منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فقهيـات شهر شعبـان | حوار مع الدكتور عبد العلي المسئول

الدكتور عبد العلي المسئول

0

 

السؤال الأول: سيدي حفظك الله تعالى لماذا تخصيص شهر شعبان بالصوم؟

لأن الأعمال ترفع فيه، أخرج الإمام النسائي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت: يا رسول الله لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم من شعبان. قال: “ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم” ومن العلماء من قال إن الإكثار من الصيام في شعبان سببه أن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام كن يقضين فيه ما عليهن من رمضان وكان صلى الله عليه وسلم يشاركهن في الصيام، تضامنا منه معهن، فبكثرة صيامهن كثر صيامه في شعبان. ويمكن الجمع بين الأمرين، بالقول كان صلى الله عليه وسلم يحب أن يرفع عمله وهو صائم وكان يحب أن يتضامن مع أزواجه صياما في شعبان.

السؤال الثاني: هل صام صلى الله عليه وسلم شعبان كله أم معظمه؟

المزيد من المشاركات
1 من 4

النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم أغلب شعبان جمعا بين روايات متعددة، في صحيح مسلم سئلتُ أم المؤمنين عائشةَ رضي اللهُ عنها عن صيامِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقالت: كان يصومُ حتى نقول: قد صام، ويفطر حتى نقول: قد أفطر، ولم أرَه صائماً من شهرٍ قطُّ أكثرَ من صيامِه من شعبانَ، كان يصومُ شعبانَ كلَّه، كان يصومُ شعبانَ إلا قليلاً”  ويراد بـ “كله” أي أغلبه، وفي شرح الخرشي على خليل وهو يعدد الصوم المستحب : “والمحرم ورجب وشعبان”، أي يستحب صوم شهر محرم ورجب وشعبان، وهذا يوافق ما رواه الترمذي عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها قالت: “ما رأيت رسول الله يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان”، لكن العلماء قالوا بأن الصائم يستحب له أن يفطر يوما أو يومين للفصل بين شعبان ورمضان.

السؤال الثالث: ما فضل ليلة النصف من شعبان؟

هذه اللية وردت فيها أحاديث صحاح وأحاديث حسان وأحاديث ضعاف، فعن أبي موسى الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن”، وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يَطَّلِعُ الله إِلَى خَلْقِهِ فِي لَيْلَة النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ» رواه الطبراني.

وهناك من المفسرين من قال إن المراد من الآية “فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ” هو ليلة النصف من شعبان، ومعنى ذلك أن الله تعالى يظهر قدره لملائكته في هذه الليلة، ويظهر ما شاء من أفعاله الدالة على ذلك. وإن كان جمهور المفسرين يرجحون أنها ليلة القدر. ومجمل الأمر أن ليلة النصف من شعبان ليلة فاضلة ووردت أحاديث كثيرة في فضلها.

السؤال الرابع: إن صح فضل ليلة النصف من شعبان، فما ينبغي فعله فيها من أعمال؟

مقالات أخرى للكاتب
1 من 36

على كل مسلم أن يجتهد في كل الليالي بدءً بصلاة العشاء وصلاة الصبح في الوقت والجماعة وأن يقتطع طرفا من ليله ونومه ليقف بين يدي الله تعالى مصليا مناجيا داعيا، لكن هذه الليلة الدعاء فيها مستجاب كما قال بعض العلماء. فعن الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه قال: “وبلغنا أنه كان يقال: إن الدعاء يستجاب في خمس ليالي، في ليلة الجمعة، وليلة الأضحى، وليلة الفطر، وأول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان” وقد وردت أحاديث ضعيفة في فضل ليلة النصف من شعبان لكن أحاديث الفضائل يتسامح فيها، ولذلك قال العلماءُ من المحدّثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويُستحبّ العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعاً. أما في الحلال والحرام والبيع والزواج والطلاق فلا يعمل فيها إلا بالأحاديث الصحاح. فالواحد منا ينبغي أن يجتهد في الطاعات والقربات خصوصا وشهر رمضان الفضيل على الأبواب.

السؤال الخامس: هل يجوز صيام النصف من شعبان منفردا؟

الفضل كامن في صيام أغلب شعبان لكن من يعسُر عليه ذلك يندب إليه صوم يوم النصف من شعبان لمن أراد أن يقتصر اقتصارا. ويوم النصف هو أحد أيام البيض “13/14/15” التي يسن صيامها. فالنبي صلى الله عليه وسلم أوصى بصيام ثلاثة أيام من كل شهر. عن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:” إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها، وصوموا نهارها، فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا، فيقول: ألا من مستغفر لي فأغفر له! ألا مسترزق فأرزقه ألا مبتلى فأعافيه ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر” فهذا الحديث يعمل بفضله رغم ضعفه.

السؤال السادس: هل يجوز صيام النصف الثاني من شعبان؟

الذي صام النصف الأول من شعبان وأراد أن يستزيد إلى قبيل رمضان فله ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى يكون رمضان”. لكن ذكر بعض أهل العلم أن معنى هذا النهي المبالغة في الاحتياط لئَلا يختلط برمضان ما ليس منه ويكون هذا بمعنى نهيه ألا يتقدم أحد عن رمضان بيوم أو يومين. فلا معنى أن يصوم المرء آخر شعبان وهو لم يصم لا النصف الأول ولا يوم النصف. لكن إن كان من أهل العزم وكان يكثر الصيام من أول يوم في شعبان وأيام البيض فلا حرج أن يصوم النصف الثاني من شعبان، لكن عليه إفطار يوم أو يومين للفصل بين الشهرين المباركين تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم.

السؤال السادس: انطلاقا مما أشرت إليه من أن أمهات المؤمنين رضي الله عنهن كن يقضين في شعبان ما عليهن من رمضان، هل تؤخر المرأة قضاء الصيام إلى شعبان؟ وهل يمكنها تقديم صيام الست من شوال على صيام القضاء؟

ثبت أن أمنا عائشة رضي الله عنها كانت تقضي دينها في شعبان، وهذا لا حرج فيه، وهذه رخصة للنساء في قضاء دينهن في سائر السنة قبل إدراكها رمضان الموالي. ومن المسنون صيام ست من شوال، فهل تصوم المرأة دينها أم تصوم ستا من شوال؟ من العلماء من قال تصوم الست بنية شوال وبنية الدين، ومنهم من قال تقضي دينها ثم تصوم الست من شوال. ومن الأحسن أن تصام أيام الست متتالية فهي حديثة عهد بأيام رمضان وإذا تفرقت للضياع تعرضت. إذن يمكن للمرأة أن تقدم الفرض يعني الدين فتتبعه النفل، كما يمكن أ تصوم الست من شوال وتؤخر الدين لتصوم فيما تبقى من شوال أو بعد شوال. المهم ألا يدخل عليها رمضان آخر إلا وقد قضت دينها.

السؤال السابع: ارتباطا دائما بالقضاء، هل يقضي الرجل الصيام عن والديه إذا ماتوا؟

إن كان الرجل مريضا وجاء رمضان وعسر عليه الصوم إطلاقا ثم بعد رمضان توفاه الله تعالى. هو في الأصل غير مطالب بصوم مادام أنه مريض. وقد صح أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسألته هل تقضي عن أمها الصوم بعد وفاتها. فقال لها صلى الله عليه وسلم: “دين الله أحق أ يقضى” ومن هنا قال العلماء يمكن لمن أراد أن يقضي صوما على أبيه أو على أمه فله ذلك كما يمكن له أن يتصدق بمال.

السؤال الثامن: جاء في حديث ليلة النصف من شعبان استثناء الله تعالى للمشاحن، فهل تقبل الصلاة لمن بينهما خصومة؟                                                                         

المشاحنة هي الخصومة ومعاداة الآخر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً: رجل أمّ قوماً وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وأخوان متصارمان”. رواه ابن ماجه. وفي معنى حديث صحيح أخرجه مسلم أن الدعاء يقبل ما لم يختصم الأخوان فإن اختصما يقال أخرا هؤلاء لأنهما اختصما وتشاحنا.

فينبغي للفرد أن يكون قلبه سالما وسَلَما للآخر وأن يكون رحمة لإخوانه وأن تكون المرأة رحمة لأخواتها وزوجها وأن يكون الزوج رحمة لأهله، فالشحناء والبغضاء ليست من ديننا، لذلك قال الله تعالى في حق رسوله صلى الله عليه وسلم ” فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ” وسبب تلك الشحناء هو الدنيا ومتاعها، فالناس يحقد بعضهم على بعض ويعادي بعضهم بعضا على الدنيا ويحسد بعضهم بعضا على الدنيا، فعلى الواحد منا أن يملأ قلبه بالله وبذكر الله تعالى وبالقرآن الكريم وليعلم أن ما عند الله هو خير وأبقى وأن هذه الدنيا زائلة وقنطرة للآخرة.. فلم هذه الشحناء خصوصا بين الإخوة الأشقاء أبناء الصلب الواحد، لم يبغض بعضهم بعضا ويحقد بعضهم على بعض، فينبغي أن يكون تواصل وتسامح وتصافي، فديننا دين رحمة “مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ” وقال الله تعالى: “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ” ومما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : “المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، وقد لا ينقطع الوسخ إلا بنوع من الخشونة، لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة ما يحمد منه ذلك التخشين” هذا هو المطلوب في الأخوة بشكل عام، الأخوة في الدين والأخوة في الدم، “الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ 

الأخلاء والأصدقاء غدا يوم القيامة أعداء بعضهم البعض إلا المتقين، الذين خافوا الله تعالى اجتمعوا عليه وافترقوا عليه. فينبغي الحرص على صفاء القلوب وحسن الظن بالله وحسن الظن بالناس. نعم ينبغي أن يحتاط الإنسان لدينه وعرضه لكن يغلب حسن الظن بالناس ويتجاوز ويتسامح والدنيا دار فناء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.