منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حفظ النفس

0

تقديـــــم:

إن الشريعة الإسلامية وضعت لتحقيق مقاصد الله عز وجل في قيام مصالح العباد في الدنيا والدين، وفي كل مقصد حفظ شيء من الضروريات الخمس (الدين والنفس والعقل والنسل والمال)، أو حفظ الحاجيات مثل أنواع المعاملات وإما حفظ شيء من التحسينات والتي منها مكارم الأخلاق ومحاسن العادات أو تكميل واحد من الأنواع الثلاثة لما يعين على تحقيقه، فمقاصد الشريعة هي الغايات المستهدفة والنتائج المرجوة من وضع الشريعة والتي تخدم مصالح العباد الدنيوية والأخروية والمادية والمعنوية، فهي تمثل مراد الله وغاية ما كلف به عباده وما شرعه لهم، والله لا يريد بعباده إلا الخير في كل أمر يأمر به وفي كل زجر عن كل شر والآية من سورة النحل “إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون([1])، هي أجمع آية في الحث على المصالح كلها والزجر عن المفاسد كلها.

والفكر المقاصدي له علاقة وطيدة بالمصالح والحكم وله ارتباط وثيق بمبدأ التعليل، إذ لا يمكن الحديث عنها إلا بعد الحديث عن التعليل الذي يعتبر المبدأ الذي نبتت في أحضانه فكرة المقاصد، وتوضحت معه حقيقة المصالح من المفاسد، حتى أن من أنكر القول بتعليل الأحكام أنكر القول بمقاصد الشريعة الإسلامية، وهكذا فإن أهم ما يميز الفكر المقاصدي هو اعتناؤه بالمقاصد واعتماده عليها في إصدار الإحكام، وارتباطه بالاجتهاد الفقهي من جهة وبالعقل والمنطق والحكمة من جهة، وأما موضوعه فيتمثل في النظر في التشريع الإسلامي من حيث المصلحة والمفسدة.

أولا: المصالح والمفاسد:

1- التعريــــف:

“المصلحة هي الأثر المترتب على الفعل بمقتضى الضوابط الشرعية التي ترمي إلى تحقيق مقصود الشارع من التشريع جلبا لسعادة الدارين”([2])، وقد وضع العز بن عبد السلام ضابطا لمعرفة المصالح والمفاسد فقال: “من أراد أن يعرف المناسبات والمصالح والمفاسد راجحها من مرجوحها، فليعرض ذلك على عقله بتقدير أن الشرع لم يرد به ثم يبني عليه الأحكام، فلا يكاد حكم منها يخرج من ذلك إلا ما تعبد الله به عباده، ولم يقفهم على مصلحته أو مفسدته”([3])، فقد تكون المفسدة سببا للمصلحة، مثل إجراء عملية جراحية أو قطع يد أو أصبع علاجا، أو المخاطرة بالأرواح في جهاد وكذلك كل أنواع العقوبات الشريعة (مثل حد السرقة أو الزنى…)، فالمصلحة هنا راجعة إلى قصد الشارع لا إلى قصد المكلف، كما يمكن أن تكون المصلحة سببا للمفسدة، فالمصلحة تحصل بالجلب وبالدفع وكذلك المفسدة، وكل المصالح الشرعية تتصل من قريب أو بعيد بالمقاصد الخمسة: وهي الدين والنفس، والعقل والنسل والمال، وكل مصلحة ترجع إلى هذه قد حظيت برعاية الشارع، وكل مصلحة لا تحظى برعاية الشارع فليست مصلحة شرعية.

2-المميزات والخصائص

للمصلحة خصائص عديدة من أهمها:

  • أن مصدرها هدى الشرع.
  • المصلحة والمفسدة في الشريعة الإسلامية هي باعتبار الدنيا والآخرة.
  • المصلحة الشرعية هي مادية وروحية ومعنوية
  • أن مصلحة الدين أساس المصالح الأخرى ومقدمة عليها.

 وأما أقسامها فثلاثة هي:

القسم الأول: واجب التحصيل ويقابله من المفاسد واجب الدرء.

القسم الثاني: مندوب الجلب في المصالح وما تختلف فيه الشرائع فيحظر في شرع و يباح في آخر.

القسم الثالث: ما كان مباحا أو ما تدرؤه الشرائع كراهة.

والمصلحة من حيث قوتها ثلاثة أقسام:

1-ضرورية: وهي أعلى المراتب، وهي ضرورية لتحصيل الحياة وإقامتها، ولا ينتظم العيش بدونها، فلابد منها لقيام مصالح الدين والدنيا، وبفقدانها يقع اختلال كبير وضرربليغ في حياة الفرد والجماعة.

2-حاجية: وهي التي لا تبلغ مبلغ الضروريات، ولكنها في معتاد الناس، لا يستغنون عنها، وأساسها الاحتياج إليها لاستقامة الحياة والتوسعة فيها، فهي مصلحة يحتاج إليها الناس على سبيل التوسعة والخروج من العنت والمشقة.

3تحسينية: ومن شأنها أن تكمل المصالح الضرورية والحاجية، وتضفي عليها حسنا وكمالا ورقة، وفقدانها يؤدي إلى نقصان المستويات الكمالية والجمالية الذوقية.

ثانيا: المحافظة على النفس:

حفظ النفس هو الكلية المقاصدية الثانية، ومعناها مراعاة حق النفس في الحياة والسلامة والعزة والكرامة قال تعالى: “ولقد كرمنا بني آدم”([4])، ويتم حفظ النفس بطريقتين من جانب الإيجاد ومن جانب الإمداد.

طرق المحافظة على النفس من جانب الإيجاد:

لقد كرم الله الإنسان وفضله على كثير من خلقه، وسخر له الكون بما فيه، ومنحه نعمة العقل وحسن الهيئة وشمله بالرعاية والحفظ منذ تكوينه نطفة في داخل الرحم، ووهبه وسائل الإدراك وتفضل عليه ببعثه الأنبياء، وإنزال الكتب لهديه، وإرشاده بما فيه خيره في الدنيا والآخرة، وهذا كله دال على مكانة الإنسان وعظيم شأنه في هذا الكون، وقد وضع له الضمانات لوجوده واستمراره وبيان المصالح والمضار له في تحصيل مطالبه، وبيان حالات الضيق والسعة، والانتقال من العسر إلى اليسر بمقتضى ما وضع له من قواعد في الشريعة الإسلامية، كل ذلك حفاظا على الوجود الإنساني وضمانا لاستمراره، ومن أهم طرق المحافظة:

  1. تحديد المسؤولية قبل وجود الإنسان

حيث وضع الإسلام التشريعات التي تكفل للإنسان وجودا سليما، واستمرارا بعيدا عن الأخطار في ظل حياة محاطة بالرعاية والعناية في جميع أطواره وأحواله،

  • الزواج والتناسل: حدد الشرع مسؤولية الآباء عن الأبناء وذلك بموجب مشروعية عقد النكاح وتحريم الزنى، فبمقتضى هذا الميثاق الغليظ يلتزم الآباء القيام على شؤون أبنائهم من نفقة ورعاية وحفظ وتربية حتى يبلغوا أشدهم ويتولوا شؤونهم، وشجع الشرع على التناسل حفاظا على أمة الإسلام، وضمانا لبقائها.
  • حفظ الابن عد الطلاق: ومن باب الحفظ وجوب نفقة الزوجة الحامل والمرضع على طليقها فهو يوصي بالإرضاع خوفا على الابن من إلحاق الضرر به، كما رتب الشارع حضانة الطفل ترتيبا حكيما فيه مراعاة الرفق والحنان، كما وضع الولاية على النفس والمال بحكمة فائقة.
  • ضمان الحماية: وذلك بتناول ما يقي النفس ويبقيها من طعام ضروري طيب وشراب ولباس وسكن وعلاج.

هذه التشريعات غايتها تحقيق حفظ النفس بوضع الأسس والضمانات لحفاظها منذ بدء خلقها نطفة وفي جميع أطوار الضعف والحاجة إلى أن يبلغ الإنسان أشده، ويستطيع الاعتماد على نفسه في تحمل مسؤوليات الحياة.

2-بيان الحلال والحرام:

مبدأ الحلال والحرام يرجع إلى تقدير المصلحة والمفسدة، وهو معيار للنفع والضرر، وهذا التقدير من اختصاص الشارع، لأن العقول لا تملك هذه الصلاحية، فالتشريع الحكيم هو الضمان الأكيد لمصالح الأفراد والجماعة وأن تقدير الإنسان غالبا يتأثر بالأهواء والأغراض الخاصة وبذلك يكون فاقدا لموازين العدالة، فالحلال والحرام من اختصاص الحق سبحانه قال تعالى “ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حرام وهذا حلال لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون([5])، وقد بين الله على لسان رسوله، الحرام المحض الذي شره بين والحلال المحض الذي نفعه بين، ليكون معلوما للناس بالضرورة وجعل ما بين هذا وذلك أمورا مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، وذلك في حديث: إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور متشابهات([6]) كما حدد التكاليف، ولم يكلف الناس مالا يطيقون، وذلك للحفاظ على نفس الإنسان من الهلاك، وقد جعل المحافظة على النفس ثلاث حالات.

– الحالة الأولى وهي حالة اليسر والسعة وفي هذه الحالة يقتصر الإنسان على ما أبيح له من أشياء وتصرفات ويقوم بما وكل إليه من واجبات دون أن يتعداها إلى ظلم النفس قال تعالى: “ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه([7]).

– الحالة الثانية وهي أن يكون الإنسان في موقع الضيق والحرج والعسر، وهو موقع الحاجة، ولكنه لم يبلغ حد الضرورة، ففي هذه الحالة يخفف عنه الشرع ببعض الرخص دفعا للمشقة.

الحالة الثالثة: وهي أن يخاف الإنسان على نفسه الهلاك أو الضرر، وهو موقع الضرورة فهي أشد دفاعا من الحاجة، مثل خشية الهلاك من شدة الجوع، وقد وضع الفقهاء ضوابط لحالة الضرورة التي تبيح للمكلف الانتقال من المشقة إلى اليسر ومن الضيق إلى السعة. والقصد المحافظة على النفس بشتى الطرق وفي مختلف الدرجات والأحوال من الحالة العادية إلى حالة الحاجة ثم إلى حالة الضرورة، وفي إطار محاط بقواعد ومبادئ الأحكام حتى ينتقل الإنسان إلى حالة اليسر حفظا للنفس ودفعا للمشقة، ولقد جاءت النصوص القرآنية صريحة في بيان ضرورة الجوع أو المخمصة فأباحت للمضطر أكل جميع المحرمات بعجزه عن المتاحات قال تعالى “وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه([8])، فمتى وجدت الضرورة وجدت الإباحة، كما أباح الله للمسلم التلفظ بكلمة الكفر مع اطمئنان قلبه بالإيمان في حالة الإكراه بالقتل أو قطع الأطراف ولا يترتب عن نطقه بكلمة الكفر أحكام الردة لقوله تعالى “إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان([9]).

وهكذا فإن المحافظة على النفس من المصالح الضرورية والإنسان إزاءها إما يكون في دائرة التحسينات والكماليات وهي أرحب الدوائر، وإما أن يكون في دائرة الحاجيات وهي أقل من سابقتها وإما أن يكون في دائرة الضرورة وهي أضيق الدوائر وأشدها شدة وحرجا، وفي كل موقع قواعد وأحكام فيما يجلب المنافع ويدفع المضار وما ينتقل معه المرء من حالة إلى أخرى بغية دفع الحرج والشدة، حتى لا تعرض حياته أو أطرافه ومنافعها للفوات، وهذا كله من جانب الإيجاد والاستمرار بالنسبة للنفس.

طرق المحافظة على النفس من جانب الإمداد:

والمقصود بالأنفس التي عنيت الشريعة بحفظها الأنفس المعصومة بالإسلام أو الحرية أو العهد أو الأمان، وأما غير ذلك كنفس المحارب للإسلام فليست مما عنيت الشريعة بحفظه، لإن عداء الإسلام أعظم في ميزان الشريعة من إزهاق نفسه. وللحفاظ على الأنفس من جانب الإمداد عدة طرق أهممها:

  1. تحريم الاعتداء على الأنفس والأعضاء:

أـ اعتبار قتل النفس من الفساد:

من أهم مقاصد بعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام، دفع المظالم من بين الناس وهذه المظالم ثلاثة: تعد على النفس وتعد على أعضاء الناس وتعد على أموالهم، فاقتضت حكمة الله أن يزجر عن كل نوع من هذه الأنواع بزواجر قوية تردع الناس، فالزجر عن القتل ليس كقطع الطرق ولا كإتلاف المال وتعمد الإيذاء ليس كنشوئه بسبب الخطأ، وأعظم المظالم وأكبر الكبائر القتل بغير حق لأنه من أعظم وجوه الفساد في الأرض، لذلك فقد حرمت الشريعة الإسلامية قتل النفس بغير حق لقوله عز وجل “ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق” ([10]) وقوله تعالى: ولا تقتلوا أولادكم”([11]) كما توعد سبحانه بالوعيد الشديد مرتكب جريمة القتل حيث قال: “ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما([12]) واعتبر قتل النفس من الفساد قال عز وجل “من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض([13]) كما أبغض المعتدين” إن الله لا يحب المعتدين([14]).

كما جاءت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم تحرم القتل ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) فتحريم الاعتداء على الأنفس ورد النهي عنه في القرآن والسنة وبكل الأساليب وأجمعت على تحريمه كل الأديان والملل، لذلك فحينما جاء الإسلام أبطل عادة وأد البنات قال تعالى “وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت([15]).

ب-تحريم الانتحار

لا يجوز شرعا أن يقدم الإنسان على قتل نفسه عمدا لقوله تعالى: “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة” ولقوله عز من قائل: “ولا تقتلوا أنفسكم” ولقوله صلى الله عليه وسلم “من قتل نفسه بحديدته، فحديدته في يده يجأر بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا([16])، لكن إذا كان الإقدام على الموت في سبيل الإسلام أو في سبيل الجماعة أي في سبيل مصلحة المسلمين فهو جائز، لأن مصلحة الدين مقدمة على مصلحة النفس والمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة.

ج-النهي عن القتال في الفتنة:

لأن الفتنة فيها اختلاط الحق بالباطل، فكل واحد يحسب أنه على حق لذلك نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن تواجه المسلم مع أخيه: “إذا تواجه مسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار([17])، وفي هذا تهديد للمسلمين حتى يرتدعوا عن التناحر والتقاتل.

د-النهي عن كل ما يفضي إلى القتل:

حيث ينهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإشارة بالسلاح ونحوه لقوله “من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه وإن كان أخاه لأبيه وأمه([18]) كما ينهى الله عز وجل عن السب والشتم المفضي للعداوة ثم القتال، لقوله تعالى “وقل لعبادي يقولوا التي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا([19]) كما حرم الشارع الحرابة وغلظ العقوبة عليها في الدنيا والآخرة، وهي تعني قطع الطريق على الناس لإخافتهم وترويعهم وسلب أموالهم وقتلهم قال تعالى ” إنما جزاء الذين يحابون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم([20]).

هـ -تحريم كل ما يهدد حياة الإنسان:

الإسلام يحرم كل ما يهدد كرامة الإنسان وحياته ومستقبله البشري، ومن ذلك تحريمه الاستنساخ البشري والتلاعب بالجينات، واستعمال الأجنة في أغراض طبية، والمتاجرة بالأعضاء البشرية، والتشريح لغير ضرورة معتبرة، والموت الرحيم (وهو تعجيل تل من طال مرضه أو غيبوبته أو عجز الأطباء عن شفائه) وحرق أجساد الموتى والتمثيل والتشويه.

2- فرض الحدود والعقوبات:

أ- حكم قتل النفس عمدا:

لقد أوجب الإسلام القصاص على القاتل العمد، وهو الذي قصد إزهاق الروح، وقد أشار القرآن إلى ذلك من خلال قوله تعالى: “ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب([21])، كل ذلك ليتجنب المجتمع فتنة القتل وما ينتج عنها من فساد وإفساد في الأرض، فالقصاص ردع لذوي العقول والبصائر ليتعظوا ويتجنبوا ما حرم الله ويتقوا عذابه في الدنيا والآخرة، ولا ينفذ القصاص إلا إذا استوفت الشروط في القاتل والمقتول والقتل، لأن هذا الشرع تقتضيه ضرورة المحافظة على النفس وشرع للقصاص بدل وهو العفو، ومن أدلة مشروعية القصاص قوله تعالى:” يا أيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص في القتلى” ([22])، ولفظ كتب يفيد الوجوب، وبين أن القصاص يعني التكافؤ بحيث يكون في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى دون إسراف أو شطط في الأحكام لقوله عز وجل: “ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا([23]).

وقد فصلت أحكام التشريع المدني في حق ولي الدم في القصاص، والقصاص هو ضمان لحياة الجماعة وللإنسانية جمعاء، وهذا القصد لا يعيه إلا ذوو البصائر والألباب، حيث يجنب الثأر الذي يجعل الأفراد يقتل بعضهم بعضا، بحيث يقتل بالواحد الجماعة فتقع الفتنة، لأن الحياة تحصل بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بوجوب الاقتصاص من القاتل، وهكذا يكون القصاص سببا لحياة نفسين.

ب- القتل الخطأ:

والخطأ هو عدم القصد، كأن ترمي رصاصة قنص فتصيب إنسانا فتقتله أو أن ترمي أعداء المسلمين فتصيب مسلما، قال تعالى “وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ” النساء آية 92، و جزاء القتل الخطإ وجوب الكفارة، وهي رقبة مؤمنة وبالعدم صيام شهرين متتابعين مع وجوب الدية إذا كان المقتول مسلما. فالدية مال يعطى لتعويض أهل المقتول، والكفارة تعويض للإنسانية أن فقدت عضوا من أعضائها بسبب الإهمال.

ج- الأطراف:

القصاص كما يقع في النفس يجري في جميع الأطراف إذا تماثلا في السلامة، وما يمنع القصاص في النفس يمنعه في الأطراف قال تعالى: “وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والسن بالسن والجروح قصاص”([24])، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:من أصيب بدم أو خبل فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: إما أن يقتص وإما أن يأخذ العقل و أو يعفو فإن أراد رابعه فخذوه على يده([25]) فالأحاديث والآثار تدل على ثبوت القصاص والعفو والدية، والعلماء مجمعون على مشروعية القصاص في النفس والأطراف وفي مشروعيته الدية والعفو، ولكنهم قد يختلفون في الجزئيات والتطبيقات.

3- العفو عن القصاص:

مما سبق عرفنا أن القصاص شرع جزاء وفاقا للجريمة، فالجريمة اعتداء على النفس فتكون العدالة أن يؤخذ المعتدي بما اعتدى، والجاني بمثل ما جنى، وهذا الجزاء يلقي في نفس الجاني عند همه بالإقدام على ارتكاب الجريمة أن العقاب الأليم ينتظره، فقد يكف عن الإقدام على الجريمة وقد لا يكلف ويقتل النفس ظلما وعدوانا، وقد جعل لولي المقتول سلطانا على القاتل بمشروعية القصاص لشفاء غليله، ومن أجل ذلك كتب الله القصاص على هذه الأمة وجعل لها فيه حياة وجعله الأصل وفي المقام الأول، إلا أن رحمته وإحسانه بهذه الأمة خفف عنها وشرع لها من البدل لهذا الأصل حتى لا يسد باب المعروف على الناس إن أرادوا التنازل عن حقهم فشرع لهم العفو عن الجاني، والعفو من معانيه الترك والإسقاط قال تعالى “ومن عفي له من أخيه فإتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة”([26]) وقال صلى الله عليه وسلم “من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يفتدي وإما أن يقتل”([27]) والعفو يكون إما بمقابل من المال أو بدونه.

خاتمة:

إن الشريعة الإسلامية فيما سنته من قواعد وأحكام في باب مصلحة حفظ النفس، تبرز بجلاء رحمة الله سبحانه بهذا المخلوق الضعيف-الإنسان-حيث كرمه الله عز وجل وسخر له الكون واعتنى بخلقه منذ بدئه نطفة، وأحاطه بكل الوسائل التي تكفل له الوجود السليم، وتضمن له الاستمرار، وسن من الزواجر ما يدفع عن النفس كل مكروه، وحتى في حالة الظلم والاعتداء فإن الحفاظ على النفس يبقى في المقدمة، فلا عقوبة ولا قصاص إلا بعد استيفاء الشروط، بل يبقي الباب مشرعا أمام البدائل الأخرى كالعفو، وكلما تمعن المسلم في غايات الشريعة ومقاصدها أدرك أن عقله لن يرقى اجتهاده -مهما ادعى- إلى ما انتهى إليه الوحي.

المصادر والمراجع

  • القرآن الكريم
  • الفكر المقاصدي قواعده وفوائده، أحمد الريسوني، الطبعة الثانية 2008، منشورات الزمن،مطبعة النجاح الجديدة،الدار البيضاء المغرب.
  • الموافقات لابن إسحاق الشاطبي،دار الكتب العلمية في أصول الشريعة بيروت لبنان.
  • المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، يوسف حامد العالم المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
  • الطبعة الثانية،1993 م،دار الرباط المغرب.
  • مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، علال الفاسي الطبعة الرابعة1991، مطبعة النجاح الجديدة،الدار البيضاء.
  • المقاصد الشرعية بين ابن تيمية و الشاطبي دراسة مقاربة،أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه، الدكتورة خديجة مسامح،2004،جامعة سيدي محمد بن عبد الله كلية الآداب والعلوم الإنسانية فاس.
  • موقع alminbar.net

[1] /- النحل الآية:90

[2] /- ا المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، يوسف حامد العالم المعهد العالمي للفكر الإسلامي ص: 140.

[3] /-نفس المرجع ص: 137

[4] /-الإسراء الآية: 70.

[5] /-سورة النحل الآية 116.

[6] /-رواه البخاري ومسلم.

[7] /-سورة الطلاق الآية: 1.

[8] /-سورة الأنعام الآية: 119.

[9] /-سورة النمل الآية 106.

[10] /-الانعام الآية 151.

[11] /-الاسراء الآية 31.

[12] /-النساء الآية: 93.

[13] /-المائدة الآية 87.

[14] /-المائدة الآية 87.

[15] /-سورة التكوير الآية 7

[16] /-سورة النساء الآية 29.

[17] /- أخرجه البخاري باب “وغن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا رقم 5139.

[18] /- أخرجه مسلم في الإيمان 158.

[19] /- الإسراء الآية 53.

[20] /- المائدة الآية 33.

[21] /- البقرة الآية 179.

[22] /- البقرة الآية 178.

[23] /- الإسراء الاية33

[24] /- المائدة الآية 45.

[25] /-رواه النسائي وابن ماجة

[26] /- البقرة 178

[27] /- رواه الجماعة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.