منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قيل لها ادخلي.. (قصة قصيرة)

قيل لها ادخلي..(قصة قصيرة) / ذ. رضا نازه

1

“قيل لها ادخلي..”

ذ. رضا نازه

ربما ودَّتْ ريبيكا يومها لو غيرت هيئة الروم البيضاء لحد الاصفرار، وخصلات الشعر الملتهبة المتمردة على كل خمار، لكن لون عينيها الباذخ سيفشل حتما كل ترتيب. كانت الخطة أن ترتدي هي وصديقتها سبأ جلبابين في غير أناقة وتضعا خمارين كيفما اتفق ودون توضيب، مثل امرأتين من أقارب البادية رافقتا هدى لزيارة أبيها. لكن ما إن تم التنكر حتى انكشف. حدقت هدى طويلا في ريبيكا. كانت نظرة متحسرة تقول لها وددت لو تدخلين لكن ستنكشف الخطة ونُحرمُ جميعا. لو أن عينيك خضراوان كخضرة عيون بعض قبائلنا لهان الأمر، لكنهما زرقاوان زرقة بر آخر وسماء أخرى في يوم صحو ساطع من أيام الشتاء. “عذرا ريبيكا.. لا يمكن..” تنبهت هُدى إلى أن اسم مخاطبتها لم يعد ريبيكا منذ اعتناقها الإسلام، فاستدركت:” عفوا حبيبتي ربيعة.. الإجراءات مشددة وزيارة أبي تلفها المصاعب والعراقيل الإدارية، وتسنح بالكاد للأقارب، فما بالكِ بامرأة أجنبية ستحوم حولها شبهة التجسس والتلصص على أحوال السجون..عفوا ربيعة حبيبتي..”

رقَّت ريبيكا لسماع اسمها العربي فامتزج الفرح به بحزن تلميذة نودي عليها في نهاية السنة لكن ليقال لها لن تدخلي القسم الموالي. فجأة تغير يومها الصحو واحتجبت سماء عينيها خلف غيوم من دمع الحرمان الحار. طفقت هدى تواسيها. نعم لن تستطيعي أن تكوني جزءا من الخطة. لن تستطيعي الدخول، لكنك أنتِ من سييسره. ذكرتها بحديث رسول صلى الله عليه وسلم:ّ”َ إن أَقْوَامَاً خلْفَنَا بالمدِينةِ مَا سَلَكْنَا شِعْباً وَلاَ وَادِياً إِلاَّ وَهُمْ مَعَنَا، حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ” أنتِ منهم. أنت في المدينة ولو جئتِ من أقصى المدينة. سترافقيننا بدعائك ووِردِ ذكرك ليسهل الدخول على جناح شوقك الممنوع. الشوق الممنوع يقطع المسافات ويكسر الجدران والأغلال أكثر من الشوق المتاح المسموح. تيقني أن ما أتيتِ لأجله قد نالك قبل أن تناليه. ووصية شيخك المرابط بالتماس بركة الشيخ المجاهد برزت إليك بدل قبل أن تدخلي إليها.. هل فهمت؟ هل فهمت حبيبتي..”

كفكفت ربيعة دمعا كان حارا فأحست كأن كلام هدى أبردَه، وعادت سماء عينيها للظهور زرقاء زرقة كوارتزية صافية..

انطلقت هدى وسبأ نحو باب السجن بعد أن خلفتا ربيعة تدير مسبحتها وتجتهد في وردها المتعدي. سبأ مواطنة ريبيكا لكنها ذات هيئة أندلسية قيسية وعيناها حَبَّتَا قهوة يمنية. يوم أسلمت استخارت الله في أن يسميها القرآن، فتحت دفته تلقائيا فإذا هي عند سورة سبأ، فتسمَّت سبأ دو تردد. مضت فرحة كأنها لن تدخل سجنا بل صرحا ممردا من قوارير يرافقها إليه هدهد سليمان. تنبهت هدى لحماستها الزائدة. أوقفتها في منتصف الطريق برهة حتى تعود لهدوء حقيقي من المفروض أن يكون حال امرأة من العائلة البعيدة جاءت منكسرة واصلة للرحم مع ابن عم سجين لأمر لا تدري هل هو هين أم عظيم. كان على سبأ أن تنذر للرحمن صوما فلا تكلم إنسيا. كان عليها أن تصير خرساء صماء متبذلة في جلبابها لا تفقه قولا كي تعبر السد إلى الشيخ السجين..

السد بوابة سجن حديدية قاسية سميكة تشحن الزائر بشحنة الاضطرار للانتظار حتى يحين دوره. حتى تنفتح خوخته ويخرج الحارس ليجد يد هُدى مشتبكة بيد سبأ. أدلت هدى ببطاقتها للحارس، وحين التفت إلى رفيقتها بادرت هدى ونطقت بحزم زائد ونظرة ثابتة قوية أذهلته بمفعول المباغتة: ”إنها من بني العمومة من البادية ولم تستصدر بعد بطاقة التعريف..” حدق الحارس في وجه سبأ وسألها عن اسمها. فاختطفت هدى الكلمة من جديد وقالت تسابق فضوله وإلحاحه:” سيدي.. هي اسمها الزاهية .. واعذرها فإنها خلقةً صماء بكماء” نظر الحارس مستسلما إلى “الزاهية الزنزونة” المسكينة وفي نظرته شيء من تعجب وحسرة اختلست منه يقظة الحراس وسوء ظنهم الدائم في كل مَن يقف أمامهم. “طيب، هيا، هيا يمكنكما العبور..” سلكتا كأن حقلا مغناطيسيا اجتذبهما وأبعد سمعهما عن صلصلة المفاتيح المعلقة في خصره..
تقدمتا نحو قبو الزيارة. كانت سبأ مهتزة مكهربة بالفرح عير عابئة بتنبيه هدى لها. المشتاق المحب لا يحسن الطاعة والانصياع. وكأنما أفاق الحارس من نومته المغناطيسية فاقتفى أثرهما يريد أن يقطع للتعجب حبله السُّرِّي. دخل الحاجز بين الزائرين والسجناء. تولى إزاحة الستار. فبدا الشيخ السجين من وراء القضبان ووجهه يبرق ببريق الخلوة مع الله وسط قسوة السجن وفظاظة عُمّاره وعنف قولهم وبذاءة ألفاظهم. نسيت سبأ نفسها وذهلت عن كل شيء وبلكنة أجنبية بادية صرخت ومدت صوتها مثل مجذوب طرقه الحال: ” اللــــــه أكبــــــر” التفت الحارس فاغرا فاه جاحظةً عيناه. نطقت البكماء وأبانت العجماء. تمتم “شايلاه.. شايلاه..” وتنبهت سبأ لصياحها والتفتت إلى الحارس. لكن المسكين كان يراوح نظره بينها وبين وجه الرجل المهيب. ظن الأمر كرامة وشفاءً برؤية الصالحين، وأحست سبأ أن الخطة لم تكن خطة ولا تزييفا. إنها الحقيقة. كأنها تنطق أول مرة وتقول شيئا ذا معنى حقيقي. كأنها فعلا كانت صماء بكماء عمياء.

كأنْ لا بد للقول الصادق من شحنة صدق في حضرة رجل صادق يملأه ويؤثثه. لا بد.. لا بد.. وإلا فجل كلام الناس إشارات صم بكم يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الروح وحياتها غافلون..

تمتمت رغم نظر الحارس المشدوه:

– كيف ولماذا أنت هنا يا سيدي؟ هذا المكان ليس لك..

صمت الشيخ قليلا ثم قال:

– كان بعض الصالحين يدخلون السوق لذكر الله والقيام بوردهم فيه عوض المساجد والخلوات.. في ذلك طعم خاصٌّ للذكر وسط الغافلين المنشغلين بدنياهم .. وفي ذلك رجاء لعل نصيبا من الذكر يصلهم وينفعهم..

تعجبت كيف لم يحدثها عن العزائم العظمى، ولا عن الجهر بالحق الذي أدى ثمنه، بل حدثها عن صغار النيات قبل كبارها وهي لا تنقصه. فوجدت نفسها تسأله:

– لكن يا سيدي.. هذا ليس سوقا.. هذا سجن .. هذا مكان اللصوص..

تبسم قائلا:

– ألا يقولون “من اللصوصية إلى الخصوصية”؟ من يدري.. ثم إنه فعلا مكان اللصوص.. صغار اللصوص فقط..

التفتت سبأ لابنته هدى. كانت شاردة عن أبيها تنظر تارة في ملتقى القضبان بالسقف وتارة في باقي السجناء وتارة في الزوار. همت أن تقول لها اغتنمي زيارة أبيك!

ما إن همت بذلك حتى بدا لها كأن هدى صارت على صورة أبيها. كأنها هو. كأنه هنا وهناك. أمام القضبان وخلفها. حرا سجينا، سجينا حرا. هو من أتى يرافقها من الخارج لتزوره هو ذاتَه بالداخل. تأملتهما هنيهة حائرة، ثم هدأت ثم عادت لصومها عن الكلام..

خرساء كما دخلت،

صماء عن هذيان الكائنات..

تعليق 1
  1. الحسن يقول

    حفظك الله و جعل التوفيق مصاحبك اينما حللت .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.