منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سلسلة شذرات عطرة من السيرة النبوية

(1) دراسة السيرة النبوية؛ الحاجة - حسنة المصطافي

0

 

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، أرسله الله رحمة للعالمين، وافترض على العباد طاعته واتباعه في كل ما جاء به وتعزيره وتوقيره ومحبته والقيام بحقوقه، وبعد:

فقد تواردت الأقلام على تحرير سيرته العطرة بين نظم ونثر، واجتهدت العقول في استنباط الحكم والأحكام منها، وحُفظت لنا سيرته حفظًا دقيقا تناول كل تفاصيل حياته صلى الله عليه وسلم من الميلاد إلى الممات، فحفظت لنا كيف كانت صلته بربه، وعلاقته بأصحابه وتربيته لهم، وكيف كان في بيته، وكيف كان يقود الجيوش ويبعث البعوث والسرايا.

وسيرته شجرة يانعة، جمعت أطايب الثمار ويانع الأزهار فاح أريجها محبة ورحمة للعالمين، واخترت من قطوفها مؤاخاة الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، أحد الأسس التي قامت عليها الدولة الإسلامية، ليكون موضوع مداخلتي، والتي جعلتها أربعة محاور:

  • الغرض من دراسة السيرة النبوية.
  • ذكر أهم مصادرها
  • حدث المؤاخاة كما جاء في الرحيق المختوم[1]. (وجعلته في مقالة مستقلة)
  • العبر والدروس المستفادة من الحدث.
المزيد من المشاركات
1 من 26
  1. الغرض من دراسة السيرة

لقد عكف كثير من العلماء على تدوين سيرة النبي صلى الله عليه وسلم رواية ودراية ونقدا وتمحيصا، ولم يكن غرضهم من دراسة السيرة النبوية وفقهها مجرد الوقوف على الوقائع التاريخية وسرد الأحداث ولكن ليقتبس منها المسلم المعاني ويحقق الأُسوة الحسنةَ التي قال الله عنها: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾[الأحزاب: 21] حيث «جعل متعلق الائتساء ذات الرسول صلى الله عليه وسلم دون وصف خاص ليشمل الائتساء به في أقواله بامتثال أوامره واجتناب ما ينهى عنه، والائتساء بأفعاله من الصبر والشجاعة والثبات»[2]

يقول البوطي في مقدمة فقه السيرة عن أهمية دراسة السيرة وفقهها: “وإنما الغرض منها؛ أن يتصور المسلم الحقيقة الإسلامية في مجموعها متجسدة في حياته صلى الله عليه وسلم، بعد أن فهمها مبادئ وقواعد وأحكاما مجردة في الذهن”[3]، ويجلي لنا فاروق حمادة أهميتها في صياغة الشخصية المسلمة؛ إذ يقول: “السيرة النبوية تجسيد حي لتعاليم الإسلام كما أرادها الله تعالى أن تطبق في عالم الواقع، فتعاليم الإسلام لم تنزل لتحصر بين جدران المساجد وداخل أروقة بيوت العلم الشرعي وكلياته، بل تنزلت من الحكيم العليم لتكون سلوكا إنسانيا ومنهجا حياتيا يعيشها الفرد المسلم في نفسه وشخصه، ويدركها في واقعه ومجتمعه، ويشب عليها فتصبح جزءا لا يتجزأ من كيانه، ويتصرف على هديها في كل صغيرة وكبيرة، وفي كل موقف وشأن”[4]، أما صاحب الرحيق المختوم فيرى أن: “السيرة النبوية والأسوة المحمدية على صاحبها ما يستحق من الصلاة والسلام- إذا لا حظناها بعين الدقة والاعتبار- هي المنبع الوحيد الذي تتفجر منه ينابيع حياة العالم الإسلامي وسعادة المجتمع البشري”[5].

كما أن السيرة النبوية هي مفتاح نهضة المسلمين وحضارتهم، يقول محمد أسد[6] في بيان أهمية السنة[7] في تاريخ المسلمين وحضارتهم قال: « السنة هي المفتـاح لفهـم الإسلام قبل ثلاثة عشر قرنًا؛ فلماذا لا تكون هـي المفتـاح لفهـم وضـعنا الحاضـر من الضعف والانحطاط؟ المحافظة على السنة مرادفـة لوجـود الإسـلام وتقدمـه، وهجر السنة مرادفة لضعف وجود الإسـلام، والسـنة هـي الإطـار الحديدي لبيت الإسلام فإن نزع الإطار فلا عجب إن تداعى البناء كبيت من ورق”[8]

كما جعل الله سبحانه سعادة الدارين متعلقة بمتابعته ﷺ، وشقاوة الدارين في مخالفته، يقول ابن القيم في وجوب معرفة سيرته: ” وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي صلى الله عليه وسلم فيجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين به، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه “[9].

  1. مصادر السيرة النبوية:

تتنوع مصادر السيرة وتتعدد ويصعب حصرها في كتابة بحث أو مقالة مختصرة، وقد قام مجموعة من المؤلفين بتتبع هذه المصادر، المخطوط منها والمطبوع، مع دراستها تحليلا ونقدا.[10] إجمالا، يمكن تصنيف مصادر السيرة النبوية إلى قسمين كبيرين هما: مصادر أصلية ومصادر تكميلية.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

أما الأصلية فهي أربعة:

  • القرآن الكريم: وهو أصدق المصادر وأقواها؛ فنصوصه ثابتة بالتواتر القطعي، وقد أورد القرآن الكريم صورا من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الإجمال دون تفصيل؛ أي أن نصوصه لا تكفي لرسم صورة متكاملة عن حياته صلى الله عليه وسلم.
  • كتب السنة النبوية الصحيحة وشروحها التي نقلت لنا معظم سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وبأصح ما جاء فيها، حيث أورد البخاري ومسلم في صحيحيهما جملة كبيرة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم: شمائله ووقائعه وحروبه، وأعماله، وكذا بقية كتب السنة، والتي نستطيع من خلالها أن نكون فكرة شاملة- وإن كانت غير متكاملة أحيانا عن سيرته.
  • كتب السيرة المختصة: بعد أن كان الاهتمام بالسيرة النبوية عن طريق الرواية الشفهية وبث أخبارها عن طريق التلقي والتحديث، وبعد أن كانت أخبارها متناثرة في كتب الحديث اتجهت عناية العلماء إلى إفرادها بالتصنيف، ومن أشهر أوائل المصنفين في السيرة محمد بن إسحاق بن يسار (ت: 152هـ) إلا انه فيما فُقِدَ من تراثنا العلمي الزاخر، ولكن مضمون الكتاب بقي محفوظا بما رواه عنه ابن هشام يقول ابن خلكان (ت: 681هـ): «وابن هشام هذا، هو الذي جمع سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من المغازي والسير لابن إسحاق، وهذبها، ولخصها، وشرحها السهيلي المذكور، وهي السيرة الموجودة بأيدي الناس والمعروفة بسيرة ابن هشام»[11].

كما أفرد بعض المصنفين في السيرة بعض نواحيها بالتأليف، كـدلائل[12] النبوة للأصبهاني، والشمائل المحمدية[13]للترمذي، والخصائص[14] الكبرى للسيوطي.

ولا يزال العلماء يؤلفون في سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام بمختلف اللغات وبأسلوب حديث يسهل على أبناء العصر، ومنها الرحيق المختوم[15]الذي اعتُمد ليكون مصدرا للحديث عن حدث الإخاء بين المهاجرين والأنصار.

أما القسم الثاني من المصادر التكميلية فلا يختص بالسيرة أو التاريخ، بل يتناول موضوعات أخرى لكنها تفيد في حقل دراسة السيرة العطرة وتتمثل فيما يلي: كتب التراجم، والرجال، والأنساب، وكتب الفقه، ودواوين الأدب وغيرها مما يورد عرَضا حديثا عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم حيث شملت حقائق كثيرة عن البيئة التي كان يعيش فيها الرسول صلى الله عليه وسلم، والتي ترعرعت فيها عقيدة الإسلام أول قيامها.

إن امتداد مصنفات السيرة، من عهد الرسالة إلى يومنا هذا وفي مختلف الأوطان الإسلامية والأجنبية وبمعظم لغات العالم، يؤكد أن سيرته صلى الله عليه وسلم قد حُفظت حفظًا لا يدانيه ولا يماثله حفظ أي سيرة في الأولين والآخرين، وهذا من حفظ الله لدينه.


[1] وهو من تأليف العالم الهندي الشيخ صفي الرحمن المباركفوري (ت: 1427ه) وقدَّم فيه السيرة النبوية، من البعثة حتى الوفاة، بجانب إعطاء نبذة عن أحوال العرب قبل الإسلام.. بأسلوب سهل سلسل، يناسب الشباب والمبتدئين؛ لأنه يهتم بسرد أحداث السيرة وإعطاء صورة شاملة عنها، دون غوص كبير مع الدروس والعبر، وقد حاز الكتاب على المركز الأول في مسابقة السيرة النبوية العالمية، التي نظمتها رابطة العالم الإسلامي عام 1396هـ

[2] تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد» المؤلف: الطاهر ابن عاشور التونسي (المتوفى: 1393هـ) الناشر: الدار التونسية للنشر – تونس سنة النشر: 1984، ج: 21 ص: 302

[3] فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة، محّمد سَعيد رَمضان البوطي الناشر: دار الفكر – دمشق الطبعة: الخامسة والعشرون – 1426 هـ، ص: 15

[4] مصادر السيرة النبوية وتقويمها، فاروق حمادة، الناشر: دار الفكر- دمشق، الطبعة الثالثة، 1424ه/ 2002م، ص: 24.

[5] الرحيق المختوم، صفي الرحمن المباركفوري (المتوفى: 1427هـ) الناشر: دار الهلال – بيروت،الطبعة: الأولى، ص: 7

[6] (ليوبولد فايس سابقاً) ولد في الإمبراطورية النمساوية الهنغارية عام 1900، وتوفي في إسبانيا عام 1992م. وهو كاتب وصحفي ومفكر ولغوي وناقد اجتماعي ومصلح ومترجم ودبلوماسي ورحالة مسلم (يهودي سابقاً) درس الفلسفة في جامعة فيينا؛ وقد عمل مراسلاً صحفياً وبعد منحه الجنسية الباكستانية تولى عدة مناصب منها منصب مبعوث باكستان إلى الأمم المتحدة في نيويورك. وطاف العالم، ثم استقر في إسبانيا وتوفي فيها ودفن في غرناطة. ويعتبر محمد أسد أحد أكثر مسلمي أوروبا في القرن العشرين تأثيراً. –(https://ar.wikipedia.org › wiki)

[7] استعمل هنا كلمة السنة بأوسع معانيها، على أنها المثال الذي أقامه لنا الرسول صلى الله عليه وسلم من أعماله وأقواله.

[8] الكتاب والسنة أحد فصول كتاب الإسلام على مفترق الطرق، محمد أسد، ترجمة: صالح الحصين وتعليق: محمـد بن إبراهيـم السعـيـدي، مركز سلف للبحوث والدراسات، 1441ه، ص: 7

[9] زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ) الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت – مكتبة المنار الإسلامية، الكويت الطبعة: السابعة والعشرون , 1415هـ /1994م، 1/ 69.

[10] مصادر السيرة النبوية وتقويمها لفاروق حمادة، ودراسة تحليلية نقدية لبعض مصادر السيرة النبوية لضيف الله بن يحي الزهراني، ومصادر السيرة النبوية ومقدمة في تاريخ تدوين السيرة لمحمد يسري سلامة، وقراءة في مصادر السيرة النبوية لهاني السباعي وغيرهم.

[11] وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، ابن خلكان، تحقيق: إحسان عباس، الناشر: دار صادر – بيروت الطبعة:1900م، 3/ 177

[12] الحجج البالغة القاطعة، والبراهين الواضحة الساطعة، الدالة على صدق وصحة نبوة سيدنا محمد ﷺ، وعلى شمول وعموم رسالته، بدلالات واضحة لا جدل فيها

[13] هي الكتب التي قصد أصحابها العناية بذكر أخلاقه، وعاداته وفضائله، كما تناولت صفاته الخَلقية، منها كتاب الشفاء لقاضي عياض

[14] الأمور التي اختصَّ بها النبي محمد ﷺ عن غيره من الأنبياء، والأمة،

[15] يقول المؤلف عن منهجه: “إني قبل أن آخذ في كتابة المقالة رأيت أن أضعها في حجم متوسط متجنبا التطويل الممل والإيجاز المخل… ولكن احترزت عن إيراد الدلائل والبراهين لأن ذلك يفضي إلى طول غير مطلوب. نعم! ربما أشرت إلى الدلائل حين خفت الاستغراب ممن يقرأ المقالة، أو حين رأيت عامة الكاتبين ذهبوا إلى خلاف الصحيح”. ص: 7- 8

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.