منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بيع ما لا يملك أو بيع مالم يقبض

د. محمد جعواني/ بيع ما لا يملك أو بيع مالم يقبض

0

بيع ما لا يملك أو بيع مالم يقبض

د. محمد جعواني

 

من كتاب “الصيغ التمويلية في البنوك التشاركية، دراسة فقهية تأصيلية”،

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي

من أدلة المانعيـن للمرابحة أنها من باب بيع الإنسان ما لا يملك، أو بيع الإنسان ما ليس عنده. وقد نصت المادة 3 من القانون على أن يكون المبيع (عقارا أو منقولا) في ملكية المؤسسة (البنك) تفاديا لهذا المحذور.

وقد ورد في السنة المطهرة النهي عاما عن بيع الإنسان ما ليس عنده، كما ورد النهي أيضا خاصا عن بيع الطعام قبل قبضه، والعلة دائما الغرر بسبب عدم القدرة على التسليم.

المزيد من المشاركات
1 من 18

فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك”.[1]

وعن حكيم بن حزام- رضي الله عنه – أنه قال:” أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يأتيـني الرجل يسألني من البيع ما ليس عندي، أبتاع له من السوق ثم أبيعه؟ قال: لا تبع ما ليس عندك”.[2]

وقد فُسِّر بيع الإنسان ما ليس عنده بتفسيـرات[3]منها:

أنه يحتمل معنييـن، أحدهما: أن يبيع عيـنا معيـنة ليست في ملكيته، بل تكون في ملك الغيـر، فيبيعها ثم يسعى في تحصيلها وتسليمها إلى المشتري. وهذا ما يظهر من حديث حكيم بن حزام -رضي الله عنه- السابق.

والثاني: أن يـريد بيع ما لا يقدر على تسليمه وإن كان في الذمة، وهذا أشبه. فيكون قد باعه شيئا لا يدري هل يحصل له أم لا.

والمعنى الثاني كما قال ابن القيم يتناول أنواعا ثلاثة، وهي:[4]

– بيع عيـن معيـنة ليست عنده.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 14

– السلم الحال في الذمة إذا لم يكن عنده ما يوفيه.

– السلم المؤجل إذا لم يكن على ثقة من توفيته عادة، فأما إذا كان على ثقة من توفيته عادة فهو ديـن من الديون، وهو كالابتياع بثمن مؤجل.

وعلة المنع واضحة في هذه الصور، وهي الغرر الذي يـنشأ من عدم القدرة على تسليم المبيع في وقته.

فالظاهر أن المقصود بالعِندية (عندك) في الحديث الشريف تملّك المبيع في البيع الناجز بالعقد، وقبضه بشكل من أشكال القبض الآتي بيانها. أما في البيع لأجل فيكفي أن يكون المبيع في الذمة، بشرط إمكان التسليم عند حلول الأجل.

ولذلك جاز السّلَم على الرغم من كون المسلَم فيه (المبيع) غيـر مملوك للبائع، بل غيـر موجود زمن العقد. وسيأتي مزيد بيان عند الحديث عن صيغة “السلم”.

بيع الطعام قبل قبضه:

عن ابن عمر – رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه”.[5] وروى ابن عباس -رضي الله عنهما- مثله. وقال: وأحسب كل شيء مثله.[6] وفي رواية: “من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه”.[7] وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: لقد رأيت الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتاعون جزافا يعني الطعام، يضربون أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم.[8]

واتفق الفقهاء على منع بيع الطعام قبل قبضه. قال ابن المنذر:” أجمع أهل العلم على أن من اشترى طعاما فليس له أن يبيعه قبل أن يستوفيه”.[9]

وخالف عثمان البتي فقال بجواز بيع كل شيء قبل قبضه، واستدل بعموم قوله تعالى: ﴿وأحَلَّ اللهُ البَيْع﴾[البقرة، 275]. ورد عليه ابن عبد البر قائلا:” وهذا القول مردود بالسنة والحجة المجمعة على الطعام وأظنه لم يبلغه هذا الحديث، ومثل هذا لا يلتفت إليه”.[10]

فالمبيع إما أن يكون طعاما أو غيـر طعام.

فإذا كان غيـر طعام، فيجوز في المذهب المالكي بيعه قبل قبضه، سواء كان منقولا أو غيـر منقول. وعمدة فقهائنا النصوص الواردة ودليل الخطاب، لأن ماعدا الطعام بمجرد العقد عليه يـنتقل الملك والضمان إلى مستحق القبض.

واختلف فقهاء المذاهب الأخرى في بيع ما سوى الطعام قبل قبضه.[11]

وأما إذا كان طعاما، فإما أن يكون طعاما ربويا أو غيـر ربوي.

فإذا كان المبيع طعاما ربويا فلا خلاف في المذهب في عدم جواز بيعه قبل قبضه إذا بيع كيلا أو وزنا أو عدّا.[12]

وإذا كان المبيع طعاما غيـر ربوي، فعن الإمام مالك روايتان: الأولى: المنع، وهي الأشهر. والثانية: الجواز.[13]

ودليل المنع النصوص الصريحة بالنهي، وكون الضمان في الطعام لا يـنتقل إلى المشتري إلا بالكيل أو الوزن.[14]

ويجوز عند فقهائنا بيع الطعام جِزافا[15]قبل قبضه.[16]

وفي خصوصية الطعام المستثنى في الحكم، قال القرافي:” الطعام أشرف من غيـره لكونه سبب قيام البنية وعماد الحياة، فشدد فيه النزاع على عادته في تكثيـر الشروط فيما عظم شرفه، كاشتراط الولي والصداق والشهود في عقد النكاح…ويتأكد ما ذكرناه معاشر المالكية بمفهوم نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الطعام حتى يستوفى، فإن مفهومه: أن غيـر الطعام يجوز بيعه قبل أن يستوفى.[17]

فيستنتج مما سبق أن فقهاءنا المالكية يجوزون بيع ما سوى الطعام قبل قبضه بشرط التملك بالعقد، والقدرة على التسليم.

وأما قول سيدنا ابن عباس – رضي الله عنهما-:” وأحسب كل شيء مثله (يقصد الطعام)” فقد وجّهه ابن حجر في الفتح بقوله: “وهذا من تفقه ابن عباس”.[18]

فلا يكون حجة على غيـره.[19]

مفهوم القبض وأنواعه:

رأيـنا في ما سبق أن المالكية لا يشترطون القبض في البيع إلا في الطعام، ويكتفون بالتملك بالعقد مع القدرة على التسليم. وسنجلّي مسألة القبض مفهوما وأنواعا.

أ – مفهوم القبض:

يطلق القبض في اللغة ويـراد به: الأخذ، والحوز، والإمساك والملك، والقبول، والتناول والتحويل إلى حيزك.[20]

ومن شأن تعدد هذه المعاني أن تعطي لمفهوم القبض سعة ومرونة، فتختلف أشكاله وتتنوع أساليبه حسب طبيعة كل معقود عليه يـراد قبضه، ويكون للعرف في تحديد ذلك مجال وتأثيـر.

القبض اصطلاحا: لا خلاف بيـن الفقهاء في أن القبض عبارة عن حيازة الشيء والتمكن منه، سواء أكان مما يمكن تناوله باليد، أم لم يكن.[21]

قال الكاساني:” ومعنى القبض هو التمكيـن والتخلي وارتفاع الموانع عرفا وعادة حقيقة”.[22] وقال العز بن عبد السلام:” قولهم: قبضت الدار، والأرض، والعبد والبعيـر، يـريدون بذلك الاستيلاء والتمكن من التصرف”.[23]

ويعتبـر قبض المعقود عليه ثمرة تعاقدات الناس ومقصودها.

ب- أشكال القبض(الحوز):

تتعدد أشكال القبض بيـن قبض حقيقي وآخر حكمي. كما يختلف القبض حسب الشيء المراد قبضه، فقد يكون عقارا وقد يكون منقولا.

1- القبض الحسي (الحقيقي):

في العقار: اتفق الفقهاء على أن القبض في العقار يكون بالتخلية والتمكيـن من اليد والتصرف.[24]

في المنقول: اختلف الفقهاء في كيفية قبض المنقول:

فعند الحنفية: يكون القبض بالتناول باليد، أو بالتخلية على وجه التمكيـن.[25]

وقال الظاهرية: قبض المنقول يكون بالنقل والتحويل إلى نفسه.[26]

وميّز جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة)[27]بيـن ثلاث حالات:

الأولى: ما يتناول باليد عادة، كالنقود والثياب ونحوها، وقبضه يكون بحيازته باليد.

الثانية: ما يعتبـر فيه التقديـر، من كيل، أو وزن، أو ذرع، أو عدّ، فقبضه يكون باستيفائه بما يقدر فيه من كيل أو وزن أو ذرع أو عدّ.

الثالثة: ما لا يعتبـر فيه تقديـر من كيل أو وزن أو ذرع أو عدّ، إما لعدم الإمكان وإما لأنه لم يـراع فيه ذلك، كالأمتعة والعروض.

وفيه هذه الحالة اختلف الجمهور في كيفية القبض على رأييـن:

فقال المالكية: يُرجع في كيفية قبضه إلى العرف. قال الشيخ خليل:” وقبض العقار بالتخلية، وغيـره بالعرف”[28] وقال شارحه:” أي: غيـر العقار من عروض، وأنعام ودواب، بالعرف الجاري بيـن الناس، كاجتياز الثوب وتسليم مقود الدابة”[29]

وقال الشافعية والحنابلة: قبضه إنما يكون بنقله وتحويله.[30]

وتجدر الإشارة إلى أن اختلاف الفقهاء في ما يعتبـر قبضا راجع إلى اختلاف أنواع المقبوضات، وأيضا إلى اختلاف العرف والعادة في ذلك.

قال الخطابي:” القبوض تختلف في الأشياء حسب اختلافها في نفسها، وحسب اختلاف عادات الناس فيها”.[31] وقال الشربيـني:” لأن الشارع أطلق القبض وأناط به أحكاما، ولم يبيـنه، ولا حدَّ له في اللغة، فرجع فيه إلى العرف”.[32]

2- القبض الحكمي (التقديـري):[33]

وهو يقوم مقام القبض الحقيقي في أحكامه وآثاره، ومنه:

– الرهن الرسمي في العقار، والمنقول المتحرك كالسيارات ونحوها، بوضع إشارة الرهن في الصحيفة المعتبـرة قانونا كالسجل العقاري، ونحوه.

– قيام قبض سابق لعيـن من الأعيان مقام قبض لاحق مستحق معتبـر شرعا.

– القيد المصرفي لمبلغ من المال في حساب العميل في الحالات التالية:

إذا أودع في حساب العميل مبلغ من المال مباشرة أو بحوالة مصرفية.

إذا عقد العميل عقد صرف ناجز بيـنه وبيـن المصرف في حال شراء عملة بعملة أخرى لحساب العميل.

إذا اقتطع المصرف -بأمر العميل- مبلغا من حساب له إلى حساب آخر بعملة أخرى في المصرف نفسه أو غيـره، لصالح العميل أو لمستفيد آخر، وعلى المصارف مراعاة قواعد عقد الصرف في الشريعة الإسلامية.

ويغتفر تأخيـر القيد المصرفي للمدد المتعارف عليها في أسواق التعامل، بما يمكن المستفيد من التسلم الفعلي، على أنه لا يجوز للمستفيد أن يتصرف في العملة خلال تلك المدة، إلا بعد حصول أثر القيد المصرفي بإمكان التسلم الفعلي.

– تسلم الشيك إذا كان له رصيد قابل للسحب بالعملة المكتوب بها عند استيفائه وحجزه المصرف.

وخلاصة القول في هذه المسألة:

بُعدُ المرابحة عن بيع “ما لا يملك” أو “مالم يقبض”، لأن المؤسسة (البنك) لا تبيع المبيع (موضوع المرابحة) للمتعامل إلا بعد تملكها له بالعقد، وقبضها له حقيقة أو حُكما بالتسجيل والتحفيظ والتوثيق، وتحملها الضمان فيه.

وبذلك يكون تعاملها قد خلا من هذا المحذور الشرعي.

 

من كتاب “الصيغ التمويلية في البنوك التشاركية، دراسة فقهية تأصيلية”،

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي


[1]–  رواه الحاكم في المستدرك، كتاب البيوع.ح(2185)، ورواه أبو داود في السنن كتاب الإجارة، باب في الرجل يبيع ما ليس عنده.ح(3506)

[2]–  رواه الترمذي في السنن، كتاب البيوع، باب كراهية بيع ما ليس عندك.ح(1232) ورواه النسائي في السنن كتاب البيوع، باب بيع ما ليس عند البائع.ح(6206)

[3]–  انظر: إعلام الموقعيـن 2/19، وانظر: المقدمات الممهدات لابن رشد 2/29

[4]–  إعلام الموقعيـن 2/19

[5]–  رواه البخاري في الصحيح، كتاب البيوع، باب بيع الطعام قبل أن يقبض وبيع ما ليس عندك.ح(2029) ورواه مالك في الموطأ، كتاب البيوع، باب العيـنة وما يشبهها.ح(2356)

[6]–  رواه الترمذي، كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع الطعام حتى يستوفى.ح(1291)

[7]–  رواه مالك في الموطأ، كتاب البيوع، باب العيـنة وما يشبهها.ح(2357)، ورواه ابن حبان في الصحيح كتاب البيوع، باب البيع المنهي عنه.ح(4979)

[8]–  رواه البخاري في الصحيح، كتاب البيوع، باب باب من رأى إذا اشترى طعاما جزافا أن لا يبيعه حتى يؤويه إلى رحله والأدب في ذلك.ح(2030).

[9]–  انظر: المغني 4/235

[10]–  التمهيد لابن عبد البر 13/334

[11]–  انظر: بدائع الصنائع 5/181 المجموع للنووي 9/319 المغني لابن قدامة 4/239

[12]–  حاشية الدسوقي 3/151

[13]–  ابن رشد(الحفيد)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد 2/108دار الفكر، بيـروت1415ه

[14]–  المصدر نفسه 2/108، وقد حكى ابن رشد سبعة أقوال في بيع المبيع قبل قبضه.

[15]–  جزافا: مثلثة الجيم، والكسر أفصح. وأصل الجزاف الجهل بالشيء، وقال الخليل- رحمه الله – الجزاف بيع الشيء بالخرص بلا كيل ولا وزن. انظر: فتح الباري 4/351

[16]–  وهو قول ابن قدامة والنووي. انظر: المغني 4/124- 127، المجموع 9/327. وقال الجمهور بعدم الجواز. انظر: بدائع الصنائع 5/181 المغني 4/124

[17]–  الفروق 3/1068

[18]–  فتح الباري 4/329

[19]–  انظر: أحمد السعد، حكم بيع المبيع قبل قبضه في الفقه الإسلامي ص24- 35

[20]–  انظر: لسان العرب مادة (قبض)، الصحاح مادة (قبض)، مقاييس اللغة مادة (قبض).

[21]–  انظر: القوانيـن الفقهية ص328، شرح حدود ابن عرفة 2/415

[22]–  بدائع الصنائع 5/148

[23]–  العز بن عبد السلام، الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز، ص106

[24]–  انظر: مواهب الجليل 4/477، حاشية ابن عابديـن 4/561، المجموع 9/276، المغني لابن قدامة 4/333، المحلى 8/89، المطبعة المنيـرية – مصر، سنة 1350هـ

[25]–  انظر: ابن عابديـن، حاشية رد المحتار 4/561

[26]–  انظر: ابن حزم، المحلى 8/89

[27]–  انظر: الذخيـرة 1/152، قواعد الأحكام 2/84، المغني 4/332

[28]–  مختصر خليل ص186

[29]–  الشرح الكبيـر 3/145وانظر أيضا: شرح الخرشي 5/158، المنتقى للباجي 6/97

[30]–  انظر: مغني المحتاج 2/72، المغني لابن قدامة 4/112

[31]–  معالم السنن 3/136، المطبعة العلمية بحلب1352هـ. وانظر: الفتاوى 3/272

[32]–  انظر: المغني 4/112، المجموع 9/275

[33]–  انظر: المعاييـر الشرعية ص 498، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد السادس 1/453.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.