منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

د. أحمد الريسوني يضع الحدود الفاصلة بين الشرع والتراث

عزالدين التامري

0

في أحد أيام شهر غشت من سنة 2014، ألقى العلامة الفاضل الدكتور أحمد الريسوني محاضرة لفائدة ثلة من الشباب العاملين في الحقل التدافعي السياسي حول الرؤية والمنهج في تجديد الفكر الإسلامي تضمنت مواقف علمية ومنطقية تؤطرها رؤيـــة عميقة مستمدة من علم المقاصد الغائب لدى كثير من الفقهاء والوعاظ المسلمين. وسيجد القارئ الكريم فائدة عظمـــــى في إعادة تأمل ما جاء في هذه المحاضرة، بل ربما وجد فيها أسس ومرتكزات فكر العلامة الريسوني. وقد سعيت جهدي لاستخراجها من كلام الأستاذ الفاضل الذي كان شفويا مرتجلا، والله ولي التوفيق:

1ـ ضرورة التمييز بين الشرع والتراث

من عوائق التجديد في الفكر الإسلامي الخلط بين الشرع المنـــزل والتــــــــراث الإسلامي الذي نعتز به وننهل منه، لكنه يبقى اجتهادا بشريا يؤخذ منه ويرد. فإذا تم تقديسه قداسة الشرع كـــان ذلـــك عائقا أمام التجديد، وقد سبق للإمام الشوكاني في كتابه ” إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول ” أن ناقـــش قضية ” قول الصحابي ” أهو حجة شرعية أم ليس شرعية؟ فإذا قلنا إن قول الصحابي حجة فقد صار لنا نبيــــان، والله تعالى لم يبعث لنا إلا نبيا واحدا … جملة القول أن التراث ليس هو الدين، إنه تراث نشأ حول الدين، وكما يقول الإمــــام مالك بن أنس: ” كل واحد يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر ” (يشير إلى قبر الرسول صلــــى الله عليه وسلم).
التراث ـ سواء أكان تفسيرا أم تصوفا أم فقه حديث أم فقها أم أصولا أم علم كلام ـ لا يكتسي طابع القداسة أو طابــــــــع الإلزام. إلزامه بما فيه من إقناع وحجة ترجع إلى الدين وماعدا ذلك فهو اجتهادات بشرية، وقديما قالوا: “هم رجـــــــال ونحن رجال” أي يفكرون كما نفكر، لهم عقولهم ولنا عقول. بل هناك أمر آخر يرجحنا عليهم وهو أننا نجتهد لزماننــــا وهم اجتهدوا لزمانهم، وأن ما اجتهدوه لزمانهم منه مازال صالحا ومنه ما انتهت صلاحيته، ولذلك قرر العلمـــــــــاء أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال، فاجتهاد المعاصرين ـ إذا كانوا أهلا للإجتهاد ـ ليس فقط مساويا لاجتهـــاد القدماء بل هو راجح عليه ومفضل عليه ومقدم عليه.

2ـ ضرورة التمييز بين الشرع و اجتهادات العاملين لخدمته

إذ يترتب على النقطة الأولى أن نميز بين الشرع وما يصدر عن العلماء المسلمين والمجامع والحركات الإسلامية والزعمــــاء … مثال ذلك قول قائل: نحن قوم لا نشتغل بالسياسة ـ كما تقول جماعة التبليغ مثلا ـ ( لا نشتغل بالسياسات والخلافيــات ) هذا اجتهاد قد يفهم في سياق معين، لكن إذا كان المقصود أنهم يتجنبون السياسة لأن السياسة ليست من الدين، هنـــــا تمت مخالفة الوحي لأن الوحي ملئ بالسياسة. السياسة إذن من الدين (هذا وحي) لكن أن يختار مسلم عدم الانشغـــــال بالسياسة ( هذا رأي واجتهاد ) وليس ركنا من أركان الدين.

المزيد من المشاركات
1 من 16

3ـ ضرورة النظر المقاصدي إلى النصوص والأحكام

فإذا استثنينا الظاهرية وكل من يأخذ بظاهر النص وحرفيتـــــــــــه ويرفض النظر في عمقه ومقاصده من الشباب والدعاة والحركات والجماعات، فإن جميع العلماء المسلمين المعتبريــــن يرون أن للنصوص والأحكام الإسلامية مقاصد ومصالح. إن من أسباب جمود الفكر الإسلامي الظاهرية والسطحيـــــــــة والحرفية، والأمثلة كثيرة نذكر منها مثلا “سفر المرأة”: فقد وردت أحاديث تنهى المرأة عن السفر بدون محرم، هـــــذا ظاهر تلك الأحاديث التي يأخذ بها اليوم كثير من علماء المسلمين، بينما تعامل معها بعض فقهائنا القدامى تعامــــــــــــلا مقاصديا، وفي مقدمتهم القاضي أبو بكر بن عربي المعافري الإشبيلي دفين فاس، الذي يسأل الفقهاء الذين يحرمــــــون سفر المرأة بدون محرم ويأخذون بحرفية وظاهر الحديث النبوي: أهذا الحكم تعبدي أم معلل؟ أي أن قضية سفر المــرأة ليست مسألة تعبدية وإنما هي قضية اجتماعية من المفروض أنها معللة ولها حكمة (حفظ أمن المرأة وسلامتها) ولذلك قالوا: متى حفظ أمن المرأة من الاعتداء والإذاية فيجوز لها السفر.

4ـ ضرورة النظر المقاصدي المصلحي

إذا كانت النقطة الثالثة تخص النظر المقاصدي إلى الأحكام، هناك أيضا النظر المقاصدي المصلحي فيما لا نص فيه وحتى فيما فيـــــه نص: والنظر المصلحي أو الميزان المصلحي مفتقد لدى كثير من علمائنا المتأخرين، وغياب هذا الميزان يقتل الأمـــــــة ويؤخرها عن التقدم، لأن العالم الذي لا ينظر بنظر المصالح والمفاسد يقتل الأمة ويفوت عليها المصالح ويجلب لهــــــا المفاسد ويتيح الفرصة لأعدائها ليتفوقوا عليها. إن الإمام الشاطبي ـ الذي يفصلنا عنه اليوم خمسة قرون كان يعيــــش في عصر تخلف وجمود ناقش مسألة المصالح المرسلة وأتى بالحجج (لجلب المصالح ودرء المفاسد).

عندنا أيضـــــــا قاعدة (سد الذرائع) هدفها الأكبر إيقاف المفسدة أيا كانت سواء فيما فيه نص أم فيما ليس فيه نص أي إيقاف كل ما فيه فساد راجح لا شك فيه. لكن هناك وجه آخر للقضية أغفله الفقهاء قديما وحديثا هو (فتح الذرائع) فإذا كان (سد الذرائع) جاء للوقوف في وجه أمور مباحة تستغل سبيلا للفساد والإضرار، فإن (فتح الذرائع) يفتح المجال أمام أمور منهي عنها لكنها تحقق بعض المصالح. وربما كان الإمام القرافي الوحيد من القدماء الذي قال بفتح الذرائع في قوله:” اعلــــــم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها “. ومن الأمور المنهي عنها التي يمكن فتحها باعتبارها وسائل وليست غايات فــي حد ذاتها، النظر إلى العورات. فالنظر إلى العورات منهي عنه لأنه وسيلة مؤدية إلى الحرام، لكن إذا احتيج إليه فـــــــي التداوي أو في التحقيق الجنائي أو عند إنقاذ رجل أو امرأة … دخل في باب (فتح الذرائع). ويمكن تطبيق هذه المسألــة على الفنون في عصرنا (السينما ـ المسرح ـ الغناء …) قد تكون في معظمها مدعاة للنهي بالنظر إلى مضمونها وآثارها على سلوك بعض المسلمين .. لكن حين ننظر إلى أثرها الخطير في عصرنا بحيث لم تعد ترفيها، بل أصبحت وسيلـــــــة لتغيير الأذواق والسلوك والأفكار والقيم …علينا أن نتعامل إزاءها وفق قاعدة (فتح الذرائع).

5ـ التحرر من التبعيات

المفكر أو العالم إذا كانت له تبعية لا يمكنه أن يجدد (تبعية في التنظيم، أو في الدولة، أو فــــــي السياسة، أو في الأجهزة التنظيمية، أو في الأعمال وتنفيدها …) فالعالم الذي يكيف تفكيره مع متطلبات وزارة أو دولــة أو حزب أو حركة لا خير في تفكيره، ولا يمكن أن تكون له علاقة بأي شكل من أشكال التجديد.. لا سبيل إلى التجديـد إلا إذا أطلقنا حرية الفكر، وحركة الفكر وليس فكر الحركة. فكر الحركة هو أدبياتها المعتمدة وتنظيمها …لكن إذا اقتصرنــا على هذا وحده فلن يكون هناك تجديد أبدا .. لا بد من حركة الفكر.
فكر حر طليق دون اشتراط الصواب لأن المفكر قــــد يصيب وقد يخطئ.

6ـ التحرر من النمطيات

فمن الأمور السائدة الشائعة ( وجدنا آباءنا ـ وجدنا زعماءنا …) كل شيء قابل لأن ننقــــده ونخالفه ونجرب خلافه. وإذا كانت التبعيات مفروضة فإن النمطيات من اختيار الإنسان وبإرادته. هناك اليوم تنميــــــط للفكر و نشر لمسلمات تتنافى مع التجديد المرغوب في الفكر الإسلامي (إجماع وطني ـ هذا أمر غير قابل للنقـــاش …) كل شيء قابل للنقاش والتقليب، وطبعا ” المراجعات لا تقتضي بالضرورة التراجعات “. علينا أن نراجــع الأفكــــــــــــار باستمرار سواء أكانت أفكارا إسلامية أم حداثية أم شرقية أم غربية … القوالب الجاهزة تمنع الاجتهاد، ومن أمثلة ذلــك تقديس الديمقراطية وفق تصور أحادي الجانب، في حين أننا يمكن أن نمارس الديمقراطية بطرق مختلفة.

7ـ ما بعد الإسلامية

هناك اليوم حديث عن (ما بعد الإسلامية) أو ما بعد الإسلاموية على غرار ما بعد الحداثة، وكأن الإسلامية فشـــــلت فظهر ما بعد الإسلامية، وهذا رأي الفرنسي ” أوليفيروا ” صاحب كتاب (فشل الإسلام السياسي)، وهناك رأي آخــــــر مخالف يرى أن ما بعد الإسلامية شكل من أشكال تطور ما بعد الإسلاموية، وهذا رأي المفكر الأمريكي ذي الأصـــــــــل الإيراني “آسف بايات” ..والحقيقة أن الفكر الإسلامي التقليدي المعاصر ممثلا في حركة الإخوان المسلمين أنتج فـــــي الواقع تطورين: الأول يتجلى في الحركات المتطرفة ( القاعدة ـ داعش …) والثاني أكثر عقلانية واعتدالا وواقعية وهــــو الجيل الثاني من الحركات الإسلامية هذا الجيل الثاني لا يتحدث مثلا عن الخلافة ولا يعتمد الأحكام السلطانية للماوردي أو لأبي الأعلى المودودي وإنما يميز بين المقاصد والوسائل.
والخلاصة أن التدافع من أجل التجديد ما زال قائما ونحتاج إلى تخصيص “ميزانية بشرية” وليس مالية لتشجيع التجديد في الفكر الإسلامي، فلا أمل للخروج من التخلف إلا بالتجديد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.