منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حقائق شرعية ومواقف إيمانية ينبغي التذكير بها زمن “كورونا” ـ الباقة الثانية ـ

د. إدريس يعكوبي

0

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمينن، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على أشرف المرسلين،  سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد؛ فقد تقدم في الباقة الأولى ذكر ثلاث حقائق شرعية، وقلنا: إن تلك الحقائق يجب على المؤمن أن يقف إزاءها مواقف إيمانية، وفي هذه الباقة سأذكر بعضا من هذه المواقف راجيا من المولى عز وجل أن يكون التذكير بها نافعا لنا نحن المؤمنين، فربنا سبحانه وتعالى يقول: “وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين”. (الذاريات: 55).

الموقف الأول: وجوب الرضا بمراد الله عز وجل وقضائه.

وباء “كورونا” مراد من مراد الله عز وجل، وقضاء من قضائه كما تقدم بيانه، وعلى المؤمن أن يرضى بهذا، وأن يعلم أنه لا مرد له، ففي صحيح مسلم: قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: “يا محمد !إني إذا قضيت قضاء؛ فإنه لا يرد”.[1]

المزيد من المشاركات
1 من 44

والرضا بهذا يندرج إجمالا في ركن من أركان الإيمان، المعلوم من الدين بالضرورة، وهو: الإيمان بالقدر خيره وشره، كما ورد ذلك في حديث جبريل المشهور. وقال ابن أبي زيد القيرواني رحمه الله تعالى، في رسالته، في سياق حديثه عما يجب على المكلف اعتقاده: “والإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، وكل ذلك قد قدره الله ربنا، ومقادير الأمور بيده، ومصدرها عن قضائه، علم كل شيء قبل كونه، فجرى على قدره”.[2] قال أبو الحسن في شرحه: “والحاصل: أنه يجب التصديق بعموم إرادة الله تعالى بجميع الممكنات، خيرا كانت، أو شرا، حلوا، أو مرا”.[3]

ووجوب الإيمان بهذا، يقتضي من المؤمن: الصبر والاحتساب، كما قال صلى الله عليه وسلم: “عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيرا له”.[4]

الموقف الثاني: وجوب المبادرة إلى التوبة، وتجديدها.

مطلوب من المؤمن أن يجدد توبته إلى الله سبحانه وتعالى في كل وقت وحين، وإن لم يكن قد تلبس بذنب، فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم قد قال عن نفسه كما في مسند الإمام أحمد: “إني لأتوب إلى الله عز وجل في كل يوم مائة مرة “.[5] وفي رواية كما في صحيح ابن خزيمة: “إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة”.[6]

وقال ابن جزي رحمه الله تعالى في قوانينه: “وهي ـ أي: التوبة ـ واجبة على كل مكلف في كل حين، وهي: أول مقامات السالكين”.[7]

ويتأكد الأمر بتجديد التوبة والمبادرة إليها، إذا وجد ما يشعر باقتراف ذنب من الذنوب، أو معصية من المعاصي. وإن ظهور وباء “كورونا” لمشعر بهذا أيما إشعار، فقد وردت أحاديث كثيرة مشعرة بهذا منذرة. من ذلك:

1 ـ ما أخرجه الإمام مالك رحمه الله تعالى في موطئه: “عن يحيى بن سعيد: أنه بلغه عن عبد الله بن عباس، رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: …ولا فشا الزنا في قوم قط، إلا كثر فيهم الموت…”. ومن أسباب كثرة الموت؛ ظهور الأوبئة، والأمراض. وهذا الحديث وإن كان موقوفا، فهو مرفوع حكما؛ لأنه لا يقال بالرأي، وقد روي مرفوعا أيضا. قال أبو عمر في التمهيد: “وهذا حديث قد رويناه متصلا عن ابن عباس، ومثله ـ والله أعلم ـ لا يكون رأيا أبدا”.[8]

قال القنازعي في تفسير الموطأ: “ففي هذا بيان: أن المعاصي إذا فشت في الناس فلم تغير، كان لكل صنف منها عقوبة يعاقب بها كل من فشت فيما بينهم إذا لم يغيروها…فتكون عقوبة للظالم، وكفارة لغيره، وإذا عملت المعاصي سرا، لم تضر إلا أصحابها”.[9]

2 ـ ما رواه ابن ماجه: عن عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما، قال: أقبل علينا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: “يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون، والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا…”.[10]

وفي القرآن الكريم، آيات كثيرة تدل على أن المعاصي سبب لابتلاء الناس بأنواع كثيرة من البلايا والمحن، أشار إلى مجموعة منها ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: “ولو ان أهل القرى آمنوا، واتقوا، لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض، ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون…”. (الأعراف:96) وقد عقب عليها بقوله: “…إلى غير ذلك من الآيات الدالة على حلول نقمه بأعدائه، وحصول نعمه لأوليائه”.[11]

الموقف الثالث: وجوب الأخذ بالأسباب لرفع هذا الوباء.

إذا كان المؤمن يرضى بمراد الله عز وجل وقضائه، ويعترف بذنوبه وخطاياه لربه وخالقه، ويتقرب إليه سبحانه وتعالى بإنابته وتوبته، فإنه مأمور أيضا بالقيام بأمور جعلها ربنا سبحانه وتعالى أسبابا لرفع ما نزل، سواء أكانت مادية، أو معنوية. ومن الأمور التي يجب القيام بها لعل الله سبحانه وتعالى يحفظنا، ويرفع عنا ما حل بنا:

أولا: لزوم البيت، والتقليل من مخالطة الناس خوف انتشار الوباء، وهذا عمل أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير ما حديث، وقد أكد جميع الأطباء والخبراء في زماننا اليوم: أن ما يسمى الآن بالحجر الصحي، أو العزل الصحي، أو التباعد الاجتماعي، هو الوسيلة الأولى في الحد من انتشار الوباء. ومن الأحاديث الواردة في هذا:

ـ الحديث الذي تقدم ذكره في الباقة الأولى في الحقيقة الثالثة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: “…فليس من عبد يقع الطاعون، فيمكث في بلده صابرا، يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد”.[12] وفي رواية عند الإمام أحمد: “في بيته”.[13]

ـ ما رواه الإمام مسلم، وهو قوله صلى الله عليه وسلم للرجل المجذوم، وأرسل إليه بذلك: “إنا قد بايعناك فارجع”.[14]

ـ الحديث الذي رواه مالك وغيره، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: “إذا سمعتم به ـ أي: بالطاعون ـ بأرض، فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارا منه”.[15]

فبهذا الحديث، أخذ سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه، عندما كان خارجا إلى الشام، فلقيه أمراء الأجناد، وأخبروه بأن الوباء قد ظهر بأرض الشام. وقد قال كلمته المشهورة بعدما اعترض عليه أبو عبيدة؛ كونه يفر من قدر الله: “نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله”.[16]

قال الإمام أبو عبد الله القرطبي في أحكام القرآن، بعد أن أورد قول عمر هذا: “المعنى: أي: لا محيص للإنسان عما قدره الله له وعليه، لكن أمرنا الله تعالى بالتحرز من المخاوف والمهلكات، وباستفراغ الوسع في التوقي من المكروهات”.[17]

وقال الإمام أبو العباس القرطبي في المفهم: “ثم المقصر في ذلك ـ أي: في التوقي من المكروهات ـ ملوم عادة وشرعا، ومنسوب إلى التفريط عقلا وسمعا، وإن زعم أنه المتوكل على الله، المسلم لأمر الله”.[18]

ومن الأحاديث الدالة على اتخاذ الأسباب حذرا من انتقال الوباء، ما رواه الإمام مسلم في صحيحه أيضا، وهو: قوله صلى الله عليه وسلم: “لا يورد مُمرض على مُصح”.[19]

قال الإمام النووي: “قال العلماء: الممرض؛ صاحب الإبل المراض، والمصح؛ صاحب الإبل الصحاح، فمعنى الحديث: لا يورد صاحب الإبل المراض إبله على إبل صاحب الإبل الصحاح؛ لأنه ربما أصابها المرض بفعل الله تعالى وقدره الذى أجرى به العادة، لا بطبعها، فيحصل لصاحبها ضرر بمرضها، وربما حصل له ضرر أعظم من ذلك باعتقاد العدوى بطبعها فيكفر والله أعلم”.[20]

ولا تعارض بين هذا الحديث، والحديث المشهور الذي ينفي انتقال العدوى، وهو قوله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم وغيره: “لا عدوى ولا طيرة، ولا صفر ولا هامة”.[21] فقد جمع العلماء بينهما، وحملوا حديث: “لا عدوى” على ما كانت الجاهلية تزعمه وتعتقده، وهو: أن المرض والعاهة تعدي بطبعها لا بفعل الله تعالى. وحملوا حديث: “لا يورد ممرض على مصح” على الإرشاد ومجانبة ما يحصل به الضرر عادة بفعل الله تعالى وقدره.[22]

ثانيا: الدعاء. يشرع الدعاء في كل وقت وحين، ويستحب في أوقات خاصة، لأوجه كثيرة، منها الأوجه الأربعة التي ذكرها ابن جزي رحمه الله تعالى في قوانينه بقوله: “وينبغي ملازمته ـ أي: الدعاء ـ لأربعة أوجه؛ أحدها: الأمر به في الكتاب والسنة، الثاني: أنه سبب السعادة؛ لقوله جل وعز: “ولم أكن بدعائك رب شقيا”.(مريم: 3) الثالث: لرجاء الإجابة في المسؤول. الرابع: لإظهار ذلة افتقار العبودية، وعزة قدرة الربوبية”.[23]

فهذه الأوجه الأربعة كلها حاضرة في هذه الظرفية التي يعيشها اليوم العالم كله، فربنا سبحانه وتعالى أمرنا بدعائه أمرا غير مقيد بزمان ولا مكان، فقال تعالى: “ادعوني أستجب لكم”، (غافر:60) والناس اليوم وهم يعيشون في بيوتهم محجور عليهم حجرا صحيا، في حاجة أكثر من أي وقت آخر إلى ما يسعدهم ويفرحهم. وهم يعيشون أيضا كل يوم حالات من الهلع والخوف بسبب ما يصل إليهم من أخبار عن الوباء المنتشر، فهم يرجون من الله في كل وقت: أن يستجاب لهم في رفع هذا البلاء، وبالإضافة إلى هذا كله، فهم في حالة تقتضي إظهار ذلتهم وافتقارهم إلى الله عز وجل، وإبراز قدرة ربهم وخالقهم. فالعالم اليوم كله عاجز مفتقر، ولم يستطع أحد من الخبراء وغيرهم: أن يتنبأ بما سيؤول إليه هذا الوباء، ولذلك علينا نحن المؤمنين، في هذه الأيام الصعبة، أن نمتثل قول الله عز وجل: “ألا له الخلق والامر، تبارك الله رب العالمين، ادعوا ربكم تضرعا وخفية، إنه لا يحب المعتدين”. (الأعراف: 54) وعلينا ونحن ندعوه عز وجل متضرعين منفردين؛ أن نتوسل إليه بصالح الأعمال، لعله عز وجل يعجل بالفرج، فحالنا ليس أسوأ من حال الرهط الثلاثة الذين دخلوا الغار، فانطبق عليهم بابه بصخرة عظيمة، وقالوا بلسان واحد: “إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة، إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم”.[24] فدعا كل واحد منهم بصالح عمله قائلا: “اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت”.[25]

قال ابن حجر رحمه الله تعالى: “وفي هذا الحديث؛ استحباب الدعاء في الكرب، والتقرب إلى الله تعالى بذكر صالح العمل”.[26]

وفي هذا الحديث أيضا، إشارة لطيفة إلى وجوب توجه جميع الصالحين بالدعاء، فالصخرة لم ترفع عن باب الغار كليا، إلا بعد أن دعا الثلاثة كلهم.

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم، الأسوة الحسنة، فقد كان عليه الصلاة والسلام يتوجه إلى ربه بالدعاء برفع الكرب والوباء، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو عند الكرب يقول: “لا إله إلا هو العظيم الحليم، لا إله إلا هو رب السماوات والارض ورب العرش العظيم”.[27] وعندما هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ووجدها كما قالت أمنا عائشة رضي الله تعالى عنها: “أوبأ أرض الله”، ووعك صحابته رضي الله تعالى عنهم أجمعين، منهم: أبو بكر، وبلال، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:

كل امرئ مصبح في أهله … والموت أدنى من شراك نعله

حينها قال صلى الله عليه وسلم: “اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد، وانقل حماها إلى الجحفة”. (صحيح البخاري، باب الدعاء برفع الوباء والوجع”.

فاللهم إننا نتقرب إليك بما تعلمه من صالح أعمالنا، أن ترفع عنا ما حل بنا من البلاء، وأن تجعله لنا رحمة وشهادة وتكفيرا لذنوبنا، وسيآتنا، وخطايانا، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير، فأنت نعم المولى ونعم النصير، آمين والحمد لله رب العالمين.

كتبه عبد ربه: إدريس يعكوبي، صباح يوم الاثنين 19 شعبان 1441هـ /13 أبريل 2020م.


[1] ـ كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض. رقم: 2890.

[2] ـ حاشية العدوي: 01/56.

[3] ـ نفسه.

[4] ـ صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير. رقم: 2999.

[5] ـ الإمام أحمد في مسنده.

[6] ـ ابن خزيمة في صحيحه، رقم: 925.

[7] ـ القوانين الفقهية: 362.

[8] ـ التمهيد: 23/430.

[9] تفسير الموطأ: 592.

[10] ـ باب العقوبات، رقم: 4019.

[11] ـ تفسير القرآن العظيم: 02/225.

[12] ـ صحيح البخاري، كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون، رقم: 5731 ـ 5732.

[13] ـ مسند الإمام أحمد، رقم: 26139.

[14] ـ صحيح مسلم، كتاب السلام، باب اجتناب المجذوم ونحوه.

[15] ـ الموطأ/ كتاب الجامع، باب السلام.

[16] ـ نفسه.

[17] ـ الجامع لأحكام القرآن: 03/212.

[18] ـ المفهم: 05/618.

[19] ـ صحيح مسلم، كتاب السلام، باب لا عدوى ولا طيرة…

[20] ـ شرح صحيح مسلم: 14/181.

[21] ـ صحيح مسلم، كتاب السلام، باب لا عدوى ولا طيرة…

[22] ـ شرح صحيح مسلم: 14/178.

[23] ـ القوانين الفقهية: 364-365.

[24] ـ صحيح البخاري، كتاب الإجارة، باب  من استأجر أجيرا فترك أجره…رقم: 2272.

[25] ـ نفسه.

[26] ـ فتح الباري: 06/632.

[27] ـ صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء عند الكرب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.