منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ولكن ابتسام مجاهد لا يبكيها أحد

ولكن ابتسام مجاهد لا يبكيها أحد / عبد الحليم زوبير

0

ولكن ابتسام مجاهد لا يبكيها أحد

عبد الحليم زوبير

حظيت قضية الطفل ريان -تقبله الله في عداد الشهداء وجعله فرطا وذخرا لوالديه- باهتمام مستحق، وشفى ذلك الاهتمام كثيرا من جراحات الأسرة وسائر المتابعين، ولا يسع أي إنسان سوي سوى الفرح بعد الحزن، أما الحزن فسببه الكابوس المرعب الذي ضاجعنا طيلة الليالي الخمس التي قضيناها جميعا مع ريان في تلك البئر الضيقة جدا، متابعة للبث المباشر من عين المكان حتى وقت متأخر من الليل حين يكون النوم ضروريا استعدادا لاستقبال يوم جديد للعمل، نوم تقطعه فترات من وساوس اليقظة وكوابيس النوم، تخيل إليك أحيانا أن خبرا سارا ينتظرك على الجزيرة مباشر، فلا تملك إلا أن تشعل الجهاز لتجد الأحداث لا تراوح مكانها، لا خبر مؤكد عن ريان.. وهكذا حتى قضى الله أمرا كان مفعولا.

ثم فرح عندما انهالت التعازي والتضامن بالصوت والصورة والقلم، فلا يكاد يحس أحدنا بإحساس يود التعبير عنه حتى يفاجأ بشخص آخر قد سبقه للتعبير عن ذلك الإحساس، على مختلف الوسائط والمنابر الإعلامية المتاحة، فكان ذلك الفيضان من التضامن المادي والمعنوي خير عزاء عن أيام وليالي الرعب، لقد استخلص الناس كثيرا من العبر، وعبروا عن معادن الخير المذخورة في الأمة الإسلامية وغيرها من الأمم الأخرى. ومهما كان وقع الحادث الذي ألم بأسرة ريان وسائر المتابعين فإنني أعتقد أن من يتألم كثيرا هم طائفة من الناس ذاقوا نفس البأس، وشربوا من نفس الكأس، وقد تابعت بعض المداخلات المتضامنة من القدس المحتلة وسائر فلسطين، فأحسست أن تعبيرهم مختلف، إن ألم ريان ليس وحده في قلوبهم، إنه يلهب آلاما قديمة في دواخلهم، إن ريان يعني لهم أطفالا كثيرين دفنوا تحت التراب، واليالي الخمس التي قضاها المغاربة والعالم مع ريان في الرعب تعني لهم سنوات كثيرة من الرعب الكبير..

وأعتقد جازما أن عائلة مجاهد في أقصى الجنوب الشرقي للمغرب عمالة طاطا، حيث قريتي التي عاشت قرابة شهر من الكوابيس المرعبة، حين فقدوا الطفلة النجيبة الهادئة ابتسام، ذات الأربعة عشر ربيعا وهي في طريقها إلى السوق، ليتوج البحث المضني من طرف السكان بأسبابهم البائسة، بالعثور على جثة ابتسام عائمة في واحة إيغان.. قلت أعتقد أن حادث ريان لن يمر على قلوبهم كما يمر على قلوب سائر الناس، سيتألمون لريان كما تألم الحجر فضلا عن البشر، ولكن ألمهم محتلف عن ألم الناس من جوه:

أولا: لأن ابنتهم بعد أن دفنت بقرابة 11 شهرا لم يتمكنوا من معرفة حقيقة ما وقع لابنتهم، وهم يتوقعون أن يكون الجاني جليسهم وهم لا يشعرون.

ثانيا: لأن السلطات المعنية لا تتواصل معهم بما يطمئن قلوبهم لسير أعمال البحث والتحقيق والكشف عن الحقيقة..

ثالثا: لأن التضامن المادي والمعنوي-وهم عالقون في أوحال الفقر المدقع والبؤس الشديد الذي زاده فقدان ابتسام وقعا شديدا- قد توقف عند بعض المبادرات المحلية التي قام بها سكان القرية والبلدان المجاورة بإمكاناتهم المتواضعة..

هل نستطيع -نحن أبناء القرية وفي القلب منا والدا ابتسام- نسيان هذا الألم والاستسلام للتفاؤل والفرح بالمشاعر الإنسانية التي سالت في قضية ريان؟ ماذا نفعل بالسحب الكثيفة من الإحساس بالإهمال منذ فقدت ابتسام، ولم يظهر حتى الآن ما يبدد ذلك الإحساس؟ هل نشكوا من ضياع دم ابتسام دون معاقبة الجاني؟  أم نحزن لهذه الأسرة البئيسة التي أضافت إلى شظف العيش قسوة الانتظار المشوب بالخوف من إهمال القضية مطلقا؟

إن أسرة ابتسام مجاهد لا تزال تنتظر خبرا عن سبب ما وقع لابنتها، وهي إلى هذا الانتظار تعالج لقمة العيش بصعوبة، فهل تجد هذه الأسرة جزءا ولو قليلا مما وجدته أسرة ريان؟ ليس حسدا لأسرة ريان الكريمة والمستحقة لكل ما حصلت عليه، ولكن لأن الطفولة واحدة كلها بريئة، والألم كله واحد كله صعب، والتضامن الرسمي والشعبي واحد وكله مرغوب.

حفظ الله أبنائنا من كل مكروه، وأعاد البسمة والفرحة لقلوب أسرة ابتسام وريان وسائر المكلومين، وإن القلب ليحزن والعين لتدمع ولا نقول إلا مايرضي الله، وإنا على فراقكم يا ريان وابتسام وسائر الأطفال الضحايا لمحزونون. ولا حولا ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.