منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مغامرة الكتابة في القصة القصيرة

مغامرة الكتابة في القصة القصيرة/ عبد الرحيم هريوي

0

مغامرة الكتابة في القصة القصيرة

بقلم: عبد الرحيم هريوي

 

الكتابة؛ هي بالفعل مغامرة ..!!  أم لأن عمق الكتابة بكل الوجع المصاحب لها نجح في القبض على ما هو جوهري في الميكانيزمات المحركة للأحداث والوقائع”. الكاتب عبد العزيز كوكاس

والكتابة الأدبية مغامرة مع اللغة في مختلف تركيباتها،ومع المادةالتخييلية أو الخيالية من أجل القبض على معنى مسبق أو محتمل
الناقد والمخرج السينمائي عبد الإله الجوهري

الكتابة هي مغامرة بالفعل عند كل من عايش طقوسها وسبر أغوارها العميقة ،وغاص في بحرها اللجي إذ أنها تحتاج لكل من يلج أجواء طقسها وأجوائها إلى استعداد نفسي وعقلي وذهني كي يستطيع مواجهة كل الطوارئ والغارات والنيران الصديقة ،ولا بد من الثقة الشخصية التي تعتبر من أهم المزايا لدى الكاتب في رفع راية التحدي ،في وجهه قصد عرض منتوجاته الجديدة التي تحمل جينات جديدة في عالمنا المألوف؛ أي في عالمي الكتابة والنشر..!

في البداية لا بد أن نكون صرحاء مع الذات والقارئ والواقع ،فالكتابة تعلمك أشياء كثيرة لا يمكن أن تلمسها في عالم القراءة ..الكتابة تنقلك مع مر الزمان ،ومن خلال الممارسة والاشتغال على أكثر من موضوع وقضية والكاتب يتحول فيما بعد في رحلة الكتابة من القارئ المتلقي للنصوص إلى المتأمل في كل شيء شئ في عالمه الذي يحيط به،فيصبح العالم في نظره ذاك الكتاب المفتوح الذي يحتاج منه المزيد من التأمل..لذلك ما تعلمه لنا الكتابة قد لا نجده البثة في القراءة ، لأنك حينما تكتب نصا من النصوص ويتم نشرها لم تبق ملكك بل ستصبح في ملك القارئ الذي اعتبره الجاحظ بطبعه عدوا والقارئ بطبعه يعشق ويمل وذلك لما يتصف به من خصوصيات شخصية وتوجهات فكرية وأيديولوجية وزوايا مختلفة ومتباينة تلك التي يرى من خلالها المقروء الذي بين يديه وصدق من قال “الشعر خيال وحس والكتابة عقل وحقيقة..!

الكتابة مغامرة بما تعنيه الكلمة من مدلول لفظي ومعنوي،وهي سلوك التحدي وركوب المجهول وقد تدخل في عالم التجربة المخالفة وغير العادية،لما تحمله للشخص أو المغامر نفسه من مخاطر نفسية وجسدية ومثلها مثل أي مغامرة في عالم الأدغال والجبال والبحار ونكون في عرضة دائمة للأخطار.. ولا بد من الشجاعة في المواجهة كي تستمر رحلة الكتابة التي لا ولن تنتهي أبدا من أجل الاستكشاف والبحث والتعرف على ما تحويه الطبيعة والحياة والواقع وسلوكيات البشر.

لذلك تبقى الكتابة مغامرة، لأن عالمها دائما في حاجة لأقلام متميزة ومنفردة ومتجددة، وتعطي المغاير والغير مألوف لدى القارئ والقارئة،ونكون دائما في مواجهة وتحد للقارئ والقارئة.. ولنا في الكتابة الروائية الكلاسيكية المغربية التي اعتمدت الواقعية والرومانسية في ستينيات القرن الماضي قبل أن تتحول لعالم التجرد وتبحث في مواضيع جديدة عن التاريخ والذات وتجد لها القارئ المغربي ،ويصبح للرواية المعاصرة المغربية نصوصها السردية بكل تلويناتها وتوجهاتها الفكرية والفلسفية، وصارت مفتوحة أمام الجميع..والرواية المعاصرة تعود بقوة كي تسرد أحداثا تاريخية ومجتمعية وقضايا تهم الإنسان المغربي في علاقته مع الذات والآخر في وقت ظلت مجموعة من الأقلام تنتقدها لطريقتها ومسالكها وأساليبها المتبعة والتي ما فتئت تحتاج لمواكبة الثقافة المجتمعية وما يعيشه العالم من مخاض وصراعات وتقلبات في مجالات عدة تتحكم فيه الثورة الرقمية والمعلوماتية..!

الكتابة أمست مغامرة، فقد لا يعرف معنى وعمق هذه العبارة إلا من وجد نفسه في يوم من الأيام يطرق باب عالم الكتابة و يتيه بين شعابها وأدغالها ،ولا بد من أن يكون مدججا بشتى أنواع من الأسلحة المتطورة التي يدافع بها على نفسه أولا ،في وسط عالم الصراعات والمواقع والغارات المفاجئة التي عادة ما يجهل تواجدها ونوع أسلحتها هي الأخرى ،لذلك يمكن أن نعتبر الكتابة مغامرة بالفعل نحو المجهول ،فكل شئ في عالمها ينبئ بالمفاجأة الغير المحمودة و الرادعة،لذلك ما على الكاتب إلا أن يتحلى بخصائص ذاتية ومعنوية تجعله يواجه كل العواصف العادية والمستحدثة،وتكون له الشجاعة في الاستمرار قدما رغم العراقيل والمتاريس التي تزيد من عزيمته وتقويه ولا تكسره..ففي الأدب العربي القديم كانت فئة خاصة هي التي تلج عالم الكتابة وتدوين النصوص وترعاها وتحافظ عليها في المدخرات ،لذلك لم يكن يلج عالم الكتابة إلا الفقهاء والعلماء والشعراء في زمن كان فيه تدوين الحرف يحتاج لمجهود نفسي وبدني إذ كان الاعتكاف في البيوت في ذاك الزمان القديم من تاريخ الأدب العربي من الضروريات لكتابة المعلقات كما قال عبد الفتاح كيليطو في كتابه الأدب والغرابة بأن مهمة جمع الحديث والشعر الجاهلي والأمثال والأخبار كان يقوم بها العلماء و يخصصون لها قسطا من حياتهم..! ،كما أن الكتابة في ذاك الزمان وقول الشعر له أوقات خاصة حتى قيل :
إن امرأ القيس ينشط لقول الشاعر إذا ما رَكِبَ،وزهير إذا رغب،والأعشى إذا طرب، والنابغة إذا رهب..!

لذلك تبقى الكتابة بشكل من الأشكال مغامرة في حد ذاتها،وعلى المغامر أن يتقبل كل ما يعترض سبيله من أجل تحقيق ذاته وفرض أسلوبه ونوع كتاباته،وأن لا يقلق ولا يهاب النقد كيفما كان نوعه،لأن الكاتب في زمانه الماضي كان لا بد له من أن يطرق باب الناشر والذي ما هو إلا قارئ متميز جدا للنصوص،إذ يشرحها تشريحا دقيقا كي يعرف إن كان بين ثنايا سطورها ما يجب تصحيحه وإعادة صياغته أو حذفه والتشطيب عليه،وها هنا نصل إلى باب الناشر كي نطرقه كي نتعرف عن العلاقة التواصلية التي تتم بين الكاتب والناشر،وما يقبله وما يرفضه من نصوص متنوعة،ولقد ظل الخوف والهلع يلازم الكاتب قبل أن يؤشر على نصوصه بأنها قابلة للنشر وتحمل من الإبداع الفني ما يجعلها في المستوى المطلوب لدى القارئ،سواء من حيث مواضيعها أو طريقة كتابتها وتحليلها وما تحمله من أفكار وآراء جديدة في سوق الكتاب..!
يقال بأن الكاتب الناجح هو المغامر الذي يريد أن يعطي الشئ الجديد من خلال إبداعاته الشخصية، وما يحمله خياله من تصورات وصور يجعلها حاضرة وناطقة في نصوصه،وليس الكاتب من يقلد ويعيد صياغة ما قرأه للآخرين بأسلوب جديد.. لذلك يقال بأن الكاتب الجيد هو كاتب مغامر يقدم نصوصه بطريقة فريدة من نوعها وبأسلوب جديد لا يخلو من لمسة في الإبداع والتجديد حسب ما يتم ترويجه من مواد أدبية وفنية في زمانه.. ويبقى الإبداع قمة من العطاء وبشكله العام هو سر من الأسرار الشخصية ولا يتأتي هكذا من فراغ بل هو زبدة زمان من الممارسة والعمل الجاد، ولكل ميدان من ميادين الحياة مبدعوه فهناك الأساتذة و المحامون والأطباء و النحاتون و الرسامون و الأدباء والإعلاميون والكتاب الحرفيون والمهنيون..!

-جميل أن تغامر كي تكتب ما دامت الكتابة هي مغامرة مثلها مثل الإنسان ،فلا أحد منا يشبه الآخر حتى ولو كان توأمه، وهنا تبدأ رحلة المغامرة في اكتشاف عوالم جديدة والبحث عن الذات وما دمنا في عالم المغامرة فلا نعني بها دخول الكهوف والمغارات وغابات الأمازون،فنعني بها أن تغامر بأسلوب جديد في التحرير والتحليل والتدوين وأن تعطي من خيالك شئ جديد غير مألوف،أما أن تعيد صياغة كتاباتك تبعا لنماذج من سبقوك فأنت لست بذاك المغامر الذي يبصم على الجديد بل أنت مقلد من صنف جديد،فمثلا الشعر الحديث هو مغامرة والرواية الرقمية اليوم ومعها القصيدة هي أنواع من الكتابة في عالم المغامرة ،كي تخرج عن التقليد والمعتاد وتدخل لعالم جديد بكتابة جديدة وفي نفس المجال الأدبي والفني مثلا

لذلك نقول بأنه جميل جدا بأن تغامر كي تكتب الجديد والغير المألوف في عالم الكتابة وتدوين الحرف، ما دامت هي نفسها مغامرة كبرى، مثلها مثل الإنسان وطقوسه ونشأته وتكوينه وقدراته..فالكتابة هي صورة من الإنسان وإليه..أما من ينهج أسلوبا وطريقة لمن سبقوه فهو مقلد لتجارب الآخرين بأسلوبه..!

“حتى أن القصة القصيرة لم تعد منشغلة بالحكاية فحسب، بل تحولَ انشغالها إلى سؤال الكتابة أيضًا، ذلك أنَّ مهمةَ القصة لم تعد منحصرةً في حكاية تجربةٍ أو مغامرةٍ، بل صارت هي نفسها، باعتبارها كتابةً، تَـركبُ المغامرةَ، وتُـراكمُ التجاربَ.”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.