منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المهارات التربوية لبناء الشخصية الإيمانية القوية من خلال السنة النبوية..المهارة (1): ضبط النفس

مصطفى بوهبوه

0

المهارة (1): ضبط النفس

لقد رسمت لنا السنة النبوية المنهج القويم لبناء الشخصية الإيمانية السوية والتي يجسدها النموذج القدوة الأول محمد بن عبد صلى الله عليه وسلم الذي علّمنا كل ما يحقق لنا السعادة في الدنيا والآخرة، ومما حثنا على التحلي به فضيلة ضبط النفس بحيث نتحكم في مشاعرنا ونسيطر على انفعالاتنا صغارا وكبارا رجالا ونساء.

ومن الوصايا النبوية التي تحمل هذه المعاني النبيلة والأخلاق الكريمة قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْصِنِي، قَالَ: «لاَ تَغْضَبْ» فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: «لاَ تَغْضَبْ»[1].

ومن المهم أن ضبط النفس أمر لا يقدر عليه إلا الأقوياء من أصحاب العزيمة الإيمانية والإرادة الفولاذية، يقول الله سبحانه وتعالى: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (سورة آل عمران الآية: 186). ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم هذه المزية حيث يقول فيما رواه الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ»[2].

  • فما معنى ضبط النفس وما هي الوسائل التي تعيننا على كسب هذه الفضيلة؟
المزيد من المشاركات
1 من 35

معنى ضبط النفس:

ضبط النفس بمعنى كظم الغيظ وقد ذكر الله تعالى أن كظم الغيظ من صفات المتقين حيث قال سبحانه وتعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (سورة آل عمران الآية 34).

قال القرطبي: “وَكَظْمُ الْغَيْظِ رَدُّهُ فِي الْجَوْفِ، يُقَالُ: كَظَمَ غَيْظَهُ أَيْ سَكَتَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُظْهِرْهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى إِيقَاعِهِ بعدوه، وكظمت السقاء أي ملائه وَسَدَدْتُ عَلَيْهِ، وَالْكِظَامَةُ مَا يُسَدُّ بِهِ مَجْرَى الْمَاءِ، وَمِنْهُ الْكِظَامُ لِلسَّيْرِ الَّذِي يُسَدُّ بِهِ فَمُ الزِّقِّ وَالْقِرْبَةِ. وَكَظَمَ الْبَعِيرُ جِرَّتَهُ إِذَا رَدَّهَا فِي جَوْفِهِ، وَقَدْ يُقَالُ لِحَبْسِهِ الْجِرَّةُ قَبْلَ أَنْ يُرْسِلَهَا إِلَى فِيهِ: كَظَمَ، حَكَاهُ الزَّجَّاجُ. يُقَالُ: كَظَمَ الْبَعِيرُ وَالنَّاقَةُ إِذَا لَمْ يَجْتَرَّا”[3].

فكظم الغيظ هو منعه من أن يقع، ومن ذلك يمكن أن نعرف ضبط النفس بما يلي: “ضبط النفس هو منعها من التصرف بانفعالية في المواقف الحياتية التي تقتضي قدرا من القوة والحكمة وحسن التصرف”.

وفي هذا الإطار أستشهد ببعض الأحاديث النبوية التي توجهنا إلى ضبط النفس والسيطرة عليها عند الغضب من خلال كظم غيظها والإمساك بزمامها، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: “ما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد ما كظمها عبد إلا ملأ الله جوفه إيمانا “[4]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه ملأ الله جوفه أمنا وإيمانا “[5]. وقال أيضا: “من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء”[6].

فمن خلال هذه الأحاديث النبوية الشريفة التي توجهنا إلى كظم غيظ نفوسنا يتضح أن ضبط النفس من الأخلاق الكريمة التي يحبها الله تعالى ويجازي المتصفين بها خير جزاء؛ علاوة على كسب الطمأنينة والسكينة وبناء الشخصية الإيمانية القوية.

كم أن انضباط النفس بنهج الإسلام والتوجيهات النبوية هو السبيل الوحيد للفوز برضا الله تعالى، ودخول جنّته، ولكن هذا ليس بالأمر اليسير، بل يحتاج إلى صبر مصابرة، وجهد ومثابرة لتطويع النفس على نهج الإسلام ومسلك النبوة.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 21

الوسائل التي تعين على ضبط النفس

ومن هنا يمكن أن نقترح بعض الوسائل التي تعيننا على ضبط النفس والسيطرة على الغضب قصد الأخذ بها وتطبيقها في المواقف الحياتية؛ ومنها ما يلي:

طلب العلم

قال الله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) (سورة الزمر: الآية 9). فطلب العلم حصن حصين يقي الإنسان من الوقوع في الآفات من الغضب وآثاره، فأهل العلم هم أكثر الناس وأقدرهم على ضبط النفس وكبح شهواتها والسيطرة على الغضب وشرارته.

ضبط اللسان

قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا غضب أحدُكم فليسكتْ” [7]، فمما يعين على ضبط النفوس الهدوء وعدم التعجّل. فضبط اللسان مما يمنع من التصرفات التي لا تُحمدُ عقباها.

تحري الحكمة

الحكمة هي: فعل ما ينبغي كما ينبغي في الوقت الذي ينبغي، ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، قال تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) (سورة البقرة الآية 269)، فمن الحكمة ضبط النفس.

الالتزام بما ورد في الشرع من توجيهات نبوية

منها ما يلي:

  • الاستعاذة بالله من الشيطان

 عن سليمان بن صرد رضي الله عنه، قال: ” كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه وسلم ورجلان يستبان، فأحدهما احمر وجهه، وانتفخت أوداجه، فقال النبي صلى لله عليه وسلم: “إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد لو قال: أعوذ بالله من الشيطان ذهب عنه ما يجد”[8].

  • تغيير الوضعية التي يكون عليها حين يغضب

عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَنَا: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ»[9]

  • الوضوء

فقد روي عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ»[10]. فالوضوء يطفئ الغضب، كما يطفئ الماء النار.

 ترويض النفس على الحِلم

من التعاليم النبوية التي تعيينا على مكافحة الغضب وضبط النفس والحد من تأثيرهما على الصحة والبدن ترويض النفس على الحلم، فقد امتدح النبي صلى الله عليه وسلم الْأَشَجِّ بن عَبْدِ الْقَيْسِ رضي الله عنه فقال: ” إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ “[11].

وقد أوتي النبي صلى الله عليه ــــ كما نعلم من سيرته ـــ أوفى نصيب من الحلم وضبط النفس والسيطرة على الغضب، فقد ورد عن أنس رضي الله عنه، قَالَ: «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ»، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، حَتَّى «نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ البُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ»، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، «فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ»[12].

التربية الحسنة وحسن الخلق

إن حمل النفس على التربية الجادة والتحلي بحسن الخلق يؤديان إلى ــ بإذن الله ــ إلى ضبط النفس، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن”[13].

بناء على سبق ذكره يمكن القول إن ضبط النفس مهارة تربوية مهمة ما أحوجنا إلى التحلي بها اليوم في حياتنا اليومية، والسعي لامتلاكها لما لها من أهمية كبيرة في حل المشاكل بحيادية، وبناء الشخصية الإيمانية القوية.


[1] ـــ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الأدب، باب: الحذر من الغضب، رقم: (6116)، (ج8/ 28).

[2]ـــ أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، رقم: (5763)، (ج5/ 2267) ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب وبأي شيء يذهب الغضب، رقم (2609) (ج4/ 2014).

[3] ـــ الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: 671هـ)، تحقيق: أحمد، البردوني وإبراهيم أطفيش، الناشر: دار الكتب المصرية – القاهرة، الطبعة: الثانية، 1384هـ – 1964 م، ج4، ص 206.

[4] – سنن ابن ماجه، ابن ماجة أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، وماجة اسم أبيه يزيد (المتوفى: 273هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء الكتب العربية – فيصل عيسى البابي الحلبي، (4189)، ج2، ص 1401.

[5] – سنن أبي داود، أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)، تحقيق: شعَيب الأرنؤوط – محَمَّد كامِل قره بللي، الناشر: دار الرسالة العالمية، الطبعة: الأولى، 1430 هـ – 2009 م، ج7، ص157.

[6] – الترمذي: البر والصلة (2021) وصفة القيامة والرقائق والورع (2493) وأبو داود: الأدب (4777) وابن ماجه: الزهد (4186) وأحمد (3/440).

[7] ــــ مسند الإمام أحمد بن حنبل، المؤلف: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط – عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1421 هـ – 2001م، رقم: (2136)، ج2، ص 538.

[8] – أخرجه البخاري: كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده، رقم: (3282) ومسلم: كتاب: البر والصلة والآداب، باب: فضل من يملك نفسه عند الغضب، رقم: (2610).

[9] ـــ سنن أبي داود، المؤلف: أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، الناشر: المكتبة العصرية، صيدا – بيروت رقم: 4782، ج4، ص 249. قال الألباني: حديث صحيح.

[10] ــ مسند الإمام أحمد، رقم 17985، ج29، ص 505.

[11] ـــ أخرجه مسلم، كتاب: الإيمان، باب: الأمر بالإيمان بالله ورسوله، رقم: 17، ج1، ص 48.

[12] ــ أخرجه البخاري، كتاب: اللباس، باب: البرود والحمرة والشملة، رقم: 5809، ج7، ص 146. ومسلم: كتاب: الزكاة، باب: إعطاء من سأل بفحش وغلظة، رقم: 1057، ج2، ص 730.

[13] – سنن الترمذي، محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (المتوفى: 279هـ)، تحقيق: أحمد محمد شاكر (جـ 1، 2)، ومحمد فؤاد عبد الباقي (جـ 3)، وإبراهيم عطوة عوض المدرس في الأزهر الشريف (جـ 4، 5)، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر، الطبعة: الثانية، 1395 هـ – 1975 م رقم: (1987)، ج4، ص 355.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.