طُوبى ثُمّ طُوبى ثُمّ طوبى لمن آمن بي ولَمْ يرني” [رواه أحمد وابن حِبّان، وصححه الألباني في  الصحيحة: 1241].

وفي حديث آخر: “طُوبَى لِمَن آمَنَ بِي وَرَآنِي مَرَّةً، وُطُوبَى لِمَن آمَنَ بِي وَلَم يَرَنِي سَبعَ مِرَارٍ” [رواه أحمد وابن حبان والحاكم في المستدرك والبخاري في التاريخ، عن أبي أُمامة؛ ورواه أحمد عن أنس، انظر: الصحيحة للألباني 1241].

ومعنى طُوبَى -كما قال بعضُ المفسرين-: فرَحٌ وقُرّةُ عَيْن، وغِبطةٌ لهم، وحُسْنى لهم.

فهنيئاً لكلِّ مَن آمن بالنَّبِيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم ولو لمْ يَرَه؛ ولا يضُرُّه عدمُ رُؤيته في اليقظةِ بعد مماتِه!

الخاتمة.

لقد خلَصَ البحثُ إلى النقاط الآتية:

  •  هناك اختلافٌ في معنى الرؤية في اليقظةِ وكيف تتِمّ، بين القائلين بها.
  •  هناك اختلافٌ في إمكانية وقوع الرؤية في اليقظة بعينَيْ الرأسِ.
  •  يلاحظُ عدم الدّقة في النقل عن بعض العلماء.
  •  يلاحظُ التّسرُّعُ في فهم أقوال بعض العلماء، أو تحريفُ كلامهم.
  •  لا توجد أسانيدُ صحيحةٌ إلى كثير مِمّن نُسِب إليهم الرؤية في اليقظة.
  •  هناك اختلافٌ في ثبوت كلمة (فسيراني في اليقظة) عن النبيِّ صلّى اللّهُ عليه وسلّم.
  •  هناك اختلافٌ في دلالة (فسيراني في اليقظة) على رؤية جسد النبيِّ وروحه بعينَيْ الرأس في حالة اليقظة.
  •  هناك اختلافٌ في صحة القاعدة التي تقول: (كلّ ما جاز لنبي جاز لولي).

هذا، واللّهُ تعالى أعلم.

تمّ البحثُ بفضل اللّهِ ونِعمته، والحمد للّهِ ربِّ العالمين.

تمّ الفراغُ منه يوم: الخميس 11 ذو الحجة 1442ھ/ الموافق 22 يوليو 2021م.

2 تعليقات
  1. محمد رشاد يقول

    بورك فيك
    جزيت خيرا

    1. فاضل عبد المجيد يقول

      شكراً على مرورك، وفقني الله وإياك إلى اتباع الحق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.