منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العلاقة البيداغوجية في العصر الرقمي تحديات التعلم الذاتي والتفكير النقدي

د. شفيق اݣريݣر

0

نشر هذا المقال في كتاب: “العلاقات البيداغوجية في المنظومة التربوية المغربية” يمكن تحميله من هذا الرابط

يمكنكم قراءة وتنزيل المقال بصيغة (بدف pdf)

 ملخص

يطرح العصر الرقمي تحديات على العلاقة البيداغوجية. وليست التحديات مجرد مشكلات بل هي فرص أيضاً. وفي هذا البحث، سأبسُط أولا المشكلات متمثلة في أن البيئة الإنسانية والتعليمية أضحت بيئة متخمة بالمعارف، مما أدى إلى أفول الامتياز الذي كان يحظى به المعلم بوصفه مصدرا متميزا للمعرفة.

ثم سأبيّن بعدها أن هذا الوضع الصعب يضع أمام العلاقة البيداغوجية فرصة التفرغ لمهمتين استراتيجيتين: إقدار المتعلم على التعلم بنفسه وعلى التفكير بنفسه. يتحقق الأمر الأول باكتساب المتعلم لاستراتيجيات التعلم الذاتي، فيما يتوقف الثاني على تمكنه من عادات وشيمات التفكير النقدي. وإذا ما بدا تحقق التعلم الذاتي والتفكير النقدي أعسر ما يكون في ظل العصر الرقمي، فإن للعلاقة البيداغوجية إمكاناتها المحايثة التي تتيح لها رفع هذا التحدي بنجاح؛ عنينا بذلك بعدها الإنساني.

الكلمات المفتاحية: العلاقة البيداغوجية – العصر الرقمي – التعلم الذاتي – التفكير النقدي

المزيد من المشاركات
1 من 50

مقدمة

على الرغم مما يتمتع به فعل التربية من سمو بين طائفة الأفعال الإنسانية النبيلة، إلا أن العلاقة البيداغوجية، علاقة المعلم بالمتعلم، هي علاقة تبعية من بعض الوجوه. يكون أحد طرفيْ العلاقة، الأقل علما والأبسط خبرة، معتمدا على الطرف الآخر، الأغزر علما والأوسع خبرة. إنها تبعية ضرورية، ولكنها ليست مقبولة إلا لكونها مؤقتة؛ هذه هي المشكلة الأولى للعلاقة البيداغوجية. وهي مشكلة صميمية: كيف نجعل التبعية مؤقتة؟

تنضاف إلى المشكلة الصميمية مشكلة ظرفية جاءتنا مع العصر الرقمي. لقد شهد هذا العصر تدفقاً غير مسبوق، غير متحكم فيه ولا ممركز لسيل من المعلومات. وبطبيعة الحال، فإن المتعلم، شأنه في ذلك شأن باقي سكان الكوكب، يتعرض لهذا الطوفان طوال الوقت. قد يقال إن وفرة المعلومة على هذا النحو قد يخفف مبدئيا من التبعية التي تحدثنا عنها بصدد العلاقة البيداغوجية. لكن هيهات! فالمعلومة غير المعرفة.

لا تبنى المعرفة إلا من خلال تفاوض حول المعنى، في إطار مشروع بناء شخصية الإنسان وتموقعه داخل العالم. ولذلك يخشى أن ينتهي تضخم المعلومة، في العصر الرقمي، إلى ضروب أسوأ من التبعية لقوى لاشخصية تتلاعب بالعقول وتسلبها القدرة على بناء المعرفة، لأنها تغرقها تحت طوفان المعلومات الجاهزة وتفقدها الرغبة في المعرفة وتزرع فيها نوعا من حب الاستطلاع السطحي الأجوف الأقرب إلى التلصص؛ وطوفان أخطر منه، طوفان الآراء (بالمعنى الباشلاري) والشائعات والأحكام المسبقة والخرافات… المعلبة ضمن مغالطات تدغدغ الغرائز والأهواء، أو مغلفة بستائر من الإيهام والتمويه والجعجعات اللفظية الجوفاء. تستطيع العلاقة البيداغوجية المراهنة على بعدها الإنساني، لمقاومة هذا التبليد والاستعباد والتلاعب المحدق بعقول الناشئة.

1.الرهان الإنساني في العلاقة البيداغوجية

في كتابه “ما الحكمة من وجود الأساتذة؟”[1] يذهب الفيلسوف الفرنسي ومؤرخ الأفكار جورج غوسدورف، إلى أن علاقة الأستاذ والتلميذ هي واحدة من الأبعاد الأساسية للوجود الإنساني. ونقطة الانطلاق عند غوسدورف أن كل وجود إنساني يثبت نفسه عند اتصاله بعينات من وجود الآخرين من حوله، فيغدو بذلك ملتقى خيوط داخل شبكة العلاقات الإنسانية. صحيح أن ثمة أشكالا متميزة من العلاقة بين الأنا والغير من قبيل علاقة الطفل بوالديه وإخوته وأخواته أوعلاقة الصداقة أو الحب. بيد أن علاقة المتعلم بالمعلم تظل متميزة بين كل هذه العلاقات؛ فالمعلم -بالمعنى العام- هو الذي يأخذ بيد المتعلم في درب اكتشاف معنى الحياة ويوجهه في الحياة المهنية وفي العثور على القناعات الأساسية. ما أشبه دور الأستاذ هنا بدور الوسيط الذي يمنح القيم وجهها الإنساني. وإذ يلتقيه الطفل والمراهق، الباحثان عن ذاتيهما، يجدان فيها تجسيدا واقعيا لممكنات الإرادة الغافية بداخليهما.[2]

هكذا نرى مع غوسدورف أن “المعلمين” هم أدلاء، يتموقع كل واحد منهم عند محطة ما على طول درب حياة المتعلم. ورغم ما في هذا الدور من وصاية، إلا أنها ضرورية؛ لأن الواحد منا كما قال تشارلز تايلور “يحتاج فترة طويلة من النمو والعيش تحت إشراف الآخرين حتى يصير شخصا راشدا تام الرشد. وفي هذه الأثناء قد تسير الرياح بما لا تشتهي السفن: يفشل البعض فشلا كليا في إنجاز هذه الصيرورة؛ وعلى الأرجح يفشل معظمنا إلى هذا الحد أو ذاك في التحول إلى شخص راشد تام الرشد. بيد أن ذلك التحول يظل الغاية التي ننشدها خلال نمونا.”[3]

بسبب هذه الأهمية الحرجة للعلاقة البيداغوجية، يعتقد بعض المدرسين إلى أن “المهم في عملية تفاعلهم مع المتعلمين هي تلك الآثار البعيدة المدى أو مجموع الخبرات التي يعيشها المتعلم داخل المؤسسة التعليمية (…) بالنسبة إلى هؤلاء، التربية أكثر من مجرد لائحة من الأهداف المنجزة من قبيل تعلم القراءة أو السياحة أو اللغة الفرنسية.[4] وفق هذا المنظور، تتعدى العلاقة البيداغوجية حدود الرسمي والمؤسساتي (formal) لتتخذ شيئا من ملامح العلاقات الشخصية. ويذهب بعض المدرسين إلى أن “أفضل الطرق لجعل المتعلم يدرك دلالة فعل التربية الذي يخضع له هو أن يتاح له من حين لآخر الاطلاع على الشخص الذي يقف وراء شخصية المدرس الموظف المطالب بأداء مهام محددة. يدخل في ذلك مثلا مساهمة المدرس في الأنشطة غير الصفية. ولكن قد يحدث، أثناء ذلك، أن يتأثر بعضهم بقيمه واهتماماته ويتبنونها، في هذه الحالة، قد يعترض البعض على ذلك بحجة أن المدرس هنا قد مارس على المتعلمين نوعا من التأثير بغير وجه حق. بينما يصر آخرون على القول إن المعلمين الذين يتركون في متعلميهم تأثيرا يمتد إلى ما بعد مغادرتهم مقاعد الدراسة إلى الأبد، إنما تمكنوا من ذلك لأن في شخصيتهم إشعاعا ما يتعدى مجرد مهاراتهم التدريسية في مادة تخصصهم.”[5]

على أن الكلام السابق عن الطابع الإنساني والمسحة الروحية للعلاقة البيداغوجية قد يبدو مثاليا ما لم ينخرط الطرفان بذاتيهما في هذه العلاقة؛ أي أن يسهم كل واحد بأكبر نصيب ممكن من كيانه في هذه اللقاء، لا أن يكون حضور ذاته حضورا رسميا متكلفا. من المؤكد أن أغلبية المدرسين يجدون أنفسهم منخرطين بكل كيانهم في هذه العلاقة البيداغوجية، مدفوعين إلى ذلك بمشاعر يمتزج فيها حب المتعلمين والشغف بالمادة المدرَّسة والأمل في فخر محتمل حين يتفوق هؤلاء المتعلمون في المادة الدراسية أو في الحياة. على أن الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى الطرف الآخر في هذه العلاقة؛ فانخراط المتعلم ليس مؤكدا وليس مضمونا دائما لأسباب متعددة ذاتية وموضوعية، قد تتجاوز الأستاذ، فتتصل بالموقف من المدرسة والماضي المدرسي عموما والمشروع الشخصي لهذا المتعلم، وبدرجة تحكمه في المادة الدراسية أو شعوره بالمعاناة تجاهها، وبنوعية رفاقه وبيئته الاجتماعية..

من هنا تعتبر درجة انخراط المتعلم (Engagement) حاسمة في رسم معالم العلاقة البيداغوجية ومخرجاتها. وما كل متعلم متنبه يحملق في المدرس متعلما منخرطا، لهذا السبب طوّر عدد من الباحثين أدوات مفيدة لقياس درجات انخراط المتعلم في العملية التعليمية. ويمتد هذا الانخراط حسب شليكتي[6] على طيف متصل مكون من خمس درجات:

الانخراط الصادق (Authentic Engagement). وهو أعلى المستويات، وفيه يكون المتعلم منغمسا في العمل المدرسي الذي يكتسي عنده معنى وقيمة مباشرة، كأن يقرأ مثلا كتابا يتناول موضوعا يحظى باهتمامه الشخصي. ومن مؤشرات هذا النمط من الانخراط: المثابرة، والتقصي المستمر، والتوجيه الذاتي، والاستمتاع بالمحتويات المدرسية، والمبادرة إلى تحويل (transfert) التعلمات وتطبيقها في وضعيات جديدة.

الامتثال الطقوسي: في هذا النوع من الامتثال يكون المعنى الذي يحمله العمل المدرسي ضئيلا أو غير مباشر، لكن المتعلم ينجح، مع ذلك، في أن يجد في النتائج الخارجية نوعا من القيمة والحافز للانخراط، من قبيل الحصول على علامات تؤهله للنجاح أو لولوج مدارس عليا.. ومن مؤشرات هذا النوع من الانخراط بذل مجهودات واضحة، الإبانة عن بعض الحس الإبداعي، الاهتمام بالتميز وبالحرص على إنجاز المهام المطلوبة للحصول على النتائج المرجوة.

الامتثال السلبي: هنا لا يجد المتعلم في الواجبات المدرسية أي معنى، ومع ذلك يبذل جهدا لتفادي العواقب الوخيمة، من قبيل الرسوب أو الإحراج أمام الزملاء. ومن مظاهر هذ الضرب من الامتثال: بذل الحد الأدنى من الجهد تفاديا للعواقب، غياب الإبداع أو الموهبة أو حب الاستطلاع أو التحويل.

الانسحابية: لا يكترث المتعلم هنا بالواجبات المدرسية ولا يبذل جهدا يذكر، بيد انه لا يعرقل مجرى الدرس ولا يشوش على تعلمات الآخرين. ومن مؤشراته: بذل القليل من الجهد أو الامتناع عن بذله كليا، غياب الإنتاجية وعدم إحراز أي تقدم، ضمور حب الاستطلاع أو الاهتمام بالمحتويات الدراسية أو بالواجبات، كما لا يبدي المتعلم ميلاً إلى التعاون.

التمرد: هو آخر الدرجات في سلم الانخراط. يتجلى في رفض المتعلم إنجاز الواجبات، وفي لجوءه إلى سلوكات معرقلة ومحاولته إقحام أنشطة أو انشغالات بديلة. ولا يحرز مثل هذا المتعلم أي تعلمات تذكر، فضلا عن إقدامه على سلوكات ينشد بها العرقلة والتحدي.

من المحقق أن المتعلم ذا الانخراط الصادق هو حلم كل مدرس، لكن هذا النوع من المتعلمين يظل نادرا، ولعل غالبية المتعلمين يتراوحون بين امتثالية طقوسية وأخرى سلبية. ومع ذلك على المدرس أن يدبر العلاقة البيداغوجية ضمن هذه الشروط؛ لأن الواقع لا يرتفع. أما إذا ارتفع أصحاب الموقف الانسحابي او التمردي، فلا مجال هنا للحديث أن علاقة بيداغوجية بالمرة؛ بل إن العملية برمتها لا تصبح، من وجهة نظر المدرس، غير سُخرة شاقة مؤلمة للنفس متعبة للجسد، فاقدة للمعنى والجدوى.

تلك هي أهم الرهانات والتحديات التي تعرفها العلاقة البيداغوجية من حيث بعدها الإنساني. ولقد ظلت هذه الرهانات والتحديات على ما هي عليه يدون تغيير يذكر دهورا طويلة إلى أن حلت العصور الرقمية، التي قلبت الكثير من عناصر المعادلة، وبخاصة العنصر الرئيس الذي كان مدار تبادل وتفاوض بين المعلم والمتعلم؛ ألا وهو المعرفة، أو بالأحرى المعلومة.

2. تحديات العالم الرقمي

يسجل العديد من المختصين في علاقة التربية بتكنلوجيا الإعلام والتواصل، بأن الموارد التعليمية قد شهدت، في السنوات الأخيرة، تحولات جذرية Metamorphosis. لم يبدل العصر الرقمي طبيعة الموارد والمعرفة فحسب؛ بل بدّل طبيعة الوجود الاجتماعي نفسه على نحو دراماتيكي. ازداد حجم المعلومات وإمكانيات الوصول إليها وفق متوالية هندسية، إلى درجة يصح معها القول: لقد بُدِّلت الأرض المعلوماتية غير الأرض والسماوات التواصلية! لم تتغير الوسائط فحسب، بل كيفية وزمن وغايات إنتاج المعلومة واستعمالها أيضاً. وهذا ما وفر للعملية التعليمية التعلمية موارد متنوعة وسبلا شتى لاستعمالها، وجعل البيئات التعليمية اليوم تسمى “بيئات تعلم معتمد على الموارد” (Resource-based learning environments- RBLEs). ولذا قد لا تكون الممارسات التربوية الحالية مناسبة أو مهيأة للاستفادة القصوى من الموارد المتوفرة، وإعداد الأفراد للاستفادة من هذه البيئات المتخمة بالموارد (Resource-rich environments).[7]

تلعب الموارد الرقمية، بفضل وفرتها في الكم والزمان وغناها الكيفي، أدوارا متنوعة بالنسبة إلى التعليم الحضوري، بدءاً بدعم هذا الأخير وصولا إلى تعويضه عند تعذره لسبب من الأسباب، كما حدث في الجائحة العالمية الأخيرة مثلاً. بيد أن أهم الممكنات (Potential) التي ينطوي عليها العصر الرقمي هي إمكانية تصدير وتفويض مهام الإلقاء والتلقين ونقل المعلومات والتدريب على المهارات من المدرس إلى الآلة، مع ما تتمتع به هذه الأخيرة من سعة شبه لا محدودة وقدرة لا محدودة على التكرار حتى يحصل التلقين والاكتساب. يعني هذا الوضع الجديد أن بؤرة أدوار المدرس قد صعدت إلى المراقي العليا بحسب صنافة بلوم.[8] لم يعد وظائف المدرس مقتصرة أو متمركزة على المعرفة (Knowledge) والفهم (Comprehension) وإلى حد ما التطبيق (Application)؛ بل صار المدرس متفرغا بالأحرى ومطالبا بتنمية القدرات الثلاث العليا المتبقية: التحليل الذي يقتضي النفاذ إلى عمق المعطى، التركيب التي يتاخم الابتكار والتجديد، والتقييم الذي تعبر فيه الذات عن قدرتها على الحكم وعن تفضيلاتها المعللة.

تحول المدرسون، بتأثير من هذه الثورة الرقمية، إلى مجرد واحد من المصادر الكثيرة للمعرفة، إن لم يكونوا المصدر الأقل جاذبية والأقل توافرا (less available). ولذلك ارتفعت هنا وهناك مخاوف من فقدان المدرسين لمركزيتهم وبالتالي لأهميتهم في العملية التعليمية. وذهب البعض إلى حد التوقع بأن مهنة التدريس ستغدو متقادمة أو غير ضرورية في النهاية؛ لأن الآلات والوسائط ستحل محلهم، خاصة مع إلحاح الجهات الرسمية على ضرورة إنتاج الموارد الرقمية والعمل على بثها مباشرة إلى المتعلمين.

بيد أن مثل هذه التوقعات المتشائمة تتناسى بأن جوهر عملية التعليم هو ذلك التفاعل الإنساني، الذي أومأنا إليه أعلاه، بين ذاتيْن ووعييْن وشخصيتيْن، وهذا ما لا يمكن أبدا للآلة أن تقوم به، وإلا فلنتوقع حلول الآلات محل الأمهات ومحل الوالدين في عملية التنشئة والتربية. ومن جهة أخرى، ليست هذه التحولات التي حملها العصر الرقمي بالجديدة تماما في الواقع عند التحقيق. إنها مجرد حلقة ضمن نزعة (Trend) أو سيرورة، طوال مراحل التاريخ الإنساني، كانت الأشياء المادية تحل باستمرار محل الكائنات البشرية بوصفهم مصادر للمعرفة. هكذا، استغنى الناس عن الناقل الشفوي عند اختراع الكتابة، واستغنوا عن الناسخ والمُملي مع اختراع المطبعة، وهم اليوم يستغنون عن أصحاب الذواكر البشرية، خازني المعلومات وناشريها، مع العصر الرقمي. والذواكر البشرية هي، بمعنى من المعاني، الأقراص الرخوة في مقابل الأقراص الصلبة الممغنطة.

ولا يمكن لـ “الرخو” أن ينافس “الصلب” فيما هو من صميم الصلابة التي للأشياء؛ عنينا به سعة التخزين وسرعة الاسترجاع وإمكانية التكرار والعمل بدون توقف ليل نهار. بيد أن “الرخو” يمكنه أن ينافس الصلب ويبُزّه فيما هو من صميم الرخاوة التي للكائنات الحية وللمادة الرمادية التي يمتاز بها البشر؛ عنينا به التعلم الذاتي والتفكير النقدي. ستظل العلاقة البيداغوجية الإطار الوحيد لتنمية هاتين القدرتيْن اللتين، وحدهما، تجعلان من الإنسان إنسانا على التحقيق، وبخاصة في مواجهة الآلية والتقنية التي تسير موضوعيا نحو اجتياح كل شيء وتنميطه.

3. التعلم الذاتي

يقصد بالتعلم الذاتي تمكَّن المتعلم من الاستراتيجيات والشيمات التي تتيح له تدبير تعلماته بنفسه، بدءاً من الوعي بما ينقصه وما يحتاج إلى معرفته وصولا إلى تحصيل المعرفة أو المهارة اللازمة وإدماجها في نسقه الفكري، مرورا بتقنيات البحث والتأويل ووضع المعارف في سياقها وحل المشكلات والضبط الذاتي للعمليات الذهنية (cognitive self-regulation).

يرى جاك موغليوني، وهو أحد عمداء الدرس الفلسفي بفرنسا، أن المتعلم لا يكون، داخل العلاقة البيداغوجية الصحية، مجرد متفرج سلبي على مشهد الآخر وهو يفكر نيابة عنه معفيا إياه من الإِصر المرهق للتفكير، بل يكون بالأحرى في مقام من يبني بنفسه أفكاره. لا يستسلم لسلطة تفكر نيابة عنه (par autorité et à crédit)، بل يفكر بنفسه.

والحال أن التلميذ يُحرم من هذه الفرصة عندما يعجل إلى ثمار المعرفة الناضجة ليستهلكها. ويعتقد موغليوني المشكلة في أن المعرفة غدت، بالنسبة إلى الإنسان الحديث، مادة للاستهلاك أو بالأحرى للحفظ والخزن للاستهلاك اللاحق، معرفة مجمدة يمكن تسخينها وتناولها لاحقا. ولما كانت التكنلوجيا الحديثة تضع تحت تصرفنا ركاما من المعارف، فقد يخيل إلينا أن هناك سوبرماركت للمعارف الهامدة الموجودة موضوعيا في استقلال عنا، تنتظر منا أن نستعملها عند الحاجة. وعندما يسود منطق السوق، تنتشر فكرة لا تجرؤ على كشف وجهها الحقيقي مفادها إلغاء المدرسة. والحال أن المعرفة ليست مادة للنشر أو التوزيع، لا بد لكل عقل من أن ينبي بنفسه معرفته.[9] وكما يبني المرء بيته حيث لا يسعه أن يقيم في بيت الآخرين، كذلك عليه أن يبني معرفته لأنه لا يسعه أن يقيم في معارف الآخرين

يتبين إذن أن التحدي الأول الذي يواجه العلاقة البيداغوجية، في العصر الرقمي، يكمن في تطوير نوع من الاستقلالية والرشد والتخفيف من الاعتماد الكلي للمعلم على المتعلم؛ عنينا بذلك القدرة على التعلم الذاتي. ما دمنا نعيش في بيئات متخمة بالموارد والمعلومات، فإن المدرس، يحكم الأمر الواقع لا بحكم المشيئة والاختيار، لم يعد المصدر الوحيد للمعلومات والمعطيات. بيد أن التحدي يظل مع ذلك قائما: إقدار المتعلم على “الإبحار”، من دون تيه، وسط هذا البحر المتلاطم من المعلومات؛ بل قبل ذلك، تنمية ورعاية الرغبة في المعرفة وحب الاستطلاع من أجل الاستثمار الأمثل لهذه الوفرة من المعطيات التي لم يسبق لها مثيل، والتي قد تصيب الروح بالتخمة فتقتل كل رغبة حقيقية في المعرفة، ناهيك عما وراء المعرفة من قبيل البصيرة والحكمة.

حدد البحث المسحي العالمي المعروف باسم Innovative Teaching and Learning- ITL)) مؤشرات ثلاث للممارسات التربوية الناجحة والرائدة حول العالم، هي: التمركز حول المتعلم، ترسيخ مهارات التعلم مدى الحياة، وإدماج تقنيات الإعلام والتواصل.[10] ويهمنا في هذا الإطار المؤشر الثاني الذي يبدو أنه يحيل على عنصرين هما: التعلم مدى الحياة (Lifelong learning) والتعلم خارج الفصل الدراسي، بيد أن العنصرين يحيلان في الواقع على كفاية واحدة هي التعلم الذاتي؛ الذي يعني تمكن المتعلم من الاستراتيجيات والشيمات التي تتيح له تدبير تعلماته بنفسه، بدءاً من الوعي بما ينقصه وما يحتاج إلى معرفته وصولا إلى تحصيل المعرفة أو المهارة اللازمة وإدماجها في نسقه الفكري، مرورا بتقنيات البحث والتأويل ووضع المعارف في سياقها وحل المشكلات والضبط الذاتي للعمليات الذهنية (Cognitive self-regulation).. وهذا ما يعطينا في النهاية “المتعلم المستقل المتدبر لأمره”[11] (Autonomous and self-directed learners)

من الناحية النظرية، يجد التعلم الذاتي أساسه في الابستمولوجيا البنائية، القائمة على مبدأ أن المعرفة الجديرة بهذا الاسم هي بناء ذاتي داخلي وليست شحنا خارجيا، وأن الفرد هو الذي يبني المعرفة من خلال تفاعله مع محيطه. وبحسب النظرية البنائية يقوم المتعلم بدور فعال في بناء المعرفة من خلال المناقشة والحوار. بمعنى أن تدبير المعلومات وتحليلها، حل المشكلات، واتخاذ القرار أهم من مجرد الفهم والتذكر. وحيث إن المتعلم معالج فعال للمعرفة، فإن البنائية تختلف عن السلوكية التي لا ترى في المتعلم سوى متلق سلبي للمعلومة.[12]

كيف يمكن للمدرس أن يؤسس لعلاقة بيداغوجية مشجعة على التعلم الذاتي على النحو الذي وصفناه؟ إذا حللنا مفهوم التعلم الذاتي سنجده ينطوي على ثلاثة عناصر: قدح زناد الشرارة، وتعهدها حتى تتوهج نارا ونورا. يمكننا ترجمة هذين العنصرين بلغة البيداغوجيا إلى إثارة حب الاستطلاع ثم البحث وتأويل التعلمات وإضفاء المعنى عليها.

  • حب الاستطلاع

يمتلك المدرس بالتأكيد معلومات ومعارف ومهارات يفتقر إليها المتعلم، لكن لا ينبغي للمدرس تقديم هذا الذي ينقص المتعلم إلا بعد أن يخلق حاجة حقيقية ونوعا من الانتظار، أي حب استطلاع؛ وذلك بأن تكون كل معلومة او مهارة أو درس جوابا عن سؤال يتم طرحه بعناية وتأن أو حلا لمشكلة تتم معاناتها أولا. لا يكون المدرس هنا مجرد خزان ممتلئ يتدفق نحو خزان فارغ او أقل امتلاءً؛ بل يكون رفيقا للمتعلم في مغامرة المعرفة. حتى لو كان المعلم يعرف أصلا ما الجواب أو المعرفة المبحوث عنها، فإن عليه أن يضع نفسه، بضرب من المشاركة Empathy، مكان المتعلم حتى يتمتع هذا الأخير بـ “الحق في التعلم والاكتشاف بنفسه”.

يستشعر المتعلم أولا الحاجة إلى المعرفة قبل الحصول على المعرفة. وفي النهاية يحصل على شيء مؤقت، أي تعلمات معينة على المدى القصير، هو تلك المعرفة المخصوصة؛ ويحصل معها على شيء دائم، أي تعلمات على المدى الطويل، هو تلك الرغبة في المعرفة والتعطش إليها. والحال أن الشحن والتلقين يقتلان هذه الرغبة في المعرفة، هذا إن لم يخلق في نفس المتعلم مقت المعرفة في حد ذاتها؛ إذ تغدو عبئا ثقيلا لم يستشعر أي حاجة حقيقية إليه.

على أنه يجدر التنويه هنا على أن حب الاستطلاع المقصود ليس هو التطلع السطحي الأجوف الذي تستثيره، بكل سهولة، وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي آناء الليل وأطراف النهار. ينطلق التطلع السطحي الأجوف من الغرائز ولا يحتاج في ظهوره إلى تربية أصلاً، كما أنه قصير النفس ولا يحركه إلا ما هو عجائبي مثير (Sensational) حتى لو كان كاذبا أو كاشفا لعورات الناس ومآسيهم المؤلمة. وبكلمة واحدة، يقتات حب الاستطلاع الأجوف على الفضائح والشائعات، وهو ليس سوى اسم آخر للتلصص. لذلك كانت الطاوية محقة عندما أدانت حب الاستطلاع السطحي الأجوف هذا.

في المقابل، هناك حب الاستطلاع العميق المثمر الذي ينتظر من المدرس أن ينميه عند متعلميه. وما أعسر مهمته في العصر الرقمي الذي أطلق العنان لحب الاستطلاع الأجوف، وتفنن في استثماره، من دون كبير عناء، في التوجيه والتلاعب والاستثمار التجاري والسياسي! ويقابل هذا الضرب الأول من حب الاستطلاع نوع ثان هو حب المثمر العميق. وهما متقابلان تقابل جوزة مثمرة وأخرى جوفاء. لا ينطلق حب الاستطلاع المثمر من الغرائز بل من الملكات العقلية العليا، ولذلك يحتاج تربية ومرانا، وهو طويل النفس، لا يحركه العجائبي والمثير، بقدر ما تستفزه المشكلات العميقة وتتحداه الأسئلة الأساسية، فلا يسكن إلا بحل المشكلات والظفر بمزيد من الفهم. من هنا يظهر أن الحاجة اليوم ماسة أكثر من أي وقت مضى إلى المدرس لصيانة التطلع الحقيقي ومحاصرة وباء التطلع الأجوف.

  • البحث وتأويل التعلمات وإضفاء المعنى عليها

بعد إيقاظ حب الاستطلاع المثمر في النفس، يأتي المكون الثاني للتعلم الذاتي، وهو التمكن من استراتجيات البحث والتأويل. ما دمنا نعيش في بيئات مشبعة بالموارد، فالأولوية لتطوير قدرات الأفراد على رصد المعلومة وتحليلها وتأويلها وتكييفها بحيث تستجيب للحاجات الخاصة بالذات.[13] من الناحية التربوية، يتم هذا التطوير باعتماد تقنية السقالات scaffolds التي كان قد طور مفهومها المربي الروسي فيكوتسكي[14] وكذلك عالم النفس الأمريكي Jerome Bruner.[15] ويقصد بها الإنشاءات الداعمة الشبيهة بتلك التي يشيدها البناءون مؤقتا حول المباني ليتمكنوا من دعم هذه الأخيرة خلال الأطوار الأولى من البناء ريثما يقوى عودها وتقوم بنفسها.

تنقسم هذه السقالات إلى مفاهيمية وميتامعرفية وإجرائية استراتيجية.

فأما السقالات المفاهيمية، فدورها إعانة المتعلم على تحديد الأولويات ودرجات الأهمية، وتتخذ شكل خطاطات تعين على هيكلة المعطيات وتبويبها في ثيمات وتيسر الربط بينها؛[16] أما السقالات الميتامعرفية فتعين المتعلم على امتلاك قدر أكبر من البصيرة بذاته، أي أن يعرف حق المعرفة أهدافه وإمكانياته الذاتية ونواقصه ومصادر مشكلاته… وتفيد السقالات الميتامعرفية المتعلم في تقييم المستوى الحالي لمعارفه ومهاراته، وفهم طبيعة ما يقوم به أثناء التعلم. يمكن للمدرس مثلا أن يقدم للمتعلم لائحة تذكره بالأهداف المتوقع تحقيقها، او تشرح له طبيعة المهام والمشكلات المنتظر حلها، أو تقترح عليه طرقا بديلة لبلوغ الحل أو في النظر إلى المشكل.

أما السقالات الإجرائية (Procedural) الاستراتيجية فهي ذات طبيعة منهجية وسائلية من شأنها أن ترشد المتعلم إلى الطرق الأمثل لاستثمار الموارد، وإلى بعض استراتيجيات تبسيط المشكلة وتفكيكها أو ترتيب المراحل.. وغيرها من المعينات التي من شأنها تخفيف الحمل الذهني (Cognitive load) على المتعلم.[17]

تظل كل السقالات عديمة الجدوى ما لم يتم تتويجها بإضفاء المعنى على التعلمات والنتائج. بعيدا عن البيئة المدرسية، من المعروف أننا نمنح عادة المعنى للوضعيات التي نحياها، وذلك بأن نؤول الأشياء والمواقف ونقرأها من خلال رمزيات معينة ونضعها ضمن منظورات محددة،[18] ونربطها بقيم نتبناها وندمجها في النهاية ضمن مشاريعنا الشخصية، وبهذا نرتبط بالعالم ويرتبط العالم بنا. وعلى المنوال نفسه تكتسب التعلمات معناها، ويحدد التعلم -والعلاقة البيداغوجية التي يتم في إطارها- علاقتنا بالعالم.

لم تعد غاية العلاقة البيداغوجية نقل معلومات، مادام غوغلGoogle يستطيع ذلك على نحو أشمل وأسرع وفي كل وقت. ولكن ما لا يوفره محرك البحث هو الأسئلة التي بموجبها نكون محتاجين إلى البحث! ما لا يقدمه محرك البحث هو السياق الذي وحده يمنح المعنى للمعلومة ويدمجها في نسيج الذات ويحولها إلى معرفة، ولِم لا إلى حكمة. لم يعد المدرس يحتكر المعلومة، ولكنه لا يزال مع ذلك يحتكر مهمة الإرشاد إلى السبيل المفضي من المعلومة إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى الفهم، وأخيرا من الفهم إلى الحكمة التي هي دائما حكمة خاصة وشخصية.

ليس صدفة أن يكون هذان العنصران المكونان للتعلم الذاتي، حب الاستطلاع ثم البحث وتأويل التعلمات وإضفاء المعنى عليها، هما أعز ما يُطلب وأحوج ما يحتاجه الطالب الجامعي ويفتقده عند الشروع في إنجاز بحث علمي. يحتاج أولا إلى شرارة أولية تعبر عن اهتمامه بموضوع معين وانشداده إليه وتطَلّعه إلى البحث فيه واكتشاف جوانب جديدة منه، ويحتاج ثانيا إلى تقنيات وعادات ذهنية تعينه في عملية البحث وتأويل اللُقى والاكتشافات وإضفاء المعنى على النتائج.

4. التفكير النقدي

عرّف عمرو صالح يسن التفكير النقدي في عبارة موجزة بليغة قائلا إنه “حارس على باب العقول يطالب القضايا بالدليل والمفاهيم بالوضوح.”[19] بعبارة أخرى، المفكر النقدي هو من اكتسب عادات عقلية مدارها على مطالبتين: المطالبة بالدليل والمطالبة بالوضوح. وبالفعل، فالتفكير النقدي ليس شيئا آخر سوى أعلى درجات اليقظة الفكرية. وحين يكون المرء يقظا حارسا فإن لن يترك الخطابات تمر إلى عقله وتحصل على موافقته وإذعانه ما لم يمحصها ويفحص أوراق اعتمادها. وأوراق اعتماد الأفكار هي الحجج التي تبررها وترفع درجة معقوليتها ومقبوليتها في العقول.

وهذه هي المطالبة الأولى التي يكون التفكير النقدي بموجبها حارسا يسأل القضايا عن الدليل. ولما كان الخطابات إنما تمر عبر حلة لغوية قوامها ألفاظ وجمل، فلا بد للمفكر النقدي من أن يمحص درجة وضوح هذه الألفاظ والعبارات، لأن قسطا كبيرا من المغالطات إنما يتم من خلال توسل عبارات غامضة تقول الشيء ونقيضه في نفس الوقت أو لا تقول أي شيء أحيانا، بل تكتفي بإبهار العقول بالغموض ودفعها إلى الإقرار بالجهل والعجز، ومن ثم التسليم للمتكلم بخبرة وسلطة معرفية لا يستحقهما. وهذه هي المطالبة الثانية التي يكون التفكير النقدي بموجبها حارسا يمحص المفاهيم بحثا عن الوضوح.

يمكننا استثمار ما سلف والتقدم في تعريف التفكير النقدي بالقول إنه ميتا-تفكير، تفكير في التفكير. إنه تفكير، بيد أنه يتميز بالقصدية والوعي الحاد والعمق. وهو “يحصل عندما نبدأ في التقييم المنطقي لأفكارنا أو أفكار الآخرين. فالتفكير النقدي هو النظر المتأمَل فيه والمتأني في تحديد ما إن كنا في محل القبول بادعاء ما أو رفضه أو تعليق الحكم عليه، وفي تحديد درجة التبني التي سنقبل بها هذا الادعاء أو التي سنرفضه بها”.[20]

ولعل الحاجة إلى التفكير النقدي في التعليم والتربية لم تكن ماسة مثلما هي اليوم. أمام انتشار الشائعات والأخبار الكاذبة والحملات المغرضة لتوجيه الرأي العام والتلاعب به، وبث الخوف في نفوس الناس أو صرفهم عن الاهتمام بقضايا معينة إلى غيرها.. ناهيك عن الإشهارات ذات المقاصد التجارية التي تعد بالسعادة وبالحلول السحرية.. أمام كل هذا الزخم، لم يعد المدرس مطالبا بتقديم المعلومة، بقدر ما أصبح يصارع سيل المعلومات محاولا أن يزود تلميذه وطالبه بأدوات لتمحيص هذه المعلومات وغربلتها، سواء كانت معلومات عامة أو متصلة بالمادة الدراسية.

لقد قلنا إن التفكير النقدي، في شقه الأول، يعوّد الفكر على مطالبة القضايا بالدليل. لذا لا بد للعلاقة البيداغوجية أن تكون مناخا لترسيخ هذه العادة العقلية. إن اللاتكافؤ المعرفي والمؤسساتي والعمري بين المعلم والمتعلم لا يمكن أن يبرر عدم احترام عقل المتعلم، أو الاسترسال في إرغامه على قبول معارف أو حقائق، لا لحجة تسندها، بل لمجرد حجة السلطة التي تختفي خلفها. بالعكس، ينبغي تزويد المتعلم بحزمة من المفاهيم والمعايير والأسئلة النقدية (Critical Questions) التي يستقبل بها الدعاوى والمحاجات، ليتمكن من تحليلها وتفكيك آليات اشتغالها وتصنيف ما تحتها من حجج واستدلالات، والحكم على قوتها أو ضعفها، والكشف عما قد يستتر خلفها من مغالطات وسفسطات أو افتراضات ومصادرات مسكوت عنها.[21]

قد يتوهم البعض أن التزود بالتفكير النقدي مجرد ترف فكري، مثله مثل رهافة الذوق الجمالي، مع العلم أن هذا الأخير بدوره ليس ترفا من وجهة نظر المقاربة الشمولية للتربية وللكائن الإنساني. كلا، فالحاجة إلى التفكير النقدي مرتبطة بتحديات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المقام الأول. آية ذلك “الحكومات والصناعيين والمستثمرين يطمحون إلى تنمية الاقتصادات من خلال اكتشاف مصادر طاقة بديلة وتحسين المنتجات واكتشاف واختراع أساليب أسرع وأنجع للتواصل. والأمل معقود على المدرسة من أجل الاستجابة إلى هذه الحاجات المجتمعية وغيرها، ما يقتضي منها إعادة النظر في أولوياتها وتطوير مناهج من شأنها تخريج مثل هذا الرأسمال البشري القادر على الاستجابة الناجعة لمثل هذه الحاجات. والحال ان التفكير النقدي عمدة المهارات التي يقتدر بواسطتها الفرد على حل المشكلات وخوض غمار البحث والاكتشاف.”[22]

صحيح أن المتعلمين، خاصة في سنواتهم الأولى، يتلقون ويتقبلون ما لا يحصى من الحقائق التي لا سند لها غير سلطة المدرس. بيد أن ذلك لا يقوم دليلا لجعل المدرسة فضاء للتلقين الشحن المذهبيين (indoctrination)، بالعكس تظل المدرسة مطالبة بإعداد الناشئة كي يقتدروا على التفكير والتصرف باستقلالية، عبر تزويدهم بالعدة الفكرية التي تؤهلهم، حين يشبون عن الطوق، للتعامل مع الدعاوى بمنطق الحجة والبينة.[23]

نصل الآن إلى الشق الثاني من كفاية التفكير النقدي، إلا وهي مطالبة المفاهيم بالوضوح. وقد سبق لنا القول إن المقصود بذلك هو يقظة المتلقي، كي لا تنطلي عليه الخطابات المصاغة في لغة منمقة مخاتلة تقول الشيء ونقيضه، أو لغة مبهمة مجردة فارغة من المعنى لا تقول شيئا بقدر ما تحاول إبهار المتلقي كي ينسب انعدام الفهم إلى عجزه وجعله، لا إلى فراغ الرسالة المتلقاة من المعنى. لذا على المتلقي أن يتهم نزاهة المتكلم وتمكنه من موضوعه، ومن أوضح السبل للتعبير عنه قبل أن يتهم ذكاءه وفاهمته! وذلك بأن يمحص العبارات والألفاظ ويتحقق من وضوح دلالتها ومن انسجامها مع السياق، ومن وحدة مدلولاتها طوال الإرسالية وعدم تناقضها مع نفسها أو مع أجزاء أخرى من الخطاب.

وبدهي أن المدرس لا يستطيع أن يزرع في تلميذه وطالبه هذا الحس النقدي وهذه الحساسية ضد الإبهام والغموض والتناقض ما لم يكن هو نفسه ممن يحرصون على الوضوح المفاهيمي في خطابهم إلى المتعلم. ولعل الفلسفة أكثر المواد الدراسية عرضة للانزلاق إلى الإبهام اللفظي والغموض المفاهيمي الذي لا يعبر عن عمق فكري بقدر ما يتستر على ضحالة فكرية. ولذلك حذر أناتول دومونزي، في توجيهاته الشهيرة إلى مدرسي الفلسفي في مطلع القر الماضي،[24] حذر المدرس من الإفراط، أثناء الدرس، في التجريد المنفّر للعقول، الصارف لها عن الإقبال على الفلسفة؛ حاثا إياه، في الوقت نفسه، على عدم الاغترار بتقبل التلاميذ واستهلاكهم لهذا الخطاب المجرد على الرغم من أنهم لا يفقهون محتواه؛ داعيا إياه بالمقابل إلى عدم الاغترار بحماسة التلميذ واندفاعه إلى استعمال اللغة أو المصطلحات الفلسفية المجردة في حديثه وإجاباته، ومطالبته كل مرة بتقديم أمثلة ووقائع وتطبيقات للتأكد من أنه فعلا يفقه ما يقول.

خلاصة

عرضنا في هذه الدراسة للتحديات التي تواجه العلاقة البيداغوجية في العصر الرقمي. هذا العصر الذي بدّل بيئتنا بشكل جذري، جاعلا منها بيئة مشبعة بالمعلومات والموارد. هكذا بينّا كيف فقد المدرس احتكار (monopole) مصدرية المعرفة بعد أن غدت نظم المعلومات، وعلى رأسها الانترنت، مصدرا لطوفان من المعلومات والموارد. لكننا استبعدنا الوقع السلبي لهذه التحولات بأن ذكّرنا أولا بأن العلاقة البيداغوجية ليست مجرد إطار لنقل المعلومات، وإلا أمكن للآلة تعويض المدرسين والمربين بل والوالدين.

والحال أنها علاقة إنسانية تنمو فيها الذات من خلال احتكاكها بالذوات الأخرى، ذوات الزملاء، وخاصة ذات المدرس. وأن الإنسانية التي تنطوي عليها ذات المتعلم بالقوة إنما تنتقل إلى الوجود بالفعل من خلال هذا الاحتكاك. وإذا كان ذلك كذلك، فالعلاقة البيداغوجية في العصر الرقمي بقدر ما تتخفف من أعباء نقل المعلومات وتلقينها، فإنها تتفرغ لمهام أنبل وأولى، لخصناها في مهمتين: تنمية قدرات المتعلم على التعلم الذاتي، وشحذ قدرته على التفكير النقدي. فبالأولى يستطيع الإبحار داخل محيط المعلومات المتاح من أجل الاستمرار في التعلم وبناء المعرفة وتأويل المعطيات خارج الفصل الدراسي ومدى الحياة؛ وبالثانية يستطيع تحصين نفسه ضد أشكال التلاعب بالعقول والمشاعر التي صارت أكثر انتشارا وأبعد تأثيرا في العالم السمعي البصري الساحر لوسائط الاتصال ومواقع التواصل.

ما من مكسب قد يظفر به المتعلم أثمن من التعلم الذاتي والتفكير النقدي. به يستكمل المتعلم على رشده، وبه تحصل المجتعمات على مواطنين قادرين على صناعة التنمية، لأنهم هم أنفسهم أشخاص نامون. لأجل كل هذه الأسباب نرى أن جورج غوسدورف لم يجانب الصواب عندما لاحظ بأن الكثير من التلاميذ السابقين، حتى لو أخذتهم دروب الحياة بعيدا عن عالم المعرفة والتعليم، يحتفظون طيلة حياتهم لمعلميهم الأوائل بذكرى ملؤها الوفاء والعرفان والامتنان، مستحضرين وجوه هؤلاء الذين كانوا بالنسبة إليهم قيّمين على الحقيقة ورعاة للأمل الإنساني.[25]

والحال أن الحقيقة بغية المفكر النقدي، والأمل نبراس المتعلم الذاتي. لا يبلغ المتعلمون جميعهم هذين الهدفين؛ ولكنهم لن يبلغوهما، في كل الأحوال، إلا ضمن علاقة بيداغوجية يكون طرفها الآخر أستاذا لا مجرد مدرس. ويتضح الفرق بينهما من واقعة أن “التلميذ والطالب يعرفان مع مرور الوقت عددا متزايدا من المدرسين، ويستحسنان الكفاءة المهنية لهؤلاء المدرسين بدرجات متفاوتة. ولكن ظهور أستاذ بين هؤلاء المدرسين أمر نادر. وتعني هذه الندرة أن الأستاذية تخصص مستقل قائم بذاته، إنها نوع من الحضور والإشعاع يمتاز به الشخص ويغمر كل من حظوا بالاحتكاك به والاستفادة منه (…) ما أكثر من يدرّس تخصصا نظريا أو يدويا أو تقنية أو حرفة، لكن قلة منهم تتمتع بفائض من السلطة يستمده المدرس من قَدْره الإنساني، لا من معارفه أو مهاراته.”[26]


 لائحة المراجع

  • عمرو صالح يسن، التفكير النقدي: مدخل في طبيعة المحاجة وأنواعها بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، دار تمكين للأبحاث والنشر، 2015
  • Bailey, Richard. “What’s Wrong with Indoctrination and Brainwashing” in: Richard Bailey (ed.,) The Philosophy of Education: An Introduction London: Bloomsbury Academic, 2010, pp. 136-146
  • Bloom, B. S. & Krathwohl, D. R. Taxonomy of Educational Objectives: The Classification of Educational Goals. Handbook I: Cognitive Domain London: Longman, 1956
  • Guri-Rosenblit, Sarah. “Distance Education in the Digital Age: Common Misconceptions and Challenging Tasks,” Journal of Distance Education 23 (2) (2009) pp.105-122,
  • Gusdorf, Georges. Pourquoi Des Professeurs ? Pour une pédagogie de la pédagogie. Paris: Petite bibliothèque Payot, 1963
  • Hill, Janette R. & Hannafin, Michael J. “Teaching and Learning in Digital EnvironmentsThe Resurgence of Resource-Based Learning,” ETR&D, 49 (3) (2001) pp. 37–52
  • Instructions du 2 septembre 1925 (Anatole de Monzie) sur l’esprit et la méthode de l’enseignement philosophique. Disponible sur le site de l’académie de Créteil a l’adresse: http://philosophie.ac-creteil.fr/IMG/pdf/instructions1925.pdf consulte le: 17/07/2020
  • ITL Research Design, 2010, p3-4. online at: https://www.sri.com/sites/default/files/publications/itl_research_design_15_nov_2010.pdf
  • Ivic, Ivan. « Lev. S. Vygotski (1896 – 1934), » Perspectives (XXIV) 3-4 (1994), Paris Unesco, pp. 793-820
  • Muglioni, Jacques. « La leçon de philosophie, » Philosophie, n°1, Bulletin de Liaison des professeurs de philosophie de l’académie de Versailles, Versailles: CRDP, septembre 1992 pp. 25-37
  • Schlechty, P.C. Engaging students: The next level of working on the work 2nd San Francisco:Jossey-Bass, 2012
  • Schlechty, P. C. Working on the work an action plan for teachers, principals and superintendents San Francisco, USA: Jossey Bass, 2002
  • Schunk, Dale. H. Learning theories: an educational perspective Boston: Pearson, 2012
  • Taylor, Charles. “The person,” in: Michael Carrithers, Steven Collins, Steven Lukes (eds.) The Category of the Person: Anthropology, Philosophy, History Cambridge: Cambridge University Press, 1985
  • Thompson, Claudette. “Critical Thinking across the Curriculum: Process over Output,” International Journal of Humanities and Social Science [Special Issue] 1 (9) (July 2011)
  • Wringe, D.S. “The teacher’s task” in D. I. Lloyd (ed.,) Philosophy and the Teacher Routledge & Kegan London, 1976 pp.5-19

[1] Georges Gusdorf, Pourquoi Des Professeurs ? Pour une pédagogie de la pédagogie. (Paris: Petite bibliothèque Payot, 1963)

[2] Ibid., p. 10

[3] Charles Taylor, “The person,” in: Michael Carrithers, Steven Collins, Steven Lukes (eds.) The Category of the Person: Anthropology, Philosophy, History (Cambridge: Cambridge University Press, 1985), p. 257

[4] D.S.Wringe, “The teacher’s task” in D. I. Lloyd (ed.,) Philosophy and the Teacher Routledge & Kegan London, 1976), p. 9-10

[5] Ibid., p. 16

[6] P. C. Schlechty, Working on the work an action plan for teachers, principals and superintendents San Francisco, USA: Jossey Bass, 2002; P.C. Schlechty, Engaging students: The next level of working on the work 2nd ed. San Francisco:Jossey-Bass, 2012

[7] Janette R. Hill & Michael J. Hannafin, “Teaching and Learning in Digital EnvironmentsThe Resurgence of Resource-Based Learning,” ETR&D, 49 (3) (2001), p.37

[8] B. S. Bloom, D. R. Krathwohl, Taxonomy of Educational Objectives: The Classification of Educational Goals. Handbook I: Cognitive Domain (London: Longman, 1956)

[9] Jacques Muglioni, « La leçon de philosophie, » Philosophie, n°1, Bulletin de Liaison des professeurs de philosophie de l’académie de Versailles, (Versailles: CRDP, septembre 1992), p. 25-37

[10] ITL Research Design, 2010, p3-4. online at: https://www.sri.com/sites/default/files/publications/itl_research_design_15_nov_2010.pdf

[11]Sarah Guri-Rosenblit. “Distance Education in the Digital Age: Common Misconceptions and Challenging Tasks,” Journal Of Distance Education 23 (2) (2009), p. 109

[12]Ibid., p. 111

[13] Janette R. Hill. op. cit., p.43

[14] Ivan Ivic, « Lev. S. Vygotski (1896 – 1934), » Perspectives (XXIV) 3-4 (1994) [de l’Unesco], p. 793-820.

[15] Dale. H Schunk, Learning theories: an educational perspective (Boston: Pearson, 2012), p.246

[16] Janette R. Hill. op. cit., p.45

[17] Ibid., p. 45-46

[18] Ibid., p.39

[19] عمرو صالح يسن، التفكير النقدي: مدخل في طبيعة المحاجة وأنواعها (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، دار تمكين للأبحاث والنشر، 2015)، ص55

[20] المرجع نفسه، ص99

[21] المرجع نفسه، ص 100

[22]Claudette Thompson, “Critical Thinking across the Curriculum: Process over Output,” International Journal of Humanities and Social Science [Special Issue] 1 (9)– (July 2011), p. 1

[23] Richard Bailey, “What’s Wrong with Indoctrination and Brainwashing” in: Richard Bailey (ed.,) The Philosophy of Education: An Introduction (London: Bloomsbury Academic, 2010), p. 142

[24] Instructions du 2 septembre 1925 (Anatole de Monzie) sur l’esprit et la méthode de l’enseignement philosophique. Disponible sur le site de l’académie de Créteil a l’adresse: http://philosophie.ac-creteil.fr/IMG/pdf/instructions1925.pdf consulte le: 17/07/2020

[25] Gusdorf, op. cit., p. 9

[26] Ibid., p. 9-10

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.