منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأميرة النائمة (قصة قصيرة)

مجيد فلوح

4

على وسادة من حرير، حشوها قطن مصري أصفى من بياض العينين، أنعم ما يكون، كأنه سحاب يزور الأرض، أجلس القرفصاء..

شعري منسدل خلف ظهري، تتسلل أسنان المشط بين خصاله السوداء، سواد لا يزيد بياض وجهي إلا ضياء، كما يزيد سواد الليل القمر نورا..

هذا الجمال الذي كان يبز الجميع، وهذا الشعر الذي يثير القريب والبعيد هو الذي توجني بلقب الأميرة، كنا ثلاث بنات، ثلاث أميرات، ولكني كنت الأميرة وهن الوصيفات..

نعم كنت الأميرة في بيت أبي، أو قصر أبي، لا أبالغ، ولا أكابر، فلم أكن أميرة لأن أمي تدللني، أو لأن أبي يحتفي بي، فأنا لا أعرف أمي، ماتت أمي، وأما أبي فكل ما أعرف عنه تلك الهالة التي كانت تحيطه حين يلج باب القصر، كان يركب فرسا جميلة، لونها لون الحناء عليها غرة بيضاء، يسوقها صاحب الطربوش الأحمر…

يستقبله فريق من الحراطين، وهم رجال سود البشرة، يخدمون أبي…

المزيد من المشاركات
1 من 46

أكتفي بهذا القدر من النفاق الاجتماعي، وأعبر صراحة عن صفة هؤلاء الحراطين، كانوا عبيد أبي، يشتريهم كما يشتري الخرفان، ويستعملهم كما يستعمل الحمير، وكذلك نفعل..

لا ينزل من حصانه إلا على ظهر أحدهم، والسعيد منهم من يناله سوطه، هذا ما يستحقون..

كانوا خبثاء ماكرين، إذا أرادوا أكل اللحم، ذهبوا إلى الذبيحة المخصوصة لنا نحن الشرفاء، ولمسوها بأيديهم، فكانت تحل لهم وتحرم علينا، تحل لهم بعد وجبة دسمة من السياط الدامية..

أذكر أبي مرة في الحجرة المجاورة لغرفتي، يختطها ذهابا وجيئة، منتفخة أوداجه يضرب يمناه بيسراه، ويضرب على الأرض كما تفعل الفرس الهوجاء، يلعن ويشتم ويردد “مينة حافيا”، ثم يقول كلاما لا تسمح الرقابة بنشره…

استدعي أبي إلى حفل افتتاح مدرسة جديدة أنشأها المقيم الفرنسي في قرية أبي، نعم كان أبي يملك القرية كاملة، مع بعض أعمامي، لأن أهل القرية الأمازيغ استضافوا أب جدي مولاي الطاهر الذي كان عالما شريفا من أبناء سيدنا الحسن السبط عليه السلام، أقاموا له زاوية ليقيم لهم فيها الصلاة ويعلم أبناءهم، وزوجوه بناتهم، وأغدقوا عليه من أموالهم، وأهدوه هذه التلة الشاسعة الخصبة التي أقام عليها جدي ثم أبي وأعمامي قريتنا هاته التي تسمى باسمنا.

حضر أبي الحفل واستقبل المعلمين والتلاميذ الجدد مع المقيم الفرنسي، وأخذ أحد المعلمين ينادي على الفوج الأول، على تلاميذ المدرسة الجدد، ويفاجأ أن الأقسام مختلطة، تجمع البنات والبنين، لم نكن في القصر يسمح لنا بلقاء الشباب، إلا ما كان من اختلاس للنظر من جانبنا أو من جانب الفتيان، كانت عين القرية هي الملتقى، وكان المسيد خاصا بالذكور دون الإناث.

ولكن الذي أغاظ أبي كثيرا لم يكن اختلاط الذكور بالإناث، وإنما اختلاط أبناء الشرفاء بأبناء الحراطين، لأن المسيد كان لا يحل للحراطين إلا كما يحل لهم اللحم الممسوس بأديهم…

مقالات أخرى للكاتب
1 من 7

والذي زاد الطين بلة هو ما لم تصدق أذن أبي سماعه؛ أمينة بدون لفظ التشريف “للا أمينة”، ظن في البداية أن المقصودة لم تكن أختي غير الشقيقة، وحتى أختي لا تعرف لها اسما إلا “للا أمينة”، فاضطر المعلم إلى تكرارها وتكرار النداء: أمينة، أمينة، أمينة….

لم يكتم أبي غيظه، ولم يفهم المقيم الفرنسي سبب غضب صديقه، كان أبي صديقه المقرب يسمران جميعا، هذا ما عرفته بعد اختفاء أبي…

كنت الأميرة لأنني كنت محاطة بالحشم والخدم، لا يرد لي طلب، آكل ما أشاء، وأركب من أشاء، كنت أركب ظهر “بْدا” وأفعل بها ما كان يفعل أبي بفرسه، حتى عجزَت عن حملي، اكتنزت باللحم، فكنت أركب “عْقا” زوج “بْدا”..

كنت آنذاك الأميرة، وبنات عمي الوصيفات، ثم اختفى أبي..

فأصبحنا الأميرات الثلاث، نسير في القرية، نتحرش بهذه، وبهذا، ولا يجرأ أحد على إخبار أعمامي بشيء من أفعالنا..

استيأس أعمامي من رجوع أبي، وزال الخوف الذي صاحبهم خمس سنين بعد غيابه، فحازوا نعاجي إلى نعاجهم، ولا سليمان لمسألتنا..

تجرعت الظلم لأول مرة في حياتي، وأنَّى لشريفة أن يمسها الظلم..

لا ترث الإناث في أرض الجموع، يختص بذلك الذكور، وخصوصيتنا كانت عروض الأزياء، ومسابقات الجمال، واستحداث اللهو، وتمثيل العرسان..

وكان أعمامي يحاولون التخلص من الأميرة الزائفة التي أصبحتُ، فواتتهم الفرصة عند قدوم الفقيه مولاي البركة..

إذ كان لا يجوز أن تتزوج الشريفة بغير سليل الشرفا، ومولاي البركة، كان فقيها فقيرا، جاء للشرط في مسجد قريتنا، ولكنه من عائلة بينها وبين عائلتنا عمومة..

تزوجني مولاي البركة، وخرج بي إلى المدينة، وتركت الخدم والحشم، فتسلطت على مولاي الفقيه، ونلت منه كما نلت من “بْدا” و”عْقا”..

كان همي أن أستعيد إمارتي، ولم أكن أتقن شيئا يذر علي، إلا تلك الألقاب التي كانت حديث الجميع، فصرت أبيع للناس البركات، وعرفت حرفة صناعة الأوهام، وركوب الآهات والهموم..

وامتطيت لذلك فقه مولاي البركة، وجلباب مولاي الفقيه، وأصبحت سمسار الخدمات الروحانية، أزعم بين يديه أنه يتقرب إلى الله بصناعة رقى لمرضى العين والحسد، وأقدمها لبنات الجيران على أنها مفاتيح الأرزاق ومراكب العرسان..

اجتمع حولي مجمع النساء، واسترجعت إمارتي وجعلت شعاري: “السَّبت سبِيت يْشو، والأحد ما نْمْسُو، واثْنين نْمْشي لْيْمَا، والثْلاتْ نْقيمْ تْمَا، والاَرْبْع نْرْجْع مْن تْمَا، والخْميس نْتْحْنا، والجمعة جماعة النْسا”

فرغم أنه لم تكن لي أما لأزورها أو أقيم عندها، ولكني كنت أستعد لوضع الحناء كل خميس، وأحتفل بمجمع النساء كل جمعة، وبين الجمعة والجمعة نساء أنا ضيفة في بيتي عندهن، هذه تكنس، وأخرى تعجن، وثالثة تعد الطعام، وأنا الأميرة…

تلعثم المشط بين خصلات شعري الذي تحول إلى حمرة تستر بياضه، ألتفت إلى اليد التي تحمل المشط فإذا هي يد سوداء، هل هي يد “بْدا”، أم “عْقا”، أرفع رأسي فإذا هو وجه مولاي البركة على غير الصفة التي أعرفها، يجرني من شعري، ويقول أحرقك الله كما أحرقتني…

أستيقظ فزعة من هذا الحلم المقلق المزعج، وألتفت يمنة ويسرة، ثم أقول لعنه الله، عجز عني في حياته، والآن ينتقم مني بعد مماته..

 

4 تعليقات
  1. أبو عمران يقول

    يا له من سفر في متاهات الكناية والإشارة، على ظهر جميل المعاني والعبارة!

  2. م.بوغابة يقول

    قصة رائعة في الوصف غزيرة المعاني بارك الله فيكم سيدي عبد المجيد ووفقكم الله للمزيد من الابداعات القصصية والمعرفية…ولكم منا اطيب التحيات.

  3. عزالدين يقول

    سرد مشوق وحبكة رائعة ، بوركت وبورك قلمك المرح …تابع تالقك

  4. سهيل يقول

    قصة رائعة أستاذي، الأميرة النائمة النسخة المغربية، نعم فقصة الأميرة النائمة قصة مشهورة للأطفال، لكنها قصة بعيدة عن المعاني السامية بل هي تضاد الأخلاق، ثم أعجبني كثيرا معالجة القصة لقضايا كثيرة تمس واقعنا بالأساس، وليست خيالا منقطعا عنه، كذلك الحس الكوميدي حاضر فيها، خلاصة الأمر أنها قصة رائعة جدا، دمت متألقا أستاذي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.