منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مدى صحة حديث نبوي شريف “من قرأ ليلة الجمعة آخر آيتين من سورة الجاثية وأهدى ثوابها إلى والديه فقد أدى حقهما”

الشيخ عبد الله بنطاهر السوسي التناني

0

مدى صحة حديث نبوي شريف

“من قرأ ليلة الجمعة آخر آيتين من سورة الجاثية وأهدى ثوابها إلى والديه فقد أدى حقهما”

الشيخ عبد الله بنطاهر السوسي التناني

 

*مدى صحة حديث نبوي شريف* هناك حديث وارد في فضل قراءة الآيتين الأخيرتين من سورة الجاثية ليلة الجمعة ونصه:

“من قرأ ليلة الجمعة آخر آيتين من سورة الجاثية وأهدى ثوابها إلى والديه فقد أدى حقهما”

الجواب والله الموفق للصواب:

أولا: المراد بالآيتين الأخيرتين من سورة الجاثية هو قول الله تعالى: {فَلِلَّهِ ٱلۡحَمۡدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلۡأَرۡضِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ وَلَهُ ‌ٱلۡكِبۡرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ}(2).

ثانيا: يجب أن نعلم أن الكذب على رسول اللهﷺ حرام لا يجوز ولو حقق منفعة مَّا؛ بل هو من كبائر الذنوب؛ يقولﷺ في الحديث الصحيح: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»(3).

• ثالثا: من القواعد المعروفة عند علماء الحديث أن من علامات وضع الحديث ومن قرائن كذبه؛ قاعدة: (الإفراط ‌بالوعيد الشديد على الأمر الصغير، أو الوعد العظيم على العمل اليسير)(4)؛ وهذا كثير وموجود في كلام القصاص (الحلايقية)؛ فهم مولعون بوضع أخبار من هذا النوع يستميلون بها قلوب العوام إليهم(5)؛ ومن المعلوم أن حقوق الوالدين أمر عظيم؛ يكفي أن الله تعالى قرن بين عبادته وطاعتهما وبين شكره وشكرهما؛ فقال سبحانه: {وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا}(6)، وقال تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًا}(7)، وقال تعالى: {أَنِ ‌ٱشۡكُرۡ ‌لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ}(8)؛ ولا ريب أن القرآن الكريم كله عظيم؛ ولكن كيف يؤدي فعل يسير من إنسان بقراءة آيتين في ثوان معدودة حقوق الوالدين؟!

فلو أخذ الناس بهذا الحديث لأدى إلى تضييع حقوق الوالدين؛ إذ يكفي أيَّ ولد قراءةُ الآيتين ليلة الجمعة لتذهب طاعة والديه هباء منثورا.

رابعا: من الأبواب التي كثرت فيها الأحاديث الموضوعة والمكذوبة على رسول اللهﷺ؛ “فضائل سور القرآن الكريم”؛ فقد وضع الوضاعون في فضل كل سورة أحاديث لا أصل لها؛ ومنهم من فعل ذلك بحسن النية لكي يحبب للناس القرآن الكريم احتسابا؛ أي: يحتسب بها الأجر عند الله حين ينتفع الناس بها؛ وإنما هي إثم كبير ولا منافع للناس فيها؛ فكان كما يقال اليوم: “الغاية تبرر الوسيلة”؛ وهو غير صحيح؛ فلا يجوز التوصل لغاية نبيلة بوسيلة قبيحة، كما لا يجوز التوصل لغاية قبيحة بوسيلة نبيلة؛ فيجب أن يكون كلتا الوسيلة والغاية نبيلتين.

خامسا: من المعروفين بوضع أحاديث فضائل السور:

– أبو ‌عصمة ‌نوح بن أبي مريم القاضي؛ كان إماما جليلا؛ إلا أنه مقدوح فيه عند المحدثين متهم بوضع الحديث(9)؛ قيل له: “من أين لك عن عكرمة، عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة؟ فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذه الأحاديث حسبة …”(10).

– منهم أيضا: ميسرة بن عبد ربه؛ كان زاهدا جليلا هجر شهوات الدنيا، ومع ذلك كان يضع الحديث ويكذب على رسول اللهﷺ؛ قال له: من أين جئت بهذه الأحاديث، من قرأ من سور القرآن كذا فله كذا؟ قال: وضعتها ‌أرغب ‌الناس ‌فيها(11)؛

سادسا: ليس كل ما ورد من الأحاديث في فضائل السور موضوعة؛ بل قد ورد في ذلك أحاديث؛ بعضها صحيح، وبعضها حسن، وبعضها ضعيف ليس بموضوع؛ منها: الفاتحة، والبقرة، وآل عمران، والأنعام، والسبع الطوال مجملا، والكهف، ويس، والدخان، والملك، والزلزلة، والنصر، والكافرون، والإخلاص، والمعوذتان؛ قال السيوطي: “وما عداها لم يصح فيها شيء” وذكر أنه ألف فيها كتابا بعنوان: “خمائل الزهر في فضائل السور”(12).

الخلاصة: لم أجد في فضل سورة الجاثية أو في فضل آية منها حديثا صحيحا ولا حسنا، ولا حتى ضعيفا؛ والحديث المذكور: (من قرأ ليلة الجمعة آخر آيتين من سورة الجاثية وأهدى ثوابها إلى والديه فقد أدى حقهما) لم أجد له أصلا ولا سندا في كتب السنة المعتمدة، وعلامة الوضع والكذب فيها واضحة؛ وإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز تداوله أو نشره إلا للتنبيه على وضعه وكذبه؛ لأن الكذب على رسول اللهﷺ من الكبائر، ولا يجوز أن يُنسب إليه حديث موضوع حتى ولو كان في فضائل الأعمال، وفي الصحيح ما يغني عن الموضوع؛ فيجب على من يستدل بهذا الحديث وينشره أن يذكر لنا سنده ومَنْ رواه وفي أي كتاب جاءت روايته من كتب الحديث المعتمدة.
والله أعلم وهو سبحانه الموفق للصواب


الهامــــــــــــش:

(1) هو: أبو بكر العطاس بن عبد الله الحبشي اليمني الحضرمي استوطن مكة فأمضى وقته في التعليم والإرشاد وتربية الأجيال في منزله إلى توفي، ودفن بمقبلاة “المعلاة”(سنة 1416ه).
(2) سورة الجاثية: (الآية: 35 و36).
(3) صحيح البخاري: كتاب العلم: باب إثم من كذب على النبيﷺ: (ح:110)، وصحيج مسلم: المقدمة: باب تغليظ الكذب على رسول اللهﷺ: (ح:3).
(4) تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي للسيوطي (1/326).
(5) علوم الحديث ومصطلحه لصبحي الصالح: (1/265).
(6) سورة النساء: (الآية: 36).
(7) سورة الإسراء: (الآية: 23).
(8) سورة لقمان: (الآية: 13).
(9) ‌هو نوح بن أبي مريم، عالم أهل مرو، يقال له: “نوح الجامع”؛ لأنه جمع بين الفقه والحديث والتفسير والمغازي، ولي قضاء “مرو” في خلافة المنصور. كتاب المجروحين لابن حبان: (3/48) والميزان للذهبي: (4/279).
(10) مقدمة ابن الصلاح بتحقيق نور الدين عتر: (ص100).
(11) كتاب المجروحين لابن حبان: (1/65) و(2/345)، وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي للسيوطي: (1/333).
(12) تدريب الراوي للسيوطي: (1/341 و342)، ومنهج النقد في علوم الحديث لنور الدين عتر: (ص310 و311).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.