منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ففروا إلى ا لله …

ففروا إلى ا لله .../ الدكتور وائل الزرد

0

ففروا إلى ا لله …

بقلم: الدكتور وائل الزرد من فلسطين

 

إنَّ الناظر في القرآن الكريم يجدُ أنَّ الله تعالى، أمَر عبادَه بألا يقفوا جامدين، بل عليهم أن يتحركوا لقضاء حاجاتهم، سواء كانت حاجات الدنيا أو الآخرة، فالعاجزُ لن تُمطر عليه السماءُ ذهبًا ولا فضة، غير أنَّ الذي يتحرك ضربًا في الأرض، يغدو خماصًا وهو حتمًا سيروح بِطانًا، وفي الحديث: “الكَّيسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ، مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، ثُمَّ تَمَنَّى عَلَى اللَّهِ”، وإن قومًا أمَّلوا أنفسهم وقالوا: نحنُ نُحسنُ الظن، فكذبتهُم الأيامُ وقالت: لَو أحسنتُم الظنَّ لأحسنتُم العمل.

وقد أمرَ اللهُ عبادَه في القرآن الكريم مستخدمًا أفعالَ الحركة، ليؤكدَ لنا جميعًا أننا ما خُلقنا عبثًا، وأننا لنْ نُتركَ سُدًى، وأنَّ الواجبَ على الإنسانِ أن يمضيَ في هذه الحياة كادحًا، ليصلَ إلى مرادِه، من نيلِ حسنةِ الدنيا والآخرة، فمرةً قال الله [فَامشُوا] ومرة قال الله [فَاسْعَوا] ومرة قال الله [سَابِقوا] ومرة قال الله [وسَارِعُوا] وأخيرًا قال الله [فَفِرُّوا] ولكل فعلٍ من هذه الأفعال استخدامٌ لا يجزي غيرُه عنه، فاللهُ هو اللطيفُ الخبير، العالمُ بمَن خَلَق.

فحين الحديث عن الضرب في الأرض، والبحث عن الرزق، أمَرَ اللهُ عبادَه بالمشي فقال {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} وحين الحديث وجوب اجابة نداءِ الجمعة قال {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} وعندما جاء الحديثُ عن الجنة والمغفرة، قال {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} و {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} أمَّا حين كان الحديثُ عن وجوب الوصول الله، والهجرة إلى جلالِه، قال {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ}.

نعم، فالجامدُ المُتوقعُ الخامل، لا يصنعُ حضارةً ولا يبني دولةً، ولا يستعيدُ مجدًا، بل يبقى عالةً على غيره، منتظرًا لصدقاتِ الناس، وأُعطياتِ المُحسنين، زاعمًا أنه من المُتوكلين، وما هو إلا واحدٌ من أولئكم المُتواكلين، الذي ارتضَوا مدَّ اليد بالسؤال، وما صانُوا ماءَ الحياءِ في وجوههم، وراحَ أحدُهم يسأل اللهَ الفردوسَ الأعلى وهو ما ركعَ لله ركعة، ولا وقفَ للهِ موقفَ عزٍّ وشرف، ولا سلكَ سبيلَ الدعوة، بل معروفٌ عنه: الكسلُ والبطالةُ والعجزُ والخمولُ.

إنَّ من الواجب علينا جميعًا أن نعيَ طبيعة الحياة جيدًا، وأن نورَّث هذا الفهم لأبنائنا، فـــــــ “الدنيا جُبلَت علَى كَدرٍ … وأنتَ تُريدُها صَفوًا مِن الأَقذَارِ وَالأكدَارِ” فلا مجالَ في هذه الحياةِ لمتكاسلٍ خائب، والدنيا لا تُوهبُ لغارقٍ في الأحلام، وكذلك الجنةُ لا يقتربُ من أعلاهَا إلا كلُّ ذي همةٍ، وعزيمةٍ، وإرادة، أما السَّاعُون لنيلِ رضا أرحمِ الراحمين، المتطلعونَ للوصولِ إلى درجةِ المُحبين، فلينظروا إلى مقالِ نبي الله موسى -عليه السلام- {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} وهذا درةُ تاجِ الأنبياء، وقرةُ عيونِ الرسل، نبينُّا محمدٌ -صلى الله عليه وسلم- يقول عنه ابن عباس: “كَانَ رسُولُ الله -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- أَجوَدَ الناسِ بِالخَير، وكَانَ أَجودَ مَا يَكونُ فِي رَمضانَ حَينَ يلقاهُ جبريلُ… فلَرسولُ اللهِ حِينَ يَلقاهُ جبريلُ أَجوَدُ بِالخيرِ مِنَ الرِّيحِ المُرسَلةِ” رواه البخاري: 4.

ففروا إلى الله وتعجلوا يرحمكم الله، فعما قليل سنرحل، فلم يبق إلا القليل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.