منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تشيخ الصحيفة

تشيخ الصحيفة / شعيب عاهدي

0

تشيخ الصحيفة

بقلم: شعيب عاهدي

لقد أثار انتباهي تكلم بعض الناس في علوم جليلة من غير فهم أو صنعة، ركبوا فيها المركب الصعب غير آبهين بالعواقب، من غير علم أو تجربة، ولا مجالسة لأهل الفن والصنعة والإختصاص، وهذا لعمري فيه تجاسُر كبير، وإنه لخطر عظيم على أصحابه، خاصة إذا تحدث هؤلاء في علوم شريفة جليلة، فأتوا فيها بالعجائب، وانتهوا فيها إلى الغرائب.

فأصبح هذا يطاول أكابر العلماء، كتفا بكتف، وأمسى الآخر يتجاسر على تقَحُّم عوالم التفسير و علوم الحديث، و سائر مختلف العلوم، بغير علم ولا هدى ولا فهم منير، إلا من بضاعة مزجاة، وكراريس حَضر نقلُها، وفُقِد نورها وبركتها.

ورحم الله تعالى ساداتنا العلماء أهل الله، الوقَّافين عند حدود الله، لا يتحدث أحدهم إلا بعلم، ولا يفتي للناس إلا بعلم وخشية من الله وورع.

المزيد من المشاركات
1 من 36

وقد نُقِلَ عن سيدنا علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أنَّه قال: ” وأبردها على الكبد إذا سُئل أحدكم عمَّا لا يعلم، أن يقول : الله أعلم”.

[تعظيم الفتيا لابن الجوزي/81].

و صدق من قال، من البليَّة تشيُّخ الصحيفة.

وفي هذا المعنى قال كمال الدين الشمني رحمه الله :

من يأخذ العلم عن شيخ مشافهةً * يكن من الزيف والتصحيف في حرمِ

ومن يكن آخذاً للعلم من صحف * فعلمه عند أهل العلم كالعدم.

وجاء عن الإمام الأوزاعي رحمه الله أنه قال: ” كان هذا العلم شيئاً شريفاً؛ إذ كان من أفواه الرجال يتلاقونه ويتذاكرونه، فلما صار في الكتب ذهب نوره وصار إلى غير أهله “.

وقال ابن القيم رحمه الله: “ما أكثر ما ينقل الناس المذاهب الباطلة عن العلماء بالأفهام القاصرة”.

[مدارج السالكين2/431].

وصدق من قال:

وكم من عائب قولاً صحيحاً *** وآفته من الفهم السقيم

وممَّا يحسن إيراده في هذا المقام ما قاله كلثوم العتابي رحمه الله حيث قال: ” لو سكت من لا يعلم لسقط الاختلاف “.
معجم الأدباء(5/19).

وقال حجة الإسلام الإمام أبوحامد الغزالي رحمه الله : ” لو سكت من لا يعرف قلَّ الاختلاف، ومن قصر باعه وضاق نظره عن كلام علماء الأمَّة والاطِّلاع عليه، فماله وللتكلُّم فيما لا يدريه، والدخول فيما لا يعنيه، وحق مثل هذا أن يلزم السكوت”.

[الحاوي للفتاوى2/116].

رزقنا الله حسن الأدب، كما كان ساداتنا العلماء، يعرفون حدود الله تعالى فلا يتقحَّمونها، خشية، وهيبة، وورعا.

وليتّقي الله هؤلاء في أنفسهم، وفي الناس، وفي أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أن يكونوا سدنة للفتنة، وأعلاما للبدعة لا قدر الله.

ورحم الله ساداتنا العلماء، لما جعلوا للعالِم آدابا، وللمُتعلِّم آدابا، فبارك الله علمهم، ونشر في الناس خيرهم وخبرهم، فهو صدقة جارية، وسنة متبعة، ونور تقتفي أثرهم أجيال متعاقبة من أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما شاء الله تعالى.

جعلنا الله مفاتيح للخير، مغاليق للشر، أعلام هدى، وحاملي بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم للعالمين .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.