منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بيع حلية الذهب والفضة بالنقود نسيئة

د. محمد جعواني / بيع حلية الذهب والفضة بالنقود نسيئة

0

بيع حلية الذهب والفضة بالنقود نسيئة

د. محمد جعواني

 

من كتاب “الصيغ التمويلية في البنوك التشاركية، دراسة فقهية تأصيلية”،

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي

جاء في المادة 5 أنه « لا يجوز إجراء المرابحة في الوحدات النقدية وما في حكمها إذا كان دفع الثمن آجلا، وكذا في الذهب والفضة إذا بيعا بالذهب والفضة».[1]

وعلة المنع تفادي الربا، حيث إنه من المقرر شرعا في أحكام الصرف في الفقه الإسلامي اشتراط التقابض (المناجزة) في البدَليـن (يدًا بيدٍ) عند اختلاف الجنس. واشتراط التقابض والتماثل (مِثْلاً بمثل، سواء بسواء) عند اتحاده.

المزيد من المشاركات
1 من 18

ولذلك، منعت المرابحة في النقد، والذهب والفضة في جنسهما لغياب «التقابض».

وقد وردت في السنة المطهرة أحاديث كثيـرة في الربا.[2]

ومن أجمعها حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبرُّ بالبر، والشعيـر بالشعيـر والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد».

وفي رواية أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه -: « فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء».[3]

فيجوز بيع النقد بالنقد مع التفاضل مناجزة عند اختلاف الجنس. كبيع ديـنار بدرهميـن، ودولار برياليـن، وما أشبه ذلك يدا بيد.

لكن عند اتحاد الجنس يشترط مع المناجزة التماثل كذلك، فلا يجوز بيع درهم بدرهميـن، ولا ديـنار بديـناريـن ولو كان البيع يدا بيد.

وعليه، لما كان التسديد في المرابحة غالبا ما يكون مؤجلا امتنعت المرابحة في الوحدات النقدية، وكذا في الذهب والفضة إذا بيعا بجنسهما للعلة نفسها.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 14

وبقيت صورة تستخرج بالمفهوم من المادة الخامسة، وتتعلق بحكم المرابحة إذا كان موضوعها الذهب أو الفضة المصوغيـن (الحلية)، وكان الثمن ذهبا أو فضة غيـر مصوغيـن، أو نقودا.

فجمهور الفقهاء قالوا بعدم جواز التفاضل والنسيئة في العيـن (الذهب والفضة) مهما اختلفت أشكالها، ومن ذلك المصوغ بغيـر المصوغ.[4]

وذهب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم إلى القول بجواز بيع المصوغ من العيـن (الحلية) بغيـر المصوغ منها تفاضلا ونسيئة.

وهو قول مروي عن معاوية والحسن والشعبي، واختيار جماعة من أهل العلم.

ودليلهم أن: «الحلية المباحة صارت بالصنعة المباحة من جنس الثياب والسلع لا من جنس الأثمان، ولهذا لم تجب فيها الزكاة، فلا يجري الربا بيـنها وبيـن الأثمان كما لا يجري بيـن الأثمان وبيـن سائر السلع».[5] وعليه، جاز بيع المصوغ من الذهب والفضة بجنسه تفاضلا، ويجعل الزائد في مقابلة الصنعة، سواء كان البيع حالا أو مؤجلا ما لم يقصد كونها ثمنا.[6]

فالحلية ترددت بيـن أصليـن: أصل كونها «أثمانا»، وأصل كونها «زيـنة وعرضا».

وممن نص على ذلك ابن رشد، حيث قال عند حديثه عن اختلاف العلماء في إيجاب الزكاة في الحلي: «والسبب في اختلافهم تردد شَبَهِه بيـن العروض وبيـن التّبر والفضة اللتيـن المقصود منهما المعاملة في جميع الأشياء. فمن شبهه بالعروض التي المقصود منها المنافع أوّلا قال: ليس فيه زكاة، ومن شبهه بالتبـر والفضة التي المقصود فيها المعاملة بها أوّلا قال: فيه الزكاة».[7]

وقال ابن العربي: «وإن كان حليا فقد اختلف علماؤنا فيه، هل تجري فيه أحكام الربا كلها كما تجري في الذهب والفضة أم لا؟ وهذا يستمد من بحر المقاصد، فإن كان عيـناً في أصله، فأخرجه القصد والصياغة إلى باب العروض، وعضد الشرع هذا الأصل عندنا وعند الشافعي بتعييـن حكم الشرع في إيجاب الزكاة فيه فأسقطها في الحلي حيـن تغيـرت هيئته وخرج عن الذهب والفضة في هيئتهما والمقصود بهما، وهذا الدليل لا غبار عليه».[8]

فاقتضى استثناء الحلي من الزكاة -على رأي الجمهور- أن يستثنى من باب الصرف كذلك لخروجها من أصل «الثَّمنية» إلى أصل «الزيـنة والعروض والسلع».

أما عن جواز بيع الحلية بالنقود الورقية فإنه يُخرّج على مسلكيـن:

الأول: إذا قلنا بالتسوية بيـن النقود الورقية والذهب والفضة بدليل علة «الثمنية» المتوفرة فيهما معا، إذ هما أثمان للسلع وقيم للمتلفات (مخزن للقيمة)[9] فالقول بالجواز يكون بناءً على اعتبار الحلية سلعة وعرضا، وهو المرجح دليلا.

المسلك الثاني: إذا قلنا بأن العلة في الذهب والفضة كونهما ذهبا وفضة، فتكون علة قاصرة فيهما[10]وهي منتفية قطعا في النقود، فجاز البيع تفاضلا ونسيئة.

ولا يخفى ما في القول بالجواز من التيسيـر ورفع الحرج عن الناس-بائعيـن ومشتريـن- في زماننا، وتمكيـنهم من قضاء حاجاتهم من غيـر مصادمة لأحكام شريعة ربهم.[11]

 

من كتاب “الصيغ التمويلية في البنوك التشاركية، دراسة فقهية تأصيلية”،

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي


 

[1]–  انظر: منشور والي بنك المغرب، الجريدة الرسمية، عدد 6548، ص582

[2]–  انظر: – صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب ما يذكر في بيع الطعام والحكرة، وفي باب بيع الشعيـر بالشعيـر. وفي باب بيع الذهب بالذهب. وفي باب بيع الفضة بالفضة.

– صحيح مسلم كتاب المساقاة، باب الربا. وفي باب النهي عن بيع الورق بالذهب ديـنا. وفي باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدا.

– موطأ مالك، كتاب البيوع، باب بيع الذهب بالفضة تبـرا وعيـنا.

[3]–  انظر الروايتيـن في صحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدا. حديث رقم 3071، وحديث رقم 3072.

[4]–  انظر: الكافي لابن عبد البر ص 302، شرح مسلم للنووي 11/10، وانظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الثالث 3/1650 والعدد الخامس 3/1609

[5]–  إعلام الموقعيـن 2/241

[6]–  انظر: الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية لدى تلاميذه، ص 468، جمع وإعداد سامي بن محمد بن جاد الله، الناشر: مجمع الفقه الإسلامي – جدة.

[7]–  بداية المجتهد ونهاية المقتصد 2/11.

[8]–  ابن العربي، القبس في شرح موطأ مالك بن أنس 3/249-250

[9]–  انظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد 3، 3/1650 والعدد 5، 3/1609

[10]–  الأوفق والأنسب والأرجح هو قول الجمهور بأن العلة في العيـن هي «الثمنية».

[11]–  انظر: يونس رفيق المصري، أحكام بيع وشراء حلي الذهب والفضة. مجلة جامعة الملك عبد العزيز. ص 37-68، مجلد 9، س 1997م. رشيد بنكيـران، بيع حلي الذهب متفاضلا ومؤجلا جائز ليس بحرام. منشور على موقع هوية برس، بتاريخ 31 مارس2019.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.