منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سيمياء المسجد في الإسلام

نورالدين عيساوي

0

سيمياء المسجد في الإسلام

نورالدين عيساوي

 

الملخص:

إن المسجد بما يتسم به من سمات خاصة، وبما يتمتع به من مقومات دينية، وخصائص وظيفية جعلته يمتلك مكانة خاصة في التصور الإسلامي. لذلك نسعى في هذه الورقة العلمية إلى تناول المسجد بوصفه علامة سيميائية استأثرت باهتمام الأمة الإسلامية منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. معنى ذلك أننا نروم ما ترمز إليه مؤسسة المسجد في حياة الأمة الإسلامية بنية وتصورا، أي من حيث كونه فضاء روحيا يضطلع وظيفيا بمهمات متعددة، ومن حيث كونه معمارا ينهض بتجليات إيحائية خاصة تنظم تعاطي الفرد المسلم مع المكان والزمان والأشياء، فضلا عن محاولتنا استشفاف الأثر الذي تضفيه علامة المسجد على حياه الإنسان في الثقافة الإسلامية. إذ ما فتئ أن توصلنا إلى أن سيمياء المسجد في الإسلام يتقصد دلالات ومعاني روحية خاصة، وأن رموزه المظهرية ذات إشارات إيحائية تعمل على تقوية صلة الفرد المسلم بدينه وربه.

المزيد من المشاركات
1 من 25

:Abstract

The mosque, with its special features, its religious features and functional characteristics, has made it a special place in the Islamic exestence. Therefore, in this scientific paper, we seek to treat the mosque as a semiotic sign that has captured the attention of the Islamic nation since the time of the Prophet. This means that we are aware of what the mosque foundation stands for in the life of the Islamic nation in structure and perception, in terms of being a spiritual space that performs functionally multiple tasks, and in the sense that it is a building that promotes special suggestive manifestations that regulate the interaction of the Muslim individual with space, time and things, as well as our attempt to explore the impact that the sign of the mosque has on human life in the Islamic existence. It has always led us to conclude that the Semiotic of the mosque in Islam means special spiritual connotations and meanings, and that its appearance symbols with suggestive signs strengthen the link between the Muslim individual and his religion and his Lord

  • تمهيد

استأثرت المساجد باهتمام الإنسان المسلم منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ ما فتئت تحظى بالعناية والاهتمام بوصفها منارات للتعبد والتفقه والتخلق، فأصبحت منذ بزوغ فجر الإسلام علامة سيميائية لها رمزيتها وقيمتها في نفوس المسلمين، أي إن المسجد يتسم بسمات خاصة، ويتمتع بمقومات دينية، وخصائص وظيفية جعلته يمتلك مكانة خاصة في المنظور الإسلامي. والمسجد من حيث هو مكان له قداسته وله نظامه الخاص فإن له سيمياؤه الخاص الذي يضفي عليه جملة من الدلالات والإيحاءات المُمَيِّزة.

إن للإسلام تأطيرا خاصا لوظائف المسجد وطقوس ارتياده، وعلامات بنائه، ومن ثمة تنبثق الدلالات السيميائية المميزة له في الوجود. لذلك نسعى إلى تبيُّن حقيقة المسجد في الإسلام بوصفه علامة دالة، وإلى بيان المقاصد الكامنة وراء وجود المساجد في حياة المسلمين. إنه في نهاية المطاف وقوف على بنية مكانية وتصور وجودية يحيل على بنية سيميائية إيحائية.

وقبل أن نشرع في الاشتغال على المسعى، لابد أن نحدد منهجيا مفهوم السيماء الذي يؤطر أفكار هذه الورقة العلمية.

1- مفهوم السيمياء:

أ – السيمياء في اللغة:

تطالعنا كتب اللغة أن لفظ (السيماء) أو (السيمياء) يرتد إلى معنى العلامة، أو الآية، أو الأمارة. قال ابن منظور: (السُّومَةُ والسِّيمةُ والسِّيماء والسِّيمِيَاءُ: العلامة. وسَوَّمَ الفرسَ: جعل عليه السِّيمة. وقوله عز وجل: “حجارةً من طينٍ مُسَوَّمَةً عند ربك للمُسْرفين ([1])”([2]). ونقل ابن سيده: عن أبو عبيد: السيما والسمياء والسمة والسومة: العلامة، وعن ابن السكيت أن: الأمارة: العلامة([3]). والدليل: الأمارة في الشيء يقول ابن يعيش حينما يتحدث عن الاسم “وذهب الكوفيون إلى أنه مشتق من “السمة”، وهي العلامة”([4])، وفي اللغة سمة الشيء أي علامته وهو بهذا الاعتبار يشمل الكلمات الثلاث فإن كلا منها علامة على معناه([5]).

ب – السيمياء في الاصطلاح:

نلفت الانتباه إلى أن مصطلح السيمياء كان معروفا في الموروث العربي الإسلامي، إذ كان متداولا مَدّا وقصرا (سيما وسيمياء)، وبمسميات ومفاهيم متقاربة، وكان يروج بعيدا أو قريبا من مفهومه المعاصر مرتبطا بعالم السحر، أو علم أسرار الحروف، أو كتابة الطلاسم، ورؤى التصوف([6]).

لكن الدرس السيميائي الحديث حاول تحديد المفهوم وموضوعه، فقد عرف دو سوسير السيميولوجيا بأنها: “دراسة حياة العلامات داخل الحياة الاجتماعية”([7]). وقد ارتكزت السيميائية عند عامة الدارسين بعد سوسير على دراسة العلامة بوصفها دليلا إلى المعاني والمقاصد، ولذلك هناك من الباحثين من يصفها بـ”العلم الذي يدرس العلامات”([8]).

بناء على ما سلف نقول مع فريد الأنصاري رحمه الله السِّيمَاء هي ” العلامة، أو الرمز الدال على معنى مقصود؛ لربط تواصل ما. فهي إرسالية إشارية للتخاطب بين جهتين أو أكثر. فلا صدفة فيها ولا اعتباط”([9]).

2- المسجد بوصفه علامة:

لقد دعا القرآن الكريم إلى تدبر العلامات والانشغال بها من أجل الاهتداء إلى الحكمة من وجودها، والتمكن من بنيتها الدلالية، وذلك بوصفها دليلا راشدا إلى معرفة الحقائق، والوقوف على طبيعة الأشياء. يقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾([10]). وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾([11]). وقد أورد الخطاب القرآني كذلك لفظ (السيما) في كثير من الآيات تبيانا إلى أن الأشياء والناس يعرفون بما فيهم من سيما، يقول سبحانه: ﴿تَعْرِفُهمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً﴾([12])، وقوله: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ﴾([13])، وقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾([14]).

تأسيسا على مضامين هذه الآيات التي تشير إلى الظاهرة العلاماتية وشؤونها في سياق الوحي الإلهي، وإيمانا بأن القرآن الكريم هو “الموجه والباعث الحقيقي للدرس السيميائي”([15])، وأنه مصدر تعبير الرموز السيميائية في الإسلام([16])، واقتناعا منا بأن كل شيء في الكون ينتصب في الوجود بوصفه علامة، فإن وجود المساجد في حياة أهل الإسلام يعد علامة دالة في ذاتها لها سيمياؤها الخاص ووجودها الدال، معنى ذلك أن المسجد يدل بوجوده، ويدل بنظامه، ويدل بوظائفه على معان ومقاصد وأشياء تؤثر في سلوك الناس، وتوجه قناعاتهم وتغدي أرواحهم.

ورد لفظ (مسجد) في القرآن الكريم ثمان وعشرين مرة، فضلا عن وروده بلفظ (بيت) ست عشرة مرة بما يعادل أربعة وأربعين مرة، وهو رقم مهم في المتن القرآني يؤشر على أهمية مؤسسة المسجد في الشرع الإسلامي، ولذلك كان أول مؤسسة أقامها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة من مكة إلى يثرب هو مسجد قباء، ثم دعا الناس وأصحابه إلى الصلاة فيه تعظيما للأجر وإعلاء من شأن مكانة المسجد. يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه سهل بن حنيف “من تطَهَّرَ في بيتِهِ, ثمَّ أتى مسجدَ قباءٍ، فصلَّى فيهِ صلاةً، كانَ لَهُ كأجرِ عمرةٍ”([17]).

منذ ذلك العهد ظل المسجد منارة للتعبد والإرشاد، وحيزا جامعا لأفراد الجماعة المسلمة ومحققا لصلاتهم، يقول محمد علي مختار: “أما الجامع فنعت للمسجد وإنما نعت بذلك لأنه علامة الاجتماع، وأحيانا يوصف بأنه المسجد الجامع”([18]).

على الرغم من تقلص الأدوار الوظيفية التي كان المسجد يلعبها في الزمن الماضي، إلا أنه مازالت له رمزية خاصة في المخيال الفردي والجماعي للأمة، لأن المسجد بالنسبة للمسلم يظل مجاله ورمز تدينه وارتباطه الهووي بالجماعة الدينية([19]).

وإذا كان لكل شيء سيمياؤه الخاص، أي علامات ومواصفات ينماز بها، ويتشكل منها، ويُعرف بها. فإن المسجد يتخذ شكلا خاصا وعمرانا فريدا يمنحه هوية وتمييزا، إذ بمجرد ما يرى الإنسان هيئته الخارجية وشكله العمراني العام يتمثل حقيقته، كما أن التفاصيل الهندسية التي تؤثثه من الداخل تضفي عليه جلالا خاصا. يقول عفيف البهنسي: “وكما هي لغة القرآن مؤلفة من مجموعة من الإشارات التي تنقل رسالة تحمل مفهوما خاصا، كذلك عمارة المساجد تتضمن مجموعة من الإشارات المكونة من مجموعة من الرموز، وتبقى وظيفة عمارة المسجد هي نقل هذه الرموز إلى المؤمن المتلقي، أي تبقى وسيطا يحمل دلالات، يقوم المؤمن بتأويلها روحيا، بحدسه الديني وليس بحدسه المادي”([20])، فضلا عن النظام الذي يحكم تواجد المسلم داخله خروجا ودخولا وإقامة.

والعلة التي تسوغ لأي نظام أن يندرج ضمن الأنظمة السيميائية هو قدرة ذلك النظام على الدلالة، أو قدرته على تحقيق مدلوليته((signifiance انطلاقا من احتوائه على وحدات دالة أو علامات تدليلية، تسعف في إثراء مقومات النظام السيميائي وضبط خصائصه([21])التي تعنى:

-بكيفية تأدية الوظيفة (الطريقة التي يعمل بها النظام). par son mode d’opératoire

-بمجال صلاحيته (المجال الذي يفرض النظام نفسه فيه) par son domaine de validité

-بطبيعة علاماته وعددها (ما تمثل هذه العلامات في النظام) par la nature et le nombre de ses signes

-بنوعية توظيفه (العلاقة التي تربط بين العلامات) par son type de fonctionnement

في ضوء هذه المعطيات، أمكننا القول إن المسجد في الإسلام يعد علامة أو علامات شاملة لمجالات متعددة، وجهازا حضاريا يضطلع بوظائف مختلفة، تتصل بأمور الدين والدنيا. لذلك فهو كيان دال بوظائفه وبمجال اختصاصه وبما يشتغل فيه من علامات وما يربطها من علاقات.

3- وظائف المسجد.

       أ – وظيفة تعبدية:

اشتق لفظ (المسجد) من الجذر(س ج د) للتعبير عن مكان السجود. والسجود له وزن ثقيل في شعيرة الصلاة، لأن «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ»([22]). والصلاة ركوع وسجود ودعاء وخضوع وتذلل إلى الله.

إن تواجد معلمة المسجد في حياة المسلمين ليس عبثا، وإنما لأنه ينهض بمهمات لها قيمتها في وعيهم الحضاري. وهي المهمات التي من أجلها كان المسجد، وهي مبرر وجوده.

تحظى –إذن- المساجد بمكانة هامة في قلوب المسلمين، إذ انبثقت خصوصية هذه المكانة من مركزية المسجد في الدين الإسلامي، خاصة أنه يوصف بأنه (بيت الله). معنى ذلك أن المسجد يؤمه الناس تقوية لإيمانهم بالله ومناجاة له وطمعا في رحمته، ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّـهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّـهِ أَحَدًا﴾([23]).

وإذا كان لحرمات الله شأن عظيم وجليل في قلوب الأمم المسلمة، فإن حجم القداسة التي اكتسبها المسجد في حياتهم لا يمكن تصور أبعاده. فهو الأداة التي تزكي الإيمان في النفوس، والدعامة التي ترسخ وحدة المسلمين في الوجود، والمكان الأثير الذي يجمع المسلمين للصلاة والقرآن والذكر… يقول سبحانه: ﴿وَمَسٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾([24]) ويقول أيضا: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّـهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾([25]).

إن هذه الوظيفة التعبدية جعلت المسجد يكون هو “الحيز الإلهي لممارسة روحانية الصلاة التي توطد العلاقة بين الله والكون”([26]). والصلاة مظهر من مظاهر التعلق الروحي بالله وبعطائه ورحمته. لقد عظم الشرع قيمة المساجد انطلاقا من تعظيمه من شأن الصلاة، فهي الركن الثاني من أركان الإسلام، بل هي عماد الدين، فلا يستقيم دين العبد إلا بالصلاة. ألم تر كيف سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة عماد الدين، وجعل الفاصل بين الإسلام والكفر ترك الصلاة؟([27]).

اشتهر المسجد في بلاد الإسلام إذن، بالصلوات الخمس التي تؤدى فيه على مدار اليوم، فضلا عن صلاة الجمعة التي تقام فيه مرة في الأسبوع. والحديث عن الصلاة في بعدها الجماعي يعد علامة إيحائية على الاتحاد والتآزر الحاصل بين الجماعة في الإسلام خدمة للدين والدنيا.

إن منطلق البعد السيميائي في المساجد الإسلامية يرتبط بتجلياته الإيحائية إزاء أسس الاعتقاد والعبادة، وهو ما يمكن استشفاف قيمته الشرعية من الوظيفة التعبدية التي يؤديها المسلمون داخله بشكل فردي أو جماعي.

       ب –  وظيفة سياسية.

كان المسجد – قبل انتقاض عروة الحكم في تاريخ الأمة- فضاء لتداول الأخبار والأفكار والتشاور في أمور الدين والدنيا، وذلك خدمة لمصالح الأمة، وتسييرا لدواليب الدولة وتدبيرا لحياة المجتمع الإسلامي.

لم يكتف المسجد بأداء الوظيفة الروحية في تاريخ المسلمين فحسب، بل كان قبلة مفضلة لإدارة عمل الدولة الإسلامية. لأنه المقر الذي تناقش فيه قضايا الأمة، وعلاقاتها في ضوء الشريعة الإسلامية. لقد كان “مقر الحكم: فيه اختار المسلمون خليفتهم وفيه تتم له البيعة وفيه يخطبهم الخليفة موضحا منهجه في سياسة الدين والدنيا”([28]). معنى ذلك أن المسجد لم يكن مجرد مقام إيماني تعبدي فحسب، وإنما أيضا هو مؤسسة محورية في إدارة شؤون الأفراد والمجتمع سياسيا، واجتماعيا، والدليل قول ابن تيمية رحمه الله: “وفيه السياسة وعقد الألوية والرايات وتأمير الأمراء وتعريف العرفاء. وفيه يجتمع المسلمون عنده لما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم”([29]).

تزودنا كتب التاريخ بأن أول الأعمال التي كان يأتي عليها رواد الفتوحات الإسلامية هي تشييد المساجد في كل بلاد فتحوها، لينتصب رمزا صريحا وصادحا بإسلامية تلك البلاد، ويقف معماره شاهدا على امتداد حدود الدولة الإسلامية، بحيث كان “من القوانين الأساسية التي سار عليها بناة دولة الإسلام الكبرى أنه لا يمكن التخلي عن قطر يقوم في عاصمته مسجد جامع فإذا لم ينشئ المسلمون مسجدا جامعا في قلب قطر من الأقطار لم يكن عليهم بأس بالارتداد عنه إذا اضطرتهم ضرورات عسكرية أو سياسة إلى ذلك”([30]).

لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعتبر المساجد علامات تدل على الهوية الإسلامية للبلد الذي توجد فيه، ومما يدعم هذا الافتراض ما ورد في الحديث الذي أخرجه الشيخان من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: « كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يُغِيرُ إذَا طَلَعَ الفَجْرُ، وكانَ يَسْتَمِعُ الأذَانَ، فإنْ سَمِعَ أذَانًا أمْسَكَ وإلَّا أغَارَ»([31]).

الثابت أن المسجد في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مكانا مفضلا لإدارة مشاوراته ومحاوراته مع صحابته لاتخاذ القرارات الشرعية والاجتماعية والعسكرية المناسبة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وكانت “مواضع الأئمة ومجامع الأمة هي المساجد”([32]). وكان قاعدة عسكرية يجتمع فيها قادة المسلمين للتخطيط والتدبير وتحديد الأهداف المنشودة لتوسيع رقعة الإسلام، وكان مهدا للفتوحات ومنطلقا للجهاد في سبيل الله لنشر الإسلام. وكان “يربى فيه الجنود الأشداء الأقوياء بإيمانهم، الآخذون تعاليم المجاهدة والمرابطة من في رسول الله صلى الله عليه وسلم، يربيهم بكتاب الله”([33]).

مِلاَكُ الأمر أن المسجد لم يكن اسما لمكان مختص بالعبادة الروحية فحسب، وإنما أيضا كان علامة مؤسساتية للتشاور وممارسة القيادة وإدارة شؤون الدولة ومنطلقا للتوسع الحضاري، وفضاء لتحقيق التضامن الاجتماعي.

     ج – وظيفة تربوية.

تعددت – في حقيقة الأمر- وظائف المسجد وتنوعت مجالات اشتغاله، فقد كان المدرسة التي تُربى الفرد المسلم على منهاج النبوة المحمدية، وتُصلح شأنه وتهذب روحه حينما تتشرب في أرجائه تعاليم الشريعة السمحاء، وحينما تقتات من موائده العلمية المباركة. إذ فيها يكتسب المرء أمور دينه، ويتحصل مكارم الأخلاق. يقول الإمام ابن تيمية: “إن النبي صلى الله عليه وسلم أسس مسجده المبارك على التقوى: ففيه الصلاة والقراءة والذكر؛ وتعليم العلم والخطب”([34]).

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوظف رحاب المسجد لتعليم أصحابه تفاصيل الشريعة الإسلامية، ويعرض عليهم دروس الدعوة، ويقدم لهم نظام الإصلاح والتربية. لذلك أعطت مؤسسة المسجد رجالا علماء، وأناسا فقهاء، وتخرج منها مسلمون مصلحون، عمدوا إلى نشر رسالة الإسلام، وانشغلوا بتربية الناس وفق تعالم الدين الإسلامي. ومن ثمة حفظوا للأمة تراثها، وثقافتها في الذاكرة والكتب والتصانيف.

بهذا التصور، نستطيع القول إن دور المسجد لم يكن منحصرا في تلقي القرآن والعلوم الشرعية فقط، وإنما تعداها إلى مختلف المجالات العلمية والإنسانية التي تعود على الإنسان بالصلاح والفلاح في حياته. يقول صلى الله عليه وسلم ” مَنْ دَخَلَ مَسـْجِدِي هَذا لا يَدخلهُ إلا لِيُعَلِّمَ خَيْرًا أَوْ لِيَتَعَلَّمَهُ كَانَ بمَنـزلَة الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالى، وَمَن دَخَلَه لِغَير ذَلكَ من أحَاديث الناسِ كانَ بمَنـزلَة مَن يَرى ما يُعجِبُهُ وهو شَيءُ غَيرِهِ “([35]).

تأسيسا على ذلك، يظهر أن معلمة المسجد بوصفها علامة مُميزة للفضاء المعماري الإسلامي اضطلعت بأدوار مركبة ومتفاعلة، تتقصدُ غايتُها صناعة الإنسان المسلم العابد لله وحده والصالح للمجتمع الإسلامي والنافع للإنسانية. يشهد لهذه الوظيفة المركبة الجامعة بين التعليم والتعلم والعبادة المفكر علي عزت بيجوفيتش حينما نسمعه يقول: “إن هذه الظاهرة لا تعرف إلا في إطار الثقافة الإسلامية، وهي ما يمكن أن يُطلق عليه (المسجدرسة)؛ وهو بناء فريد يجمع بين وظيفتي: المسجد والمدرسة معًا، ولا يوجد له تسمية موازية في اللغات الأوروبية. هذا البناء المتميز هو المعادل المادي أو التقني لتلك المسلمة الإسلامية لوحدة الدين والعلم”([36]).

إن تساند وظيفتي الدين والعلم على مستوى المسجد يجعل هذا الحيز مخصوصا بدلالات لها قيمتها ووزنها في الوعي الحضاري الإسلامي، فحينما يحضر الدال/ المسجد بحمولته الوظيفية فإن المتلقي يستوحي المدلول بناء على هذه الوظائف التي يضطلع بها، لأن مجالات اختصاص المسجد تتلازم مع المهمات التي يقوم بها في بلاد الإسلام.

4- علامات المسجد المعمارية في الإسلام.

يطلق لفظ “المسجد” على كل مكان توافرت فيه شروط النظافة، وتؤدى فيه الصلاة، ولا يشترط في المسجد بالضرورة الجدران أو المبنى مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: “أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا”([37]).

اختلفت المعالم المعمارية للمسجد منذ عهد الرسول إلى اليوم، وذلك أن أول المساجد التي اتخذها الرسول صلى الله عليه وسلم كانت من اللّبِن، وسقفه من الجريد، وعمده جذوع النخل، ثم توالى التوسيع والتعمير في أيام الخلفاء الراشدين فمن بعدهم حتى انتهى إلى شكله الحاضر([38]). يعد التصميم الذي تأسس عليه المسجد النبوي هو المرتكز الذى سار عليه المسلمون بعده في بناء المساجد في كافة الأقطار الإسلامية.

ومن أهم المرافق الوظيفية التي نهض بها بناء المسجد النبوي: مكان الصلاة، وكان مؤلفا من قسم مغطى للوقاية من الحر والقر ومن قسم مفتوح للصلاة. ثم مع مرور الزمن توالت الأفكار المعمارية في إبداع مقومات هندسية تميز المسجد عن غيره من المباني حتى يظل محافظا على طابعه المقدس، وهويته الروحية في ظل الشروط العقدية التي سنها الإسلام.

نسعى فما يأتي إلى الاطلالة على أهم العلامات المميزة للمسجد فما انتهى إليه من معمار:

  • علامات المعمار الداخلي:

            أ‌- المحراب/ القبلة.

هو تقعر أو تجويف يكون في الجدار المقابل لاتجاه القبلة المقابل لمسار الكعبة المكرمة، ويكون علامة على الوجهة التي يستقبلها المصلون جميعهم عند كل صلاة، وهو المكان المخصص للإمام أثناء الإمامة في الصلاة. علما أنه قد لا نجد في بعض المساجد المحراب، لكننا نعثر على علامات تدل على اتجاه القبلة.

إن القبلة أو المحراب ليس حيزا جغرافيا اقتضته الشروط المعمارية للمسجد فحسب، وإنما تشكل بوظيفتها رمزا دينيا جمعويا يعبر عن وعي ثقافي يؤلف بين القلوب إزاء وجهة واحدة، وتلتحم في ضوئه الروابط الاجتماعية للأفراد، وذلك لأن الرمز يشكّل سيميائية تواصلية ([39]).

لذلك يشكل هذا النمط السيميائي داخل فضاء المسجد علامة فريدة تميز الدعامات المادية للمساجد في الإسلام، وذلك لاختصاص المسلمين بهذا المقوم الديني الذي ينعدم في ثقافة باقي الديانات. يؤكد حسين مؤنس هذا الادعاء بقوله: “إنها(القبلة) ظاهرة عبادة ينفرد بها الإسلام من دون غيره من الأديان. فلا تعرف اليهودية أو النصرانية أو البوذية أو الهندوكية وما إليها شيئا يشبه القبلة([40]).

          ب‌- بيت الصلاة.

هو جزء مسقوف ومغطى، تُشكَّل فيه خطوط لاستواء صفوف الصلاة، ويكون مواز للمحراب. وقد لا يزيد عمق بيت الصلاة ويسمى(جوفه) عن صفين من الأعمدة وقد يمتد فيشمل أكثر من نصف مساحة المسجد([41]). يعد هذا المكان الحيز المخصص لجماعة المصلين وراء الإمام، فهو يشكل بما يقع فيه من أقوال وأفعال تعبدية منسجمة وموّحدة رمزا لرباط الأخوة، وعنوانا للتآزر الروحي بين أفراد الجماعة الإسلامية، وعلامة على الاعتصام الجماعي بحبل الله في حضرة بيت الله. ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّـهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾([42]).

        ج‌- صحن المسجد.

بوصف بأنه فناء واسع مكشوف بجانب المسقوف، يوفّر الهواء والنور، وقد يستعمل ملحقا في الصلوات الجامعة (الجمعة) ويعد امتدادا لبيت الصلاة. كما أنه قد يوظف لأغراض أخرى.

         د‌- المنبر.

هو مكان مرتفع (مرقاة) في المسجد، وقد يصنع من الخشب وغيره يقف عليه الإمام لإلقاء خطبة الجمعة أو خطب الأعياد. عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ” أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلاَ أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِي غُلاَمًا نَجَّارًا قَالَ: «إِنْ شِئْتِ»، قَالَ: فَعَمِلَتْ لَهُ المِنْبَرَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ قَعَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى المِنْبَرِ الَّذِي صُنِعَ”([43]).

إن وظيفة المنبر اليوم على الرغم من تراجع كثير من تفاصيلها تتمثل في إلقاء خطبة الإمام يوم الجمعة، إلا أنه يبقى ذا رمزية خاصة تحمل دلالات تاريخية لها قيمتها في المخزون التراثي للمسلمين. فقد كانت وظائفه الأساسية متعددة؛ إذ كان المنصة الأثيرة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لإبلاغ الناس بما جد في التشريع الإسلامي، فضلا عن اصطفائه مكانا دالا لإعلان القرارات المهمة للدولة الإسلامية، أضف إلى ذلك وظيفته العلمية بوصفه أداة يعتليها الفقيه أو العالم للفتوى وإلقاء الدرس.

بهذه الحمولة الوظيفية أصبح للمنبر في المسجد علامة من العلامات الدينية والاجتماعية الرامزة إلى الرقي الروحي والتفقه في الدين والتسامي الحضاري.

إن هذه المكونات هي العناصر الأساسية التي تؤتت الفضاء الداخلي لعمارة المسجد. فهي تشكل علامات دالة على وحدة المساجد في الحضارة الإسلامية من حيث استخدامها في الزمان والمجال، والاشتغال عليها يتم بالمنهاج نفسه، وفي الأوقات نفسها، لتؤدي وظائف موحدة في العبادة والذكر والصلاة… وبذلك تشكل دلالة عامة تجسد مقصد التوحيد الذي هو أساس الدين الإسلامي. معنى ذلك أن هذا التعلق الرمزي بهذه الوسائط المسجدية يجعل المسلم أكثر تزكية لروحه الطامعة في رضوان الله، وتجعله يؤسس لقناعة تكون أكثر ارتباطا بعقيدة الإسلام.

  • علامات المعمار الخارجي:

           أ‌- المئذنة/ منارة.

بصرف النظر إلى الهيئة الخارجية لعمارة المسجد في المدن الإسلامية والقرى نلحظ أن صوامعها ومناراتها الشامخة تشهد على هويتها وحقيقة وجودها. فهي أمارات تؤشر على نمط التفكير والاعتقاد في الثقافة الإسلامية. يقول عفيف البهنسي: “المؤمن في المسجد كائن مرصود للتطلع للسمو الإلهي، متفاعل مع تصاعدية آيات عمارة المسجد، من المئذنة إلى القبة، وإلى عرائس السماء والزخارف، ويصل المؤمن باندماجه بالإشارات المعمارية إلى تصور دلالات تتجاوز الإشارات والرسوم”([44])..

المئذنة أو المنارة أو صومعة المسجد بناء مرتفع كان يعتليه المؤذن قديما لإسماع صوته إلى كثير من السكان إيذانا بدخول وقت الصلاة. والآن توضع في قمته مكبرات الصوت لتنقل أذان المؤذن إلى الناس.

تعد المئذنة العلامة البارزة في الشكل الخارجي للمسجد؛ إذ يستطيع الرائي بوساطتها تعرف هوية المبنى من خلال هيئتها. فهي واحدة من العلامات الدالة على عمارة المساجد. إن “المآذن -بشتى أشكالها- قد أضافت إلى المساجد جمالا ورقة يتجليان للرائي من بعيد، وقد ارتبطت المآذن بالمساجد ارتباطا جعل منها قطعة معمارية مبتكرة خاصة بالمساجد دون غيرها، ومهما كان طرازها فقد عرف المعماريون المسلمون كيف يصنعون منها أشكالا فنية هي الغاية في الكمال”([45]).

يبدو أن الإنسان المسلم ابتكر هذا الهيكل بهذه السمات ليضفي على المكان هالة من الجلال والجمال، ولتبقى أيقونة سيميائية تحيل إلى طبيعة المعمار، وتومئ إلى إشراقات المكان وقداسة المبنى. يكفي أن يتعرف المرء من بعيد شكل المئذنة لينتقل ذهنه مباشرة إلى حرمة المسجد بما تمثله من هالة القداسة والطهارة، وبما يقام فيها من صلاة وسجود وركوع وغيرها من العبادات والشعائر الروحية.

          ب‌- القبة.

تعد القبة إلى جانب المئذنة من أوضح علامات العمـارة المـسـجـديـة في الهندسة الإسلامية. فهي تتشكل من نتوء دائري مقوس إلى الأعلى، يرتكز على جدران مربعة الشكل، فيظهر التقوس معقوفا إلى السماء من جميع الجهات، وكأنها نصف كرة منكفئ وسط مكعب من اللّبِن.

لقد حافظ هذا الشكل على وجوده في عمارة المسجد منذ أن أبدع العقل المسلم هذه التوليفة المعمارية المخصوصة، لتمييز بيوت الله عن غيرها من المباني. يستطيع الناظر انطلاقا من رؤيته قبة سامقة في السماء وتحتها مئذنة شاهدة إلى الأعلى ليتأكد أن الأمر يتعلق بمبنى المسجد.

إن رسم المشهد بهذه الرمزية يوحي إلى مرام دلالية تؤطر عمل المعماري المسلم، وخاصة أن المكان يحمل قيمة روحية كبيرة في نفوس أهل الإسلام. إن عنصر القبة بهذا التكوين يوحي برسمه وسيميائيته إلى نصف الكون، والنصف الآخر تجسمه منشأة المسجد في تمثل روحاني مبارك. يكتب عفيف البهنسي: “لقد وجد المؤمنون في قبة المسجد قبة السماء، ورأوا في نوافذ رقبة القبة كواكب درية، هكذا يتحقق المدلول الروحي وافيا في قباب السليمانية في إسطنبول وفي قباب السليمية في أدرنة، والتي ما زالت تمثل الإعجاز البلاغي المعماري في بناء المساجد الإسلامية”([46]).

تصوِّرُ دلالة القبة –إذن- الكون بعلامات إيحائية تجسد القصد الدلالي من تشييدها. فهي تنم عن معاني السمو الروحي المجسد في شكلها السماوي المحدّب، فضلا عن تتويجها –في الغالب- بجامور معدني وكرات يعلوها هلال، في إشارة واضحة إلى اندماج حرمة المسجد في ملكوت الله وأفلاكه.

بناء على ما سلف، يبدو أن اصطفاء شكلٍ متوازي المستطيلات متصاعد (صومعة) مختوم بمنارة تعلوها قبه سامقة إلى السماء لم يكن اصطفاء عبثيا، وإنما كان الاختيار بمقصدية دلالية عنوانها أن هذه المقومات المعمارية تعد “علامة على روحية أصبحت شعارا للمدينة الإسلامية”([47]). لأن هذا التشكيل البنائي بما فيه من رموز متكاثفة يرتبط بالمدلولات السماوية التي توحي دائما إلى الصفاء الروحي، والتزكية الإيمانية المتعلقة بالكمال الإلهي المتعالي في السماء ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾([48]).

          ج‌- الشرافات/ عرائس السماء.

إن هذا العنصر الزخرفي المميِّز لسطوح المساجد هو من إبداع الفكر الهندسي الإسلامي بعد أن استوحى تصميمه من الشرافات التي كانت توظف في المباني والقصور للزينة والتجميل. لكن اليد المعمارية المسلمة أضافت عليها نقوشا خاصة، ورونقا مميزا ليتناسب فن العمارة مع المقاصد الإسلامية.

يمكن أن نعثر على عرائس السماء في أكثر المساجد الإسلامية. فهي توصف بأنها أشكال هندسية هرمية مدرجة تحيط بحواف المسجد العليا. يحافظ إيقاعها الزخرفي على تكرار منتظم على طول أسوار سطح المسجد فضلا عن تجميلها لأركان المئذنة.

إن سعي المسلم إلى وضع علامات ذات أبعاد محددة على المظهر الخارجي لمعلمة المسجد يتغيى من ورائها مقاصد نفسية تستجيب لقناعته، وتناسب عقيدته، لأنه إضافة إلى مشهد الزينة والجمال الذي توشح به عرائس السماء بناء المساجد فإنها تومئ باطنيا إلى درجات سلم يصعد إلى السماء قصد الارتواء الروحي، وتحقيق التجلي والصفاء النفسي. لذلك تشير بعض القناعات الصوفية كما يقول حسين مؤنس إلى أن عرائس السماء “تسبح بحمد الله وتنشد ترنيمات دينية”([49]).

من هنا، شكل هذا المكون سيمياء للدلالة على إشارات نفسية ودينية قاصدة، ترفع قيمة المسجد لتظل في ارتباط بأهداب السدة الإلهية([50]).

5- أثر إغلاق المساجد على الناس.

انطلاقا مما أوردنا أعلاه أمكننا القول إن مؤسسة المسجد تتمتع بسيماء شرعية خاصة في الوعي التاريخي الإسلامي، ولا شك أن الملاحِظ المتبصر يدرك مقدار التعلق الشديد للفرد المسلم بحرمة المساجد حينما يقف على الأثر السيكولوجي الكبير للمسجد على حياة الناس الروحية. وخاصة عندما يحرمون من ولوج عتباته ولو لأسباب قاهرة وطارئة.

لقد ظهر جليا في زمن ما يعرف بكورونا (كوفيد 19) أن للمسجد أثرا بليغا على نفوس المسلمين، واتضح أن الفضاء المسجدي له مكانة رفيعة وقيمة نفيسة في الزمن الاعتيادي اليومي للمسلمين. فحينما أُغلقت أبواب المساجد في وجوه المصلين، لاسيما حينما أدرك رمضان هذا الإغلاق بدا أهل المساجد وكأنهم حرموا من أفسح المتنفِّسات الروحية التي يجددون عبرها صلتهم بربهم وبالمؤمنين.

لقد تعود المصلون ارتياد المسجد خمس مرات في اليوم والليلة استجابة لنداء الصلاة، وتعودا سماع خطبة الإمام من على المنابر كل أسبوع استجابة لنداء الجمعة، وأَلِفَ الناس أن تملأ المساجد وساحاتها في رمضان لإقامة سنة التراويح، لكن هذه الألفة والاعتياد استحال إلى دهشة وأسف وارتباك حينما رأوا بيوت الله خاوية على عروشها، وحينما فقدوا أهم الموارد الروحية التي تغدي إيمانهم وتجدد إحسانهم.

إن فقدان نعمة المسجد وغيابه عن حياة الأمة على الرغم من الظرفية الطارئة، وعلى الرغم من قوة الحكم الشرعي في حفظ النفس يظل أمرا ثقيلا على قلوب أهل الإيمان، ولا يمن أن يتصوروا مجتمعا إسلاما من دون معلمة مسجدية. لقد ظهر ذلك واضحا عندما تأخرت السلطة الوصية على الشأن الديني في إعطاء الضوء الأخضر لفتح المساجد أمام المصلين، إذ كان الأمر شديد الوطأة على نفوس الناس، وجثم الغضب على قلوب كثير منهم، لاسيما بعدما استفادت كثير من القطاعات الاجتماعية والاقتصادية والخدماتية من قرار الترخيص باستئناف أنشطتها.

إن وقوفنا على المكانة التاريخية الوازنة للمسجد في حياة الأمة، ووقوفنا على شدة ارتباط أهل الإسلام بحرمة المسجد حتى في أحلك الظروف الطارئة، يجعلنا نستشف إلحاحا على ضرورة استنهاض الهمم من أجل إعادة وظيفة المسجد إلى سابق عهدها، واستمداد مركزيته التاريخية وإعادة إحياء ما كان يستودعه الفضاء المسجدي من خير وفضل وما كان يكتنزه من سمو ورفعة، وما اضطلع به من تأثير في حياة الفرد والمجتمع والأمة.

  •  خـــــاتمـــــــــة.

في عقب التفاصيل السالفة نستخلص أهم النتائج التي أفرزها البحث، إذ نستطيع القول إن:

  • العلامة وسيلة فعالة في التدليل على الأشياء والاهتداء إلى المقاصد.
  • المسجد بوصفه علامة مركزية في الفضاء الديني الإسلامي يشكل دعامة أساسية في توثيق صلة الإنسان المسلم بالله وبالدين وبالمؤمنين.
  • المسجد بوظائفه التعبدية والسياسة والتربوية وغيرها يعد مركزا إشعاعيا في التدين والتوجيه والقيادة والإرشاد.
  •  المسجد بما يمتلكه من رموز معمارية وعلامات هندسية تشكل هويته ظل مكانا للترقي الروحي والطهارة النفسية وفضاء للتعبد والتراحم والتعاطف بين أفراد الجماعة في الإسلام
  • المسجد حافظ على مكانته الروحية في قلوب المؤمنين على الرغم من الظروف القاهرة التي قد تأتي بها الأزمات.
  • للمسجد الأثر البالغ في سلوك الفرد والتأثير الشديد في حياة المجتمع والأمة.

المصادر والمراجع.

·      ابن تيمية. مجموع الفتاوى. تح عبد الرحمن بن محمد بن قاسم. مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، 1416هـ/1995م.

·      ابن سيده، أبو الحسن. المخصص. ط1، تح: خليل إبراهيم جفال. دار إحياء التراث العربي – بيروت، 1417هـ 1996م.

·      ابن فارس، أحمد. معجم مقاييس اللغة. تح عبد السلام محمد هارون. دار الفكر، 1399هـ – 1979م.

·      ابن هشام، عبد الله. شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب. تح: عبد الغني الدقر، الشركة المتحدة للتوزيع –سوريا.

·      ابن يعيش، أبو البقاء. شرح المفصل للزمخشري. ط1، تقديم إميل بديع يعقوب، دار الكتب العلمية، بيرو، لبنان، 1422 هـ – 2001 م.

·      الاتجاه السيميولوجي ونقد الشعر، عصام خلف كامل، دار فرحة للنشر والتوزيع، 2003.

·      الأنصاري، فريد. سيمياء المرأة في الإسلام بين النفس والصورة. سلسلة اخترت لكم، رقم 16، منشورات ألوان مغربية، ط1، 2003 م- 1424 ه.

·      بلقاسم دقّة. علم السيمياء في التراث العربي. مجلة التراث العربي، العدد 91، 2003.

·      بنكراد، سعيد. السيميائيات مفاهيمها وتطبيقاتها. دار حوار للنشر والتوزيع، سورية – اللاذقية، ط 3، 2012م.

·      البهنسي عفيف. المدلولات الروحية في عمارة المسجد. مجلة علم الفكر، العدد2، المجلد 31، دجنبر 2002.

·      بوعزيزي. محسن، السيميولوجيا الاجتماعية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2010.

·      حساني، أحمد، العلامة في التراث اللساني العربي- قراءة لسانية سيميائية- دار وجود للنشر، ط 1، 2015م.

·      حسين مؤنس. مساجد الإسلام والمسلمين في شتى العصور. مجلة العربي العدد 156 نوفمبر 1971م.

·      الزمخشري. الكشاف. دار الكتاب العربي – بيروت، ط 3، – 1407 هـ

·      سنن ابن ماجه.

·      السيوطي. جامع الأحاديث. ضبط نصوصه وخرج أحاديثه: فريق من الباحثين بإشراف د على جمعة.

·      صالح بن ناصر بن صالح الخزيم. وظيفة المسجد في المجتمع. وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد – المملكة العربية السعودية، ط 1، 1419هـ.

·      صالح بن ناصر بن صالح الخزيم. وظيفة المسجد في المجتمع. وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد – المملكة العربية السعودية، ط 1، 1419هـ.

·      صحيح البخاري.

·      صحيح مسلم.

·      عبد الوهاب عزام. من رحلة الحجاز. مجلة الرسالة، العدد 288، 1939م.

·      علي عزت، بيجوفيتش. الإسلام بين الشرق والغرب. ترجمة: يوسف عدس، محمد. مؤسسة بافاريا، سلسلة نافدة على الغرب، رقم 2، ط 2، 1997.

·      قاسم، سيزا. أبو زيد، نصر حامد. أنظمة العلامات في اللغة والأدب والثقافة، مدخل إلى السيميوطيقا. دار إلياس العصرية، القاهرة – جمهورية مصر العربية.

·      المساجد العمارة والتاريخ والرسالة – موضوع خاص إعداد مجلة الفيصل العدد الخامس عشر رمضان 1398 هـ أغسطس 1978 م.


([1]) سورة الذاريات. الآية: 34.
([2]) ابن فارس، أحمد. معجم مقاييس اللغة، ج2/ص259.
([3]) ابن سيده، أبو الحسن. المخصص. ط1، تح: خليل إبراهيم جفال. دار إحياء التراث العربي – بيروت، 1417هـ

1996م، ج4/ص99.
([4]) ابن يعيش، أبو البقاء. شرح المفصل للزمخشري. ط1، تقديم إميل بديع يعقوب، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، 1422 هـ – 2001 م، 1/83.
([5]) ابن هشام، عبد الله. شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب. تح: عبد الغني الدقر الشركة المتحدة للتوزيع –سوريا، ص18.
([6]) يرى ابن خلدون، مثلا، في فصل من مقدمته، سماه علم أسرار الحروف (السيمياء) أن: “نقل وضعه من الطلسمات إليه في اصطلاح أهل التصوف من غلاة المتصوفة، فاستعمل استعمال العام في الخاص…فحدث بذلك علم أسرار الحروف، وهو من تفاريع السيمياء لا يوقف على موضوعه ولا تحاط بالعدد مسائله، وتعددت فيه تآليف البون وابن العربي، ومن فروع السيمياء عندهم استخراج الأجوبة من الأسئلة بارتباطات بين الكلمات حرفية يوهمون أنها أصل في المعرفة”.
([7]) بنكراد، سعيد. السيميائيات مفاهيمها وتطبيقاتها. دار حوار للنشر والتوزيع، سورية – اللاذقية، ط 3، 2012م، ص9.
([8]) الاتجاه السيميولوجي ونقد الشعر، عصام خلف كامل، دار فرحة للنشر والتوزيع، 2003، ص16.
([9]) الأنصاري، فريد. سيمياء المرأة في الإسلام بين النفس والصورة. سلسلة اخترت لكم، رقم 16، منشورات

ألوان مغربية، ط1، 2003 م- 1424 هـ، ص 22.
([10]) سورة النحل. الآية: 16.
([11]) سورة الرعد. الآية: 4.
([12]) سورة البقرة. الآية: 273.
([13])سورة الأعراف. الآية:46.
([14]) سورة الأعراف. الآية: 48.
([15]) بلقاسم دقّة. علم السيمياء في التراث العربي. مجلة التراث العربي، العدد 91، 2003، ص72.
([16]) الأنصاري، فريد. سيمياء المرأة في الإسلام: بين النفس والصورة. ص 13.
([17]) رواه ابن ماجه. سنن ابن ماجه. كتاب إقامة الصلاة، والسنة فيها. باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء. رقم 1412.
([18]) علي محمد مختار. دور المسجد في الإسلام. سلسلة دعوة الحق، العدد 14، رابطة العالم الإسلامي 1402 هـ ص 6.
([19]) شهاب اليحياوي. إعادة تأسيس المقدّس الديني في الإسلام: الرمز الديني والمجال. مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث. 11 فبراير 2020.
([20]) البهنسي، عفيف. المدلولات الروحية في عمارة المسجد. مجلة علم الفكر، العدد2، المجلد 31، دجنبر 2002. ص 122.
([21]) ينظر: (قاسم، سيزا. أبو زيد، نصر حامد. أنظمة العلامات في اللغة والأدب والثقافة، مدخل إلى السيميوطيقا، ص178) و(حساني، أحمد، العلامة في التراث اللساني العربي، ص 30).
([22]) رواه مسلم. صحيح مسلم. كتاب الصلاة. باب ما يقال في الركوع والسجود. رقم (215).
([23]) سورة الجن. الآية 18.
([24]) سورة الحج. الآية: 40.
([25]) سورة النور. الآية 36.
([26]) البهنسي، عفيف. المدلولات الروحية في عمارة المسجد. ص121.
([27]) الزمخشري. الكشاف. دار الكتاب العربي – بيروت، ط 3، – 1407 هـ، ج1/ ص 37.
([28]) المساجد العمارة والتاريخ والرسالة – موضوع خاص إعداد مجلة الفيصل العدد الخامس عشر رمضان 1398 هـ أغسطس 1978 م ص 100.
([29]) ابن تيمية. مجموع الفتاوى. ج35/ ص39.
([30]) حسين مؤنس. مساجد الإسلام والمسلمين في شتى العصور. مجلة العربي العدد 156 نوفمبر 1971م ص31.
([31]) رواه مسلم. صحيح مسلم. كتاب الصلاة. باب الإمساك عن الإغارة على قوم في دار الكفر، إذا سمع فيهم الأذان رقم (382).
([32]) ينظر: ابن تيمية. الفتاوى. ج35/ ص 39.
([33]) صالح بن ناصر بن صالح الخزيم. وظيفة المسجد في المجتمع. وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد – المملكة العربية السعودية، ط 1، 1419هـ. ص 16.
([34]) ابن تيمية. مجموع الفتاوى. تح عبد الرحمن بن محمد بن قاسم. مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، 1416هـ/1995م. ج35/ ص 39.
([35]) السيوطي. جامع الأحاديث. ضبط نصوصه وخرج أحاديثه: فريق من الباحثين بإشراف د على جمعة. ج20/ ص301. (الحديث رواه الطبراني).
([36]) علي عزت، بيجوفيتش. الإسلام بين الشرق والغرب. ترجمة: يوسف عدس، محمد. مؤسسة بافاريا، سلسلة نافدة على الغرب، رقم 2، ط2، 1997. ص 296.
([37]) رواه البخاري. صحيح البخاري. كتاب الصلاة. باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: ” جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا رقم (438).
([38]) عبد الوهاب عزام. من رحلة الحجاز. مجلة الرسالة، العدد 288، 1939م، ص 23.
([39]) بوعزيزي. محسن، السيميولوجيا الاجتماعية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2010.
([40]) ينظر: حسين مؤنس. المساجد. سلسلة عالم المعرفة، يناير 1981، ص 63.
([41]) المرجع نفسه. ص 61.
([42]) سورة الفتح. الآية: 29.
([43]) رواه البخاري. صحيح البخاري. كتاب الصلاة. باب الاستعانة بالنجار والصناع في أعواد المنبر والمسجد. رقم (449).
([44]) البهنسي عفيف. المدلولات الروحية في عمارة المسجد. ص 122.
([45]) حسين مؤنس. المساجد. ص 120.
([46]) البهنسي، عفيف. المدلولات الروحية في عمارة المسجد. ص 133.
([47]) المرجع نفسه. ص 132.
([48]) سورة الملك. الآية: 16.
([49]) حسين مؤنس. المساجد. ص 146.
([50]) ينظر: البهنسي عفيف. المدلولات الروحية في عمارة المسجد. ص 141.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.