منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

شيرين أبو عاقلة والحروب المسعرة

شيرين أبو عاقلة والحروب المسعرة/ المهدي اليونسي

0

شيرين أبو عاقلة والحروب المسعرة

المهدي اليونسي

 

لازال سلاح الغدر الصهيوني يحتف الأنفس على اختلافها صغارا وكبارا، ذكرانا وإناثا، مقاومين وعزلا، صحافيين وغيرهم، وكان آخر  ضحاياه وليس أخيرا، الصحفية المقتدرة شرين أبو عقلة رحمها الله، وما إن سقطت جثة هامدة وغطت صورها العالم الواقعي والافتراضي، وحازت تعاطفا قل نظيره، وعرى سوءة الاحتلال الصهيوني وأسقط ادعاءه بكونه يملك جيشا يعتبر الأنظف أخلاقيا في الشرق الأوسط، طبعا لمن لا يريد أن يفهم أن وحشية هذا الجيش لم يسجل لها التاريخ ذكرا.. إلا وانبرى لهذا التعاطف “بائعو صكوك الغفران” و” الناطقون الرسميون عن الله تعالى” يناقشون توافه، ويشعلون حروبا وطيسة بسبب قضية خلافية تستوجب رحمة قلبية وحكمة عقلية بلا إنكار ولا تكفير، ولربما كان مداد كتابتها ولحن قولها أغلى منها بكثير، وتراهم يدافعون عن الإسلام دفاعا مستميثا يُخيل إليك أن تلك الفروع الخلافية المدافعون عنها هي من ستقضي على الاسلام لا محالة، وينسون أنهم بذلك يقدمون خدمة مجانية لأعداء الله يمتصون منها نَفَسا يسترون بها ورطتهم.

قُتلت شيرين وانبرى البعض من كل حدب وصوب لمنع الترحم عليها جاعلين ذلك كبيرة من الكبائر  وقاصمة من قواصم ظهر  الإسلام، لا يُقدّرون للفقيدة عملها الصحافي المقتدر وتاريخها الوضاء في نشر  وفضح مذابح الاحتلال الصهيوني، ولا يُقدرون للموت جلالته وهيبته ولا للاستثناء وجاهته، ولا يستحضرون آراء فقهية لعلماء معتبرين أباحوا الترحم بشروط وضوابط تقي من الوقوع في المحظور، وتضمن التواصل مع الأغيار ومد الجسور، ولا يعلمون أن الاستدراك على الله قلة أدب معه سبحانه، ويتنافى مع عظمة الله وجلاله، فهل قولي “يرحمها الله” فرض مني على الله تعالى رحمتها؟؟!! ” أستغفر الله”، ولو أراد الله تعالى أن يرحم شيرين، هل يستشير مع أحد في ذلك؟!!  ” أستغفر الله”..

إن المستدلين بقوله تعالى: ( مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوٓاْ أُوْلِى قُرْبَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ) [ التوبة 113]،  لا يسلم لهم الدليل، فالآية جاءت بصيغة النفي لأمر  مضى، ومعلوم أن الآية نزلت في أبي طالب خاصة، وذهب قوم إلى أنها منسوخة، وعلى اعتبار  أن صحيحة في الاستدلال، فسياق الآية أبعد عن شرين أبي عقلة، فالاستغفار  ليس هو الترحم، وشيرين مسيحية وليست مشركة، وصحيح أن الاستغفار  لمن مات مشركا ليس شرعا، لأنه أفضى إلى حيث الحساب لا العمل، لكن لا أحد منا يعرف أو  تبين له أنها من أصحاب الجحيم، والله تعالى  حسم أمر  الشرك في عدم قبوله، ولكنه يغفر ما دون  ذلك لمن شاء، ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [النساء 116]  فرحمة الله تعالى لم يُنزل منها الى الدنيا إلا عشُرها، وأبقى سبحانه تسعا من عشرة في السماء ليستعملها عز وجل حيث يشاء لمن لم يشرك به، فهل تُعجز  الله رحمة عبد أو  أمة دافعوا بدمائهم عن مقدسات المسلمين جميعهم، وقد يكون من رحمة الله لها أن اصطفاها لتعيش في أرض الرباط..

إن قدسية روح الإنسان عند الله تعالى لهي أقدس من الكعبة، ولن تجد في كتب الله المنزلة، ولا  في قوانين البشر الوضعية ما يدلل على سفك الدماء بدون حق شرعي، وإن الظلم رديف الشرك، لا يحبهما الله معا، ولا يرضاهما لعباده، وإن يد الصهاينة المشركة الظالمة جمعت الشر  كله في إفساد الحرث والنسل وقتل العباد والبلاد، فهل تساوي يا هذا، الضحية التي ماتت ظلما وعدوانا، بالقاتل ظلما وعدونا؟؟!! ما لكم كيف تحكمون؟

إن العقلية  الحرفية عادة ما يروضها التزويق الشيطاني، ويزج بها في معارك هامشية فرعية، تفث في عضد العقلية الجماعية الاستراتيجية، ويعرقل سيرها وهي تتغي الأفق البعيد  في  صراع المستكبرين، فالإلهاء عملية شيطانية بامتياز  تتلبس بلبوس الحق أحيانا، فيحسبه الساذج الضمآن فروسية تسيح به لتسقطه تحت حوافرها..

إن الخروج من المآزق الفروعية للفقه في زماننا هذا، واجب حتمي في زمن التكالب على الإسلام حتى من أقاربه وأهله، لنتألف الفضلاء من جميع الديانات والجنسيات والمشارب الإيديولوجية والسياسية ونضعهم في دوائر القرب، لنزكي المدافع عن الإسلام ونضعه في الدائرة الأولى كما وضع النبي ﷺ  النجاشي في دائرة القرب منه، وننزع فتيل اللسان  المسيئ للإسلام، فيكفينا أحيانا سكوت المسيئ لنربح مواقفه وفي نفس الوقت تكون يدنا موضوعة على زناد الدعوة له بالتي هي أحسن والرفق واللين، نستدرجه إلى دين الله..

وإذ نعجب من هذه المحدثات الصارخات، نتعجب في نفس الوقت من السكوت المخرص المغرض لهؤلاء، وهم يرون حكامهم يفرشون السجاد الأحمر  للقتلة الصهاينة ويعانقونهم بالأحضان، في أخزى موقف قد تراه الأعين، والدم الفلسطيني في طراوته لازال مضرجا بحمرته على الأرض، فمن الأولى بالنقاش والتحرير والتحقيق، أهذه الكبائر العظام، أم الترحم على شيرين؟؟!

أليس من العدل أن تصطف الألسن، وتَكُون هناك جبهة للعلماء والدعاة، تقف في وجه العسف الفرعوني للحكام، الذين طوعوا الدعوة وأحلوا قومها دار البوار، فسار  كثير  من الدعاة والعلماء يزينون للسلاطين أعمالهم فصدوا عن سبيل الله وظلوا وأظلوا؟؟

وأكيد أنه لو  صدقت للعلماء نياتهم ونطقت بالحق ألسنتهم ، لكانت شعوبهم تفديهم بالغالي والنفيس، ولعرفت العامة الأصول من الفروع، ولسكتت عند نطق العلماء،، لكن ماذا لو كان بعض العلماء خُرّسا عن الحق، شذاذا في الآفاق، مثيري حروب فقهية الرابح فيها خاسر ، والخاسر فيها منهزم، والعدو الصهيوني مندهش من هرولة خائنة مطبعة من حكام الذل والهزيمة..

رحم الله شيرين، ورحم الله كل فلسطيني كتب بدمه حرفا من أحرف فلسطين، وكان دمه المهدور غيلة حجة على خلق الله أجمعين .. ولا نامت أعين الجبناء..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.