منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(9) سلوكيات اجتماعية زمن الجائحة في ميزان الشرع ” التنمر على المصابين والدعاء لغير المسلمين نموذجا|” فقهيات “كورونا”|

عثمان غفاري

0

في سياق عصيب اتسم بانتشار فيروس كورونا وإصابة كثير من الناس به، وتنامي حملات التهويل والتخويف من الإصابة بالعدوى وارتفاع أعداد الموتى، التي انبرى لها إعلام ذاعر فاجر، لم يجمع في خطابه بين العين القدرية التي تغرس اليقين في الله والتوكل عليه، والعين الشرعية التي تحث على الأخذ بالأسباب باعتماد التدابير الاحترازية الوقائية،  وواقع صحي مختل وضعيف، عجز عن مسايرة الأعداد المهولة للمصابين، قلت في ظل هذا السياق  انتشرت بعض السلوكيات الاجتماعية من قبيل التنمر على المصابين، و التحرز من الدعاء للمصابين بالوباء من غير المسلمين، ونفور كثير من المسلمين من اللجوء إلى الأطباء المختصين، وإثارة العمل بالرقية الشرعية والتداوي بالطرق التقليدية.

فما حكم الدعاء لغير المسلمين بالشفاء من جهة؟  وما حكم التنمُّر والاشمئزاز من المصابين بالكورونا وذويهم؟ وأخيرا هل تصح الرقية الشرعية من الوباء؟

وجوابا على السؤال صدرت فتوى عن المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث بحكم تعامل المسلمين من غير المسلمين في بلدان المهجر، جاء فيها:  “لدى بعض المسلمين تصوّر خاطئ مفاده أنّ التعامل بأخلاق الإسلام يكون بين المسلمين فقط، وهذا مخالف للفهم الإسلامي الصحيح؛ لأنّ أخلاق الإسلام تطبّق مع الناس كلّهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “وخالق الناس بخلق حسن“، رواه الترمذي، والتعامل الإنساني من الدعاء لغير المسلمين والرحمة بهم ومساعدتهم بشتّى الصور هو تعامل مشروع، بل مأجور عليه من الله تعالى إن شاء الله، والدعاء نوع من أنواع البرّ، ونحن مأمورون به، بنص كتاب الله وسنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقد اتفق العلماء على جواز الدعاء لغير المسلمين بالصحة لأبدانهم والشفاء لأمراضهم، فعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه“؛ رواه البخاري ومسلم، والمراد هو الأخوة العامة التي تشمل المسلم وغير المسلم، فكما يحب المسلم الصحة والشفاء لنفسه يحبها لأخيه غير المسلم، جاء في دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين:  وقال ابن العماد: “الأولى أن يحمل على عموم الأخوة، حتى يشمل الكافر فيحبّ لأخيه الكافر ما يحبُّ لنفسه”.

أما بخصوص السؤال الثاني المتعلق بالتنمر على المصابين فأفتى المجلس بأنه: ” لا يجوز شرعًا التنمُّر أو الاشمئزاز من شخص مصاب بالكورونا أو بأيّ بلية أخرى، والمصاب ببلية من البلايا ما هو إلا مبتلى أو مكروب، فإن رأيت وقد عافاك الله من هذه البلية فما عليك إلّا أن تحمد الله تعالى، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “مَنْ رَأَى صَاحِبَ بَلاءٍ فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلاكَ بِهِ ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا إِلا عُوفِيَ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَاءِ كَائِنًا مَا كَانَ مَا عَاشَ” رواه الترمذي بسند حسن. وقد يكون المبتلى أعلى منزلة عند الله من المعافى كما ورد في الحديث : قال صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنْ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ – لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ – ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ ، ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يُبْلِغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى)  رواه أبو داود بسند صحيح، فمن استطاع أن يعين المبتلى، وأن يخفف عن المريض، وأن يساعد كبار السن  فلا يقصر في المسارعة إليها، لأنّ هذا مما يجعله محبوبًا عند الله تعالى؛ روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس” حديث حسن. وهناك فرق بين التوقَّي المطلوب عند نازلة الوباء في مجال مخالطة الناس وتغير سلوك المرء تجاه الرجل المصاب، فالطبيب الذي يعالج مثل هذا المريض يتّخذ الإجراءات الوقائية كلّها عندما يقترب من المريض للفحص والعلاج، لكنّه لا يستقبحه ولا يتسّخط عليه، وهكذا يجب أن يكون سلوك المرء تجاه المصاب، فهو إن لم يستطع مساعدته، فعلى الأقل يدعو له بالشفاء ويخاطبه بلطف وإكرام، ويدخل عليه السرور ولو ببسط الوجه وانشراح الصدر عند اللقاء.

وبالنظر إلى من يرى التداوي بالرقية الشرعية وجب الإشارة إلى أن: ” ما يسمّى “الرقية الشرعيّة”  قد لوَّثته تقاليد وممارسات ليست شرعيّة، بل هي مضادّة للشرع ومقاصده، فليحذر الناس من مثل هذه الرقى أشد الحذر، ويتجنّبوا الاختلاف إلى الراقين والعزّامين الذين أفسدوا دين الله تعالى، واستغلوا عقول الضعفاء وظروف المبتلين أسوأ استغلال، والطريقة الصحيحة في الوباء بل في الأمراض بصفة عامّة هي اتباع الإجراءات المعتادة في ضوء إرشادات الأطباء المتخصّصين فيها، فيتحتّم على المسلمين وغيرهم من سائر البشر في هذا الوباء المتفشي الآن أن يتقيّدوا بإرشادات خبراء الصحة وتعاليم الحكومات المسؤولة عن رعاية شؤون مواطنيها، والرقية الشرعيّة دعاء وتضرع إلى الله بالشفاء، والأصل فيها أن يقوم بها الإنسان لنفسه خاصة في أوقات الأوبئة والطواعين” والله أعلم

المزيد من المشاركات
1 من 47
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.