منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دلالة تعدد الصيغ الصرفية في الخطاب القرآني

 ياسين عميمي

0

مقدمة

إن النص القرآني أو بالتعبير الراهن “الخطاب القرآني”، شكل “أرضاً” خصبة لأهل اللغة في الماضي والحاضر، وكذلك الأمر في المستقبل، فمكنوناته لا تنقطع، وفرائده لا تنتهي، منه يستدل النحويون، وعليه انكب البلاغيون، ومن مادته اقتبس المتكلمون.

وقد تعددت المداخل اللغوية التي دُرِسَ منها الخطاب القرآني، فهناك من تناول الخطاب القرآني، من الجانب البلاغي؛ مركزاً على خصائص أساليبه البلاغية، وهناك من طرقه – الخطاب القرآني – من الجانب النحوي، وهناك من اقتصر على الدراسة الصوتية، ومنهم من اهتم بالجانب الصرفي، وهناك من جمع كل هذه المستويات وبخاصة بعض المفسرين.

ونحن في هذا العمل سنقتصر على جانب واحد من جوانب البلاغة القرآنية، وهو الجانب الصوتي، وبالأخص الصيغ الصرفية، وسوف نكتفي بدراسة نموذج واحد وهو صيغ “قادر” و”قدير” و”مقتدر”، من خلال الوقوف على مواضع هذه الصيغ والسياقات التي وردت فيها كل صيغة، والدلالة التي أبانت عنها، محاولين الخلوص في النهاية إلى تبيان الفروق الحاصلة بين مجموع هذه الصيغ، والميزات التي انفردت بها كل واحدة منها.

وقد تدرجت محاور هذا الموضوع كالآتي:

المزيد من المشاركات
1 من 4

مدخل مفاهيمي: نخصه بتعريف موجز لمفاهيم الصرف والصيغ الصرفية.

وثلاثة محاور أولى: نخصصها -على التوالي- لدراسة الألفاظ “قادر وقدير، ومقتدر”؛ محاولين جرد مختلف المواضع التي وردت فيها تلكم الصيغ، وربطها بما جاء في التفاسير مُركزين على مفسرَين اثنين هما: ابن عاشور والزمخشري، وبعدَ التفاسير سنقوم باستقراء مواضع كل صيغة ودلالاتها، لنُبيِّن معناها وما اختصت به من سياقات وأزمنة.

ثمّ محور رابع: جعلناه خلاصة لهذا العمل، وجمعنا فيه بين الصيغ المدروسة جميعها، مقيمين مقارنة بينها وبين سياقاتها وأزمنتها. أما الخاتمة فوضعنا فيها أهم النتائج التي تم التوصل إليها.

مدخل مفاهيمي

قبل البحث في دلالة تعدد الصيغ الصرفية في القرآن الكريم، والذي سندرس فيه صيغ الأسماء: قادر وقدير ومقتدر ودلالاتها داخل الخطاب القرآني، ارتأينا بداية أن نضع تعريفا موجزا للصيغ الصرفية، وكذا تعريفا للصرف لغة واصطلاحاً.

1. الصرف:

لغة:

صرف: الصرف: ردّ الشيء عن وجهه، صرفه يصرفه صرفا فانصرف. وصارف نفسه عن الشيء: صرفها عنه، (…)، وصرفت الصبيان: قلبتهم. (…) والصّرف: أن تصرف إنسانا عن وجه يريده إلى مصرف غير ذلك. وصرف الشيء: أعمله في غير وجه كأنه يصرفه عن وجه إلى وجه. وتصاريف الأمور: تخاليفها ومنه تصاريف الرياح والسحاب”[1]، وانطلاقاً من معجم لسان العرب، وغيره من المعاجم فإن الدلالة اللغوية “للصرف” تتأرجح بين التقليب والتحويل والتغيير.

اصطلاحا:

إن المتقدمين رأوا أن التصريف قسم من النحو، (…) وكان الصرف أو التصريف يطلق على مبحث خاص من مباحث النحو يُقال له الاشتقاق أو اختيار الصيغ الصرفية القياسية (…)، وعرّفوه فقالوا: التصريف هو “أن تأخذ من كلمة لفظاً لم تستعمله العرب على وزن ما استعملته، ثم تعمل في هذا اللفظ ما يقتضيه قياس كلامهم من إعلال وإبدال وإدغام وغير ذلك…”[2].

يُعرّف الصرف -كذلك-: “بأنه علم بأصول تعرف بها صياغة أبنية الكلم وأحوالها، وما يعرض لآخرها مما ليس بإعراب ولا بناء”[3].

والمقصود بصياغة الأبنية اشتقاقُها، أي اشتقاق اسم الفاعل واسم المفعول، من الفعل، وأحوال الأبنية هي التغييرات التي تحدث في الكلمة، مثل: الإعلال، والإبدال، والحذف، والإدغام في كلمة، وغير ذلك، أما المقصود بما يعرض لآخر الكلمة مما ليس بإعرابٍ ولا بناءٍ؛ الوقفُ، والإدغام في كلمتين، والتقاء الساكنين في كلمتين.

2. الصيغة الصرفية:

يعرف الدكتور تمام حسان في كتابه “اللغة العربية مبناها ومعناها” الصيغة بأنها ” القالب الصرفي الذي تُصاغ على قياسه الكلمات التي ترجع إلى أصول اشتقاقية،”[4]

فماهية الصيغة الصرفية تحدد من خلال الأمور الآتية:

“هيئتها الحاصلة من ترتيب حروفها وحركاتها، ولكون هذه الهيئة مثالا يحتذى ويصاغ على هيأته، ولكونها متصرفة ودالة على أصل اشتقاقي صيغت منه، وأخيراً لكونها دالة على معنى وظيفي تفيده الصيغة أو القالب الصرفي، الذي يدور حول الهيئة التي توضع عليها المادة اللغوية من خلال عدد حروف الكلمة وترتيبها، وضبطها وزيادتها وإثباتها أو حذف بعضها”[5].

سندرس في المحاور القادمة من البحث صيغاً صرفيةً وردت في الخطاب القرآني، وتعود كلها -الصيغ الصرفية- إلى أصل واحد وهو الفعل المجرد الثلاثي “قدَر”؛ وهي اسم الفاعل قادر، وصيغة المبالغة قدير، واسم الفاعل “مقتدِر” من الفعل المزيد يقتدر، وسنحاول في بداية الوقوف على كل أو بعض السياقات التي وردت فيها هذه الألفاظ، والوقوف على معانيها في تفسيرَيْ الزمخشري وابن عاشور، ثم نحاول أن نخلص في النهاية إلى الدلالة التي تميزت بها كل صيغة، والمعاني التي أحالت عليها.

 المحور الأول: لفظ “قادر” في الخطاب القرآني

كما أسلفنا فلفظ ” قادر” هو اسم فاعل صيغَ من الفعل “قدر” على وزن “فاعلٌ”، وقد ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم سبع مرات في صورة المفرد؛ “قادر”، كما ورد بصيغة الجمع؛ “قادرون” و “قادرين”[6]، وسنقتصر على دراسة الصيغة الأولى أي صيغة المفرد والتي وردت في الآيات الآتية:

” وقالوا لَولا نُزِّل عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّه قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَـزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ” سورة الأنعام الآية 37.

“قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ” سورة الأنعام الآية 65.

“أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وجعل لهُم أجلاً لا رَيْبَ فيه فأبَى الظَّالِمون إلاَّ كُفوراً” سورة الإسراء الآية 99.

“أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ” سورة يس الآية81.

“أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى” سورة الأحقاف الآية 33.

” أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى” سورة القيامة الآية 40.

“إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ” سورة الطارق الآية 08.

في التفاسير يقول الزمخشري في تفسير الآية 65 من سورة الأنعام: “القادر: هو الذي عرفتموه قادراً وهو الكامل القدرة”[7]، ويقول ابن عاشور في تفسير نفس الآية: ” والمقصود من الكلام ليس الإعلام بقدرة الله فإنها معلومة ولكن المقصود التهديد؛ بتذكيرهم بأن القادر من شأنه أن يُخاف بَأسُه (…) وهذا تهديد لهم لقولهم؛ ” لولا أنزل عليه آية من ربه، (…) والتعريف في “القادر” تعريف الجنس إذ لا يقدر غيره تعالى على مثل هذا العذاب”[8].

أما في تفسير الآية 81 من سورة يس فيقول ابن عاشور: ” وقرأ الجمهور بقادر بالباء الموحدة وبالألف بعد القاف، وجرّ الاسم بالباء المزيدة في النفي لتأكيده، وقرأ رويس عن يعقوب بتحتية بصيغة المضارع، يقدر، (…) أي قادر على أن يخلق أمثالهم أي أجساداً على صورهم وشبههم، لأن الأجسام المخلوقة للبعث هي أمثال الناس الذين كانوا في الدنيا(…)[9].

وقد جاءت هذه الآية متبوعة بقوله تعالى: “إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون”، فأمر إحياء الرميم ليس كما تسلل إلى قلوب المشركين، أنه يحتاج إلى جمع مادة وإعادة تكوينها وتكييفها، وإنما شأن الله “القادر” في ذلك أن يقول له كن فيكون، يقول الزمخشري: في تفسير هذه الآية ” إنما أمره وهو القادر العالم لذاته، أن يخلص داعيه إلى الفعل، فيتكون فمثله كيف يعجز عن مقدور حتى يعجز عن الإعادة”.

القراءة الأولى للآيات تبين أن لفظ “قادر” جاء صفة لله عز وجل، وأنها صفة دالة على القدرة في أمر لم يكن وإنما سيكون في المستقبل؛ ومنه نجد أن لفظ “قادر” في الآيات جاء متبوعاً بفعل مضارع: “ينزل، يبعث، يحيي”، باستثناء الآية والأخيرة الواردة في سورة الطارق، ومعناها القدرة على البعث يوم القيامة، فهي كذلك دالة على القدرة في المستقبل وإن لم تقترن بفعل مضارع.

ويمكننا تفسير ما تقدم تفسيراً لغوياً صرفياً؛ إذا علمنا أن “الدلالة الأساسية لاسم الفاعل هي وصف الفاعل الحدث، ويدل على الحال والاستقبال إذا جاء منوناً مقطوعاً عن الإضافة”[10]، وتلك الصيغة التي جاء عليها اسم الفاعل “قادر” في الآيات؛ قد نُون وقُطع عن الإضافة.

كما ارتبط لفظ قادر في الآيات بالسياقات الآتية: “تنزيل آية”، و “بعث العذاب” و “الوعيد” و”تبديل الخلق” لذلك نعتقد أن لفظ قادر يأتي للدلالة على التجدد والاستمرارية، فهي “صيغة” متعلقة بالأمور المستقبلية، أو القدرة الإلهية الممكنة في المستقبل، والتي يُمكن أن تحصل في أي زمن.

وقد جاء لفظ “قادر” مناسباً تمام المناسبة لسياقه فدلالة التخويف والوعيد والتحدي للمشركين، تبقى قائمة في كل الأزمنة، وحدوثها ممكن في أية ساعة، وصيغتها الدالة على التجدد تُفزع كل قارئٍ لها، ومتدبر لمعناها على مر الأزمان وتعاقب الأجيال.

المحور الثاني: لفظ قدير في الخطاب القرآني:

لفظ “قدير” هو صيغة مبالغة على وزن فعيل من الفعل قدر، وقد ورد في القرآن الكريم تسعاً وثلاثين مرة، نذكر منها المواضع الآتية:

“وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” (سورة البقرة الآية 20).

“زما ننسخ من آية أو ننسها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” (سورة البقرة الآية 106).

“فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ” (سورة البقرة 109).

“قُل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”(سورة آل عمران الآية 29).

“وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” (سورة الأنعام الآية 17).

” وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” (سورة التوبة الآية 39).

” وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” (سورة النحل الآية 77).

“أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ” (سورة الحج الآية 39).

“أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ” (سورة الشورى الآية 50).

“يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” سورة التغابن الآية 01).

“رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” (سورة التحريم الآية 08).

بالرجوع إلى تفاسير بعض الآيات التي ورد لفظ “قدير” يقول الإمام الزمخشري في الآية 20 من سورة البقرة:

” (…) فكأنه قيل على كل شيء مستقيم قدير. (…) فإن قلت مم اشتقاق القدير قلت من التقدير، لأنه يوقع فعله على مقدار قوته واستطاعته، وما يتميز به عن العاجز” [11].

أما في الآية 106 من سورة البقرة فيقول الزمخشري: ” فهو يقدر على الخير وما هو خير منه”[12].

أما في تفسير الآية 29 من سورة آل عمران فيقول الزمخشري: ” فهو قادر على عقوبتكم وهذا بيان لقوله [ويحذركم الله نفسه] – الآية السابقة- لأن نفسه وهي ذاته المتميزة من سائر الذوات متصفة بعلم ذاتي لا تختص بمعلوم دون معلوم، فهي متعلقة بالمعلومات كلها، وبقدرة ذاتية لا تختص بمقدور دون مقدور، فهي قادرة على المقدورات كلها فكان حقها أن تُحذر وتُتَّقى(…)”[13].

يقول الإمام الطاهر بن عاشور في تفسير الآية 50 من سورة الشورى: “وهو قدير، نافذ القدرة، فإذا علم الحكمة في خلق شيء أراده، فجرى على قدره، ولما جمع بين وصفيْ العلم والقدرة تعين أن هنالك صفة مطوية وهي الإرادة، لأنه إنما تتعلق قدرته بعد تعلق إرادته بالكائن”[14].

لفظ “قدير” هو الأكثر وروداً في الخطاب القرآني من بين هذه الألفاظ، لذلك نجد أن السياقات التي ورد فيها كثيرة ومتنوعة، يستعصي علينا – في هذا المقام- حصرها، وهو أمرٌ كذلك له ما يبرره في اللغة العربية فـ”قدير” صيغة مبالغة على وزن “فعيل”، وصيغة المبالغة تدل على المبالغة والزيادة في معنى الفعل كما تدل على التكثير.

ومن هنا نلفي أن لفظ “قدير” على خلاف قادر جاء للدلالة على أمور كانت في الماضي أو ستكون في المستقبل، كما ارتبط بسياقات متعددة؛ نذكر منها إذهاب السمع والأبصار والوعيد بصفة عامة، ونسخ الآيات، وقيام الساعة، والحساب والمغفرة، والعلم والإحاطة، وغيرها من السياقات الأخرى.

وإننا نعتقد أن لفظ “قدير” هو أشمل هذه الألفاظ الثلاثة، بدليل كثرة استعمالاته وتنوعها، فضلاً عن ارتباطه بالتقدير، والتقدير هو وضع الأشياء والمخلوقات وضعَها المناسب دون زيادة أو نقصان، ولا يتأتّى ذلك إلا انطلاقاً من علم سابق لله عز وجل، فكان “قدير” مرتبطاً كذلك بالعلم، وكما أسلفنا في تفسير الآيات فإن الجمع بين العلم والقدرة يُحيل على صفة أخرى مخفية وهي إرادته عز وجل.

كما أن لفظ قدير ورد في بعض الآيات للدلالة على القدرة المطلقة، مثل قوله تعالى: ” وكان ربك قديراً” ( سورة الفرقان الآية 54)، فقال ابن عاشور في تفسير هذه الآية أي عظيم القدرة، الفعّال لما يُريد.

وما يدل كذلك على صحة ما ذهبنا إليه في أن لفظ “قدير” هو أعم هذه الألفاظ أنه ارتبط بسياقات العذاب والمغفرة، – وهو يشترك في ذلك مع لفظ مقتدر-، ويرتبط بجميع أنواع القدرة في الزمن، فدل على قدرة كانت وتحققت مثل خلق البشر وإرسال الرسل، وقدرة ستكون مثل إحياء الموتى والحساب.

المحور الثالث: لفظ “مقتدر” في الخطاب القرآني

لفظ مقتدر هو اسم فاعل من الفعل يقتدر، وقد ورد لفظ “مقتدر” على هذه الصيغة المفردة ثلاث مرات في القرآن الكريم، في المواضع الآتية:

“واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ” (سورة الكهف الآية 45).

” كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ” (سورة القمر الآية: 42).

” فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ” (سورة القمر الآية: 55).

وفي تفسير الآية 45 من سورة الكهف يقول ابن عاشور “وكان الله على كل شيء مقتدر”: “موقعها التذكير بقدرة الله تعالى على خلق الأشياء وأضدادها، وجعل أوائلها مفضيةً إلى أواخرها، وترتيبه أسباب الفناء على أسباب البقاء، وذلك اقتدار عجيب”[15].

وفي تفسير الآية 42 يقول الزمخشري: ” مقتدر: لا يعجزه شيء”[16]، (…) والمقتدر القوي القدرة”[17].

ويقول ابن عاشور في تفسير الآية 42 من سورة القمر: ” المقتدر: الذي لا يعجز” كما يقول في تفسير الآية 55 من نفس السورة: ” ومقتدر أبلغ من قادر، وتنكير مقتدر للتعظيم”[18].

لفظ مقتدر هو أقل هذه الألفاظ الثلاثة وروداً في الخطاب القرآني، لكنه ورد دالاًّ على القدرة في الماضي، أي القدرة المتحققة، كما دل على المستقبل أي القدرة التي ستكون.

وورد لفظ مقتدر في سياقات الوعيد للكافرين، والجزاء للمحسنين، وقدرته عزّ جل على فعل ما يريد، كما ورد لفظ مقتدر في هذه السياقات نكرة للدلالة على تعظيم قدرته عز وجل.

ومادامت هذه القدرة التي يدل عليها لفظ “مقتدر” متحققة أو ستتحقّق لا محالة، فإن هذا اللفظ هو الأنسب من غيره في مقامه، لأن الألف والتاء الزائدتين في الفعل اقتدر، تدلان على الظهور أو الإظهار، إظهار قدرته جل وعلا في كل الأمور، كما تدل الألف والتاء على التعظيم، لذلك كان لفظ المقتدر دالاًّ على قدرته تعالى على فعل كل شيء فهو المقتدر الذي لا يعجزه شيء.

اقترن لفظ” مقتدر” بـ(العزيز) في مرة أولى، وباسم الله (المليك) في المرة الثانية، وعندما يتعلق الاسم بالذات الإلهية يكون في أبلغ صيغة لغوية، (المقتدر) سبحانه أبلغ هنا من (القادر) و(القدير)، فهو (القادر) في ذاته، الذي يملك القدرة المطلقة، ويمنحها لمن يشاء، سبحانه وتعالى. القدرة المتحققة والقدرة الممكنة، ولذلك جاء في كافة الموضوعات.

 المحور الرابع: دلالات الصيغ “قادر وقدير، ومقتدر”

من خلال تعقبنا لألفاظ “القادر” والقدير” و”المقتدر” في بعض سياقاتها القرآنية تبين لنا ما يأتي:

لفظي “قدير” ومقتدر” أقوى وأبلغ من لفظ قادر، بدليل أنهما يدلان على القدرة الماضية والقدرة المستقبلية، في حين أن لفظ قادر” ارتبط فقط بالقدرة الممكنة التي ستحقق في المستقبل، زيادة على ذلك فإن لفظي “قدير” و”مقتدر” لم يُنسبا في الخطاب القرآني إلا إلى الله عزو جل، في حين وجدنا أن لفظ “قادر” نُسب إلى غيره في موضعين ” وغدوا على حرد قادرين” (سورة القلم الآية 25)، و ” “وظن أهلها أنهم قادرون عليها” (سورة يونس الآية 24).

لفظ “قدير” هو أعم هذه الألفاظ وأشملها، فهو أكثر وروداً في الخطاب القرآني، كما أنه انفرد بسياقاته الخاصة، حتى وإن اشترك مع لفظ “مقتدر” في الدلالة على الوعيد للكافرين والجزاء للمحسنين، واشترك مع “قادر” في إحياء الموتى وتبديل الخلق فإنه استقل بالارتباط بالعلم والإحاطة، والدلالة على أمور أخرى لم يتصل بها لفظا “قادر” و” مقتدر”.

لفظ “قدير” يُظهر القدرة المطلقة لله سبحانه وتعالى، لذلك انفرد باقترانه بالعلم والإحاطة، والقوة على الفعل، واشترك مع اللفظين الآخرين في أغلب السياقات؛ البعث، والجزاء، والوعيد، وتبديل الأقدار. فهو يحمل المعنى الذي في “قادر”؛ التخويف، والمعنى الذي في “المقتدر”؛ الأمان. فيحذر الإنسان قدرة ربه، ويأمن أيضاً إذ يوقن أن ربه قدير على كل شيء، فيعيش بين هذين الشعورين الخوف والاطمئنان.

لفظ “قادر” كان دالاً في السياقات التي أوردناها على التخويف، فقد ورد في موضوعات: الوعيد، والوعد بتحقيق الجزاء، وإحياء الموتى، والتهديد بالقدرة على تبديل الخلق والأقدار، فكان -غالباً- مرتبطاً بالأمور الأخروية وتحدي البشر، فهو يُبرز للإنسان القدرة الممكنة لله سبحانه وتعالى، فيدفع الإنسان إلى الخوف من قوة ربه، وقدرته، حتى لا يتمادى في عصيانه.

لفظ “مقتدر” نعتقد أنه يجمع المتناقضين فهو يدل على العظمة والقدرة اللتان لا يُعجزهما شيء، وارتبط بسياق التخويف والوعيد، كما ارتبط بسياق الإحسان، فدلَّ على الأمان للمؤمن، فهو يوقن أن ربه مقتدر، فيأمن لقدرته، ويطمئن أنه في كنف ربه، فلن يضيع شيء منه أو من كسبه، ولن يذهب هباء، فهو المقتدر العزيز الذي لا يُعجزه أن يُنزل العذاب على الظالمين وهو المليك المقتدر الذي لا يمنعه شيءٌ من مكافأة عباده المحسنين.

 خاتمة

تبين لنا من خلال هذه الدراسة؛ ومما لا يدع مجالاً لشك أن الخطاب القرآني خطاب متميز بفرادته، فالصيغ المدروسة وإن كانت ترجع جميعها إلى أصل واحد، فإن استعمالاتها مختلفة، وهو أمر بيّناه سلفا.

فالتنويع بين الصيغ الصرفية في الخطاب القرآني لا يكون من باب التنويع فحسب، وإنما له ارتباط قويٌّ بالدلالة، يدل على “البلاغة في تعدد الصيغ الصرفية” فلكل صيغة معناها ودلالتها، ويُمكن -إن عمقنا البحث- أن تكون لكل صيغة زمنها الخاص الذي ترتبط به.

إن ما تقدم لا يعدو أن يكون مدخلاً واحداً، من بين مداخل متعددة صالحة لمقاربة الخطاب القرآني، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على أن القرآن “لا تنقضي عجائبه”. وعلى أنه سيظل معيناً لا ينضب للدارسين له والمشتغلين على مر العصور والأزمنة.

 لائحة المراجع والمصادر:

  • القرآن الكريم،
  • الاستربادي؛ رضي الدين محمد بن الحسن، شرح شافية ابن الحاجب، تحقيق محمد الحسن ومحمد الزفزاف، ومحمد محيي الدين عبد الحميد، دار الكتب العلمية بيروت، 1982م، ج1.
  • الحملاوي؛ أحمد بن محمد بن أحمد: “شذا العرف في فن الصرف”، قدم له وعلق عليه الدكتور محمد بن عبد المعطي، دار الكيان للطباعة والنشر والتوزيع، الرياض، (د ت ط).
  • الزمخشري؛ أبو القاسم جار الله محمود بن عمر، خرج أحاديثه وعلق عليه: خليل مأمون شيحا، دار المعرفة بيروت، لبنان، ط03، 1430ه-2009م.
  • شحادة؛ عاصم علي، المعاني الوظيفية لصيغة الكلمة في التركيب: دراسة في الدلالة، مجلة دراسات، العلوم الإنسانية والاجتماعية، العدد 03، 2008.
  • ابن عاشور محمد الطاهر: التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، (د ط) 1984
  • المطهري صفية، الدلالة الإيحائية في الصيغة الإفرادية، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2003م.
  • ابن منظور، لسان العرب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1996م.

 

[1] لسان العرب، ابن منظور، مادة (ص ر ف)

[2] أحمد بن محمد بن أحمد الحملاوي: “شذا العرف في فن الصرف”، قدم له وعلق عليه الدكتور محمد بن عبد المعطي، دار الكيان للطباعة والنشر والتوزيع، الرياض، (د ت ط)، ص 40 و41.

[3] رضي الدين محمد بن الحسن الاستربادي، شرح شافية ابن الحاجب، تحقيق محمد الحسن ومحمد الزفزاف، ومحمد محيي الدين عبد الحميد، دار الكتب العلمية بيروت، 1982م، ج1، ص1.

[4] يُنظر: تمام حسان، “اللغة العربية مبناها ومعناها”، ص 136.

[5] عاصم شحادة علي، المعاني الوظيفية لصيغة الكلمة في التركيب: دراسة في الدلالة، مجلة دراسات، العلوم الإنسانية والاجتماعية، العدد 03، 2008، ص 548.

[6] اعتمدنا في هذا الإحصاء على المعجم المفهرس للقرآن الكريم المتوفر بموقع ” مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف”على الموقع الآتي: http://qurancomplex.gov.sa/IdIndex/default.asp?TabID=1&SubItemID=7&l=arb&SecOrder=1&SubSecOrder=7

[7] أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي، خرج أحاديثه وعلق عليه: خليل مأمون شيحا، دار المعرفة بيروت، لبنان، ط03، 1430ه-2009م ص 331.

[8] محمد الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، (د ط) 1984، (نسخة إلكترونية) ج 07، ص 283و284

[9] التحرير والتنوير مصدر مذكور، ج 23، ص 78.

[10] المطهري صفية، الدلالة الإيحائية في الصيغة الإفرادية، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2003م، ص: 185.

[11] الزمخشري مرجع مذكور ص 26,

[12] الزمخشري، مرجع مذكور: ص 91.

[13] الزمخشري مرجع مذكور ص: 168..

[14] محمد الطاهر بن عاشور، مرجع مذكور ص 139.

[15] الطاهر ابن عاشور، مرجع مذكور ج 15، ص: 332.

[16] الزمخشري مرجع مذكور ص 1068.

[17] الطاهر ابن عاشور، مرجع مذكور ج 15 ص332.

[18] الطاهر ابن عاشور، مرجع مذكور ج 27، ص 226.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.